قلت: أرأيت رجلًا له على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه في هلال شهر كذا من سنة كذا فإن هو لم يفعل فعليه مائتا درهم؟ قال ذلك جائز عندنا وهو جائز في قول أبي يوسف، قلت فهل يبطل هذا الصلح غيركم؟ قال نعم، قلت فكيف الحيلة في ذلك حتى يكون هذا في قولكم وفي قول غيركم ولا يفسدونه؟ قال يعجل رب المال حط ثماني مائة لأنه قد حطها على كل حال فإذا هو حط الثماني مائة صالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة درهم يؤديها ما بينه وبين هلال شهر كذا وكذا من سنة كذا على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما، قلت فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول كل أحد؟ قال نعم ليس يبطل هذا الصلح والشرط أحد.
قلت أرأيت رجلًا أراد أن يكاتب عبدًا له على ألف درهم على أن يؤديها إليه في سنة فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فكاتبه على هذه الصفة هل يجوز ذلك؟ قال لا، قلت فكيف يستوثق حتى يكون ذلك جائزًا؟ قال يكاتب عبده على ألفي درهم ويكتب بذلك كتابًا ثم إنه بعد ذلك يصالح عبده مما كاتب عليه على ألف يؤديها إليه في سنة فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، قلت فإذا فعل هذا فقد استوثق السيد من العبد واستوثق المكاتب من السيد؟ قال نعم،
[ ٣٠ ]
قلت أرأيت إن كان السيد قد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنة فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجله له أيجوز ذلك؟ قال نعم ذلك جائز عندنا ولست آمن أن يبطل ذلك غيرنا، قلت فهل في ذلك حيلة حتى يجوز في قولكم وقول غيركم؟ قال نعم، يأخذ السيد من المكاتب بجميع ما له عليه ثلاثين دينارًا، أو يأخذ به منه عروضًا من البر أو غير ذلك ويغلى في ثمنه، قلت فإذا فعل ذلك جاز في قولكم وقول غيركم؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا اشترى من رجل دارًا بألف درهم فجاء الشفيع يطلب الدار بالشفعة فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن فهل يجوز ذلك؟ قال نعم، قلت فإن صالحه على بيت من الدار بعينه بحصته من الثمن قال لا يجوز ذلك لأنه صالحه على شيء مجهول لأن حصة البيت من الثمن لا تعرف إلا بالظن والحرز، قلت أرأيت إن أرادا أن يستوثقا جميعًا ويسلم البيت للشفيع ويسلم ما بقي من الدار للمشتري كيف التوثق في ذلك؟ قال يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمى ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، قلت أرأيت إن اشترى منه هذا البيت أليس ذلك منه تسليمًا لجميع الدار؟ قال بلى، نعم ومساومته إياه تسليم منه للشفعة، قلت فكيف الحيلة حتى يأخذ منه البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلمًا للشفعة حتى يجب؟ قال يبدأ المشتري فيقول للشفيع يا فلان هذا البيت لك بكذا وكذا درهمًا، فيقول الشفيع قد رضيت واستوجبت، قلت فإذا فعل ذلك فقد وجب له البيع وسلمت شفعته لبقية الدار للمشتري؟ قال نعم.
