رجل له على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة يؤديها إليه في هلال شهر كذا، فإن لم يفعل فعليه مائتا درهم، فذلك جائز عندنا وهو قول أبي يوسف، ﵀، ويبطله غيرنا، يعني شريك وابن أبي ليلى، رحمهما الله، فإنهما كانا يقولان هذا تعليق التزام المال بالخطر، لأنه يقول إن لم يفعل فعليه مائتا درهم، يعني إن لم يؤد المائة في نجمها، ولا يدري أيؤدي أم لا يؤدي، وتعليق التزام المال بالخطر لا يجوز، فالثقة له في ذلك أن يحط رب المال عنه ثمانمائة درهم عاجلًا ثم يصالحه من المائتين على مائة درهم يؤديها إليه ما بينه وبين شهر كذا، على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما على هذا.
وإذا أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنة، فإن لم يفعل فعليه ألف درهم أخرى، فإن هذا لا يجوز، لأنه صفقتان في صفقة، وشرطان في عقد، ولأن فيه تعليق التزام المال بالخطر، وهو أن لا يؤدي الألف في السنة.
وإن أراد الحيلة في ذلك فالحيلة أن يكاتبه على ألفي درهم ثم يصالحه منها على ألف درهم يؤديها إليه في سنة، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون العقد صحيحًا على بدل مسمى ويكون الصلح صحيحًا على ما وقع الاتفاق عليه بينهما، لأن عقد الصلح ينبني على التوسع.
ومثل هذا الصلح يصح بين الحرين، فبين المولى ومكاتبه أولى، ولأن مثل هذا الشرط في البيع يصح، فإن لو باع على أنه إن لم يؤد الثمن إلى ثلاثة
[ ١١٢ ]
أيام فلا بيع بينهما كان جائزًا على هذا الشرط، فلأن يجوز الصلح على هذا الشرط أولى.
رجل مات وترك دارًا في يد ابنه وامرأته فادعى رجل أنها له فصالحه الابن والمرأة على مائة درهم من غير إ قرار منهما كانت المائة عليهما أثمانًا والدار بينهما أثمانًا، لأن الصلح على الإنكار إنما يجوز باعتبار أنه إسقاط من المدعي حقه وخصومته بعوض يلتزمه المصالح، ولهذا جاز مع الأجنبي، وإن كان بغير أمر المدعى عليه، ولو كان فيه تمليك من المدعى عليه لم يجز بغير أمره، فإذا صح أنه إسقاط بقيت الدار بينهما بعد الصلح على ما كانت عليه قبل الدعوى وقد كانت أثمانًا، وإذا ثبت أن الدار بينهما على ثمانية ثبت أن المال عليهما يتوزع على ذلك أيضًا، لأن بمطلق قبول العقد إنما يجب المال على من ينتفع، فيجب على كل واحد منهما من المال بقدر ما ينال من المنفعة.
وإن صالحاه بعد إقرارهما بها له وأرادا بالإقرار تصحيح الصلح فالمائة عليهما نصفان والدار بينهما كذلك، لأنهما لما أقرا بها للمدعي ثم صالحاه فكأنهما اشتريا الدار بالمائة، وظهر بإقرارهما أن الدار لم تكن ميراثًا بينهما، وبمطلق الشراء يقع الملك للمشترين في المشتري نصفين ويكون الثمن عليهما نصفين.
فإن أرادا أن يكون بينهما أثمانًا فالحيلة في ذلك أن يقرا للمدعي بالدار ثم يصالحانه منها على مائة درهم على أن يكون للمرأة ثمن الدار وللابن سبعة أثمانها، فإذا صرحا بذلك كان الملك في الدار بينهما على ما صرحا به والثمن كذلك، بمنزلة ما لو اشترياها على أن يكون لأحدهما ثمنها وللآخر سبعة أثمانها.
