قلت: أرأيت الرجل يريد أن يشتري دارًا ويخاف أن يأخذها جارها بالشفعة فكرة أن يمنعه من ذلك فيظلمه، وكره أن يعطيه الدار فيدخل عليه ما يكره، هل عندك في ذلك حيلة؟ قال نعم، يتصدق البائع على المشتري ببيت من الدار بطريقه، ثم يشتري منه ما بقي من الدار فلا يكون للشفيع فيها شفعة، قلت أرأيت إن أحلفه القاضي ما دالست ولا والست؟ قال يحلف وهو صادق، قلت وكيف يصدق وإنما تصدق عليه المشتري؟ قال لأنه إنما فر من أن يظلم الشفيع حقه فصنع ما وصفت، فسألت أبا يوسف عن الرجل يريد أن يشتري الدار بألف درهم فخاف أن يأخذها جارها بالشفعة فاشتراها بألف دينار ثم
[ ٨٤ ]
أعطاه بالألف دينار ألف درهم؟ قال ذلك جائز، قلت أرأيت إن أحلفه القاضي ما دالست ولا والست قال يحلف وهو صادق، قلت فهل في الشفعة حيلة غير ما وصفت؟ قال نعم، يهب البائع للمشتري الدار بحدودها ويدفعها إليه ويعوضه المشتري ألف درهم، فلا يكون للشفيع فيها شفعة، قلت أرأيت إن جاء الشفيع وقد اشترى المشتري الدار ولم يحتل في الشفعة بشيء فأراد الشفيع أخذ الدار فقال المشتري إن شئت أن أوليك هذا الدار فعلت، فقال الشفيع فإني أحب ذلك، فقال المشتري لست أفعل وقد سلمت إليَّ الدار بطلبتك إليَّ أن أوليك الدار، قال هذا كما قال المشتري وقد سلم الشفيع الشفعة بما طلب أن يوليه وهذا بمنزلة المساومة ولا شفعة في الدار، قلت أرأيت إن لم يقل ذلك للمشتري ولكن المشتري أرسل إلى الشفيع بذلك فقال الشفيع للرسول مثل ما وصفت لك؟ قال هو أيضًا إبطال للشفعة، قلت أرأيت إن كره المشتري الخصومة وأحب أن لا يخاصم جاره، هل في ذلك حيلة؟ قال نعم يأمر رجلًا فيتولى الصدقة والشرى على ما وصفت لك من الأمر ويوكله الآمر بقبض ما تصدق به عليه فيشتري الوكيل فيقبض ذلك ويعامله ويظهر ذلك الوكيل ويتغيب الآمر ويشهد أن الدار للآمر وأنه لا حق له فيها، قلت فإن جاء الشفيع يطلب من الذي في يده الدار حقه بشفعته؟ قال ليس له ذلك، قلت أرأيت إن كان الشرى صحيحًا ليس فيه صدقة وسلم الشفيع غير أن المشتري خاف أن يبدو له فيطلب الشفعة ويجحد التسليم، هل في ذلك حيلة؟ قال نعم، يبيع الدار من رجل غريب لا يُعرف، ويغيب المشتري ويوكل البائع بالاحتفاظ بها، ويُشهد من يثق به في السر أن الدار للبائع وأن الشرى كان باطلًا، قلت أرأيت إن كان إنما باع الدار بعدما خاصمه الشفيع في شفعته فأقام البينة؟ قال ذلك لا يبطل الشفعة وهو على شفعته يأخذها بها.
وقال أبو يوسف بعد ذلك في رجل اشترى دارًا وقبضها ثم باعها هذا المشتري من رجل بينة وقبضها هذا المشتري الثاني ثم دفعها إلى البائع الذي
[ ٨٥ ]
باعها منه بوكالة بإجارة وأشهد له على ذلك شهودًا وغاب ثم جاء رجل يخاصم هذا البائع الذي في يده الدار في شفعة الدار بالبيع الأول واستحق الدار ببينته؟ قال أجعله خصمًا ولا يدفع عنه الخصومة إقامة البينة أنه قد باع، لأني لو قضيت بأن الغائب اشترى وقبض ودفعها بوكالة أو بإجارة كنت قد قضيت على الغائب بالشرى وألزمته ذلك وهو غائب، وهذا قبيح لا يستقيم.
وقال أبو يوسف إن اشترى هذه الدار رجل ثم باعها من رجل وقبضها المشتري ثم وكل بها غير البائع ببينة لم يكن الوكيل خصمًا لأحد في شفعة ولا استحقاق ولا غير ذلك.
