امرأة حامل تريد أن تهب مهرها لزوجها على أنها إن ماتت في نفاسها كان الزوج بريئًا من المهر، وإن سلمت عاد المهر على زوجها، فإنه ينبغي لها أن تشتري من الزوج ثوبًا لم تره بأن كان في منديل فتشتريه بجميع مهرها أو نصفه، فإن ماتت في نفاسها برئ الزوج، وإن سلمت من علتها ردت الثوب بخيار الرؤية وعاد المهر على زوجها، وهذا يستقيم إذا بقي الثوب على حاله لأن الرد بخيار الرؤية غير موقت، وبه ينفسخ العقد من الأصل، فيعود المهر عليه كما كان، ولكن الثوب قد يتعيب عندها أو يهلك فيتعذر رده، فالسبيل أن تشتري الثوب وتشهد على ذلك نم غير أن تقبضه من الزوج، حتى لا يتعذر عليها الرد إذا سلمت بوجه من الوجوه.
[ ١٣٢ ]
رجل أمر رجلًا أن يشتري دارًا بألف درهم وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر منه بألف ومائة، فخاف المأمور إن اشتراها أن يبدو للآمر [في] شرائها؟ قال يشتري الدار على أنه بالخيار ثلاثة أيام فيها ويقبضها ثم يأتيه الآمر فيقول له قد أخذتها منك بألف ومائة فيقول المأمور هي لك بذلك.
وقوله "يقبضها" على أصل محمد، ﵀، فأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، لا حاجة إلى هذا الشرط لجواز التصرف في العقار قبل القبض عندهما، والمشتري بشرط الخيار يتمكن من التصرف في المشتري بالاتفاق، وإن اختلفوا أنه هل ملكه مع شرط الخيار أم لا، فإنما قال: الآمر يبدأ فيقول أخذتها منك بألف ومائة لأن المأمور لو بدأ فقال بعتها منك ربما لا يرغب في شرائها ويسقط خيار المأمور بذلك، فكان الاحتياط في أن يبدأ الآمر حتى إذا قال المأمور هي لك بذلك تم البيع بينهما، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار فيندفع الضرر عنه بذلك.
رجل حلف بعتق كل مملوك يملكه إلى ثلاثين سنة وعليه كفارة ظهار فأراد أن يعتق ويجوز عن ظهاره؟ قال يقول لرجل أعتق عبدك عني على ألف درهم فإذا فعل ذلك جاز ذلك عنه، لأن الملك هنا وإن كان يثبت للآمر فإنما يثبت ذلك في حكم تصحيح العتق عنه لأنه ثابت بطريق الإضمار، والمقصود بالإضمار تصحيح الكلام، ففيما يرجع إلى تصحيح الكلام يظهر حكم المضمر ولا يظهر فيها وراء ذلك، فلا يصير شرط الحنث في اليمين الأولى موجودًا بهذا اللفظ، فيقع العتق عن الظهار كما أوجبه بالكلام الثاني.
وهذه المسألة تصير رواية في فصل وهو أن من قال لعبد الغير إن ملكتك فأنت حر، ثم قال إن ملكتك فأنت حر عن ظهاري، ثم اشتراه لا يجزئه عن الظهار لأن عتقه عند دخوله في ملكه صار مستحقًا بالكلام الأول على وجه لا يملك إبطاله ولا يملك إبداله بغيره، فعند دخوله في ملكه إنما يعتق بالكلام الأول ولم يقترن به نية الظهار، ألا ترى أنه تكلف في هذا الفصل فقال يقول
[ ١٣٣ ]
الرجل أعتق عبدك عني على كذا، ولو كان هو يمكنه إعتاقه عن ظهاره لقال إنه يقول لهذا المملوك إن ملكتك فأنت حر عن ظهاري ثم يشتريه، فلما لم يذكر هكذا عرفنا أن الصحيح في تلك المسألة أنه يعتق عند دخوله في ملكه بالإيجاب الأول خاصة.