رجل ادعى في دار رجل دعوى فصالحه على مائة ذراع منها فهو جائز، لأن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي ولهذا لو وقع الصلح على دار كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة، وفي زعم المدعي أنه يستوفي من الدار مائة ذراع بملكه القديم لا أني تملكها على ذي اليد ابتداء، فيكون صحيحًا، فإن
[ ١١٣ ]
صالحه على مائة ذراع من دار أخرى لم يجز في قول أبي حنيفة وجاز عندهما، لأنه يتملك ما وقع عليه الصلح بعوض، فهو بمنزلة من اشترى مائة ذراع من دار، وذلك فاسد عند أبي حنيفة جائز عندهما.
مريض ادعى على رجل مالًا وله به عليه بينة فصالحه منه على دراهم يسيرة وأقر المريض أنه لم يكن له على هذا المطلوب شيء ثم مات جاز إقراره في القضاء ولم يقبل من ورثته بينة على المطلوب بذلك المال، أما إذا لم يقر بذلك فيتمكن في هذا الصلح محاباة وهو يعتبر من ثلث المال، وأما إذا أقر بذلك فإقراره بما يتضمن براءة الأجنبي معتبر بإقراره للأجنبي، وذلك صحيح من جميع ماله، فكذلك إقراره أنه لم يكن له على المطلوب شيء يكون صحيحًا، وبعد صحة الإقرار منه لا تسمع الدعوى من ورثته، لأنهم يقومون مقامه، وهو لو ادعى بعد ذلك مالًا مطلقًا عليه لم تسمع دعواه ولم يقبل بينته، فكذلك الورثة إذا ادعوا ذلك.
رجل له على رجل دين حال فصالحه على أن ينجمه نجومًا عليه وأخذ منه كفيلًا على أن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه على أنهما إن أخرا نجمًا عن محله فالمال عليهما حال فهو جائز، لأنه إذا أخذ بالمال كفيلًا كان الكفيل مطالبًا به كالأصيل، فهذا بمنزلة رجل له على رجلين مال وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فنجمه عليهما نجومًا على أنهما لو أخرا نجمًا عن محله فالمال عليهما حالٌّ، وذلك جائز، لأن تنجيم المال عليهما صلح، فقد علق بطلان الصلح بعدم الوفاء بالشرط، وذلك جائز.
فإن كان الطالب إنما أخذ من المطلوب كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به عند كل نجم فالكفيل ضامن لجميع المال على النجوم التي سميا، فإن ذلك جائز عندنا، وبعض الفقهاء، ﵏، يبطله، يعني ابن أبي ليلى، فإنه لا يجوِّز تعليق الكفالة بالمال بخطر عدم الموافاة بالنفس، وقد بيَّناه في كتاب الكفالة، فالثقة في ذلك أن يضمن الكفيل المال على أنه برئ من كل نجم
[ ١١٤ ]
بدفع المطلوب عند محله إلى الطالب، فيجوز ذلك في قول الكل، لأن إيفاء المطلوب يوجب براءة الكفيل، فاشتراط براءته عند إيفاء الكفيل شرط موافق بحكم الشرع فيكون صحيحًا.
رجل صالح غريمًا له على أن يؤخره بما عليه على أن يضمن له فلان المال إلى ذلك الأجل، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، والمال حالٌّ عليه، فذلك جائز، ولا آمن أن يبطله بعض الفقهاء، ﵏، يعني به أن يبطله على طريق القياس، فإن الصلح قياس البيع في بعض الأحكام.
وإذا شرط في البيع ضمان رجل بعينه كان ذلك مبطلًا للبيع، فكذلك الصلح، فالثقة في ذلك أن يكون الكفيل حاضرًا فيضمنه، لأن على طريق القياس، إنما لا يصح هذا العقد لبقاء الغرر فيه، وهو أنه لا يدرك أيضمن الكفيل المال أو لا يضمن، فإذا ضمنه فقد انعدم معنى الغرور، وإن لم يكن حاضرًا فالثقة فيه أن يصالحه على ما ذكرت على أن فلانًا إن ضمن هذا المال ما بينه وبين يوم كذا فالصلح تام، وإلا فلا صلح بينهما، فإذا كان العقد بهذه الصفة كان تمام الصلح بعدما ضمن فلان ولا يبقى غرر إذا ضمن فلان، فالصلح بينهما صحيح.