قلت: أرأيت الرجل يشتري الدار فلا يجب أن تؤخذ منه بالشفعة فوصفت له ما وصفت من الصدقة بالبيت والطريق ويشتري بعد ذلك ما بقي من الدار فخاف أن يستحلف ما دالست ولا والست، فقلت إنه يحلف ولا يضره لأنه صادق إنما فر من الظلم، فصنع ما صنع لذلك فإن أبي أن يجسر على اليمين فهل تجد له حيلة حتى لا يكون عليه يمين ولا تؤخذ منه بالشفعة؟ قال نعم، يشتريها لولد له صغير بضعف ثمن الدار دراهم وينقده بالثمن دنانير يغلي له البائع فيها فلا يكون عليه يمين لأنه لو أراد اليمين وقد قامت البينة على الثمن الذي به اشترى الدار لم أصدقه على إبطال حق ابنه الصغير وقد قامت له البينة على أصل الثمن، قلت أرأيت إن لم يكن له ولد صغير، هل في هذا حيلة؟ قال نعم، يوكله رجل باشتراء هذه الدار بثمن مسمى ثم يشتريها الوكيل بذلك الثمن وهو ضعف ما تساوي ويبيعه بالثمن عروضًا أو يعطيه به دنانير يغلي له فيها البائع، قلت فإذا فعل هذا لم يلزمه يمين؟ قال لا يلزمه اليمين إذا قامت البينة على أن الغائب وكله وأنه اشتراها بهذا الثمن المسمى.
قلت: أرأيت رجلًا ادعى في دار في يد رجل دعوى وهو يعلم أن المدعي مبطل غير أن المدعي أحب أن يستحلفه متعنتًا وليس للمدعي بينة على دعواه فأحب الذي في يده الدار أن لا يكون عليه يمين، هل في هذا حيلة؟ قال
[ ٨٦ ]
نعم، يقر أن هذه الدار لابن له صغير، فإن كانت للمدعي بينة فهي له وإلا فلا يمين على الأب لأنه لو أقر بها للمدعي بعد إقراره بها لابنه لم يصدق ولم يؤخذ منه الدار بإقراره.
قلت: أرأيت رجلًا أراد أن يشتري دارًا من رجل بعشرة آلاف درهم فإن أخذ الشفيع الدار أخذها بعشرين ألف فإذا استحقت لم يرجع المشتري على البائع إلا بعشرة آلاف درهم، هل عندك في ذلك حيلة؟ قال نعم، يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين درهمًا وينقده دينارًا بما بقي من العشرين ألف درهم، فإن جاء الشفيع يطلب هذه الدار بشفعته أخذها بعشرين ألف درهم، وإلا فلا سبيل له على الدار، وإن استحق رجل هذه الدار رجع المشتري على البائع بما دفع إليه بالتسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين درهمًا ودينار، قلت ولم لا يرجع عليه بعشرين ألف درهم قال لأن البيع حيث استُحق ونُقض انتقض الصرف في الدينار، قلت أرأيت إن لم يستحق هذه الدار ولكن المشتري وجد بها عيبًا فأراد ردها على البائع بكم يردها عليه؟ قال بعشرين ألف درهم.
قلت: أرأيت الرجل يشتري الدار لغيره ويكتب في الشرى وقد نقد فلان فلانًا الثمن كله وبرئ إليه منه وافيًا من مال فلان الآمر هل يضر هذا البائع؟ قال نعم، أخاف أن يجيء الآمر فيقول أخذت مالي ولم آمر فلانًا أن يشتري شيئًا منك بمالي، فيأخذ منه المال الذي أقر بقبضه من المشتري، قلت فإن ترك المشتري هذا الموضع في كتاب الشرى فكتب وقد نقد فلان فلانًا الثمن كله وافيًا ولم يذكر أنه من مال فلان الغائب؟ قال هذا ليس فيه ثقة للغائب، قلت وكذلك إن خاف أن يأخذه المشتري بالنقد فيقول نقدت عنك من مالي فأنا أرجع بذلك عليك؟ قال إذًا يكون للوكيل، قلت كيف الحيلة في هذا حتى لا يكون فيه ضرر على البائع ولا على الآمر بالشرى الغائب؟ قال يكتب: وقد نقد فلان فلانًا الثمن كله وافيًا، ولا يكتب من مال من هو، فإذا ختم الشهود
[ ٨٧ ]
وشهدوا على الشرى وقبض الثمن أقر المشتري بعد ذلك أن ما نقد من الثمن إنما هو من مال الآمر، فهذا عدل بينهم وهو ثقة للغائب الآمر بالشرى والبائع الحاضر إذا شهدت على ذلك الشهود.
قلت: أرأيت لو كان مكان الدينار ثوب أو دار أو عبد أو عرض من العروض أكان ذلك يكون صحيحًا مستقيمًا على ما يستقيم في الدينار؟ قال لا، ولكن لو كان مكان الدينار عرض فاستحقت الدار رجع المشتري على البائع بعشرين ألف درهم؛ ألا ترى أن رجلًا لو ادعى أن له على رجل مائة درهم فباعه بذلك دينارًا ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه شيء رد الطالب على المطلوب دينارًا، ولو كان المطلوب باع الطالب بالمائة درهم عرضًا من العروض ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه شيء رجع الطالب على المطلوب بمائة درهم.