امرأة طلقها زوجها ولها عليه دين بغير بينة فحلف ما لها عليه حق فأرادت أن تأخذ منه وأنكرت أن تكون عدتها قد انقضت تريد بذلك أن تأخذ منه نفقة بقدر دينها قال يسعها ذلك، لأنها لو ظفرت بجنس حقها كان لها أن تأخذه بغير علمه، فكذلك إذا تمكنت من الأخذ بهذا الطريق، وهذا لأن الزوج وإن كان يعطيها بطريق نفقة العدة فهي إنما تستوفي بحساب دينها، ولها حق استيفاء مال الزوج بحساب دينها على أي وجه كان منه، وإن حلفها القاضي على انقضاء عدتها فحلفت تعني به شيئًا غير ذلك وسعها.
وقد بينا أنها متى كانت مظلومة تعتبر نيتها، فإذا حلفت ما انقضت عدتي تعني عدة عمرها وسعها ذلك.
ولو أن رجلًا أراد أن يدفع مالًا مضاربة إلى رجل وأراد أن يكون المضارب ضامنًا له فالحيلة في ذلك أن يقرضه رب المال المال إلا درهمًا، ثم يشاركه بذلك الدرهم فيما أقرضه، على أن يعملا فما رزقهما الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما عليّ كذا.
وهذا صحيح لأن المستقرض بالقبض يصير ضامنًا للمستقرض متملكًا، ثم الشركة بينهما مع التفاوت في رأس المال صحيح، فالربح بينهما على الشرط، على ما قال علي ﵁ الربح على ما أشرطا والوضعية على المال، ويستوي إن عملا جميعًا أو عمل به أحدهما فربح، فإن الربح يكون بينهما على هذا الشرط، وإن شاء أقرض المال كله للمضارب ثم يدفعه المستقرض إلى المقرض مضاربة بالنصف، ثم يدفعه المقرض إلى المستقرض بضاعة، فيجوز ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، لأن دفعه إلى صاحب
[ ١٣٤ ]
المال بضاعة كدفعه إلى أجنبي آخر، وفي قول محمد، ﵀: الربح كله للعامل هنا، لأن العامل صاحب المال وهو في عمله في ملكه لا يصلح أن يكون نائبًا عن غير.
وقد تقدم بيان هذه المسألة في كتاب المضاربة، فهذه الحيلة على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، خاصةً، فالمال كله صار مضمونًا عليه بالقبض على جهة القرض، ثم هو العامل في المال والربح على شرط المضاربة، فأما عند محمد، ﵀، فالحيلة هي الأولى.
قال وسألت أبا يوسف ﵀ عن الرجل يشتري دارًا بألف درهم فخاف أن يأخذها جارها بالشفعة فاشتراها بألف دينار من صاحبها ثم أعطاه بالألف دينار ألف درهم؟ قال هو جائز، لأن هذه مصارفة بالثمن قبل القبض، وذلك جائز لحديث ابن عمر ﵄ قال: يا رسول الله، عليك السلام، إني أبيع الإبل بالبقيع، وربما أبيعها بالدراهم وآخذ مكانها دنانير، فقال ﷺ: "لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما عمل".
فإن حلفه القاضي ما دالست ولا والست فحلف كان صادقًا، لأن هذه عبارة عن الغرور والخيانة ولم يفعل شيئًا من ذلك.
وإن أحب أن لا يكون عليه يمين اشتراها كذلك لولده الصغير، فلا يكون عليه يمين في ذلك، لأن الاستحلاف لرجاء النكول أو الإقرار، وهو لو أقر بذلك لم يصح إقراره في حق الصغير، فإن لم يكن له ولد صغير فالسبيل أن يأمره بعض أصدقائه أن يشتريها له ذلك ويشهد على الوكالة ويجعله جائز الأمر في ذلك، فإن اشتراها لم يكن بين الشفيع والمشتري في ذلك خصومة في قول محمد، ﵀، وفي قول أبي يوسف ما دامت في يده فهو خصم للشفيع إلا أن يشهد على تسليمها إلى الآمر ثم يودعها الآمر منه أو يعيرها.