وإذا كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فالمال عليه وأخذ الكفيل من المطلوب رهنًا لم يجز الرهن، لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء، وما وجب للكفيل على المطلوب مال، فالكفالة بالنفس ليس بمال، والكفالة بالمال متعلقة بعدم الموافاة بالنفس، فكيف يصح الرهن من غير دين له عليه.
فإن أراد الحيلة في ذلك فالوجه أن يبدأ بضمان المال فيقول أنا ضامن لما لك عليه من المال، فإن وافيت به إلى كذا من الأجل فأنا برئ، فإن فعل ذلك جاز له أن يرتهن منه رهنًا بما ضمنه، لأنه كما وجب المال للطالب على الكفيل وجب للكفيل على المطلوب، فيجوز أخذ الرهن منه به، ولم يذكر في
[ ١١٥ ]
الكتاب ما إذا كانت الكفالة بالنفس فقط وأراد الكفيل أن يأخذ من المطلوب رهنًا؛ ولا إشكال أن ذلك لا يجوز بخلاف ما إذا أخذ منه كفيلًا، فإن صحة الكفالة لا تستدعي دينًا واجبًا، وصحة الرهن تستدعي ذلك، ولهذا لا يجوز الرهن بالدرك وتجوز الكفالة بالدرك.
ثم الحيلة في هذا أن يقر المطلوب أن هذا الكفيل ضمن عنه مالًا لرجل من الناس بأمره، ولا يسمى ذلك الرجل ولا مقدار المال، ثم يعطيه رهنًا بذلك فيكون صحيحًا في الحكم، ويكون القول قول المطلوب في مقدار ذلك المال، فيمكن بأدائه من إخراج الرهن.
فإن قال الكفيل مقصودي لا يتم بهذا، وربما يقول المطلوب بعد كفالتي بالنفس إن المال درهم فيعطيني ذلك ويسترد الرهن فالسبيل أن يجعلا بينهما عدلًا ثقة يثقان به ويكون ارتهان الكفيل من ذلك العدل بأمر المطلوب، فلا يسترد منه الرهن قبل براءته عن الكفالة بالنفس.
رجل أخذ من غريمه كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به يوم كذا فالكفيل ضامن لنفس فلان غريمًا آخر للطالب، فهو جائز عندنا، يعني قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا آمن أن يبطله بعض العلماء، ﵏، يعني أن على قول محمد، ﵀، هذا لا يجوز، فالثقة فيه أن يكفل بنفس فلان وفلان على أنه إن وافى بفلان أحدهما ما بينه وبين يوم كذا فهو برئ من الكفالة الأخرى، فيكون جائزًا عندهم جميعًا، لأنه علق البراءة عن الكفالتين بالموافاة بنفس أحدهما.
ولو أخذ منه كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به يوم كذا فما على المطلوب من المال فهو على الكفيل، فلم يواف به فهو ضامن للمال والنفس، لأنه كفل بالنفس كفالة مطلقة، فلا يبرأ إلا بتسليم النفس، وعلق الكفالة بالمال بخطر عدم الموافاة، وقد وجد ذلك، فإن قال لا آمن أن يبرئه بعض
[ ١١٦ ]
الفقهاء من الكفالة بالنفس، ولا يعرف من هذا القائل، وله وجه صحيح وهو أن المقصود المال دون النفس، وبعدما حصل المقصود وتمكن الطالب من استيفاء المال من الكفيل لا تبقى الكفالة بالنفس، وهذا لأن اللفظ في معنى توقيت الكفالة بالنفس إلى الوقت الذي جعل عدم الموافاة فيه شرط الكفالة بالمال، فلا تبقى الكفالة بالنفس بعد مضي وقتها.
ثم الثقة في ذلك أن يضمنه المال والنفس على أنه إن وافاه بنفسه لوقت كذا فهو برئ من النفس والمال، وإن لم يواف به لذلك الأجل فالنفس والمال عليه لأنه كفل بهما كفالة مطلقة.