قلت: أرأيت رجلًا ادعى على رجل دعوى من قبل ميراث أو غير ذلك فصالحه المدعى عليه من دعواه على دراهم ولم يقر الذي في يده الدار بما ادعى المدعي؟ قال ذلك جائز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد كان بعض الفقهاء يبطل كل صلح ليس فيه إقرار بدعوى المدعي، قلت فكيف يستوثق الذي في يده الدار حتى يبرأ من دعوى هذا المدعي ولا يقر له بشيء
[ ٣١ ]
من دعواه لأنه يخاف أن يقر بشيء فيجيء شريك هذا المدعي فيأخذ الذي في يده الدار بإقراره أو يخاف الذي في يده الدار أن يكون المدعي قد باع نصيبه من هذه الدار من رجل وأشهد على نفسه بذلك ثم يصالحه بعد ذلك وبعدما يقر له بحقه وبدعواه فيجيء المشتري فيأخذ الذي في يده الدار حتى يسلم ما أقر به من الدار لأنه قد اشتراه قبل الصلح؟ قال الثقة في ذلك أن يصالح عن الذي في يده الدار رجل أجنبي ويقر له الأجنبي بما ادعى من الدار ويكتب عليه بذلك كتابًا ويضمن المصالح ما أدرك الذي في يده الدار من درك فيها صالحه عليه، قلت أرأيت إن صالح هذا الأجنبي عن الذي في يده الدار المدعي من دعواه في هذه الدار وهو النصف من جميع الدار على مائة درهم بعد الإقرار من الأجنبي بدعوى المدعي ثم استحق بعد ذلك نصف الدار هل يرجع هذا الأجنبي الذي صالح عن الذي في يده الدار على المدعي بشيء؟ قال لا، قلت وكذلك لو استحق ثلث الدار أو ربعها لم يرجع الأجنبي المصالح على المدعي من المائة درهم بشيء؟ قال لا يرجع عليه بشيء، قلت فهل في هذا حيلة حتى لا يستحق من الدار شيء إلا رجع المصالح من المائة درهم بقدر ما استحق؟ قال نعم، يقر المدعي أن له نصف هذه الدار وأن لفلان الذي في يده الدار النصف الباقي ويصالحه على هذا الإقرار ويكتب هذا الإقرار في كتاب الصلح، قلت فإذا كتب هذا على ما وصفته ثم استحق من الدار نصفها أيرجع الأجنبي المصالح على المدعي بشيء؟ قال يرجع عليه بنصف المائة، قلت فإذا استحق ربع الدار رجع المصالح على المدعي بربع المائة قال نعم، قلت أرأيت الأجنبي لو أنه كان صالح المدعي من دعواه نصف هذه الدار على مائة درهم بعد إقرار الأجنبي بدعوى المدعي ولم يقر المدعي في الكتاب أن للذي في يده الدار النصف الباقي فاستحق بعد ذلك ثلاثة أخماس الدار هل يرجع المصالح على المدعي بشيء من المائة؟ قال نعم يرجع عليه بخمس المائة، قلت فإن استُحق الثلثان؟ قال يرجع عليه بثلث
[ ٣٢ ]
المائة التي أخذها المدعي، قلت فإن استحق النصف أو أقل من النصف ولم يقر المدعي أن للذي في يده الدار من الدار شيئًا حيث صالحه الآخر لم يرجع الأجنبي المصالح على المدعي بشيء قال لا يرجع حتى يكون ما استحق من الدار أكثر من النصف، قلت أرأيت إن كانت هذه الدار في يد رجل فمات وتركها في يد ابنه وامرأته فادعى رجل هذه الدار أنها له فصالح ابن الميت وامرأته هذا المدعي على غير إقرار منهما على مائة درهم ودفعاها إليه كيف يكون المائة ما يلزم الابن منها وما يلزم المرأة؟ قال يلزم المرأة الثمن من هذه المائة درهم إذا كان الصلح من غير إقرار منهما ويكون الدار بين الابن والمرأة على ميراثهما من الميت، قلت أرأيت إن كانا صالحاه بعد إقرار منهما وأراد بالإقرار تصحيح الصلح فصالحاه على مائة درهم كم على المرأة وكم على الابن من هذه المائة درهم؟ قال المائة درهم في هذه الحال على المرأة وعلى الابن نصفان والدار بين المرأة والابن نصفان لأنهما حيث أقرا للمدعي بالدار في الصلح فصالحاه بعد الإقرار فكأنهما اشتريا الدار منه لأنفسهما، قلت كيف الحيلة حتى يكون الدار بين المرأة والابن على ميراثهما من الميت ويكون غرم المائة عليهما على قدر ذلك؟ قال يصالح على الابن والمرأة هذا المدعي رجل أجنبي على ما سميت من الدراهم بعد إقراره للمدعي بالدار على أن يسلم للمرأة ثمن جميع الدار وعلى أن يسلم للابن سبعة أثمان الدار، فإذا صالحه على ما سميت كان ذلك ثقة وكانت الدار بين المرأة والابن على مواريثهما من الميت.