رجل أحب أن يشتري دارًا بعشرة آلاف درهم، فإن أخذها الشفيع أخذها بعشرين ألفًا، وإن استحقت الدار لم يرجع على البائع إلا بعشرة آلاف؟ قال
[ ١٣٥ ]
يشتريها بعشرين ألفًا وينقده تسعة آلاف وتسعين درهمًا ودينارًا بما بقي من الثمن، فإن رغب فيها الشفيع أخذها بعشرين ألفًا، وإن استحقت يرجع على البائع بما دفع إليه لأنها لما استحقت بطل عقد الصرف لوجود الافتراق قبل قبض أحد البدلين ولا يرجع إلا بما أدى، وقبل الاستحقاق الصرف صحيح فلا يأخذ الشفيع الدار إلا بعشرين ألفًا، ولو أعطاه بالباقي مكان الدينار ثوبًا أو متاعًا رجع عند الاستحقاق بعشرين ألفًا، لأن استحقاق الدار لا يبطل البيع في الثوب والمتاع فيكون قابضًا منه عشرين ألفًا، فيلزمه رد ذلك عند استحقاق الدار، فأما عقد الصرف فيبطل باستحقاق الدار فلا يلزمه إلا رد المقبوض، فلو لم تستحق ووجد بالدار عيبًا ردها بعشرين ألفًا في جميع ذلك، لأن بالرد بالعيب لا يتبين أن الثمن لم يكن واجبًا قبل القبض.
وقد بينا في كتاب الشفعة وجوه الحيل لإبطال الشفعة، أو لتقليل رغبة الشفيع في الأخذ، وذلك لا بأس به قبل وجوب الشفعة عند أبي يوسف، ﵀، وعند محمد، ﵀، هو مكروه أشد الكراهة لأن الشفعة مشروعة لدفع الضرر عن الشفيع، فالذي يحتال لإسقاطه بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير وذلك مكروه، وأبو يوسف، ﵀، يقول إنه يمتنع من الالتزام هذا الحق مخافة أن لا يمكنه الخروج منه إذا التزمه، وذلك لا يكون مكروهًا كمن امتنع من جمع المال كيلا يلزمه نفقة الأقارب والحج، فهذا دفع الضرر عن نفسه لا الإضرار بالغير، لأن في الحجر عليه عن التصرف أو تملك الدار عليه بغير رضاه إضرار به وهو إنما قصد دفع هذا الضرر، وعلى هذا الخلاف الحيلة لمنع وجوب الزكاة، واستدل أبو يوسف، ﵀، على ذلك في الأمالي، قال أرأيت لو كان لرجل مائتا درهم، فلما كان قبل الحول بيوم تصدق بدرهم منها، أكان هذا مكروهًا، وإنما تصدق بالدرهم حتى يتم الحول وليس في ملكه نصاب، فلا يلزمه الزكاة، وأحد لا يقول بأن هذا يكون مكروهًا أو يكون هو فيه آثمًا.
[ ١٣٦ ]
قال وإذا اشترى الرجل دارًا لغيره وكتب في الصك: ونقد فلان فلانًا الثمن كله من مال فلان الآمر فللبائع أن لا يرضى بهذا لما فيه من الضرر عليه، فربما يجيء الآمر فيقول قد أخذت مالي وأقررت بذلك حين أشهدت على الصك ولم آمر فلانًا بالشراء لي فيسترد ماله ولا يقدر هو على المشتري ليطالبه بثمن الدار، وإن لم يكتب هذا ففيه نوع ضرر على الآمر وهو أن يأخذ المشتري الآمر بالمال ويقول نقدت الثمن من مالي، فالحيلة أن يكتب وقد نقد فلان فلانًا الثمن ولا يكتب من مال من هو، فإذا ختم الشهود كانت شهادتهم على البيع وقبض الثمن فقط، ثم يقر المشتري بعد ذلك أن ما نقده من الثمن إنما هو من مال الآمر فيكون إقراره حجة عليه للآمر فيندفع الضرر عنهما، والله أعلم.