مسائل متفرقة:
قال: وإذا خاف الوصي جهل بعض القضاة في أن يسأله عما وصل إليه من تركة الميت ثم يسأله البينة على ما أنفق وعمل، وإنما سمي هذا جهلًا لأنه خلاف حكم الشرع، فالوصي أمين، والقول في المحتمل قول الأمين، وهو متبرع في قبول الوصاية قائم مقام الميت، فكما لم يكن للقاضي أن يسأل الموصي عما يتركه من المال لا يكون له أن يسأل الوصي عما وصل إليه من المال، فمن فعل ذلك من القضاء كان جهلًا، ولكن رأى بعض القضاة أن يفعلوا ذلك ويعدونه من الاحتياط، فبين الحيلة للوصي في ذلك بأن يولي غيره قبض التركة وبيعها وقضاء الدين وغير ذلك ولا يشهد الوصي على نفسه بوصول شيء إليه ولا يباشر بيعًا بنفسه، بل يأمر غيره بالبيع وقضاء الدين، فلا يكون للقاضي أن يسأله شيئًا من ذلك لأنه لم يصل إليه تركة الميت ولا عمل في التركة بنفسه.
فإن أراد القاضي أن يستحلفه ما قضيت دينًا ولا وصل إليك تركة ولا أمرت بشيء منها يباع ولا وكلت به، فإذا كان الوصي وضع التركة مواضعها على حقوقها فهو مظلوم في هذه اليمين فيسعه أن يحلف وينوي غير ما
[ ١١٧ ]
استُحلف عليه؛ لأنه إذا كان مظلومًا فنيته معتبرة شرعًا ليتمكن به من دفع الظلم عن نفسه.
والخصاف، ﵀، توسع في كتابه في هذا الباب فقال: ينوي ما فعل شيئًا من ذلك في وقت كذا، لوقت غير الوقت الذي فعل فيه، أو في مكان كذا، لمكان غير المكان الذي فعل فيه، أو مع فلان، إنسان غير الذي عامله، وهذا لأن من مذهبه أن نية التخصيص فيما ثبت بمقتضى الكلام صحيحة، كما تصح في الملفوظ، فإن المقتضى عنده كالمنصوص في أن له عمومًا فتجوز نية التخصيص فيه، وكأن يستدل على ذلك بمسألة المساكنة التي أوردها محمد، ﵀، في كتاب الأيمان، إذا حلف لا يساكن فلانًا وهو ينوي مساكنته في بيت أنه تعمل نيته والمكان ليس في لفظه فصحت نية التخصيص فيه.
وقال في الجامع: إذا حلف لا يخرج ونوى السفر صحت نيته، والموضع الذي يخرج إليه ليس في لفظه وصح نية التخصيص فيه.
وقال في كتاب الدعوى: إذا أقر بنسب غلام صغير فجاءت أم الصغير بعد موته تطلب ميراث الزوجات فإنها تستحق ذلك لأن إقراره بالنسب يقتضي الفراش بين المقر وبين أم الصغير، فجعل الثابت بمقتضى كلامه كالثابت بالنص، ولكن الصحيح من المذهب عندنا أن المقتضى لا عموم له وأن نية التخصيص فيما ثبت بمقتضى الكلام لا تكون صحيحة حتى إذا حلف لا يأكل أو لا يشرب ونوى طعامًا بعينه أو شرابًا بعينه لم تعتبر نيته، لأن المنصوص فعل الأكل، فأما المأكول فثابت بمقتضى كلامه وثبوت المقتضى للحاجة إلى تصحيح الكلام، ولهذا لا يثبت في موضع يصح الكلام بدونه، والثابت بالحاجة لا يعدو موضع الحاجة ولا حاجة إلى إثبات العموم للمقتضى ولا إلى جعله كالمنصوص عليه فيما وراء المحتاج إليه.
فأما مسألة المساكنة فهناك نية التخصيص في المكان لا تعمل عندنا حتى لو قال عنيت به المساكنة في بيت بعينه لا تعمل نيته، ولكن إنما تعمل نيته فيما
[ ١١٨ ]
يرجع إلى كمال المنصوص، فالمساكنة تكون تارة في بلدة وتارة في محلة وتارة في دار، وأتم ما يكون من المساكنة أن تكون بينهما في بيت واحد، فهو إنما نوى صفة الكمال في المنصوص عليه، فلهذا تعمل نيته.