قلت أرأيت رجلًا مات وترك دنانير ودراهم وعروضًا فأراد ورثة الزوج أن يصالحوا المرأة من ميراثها من زوجها على دراهم مسماة، وما ترك الميت من الدراهم لا يدري ما وزنها؟ قال لا يجوز الصلح، قلت وكذلك لو صالحوها على دنانير ولا يدري ما وزنها؟ قال نعم، قلت أرأيت إن صالحوها من جميع ما يصيبها من الذهب والفضة والعروض على دينار واحد ودرهم واحد أيجوز
[ ٣٣ ]
ذلك؟ قال نعم، قلت وكذلك لو صالحوها على ثوب بعينه ودفعوه إليها قال نعم، قلت أرأيت إن صالحوها من جميع ما سمينا من تركة الميت من المتاع والمال العين والدين على دينار ودرهم وعلى ثوب أيجوز ذلك قال لا، قلت فكيف الحيلة في ذلك حتى يسلم الدين للورثة ويجوز الصلح وتخرج منه المرأة؟ قال يعجل للمرأة حصتها من الدين يقرضونها إياه وتوكلهم بتقاضي الدين ويصالحونها من المال العين والمتاع على ثوب أو على دينار ودرهم فيجوز ذلك كله، قلت أرأيت إن لم يقرضوا المرأة حصتها من الدين ولكن أقرت لهم المرأة أن الدين كان لسائر الورثة من ثمن متاع كان لهم فباعه الميت لهم بإذنهم وصالحوها مما ترك الميت من العروض والعقار والمال الصامت على ما سمينا أيجوز ذلك؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا ادعى في دار لرجل دعوى فصالح رب الدار المدعي من دعواه على عبد فوجد المدعي بالعبد عيبًا قال يرده ويكون على دعواه وحجته، قلت أرأيت إن أراد رب الدار أن يستوثق من المدعي حتى لا يرجع عليه بشيء ولا يرد عليه العبد كيف يستوثق؟ قال يصالح على هذا العبد الذي ذكرت ثم يقر المدعي أنه قبض العبد وأنه بعدما قبضه قد تصدق به على رجل ودفعه إليه وخرج من يده، قلت فإذا فعل هذا لم يكن للمدعي أن يرد العبد ولا يبطل الصلح؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا ادعى في دار لرجل دعوى فصالحه رب الدار على مائة ذراع من الدار قال ذلك جائز قلت فإن صالحه على مائة ذراع من دار له أخرى قال كان أبو حنيفة يقول لا يجوز ذلك ولا يشبه هذا الباب الأول، وكان أبو يوسف يقول هو جائز، قلت فكيف يستوثق رب الدار حتى يسلم المائة ذراع للمدعي ويجوز الصلح؟ قال يذرع الدار التي يأخذ المدعي منها مائة ذراع فإذا ذرعت فبلغت ألف ذراع صالح رب الدار المدعي من دعواه على عشر الدار الأخرى، قلت أرأيت إن كان حيث ذرعت فبلغ ذرعها خمسمائة؟ قال فإن
[ ٣٤ ]
كانت خمسمائة صالحة من دعواه على خمس الدار لأن خمس الدار يكون مائة ذراع، قلت وكذلك لو أن رجلًا اشترى مائة ذراع من دار يجعل ذراع الدار سهامًا ثم يشتري بقدر مائة ذراع من السهام على ما وصفت؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا ادعى قبل رجل دعوى فصالحه المطلوب على دار له ببلد أخرى أو على ضيعة ولم يرها المدعي أيكون للمدعي الخيار إذا رأى الدار والضيعة؟ قال نعم هو بالخيار إن شاء أخذها وأمضى الصلح، وإن شاء ردها وكان على دعواه وحقه، قلت فكيف يستوثق المطلوب على المدعي حتى لا يكون له أن يردها ولا يرجع عليه بشيء؟ قال يقر المدعي أنه قد قبض هذه الدار أو هذه الضيعة وتصدق بها على بعض ولده أو على أجنبي ودفعها إليه، قلت أرأيت رجلًا أوصى بخدمة عبد له لرجل سنة فأراد الوارث أن يشترى من الموصي له وصيته في العبد أيجوز ذلك قال لا قلت فكيف الثقة في ذلك والحيلة حتى يجوز؟ قال يصالح الوارث الموصى له من الوصية في العبد على دراهم مسماة فيجوز ذلك، قلت وكذلك لو أوصى له بما في بطن أمة للميت فاشترى ابن الميت من الموصي له ما أوصى له بدراهم مسماة لم يجز الشرى في ذلك؛ وإن صالحه ابن الميت من وصيته على شيء مسمى فإن ذلك جائز؟ قال نعم.