قال: حدثنا قيس بن الربيع عن حماد عن إبراهيم أنه سئل عن رجل شج رجلًا شجة موضحة فطلب إليه فعفا عنه ثم مات بعد ذلك من تلك الشجة؟ قال يضمن الشاج الدية لأنه إنما عفا عن الشجة ولم يعف عن الدية، قال حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة بمثله، وقال حدثنا أبو يوسف إذا عفا عن الشجة ولم يعف عن الدية فهو مثل عفوه عن الشجة وما يحدث فيها، قال أخبرنا هشيم عن عبد الله الكوفي عن الشعبي عن شريح أنه أوَّل في عبد شج رجلًا ثم شجه أخرى آخر فقضى به للأول ثم قضى به للثالث إلا أن الثاني أيضًا.
قلت: أرأيت الرجل يشج الرجل وصالح المشجوج الشاج من الشجة على عرض من العروض ثم مات المشجوج منها؟ قال يبطل الصلح وعلى الضارب الدية في ماله إن كان عمدًا، وعلى عاقلته إن كان خطأ، قلت أرأيت
[ ٨٨ ]
إن كان الضارب إنما صالحه من الشجة وما يحدث فيها على هذا العرض الذي ذكرناه ثم مات المضروب؟ قال إن كان الضرب بحديدة عمدًا فالصلح جائز، فإن كان خطأ فعاقلة الضارب يدفع عنه من الدية بقدر قيمة الذي أخذ المشجوج وثلث ما بقي من الدية إن لم يكن للمشجوج مال، قلت ومن أين أفترق الخطأ والعمد؟ قال ألا ترى أن رجلًا لو ضرب رجلًا بحديدة عمدًا فعفا المضروب عن الضربة وما يحدث فيها والمضروب مريض أن ذلك جائز لأنه لم يدع له مالًا وإنما ترك له قصاصًا، ولو عفا له عن ضربة خطأ وما يحدث فيها وهو مريض ثم مات لم يجز للعاقلة من ذلك إلا الثلث لأنه إنما ترك له مالًا، قلت أرأيت إن كانت الضربة خطأ فعفا المريض في مرضه عن الضربة وما يحدث فيها وللمريض مال كثير يخرج الدية من الثلث أيجوز ذلك؟ قال نعم، قلت وكذلك لو صالحه الضارب من جنايته وما يحدث فيها على دراهم يسيرة جاز إذا كان له مال؟ قال نعم، قلت أرأيت إن صالحه الضارب على دراهم يسيرة وللمريض مال كثير يخرج الدية من ثلثه ثم مات المضروب من مرضه فقال الورثة لم يدع الميت مالًا وقد حاباك وترك لك ما لا يجوز تركه لك؟ قال القول قول الورثة، ويرجعون على عاقلة الضارب بثلثي الدية بعدما رفع من ذلك ما أخذ الميت في الصلح، قلت وكيف الثقة للضارب حتى لا يكون لورثة الميت عليه شيء بعد الموت في قليل ولا في كثير من الدية؟ قال يصالح الضارب المضروب على ما ذكرت في السر ثم يشهد المضروب على نفسه بإقراره أن فلانًا لم يضربه هذه الضربة التي به وأن غيره هو الضارب، فإن أشهد بذلك على نفسه ثم مات لم يكن للورثة أن يبطلوا شيئًا من هذه المقالة ولا يقبل قولهم ولا بينتهم على هذا الرجل أنه قاتله لأن المريض قد كذب في حياته هذه البينة، قلت وكذلك لو ادعى رجل مالًا فصالح المطلوب الطالب من المال الذي ادعاه وله البينة به على دراهم يسيرة في مرض الطالب وأشهد المطلوب على إقرار الطالب بأنه لم يكن له على هذا المطلوب شيء قط جاز
[ ٨٩ ]
ذلك في القضاء ولم يكن لورثة الطالب على المطلوب حجة ولا سبيل بعد الموت ولا يقبل لهم بينة؟ قال نعم.
قلت: أرأيت رجلًا اشترى من رجل جارية وقبضها المشتري فوجد بها عيبًا ولم ينقد الثمن فصالح البائع من العيب على أن قبل جاريته بأقل من الثمن الذي باعها به وقد أقر أن العيب كأن لم يحدث؟ قال لا يجوز ذلك، قلت أرأيت إن كان قد حدث بالجارية عند المشتري عيب؟ قال ذلك إذًا جائز، ألا ترى أن للبائع إذا حدث بالجارية عند المشتري عيب أن يشتريها بأقل من الثمن الذي باعها به وإن كان لم يقبض الثمن، فكذلك الصلح، قلت أرأيت إن كانت الجارية قد خرجت من يد المشتري ثم وجد بالجارية عيبًا فصالح الذي في يديه الجارية الذي باع الجارية على أن قبل الجارية بدون الثمن الذي اشتريت به منه على أن يجعل هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاء من ما له على مشتري الجارية منه؟ قال ذلك جائز، ألا ترى لو أن رجلًا اشترى جارية بمائة دينار نسيئة فوهبها المشتري بعدما قبضها لرجل كان للبائع أن يشتري الجارية بخمسين دينارًا نقدًا من الموهوب له، فكذلك الصلح يجوز فيما يجوز البيع فيه.
قلت: هذا آخر كتاب الحيل الذي يسمى المخارج عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ﵀.
[ ٩٠ ]