وكذلك في مسألة الخروج لا تعمل نيته في تخصيص المكان حتى لو نوى الخروج إلى بغداد لا تعمل نيته، فإذا نوى السفر فإنما نوى نوعًا من أنواع الخروج، لأن الخروج أنواع شرعًا، خروج للسفر ولما دون السفر، وإنما اختلافهما باختلاف الأحكام، فإنما تعمل نيته في تنويع الخروج، والخروج في لفظه لأن ذكر الفعل كذكر المصدر.
وفي مسألة النسب الفراش بينه وبينها ثبت بمقتضى كلامه ولكن ما ثبت بطريق الاقتضاء ثبت حكمه، وإن لم يجعل كالمنصوص عليه كالبيع الثابت في قوله أعتق عبدك عني على ألف درهم، يثبت حكمه، وهو ملك البدلين، وإن لم يجعل ذلك كالبيع المصرح به.
إذا عرفنا هذا فنقول: ينبغي أن ينوي شيئًا هو من محتملات لفظه، أو يكون راجعًا إلى تخصيص ما في لفظه حتى يكون عاملًا، وأسهل طريق قالوا في هذا النوع من الأيمان أن القاضي إذا قال له قل والله، ينبغي أن يقول هو الله، فيدغم الهاء على وجه لا يفطن به القاضي ثم يمضي في كلامه إلى آخره، فلا يكون ذلك يمينًا ولا يأثم فيه إذا كان مظلومًا، وإذا أراد الوصي أن يدفع إلى الورثة أموالهم ويكتب عليهم البراءة من كل قليل وكثير أيهما أوثق له أن يسمى ما جرى على يده وما أعطاهم أو لا يسمى، قال الأوثق له أن يكتب البراءة من كل قليل وكثير، ولا يسمى شيئًا، فإنه لا يؤمن أن يحضر صاحب دين أو وصية أو وارث فيضمنه ما سمي أنه دفعه إلى الورثة، وإذا كتب براءته من كل قليل وكثير فليس له ولاية أن يضمنوا شيئًا، فهذا أوثق للوصي، ولكن الأوثق للورثة أن يسمى ذلك، وربما يخفي الوصي بعض التركة، فإذا كتبوا له البراءة من كل قليل وكثير لم يكن لهم سبيل على ما يظهر عليه من الخيانة بعد
[ ١١٩ ]
ذلك، فإذا سموا ما وصل إليهم كان لهم أن يخاصموا فيما يظهر في يده من التركة بعد ذلك.
وذكر عن سالم بن عبد الله أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فانقضت عدتها فتزوجها رجل ليحللها لزوجها الأول، لم يأمره الزوج بذلك ولا المرأة، قال هذا مأجور، وهو قول أبي حنيفة، ﵀، وبه نأخذ لأنه تزوجها نكاحًا مطلقًا، والنكاح سنة مرغوب فيها، وإنما قصد بذلك ارتفاع الحرمة بينهما ليمنعهما بذلك من ارتكاب المحرم ويوصلهما إلى مرادهما بطريق حلال فتكون إعانة على البر والتقوى، وذلك مندوب إليه، فالظاهر أن كل واحد منهما نادم على ما كان منه من سوء الخلق خصوصًا إذا كان بينهما ولد، فلو امتنع الثاني من أن يتزوجها ليحللها للأول ربما يحملها الندم أو فرط ميل كل واحد منهما إلى صاحبه على أن يتزوجها من غير محلل، فهو يسعى إلى إتمام مرادهما على وجه يندبان إليه في الشرع فيكون مأجورًا فيه وفي نظيره، قال رسول الله ﷺ "من أقال نادمًا أقاله الله عثراته يوم القيامة" وإذا تقرر هذا تبين أن الحِل يحصل بدخول الزوج الثاني بها، وإن كان مراده أن يحللها للأول.
فإذا تزوجها بهذا الشرط بأن قالت المرأة له تزوجني فحللني، أو قال الزوج الأول له تزوج هذه المرأة فحللها لي، أو قال الثاني للمرأة أتزوجك فأحللك للأول فهذا مكروه، وهو معنى قوله ﷺ: "لعن الله المحلل والمحلل له" وقال ﷺ: "ألا أنبئكم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى، قال هو الرجل يتزوج المرأة ليحللها لزوج كان لها قبله".
ولكن مع هذا يجوز النكاح ويثبت الحِل للأول بدخول الثاني بها عند أبي حنيفة، ﵀، لأن هذا النهي لمعنى في غير النكاح فلا يمنع صحة النكاح والدخول بالنكاح الصحيح يحللها للزوج الأول، ثبت ذلك بالسنة، وعلى قول أبي يوسف، ﵀، هذا النكاح فاسد، لأنه في معنى التوقيت للنكاح،
[ ١٢٠ ]
والتوقيت مفسد للنكاح كما لو تزوج امرأة شهرًا، وإذا فسد النكاح الثاني فالدخول بالنكاح الفاسد لا يوجب الحِل للزوج الأول.
وقال محمد، ﵀: النكاح جائز ولكن الشرط باطل، لأن النكاح يهدم الشرط ولا يبطل بالشرط الفاسد، إلا أنهما لما قصدا الاستعجال عوقبا بالحرمان، فلا يثبت به الحل للزوج الأول، كما لو قتل مورثه بغير حق، وقد تقدم بيان المسألة في كتاب الطلاق.
وإذا قال الرجل إن خطبت فلانة أو تزوجتها فأجازت فهي طالق ثلاثًا، فله أن يخطبها ثم يتزوجها بعد ذلك فلا يحنث، لأنه أدخل حرف أو بين الشرطين فيكون الثابت أحدهما وتنحل اليمين بوجود أحد الشرطين، فإذا خطبها أولًا انحلت اليمين وهي ليست في نكاحه، فلم يقع عليها شيء، ثم يتزوجها بعد ذلك ولا يمين فلا تطلق، بمنزلة ما لو قال إن قبلتها أو تزوجتها فهي طالق، فقبلها ثم تزوجها لم تطلق، ولو تزوجها قبل أن يخطبها ثم بلغها فأجازت طلقت ثلاثًا، لأن الموجود هنا شرط التزوج، وإنما تم ذلك بإجازتها، وعند تمام الشرط هي في نكاحه، فتطلق ثلاثًا، بمنزلة قوله إن قبَّلتها أو تزوجتها ثم تزوجها قبل أن يقبِّلها.
وتبين بهذه المسألة أن من قال إن خطبت فلانة فهي كذا، أو كل امرأة خطبها فهي كذا، أن يمينه لا تنعقد، لأن الخطبة غير العقد، وهي تسبق العقد، فلا يكون هو بهذا اللفظ مضيفًا الطلاق إلى الملك، وهذا لسان العربية، فإن عقد يمينه بلسان الفارسية وقال: أكر فلانة را بخواهم يا هر زنى كه بخواهم، ففي كل موضع يكون هذا اللفظ مبهم تفسير الخطبة لا تنعقد اليمين أيضًا، هكذا العرف بخراسان وما وراء النهر، فأما في هذه الديار فإنما يريدون بهذا اللفظ التزوج فتنعقد اليمين إذا كان مراده هذا ويقع الطلاق إذا تزوجها.
رجل حلف أن لا يتزوج بالكوفة امرأة فزوجه وكيل له بالكوفة فهو حانث، لأن الوكيل بالنكاح سفير ومعبر حتى لا يستغنى عن إضافة العقد إلى
[ ١٢١ ]
الموكل ولا يتعلق به شيء من حقوق العقد، فمباشرة الوكيل له كمباشرته بنفسه في حق الحنث بخلاف البيع، فإنه إذا حلت لا يشتري شيئًا بالكوفة فاشترى له وكيله لا يحنث، لأن الوكيل بالشرى بمنزلة العاقد لنفسه حتى يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، ويتعلق حقوق العقد به.
ثم الحيلة في مسألة النكاح أن توكل المرأة وكيلًا يزوجها منه، ثم يخرج الوكيل والزوج إلى الحيرة أو غيرها بعد أن يخرجا من أبيات الكوفة ثم يزوجها منه، فلا يحنث لأنه لم يتزوجها بالكوفة، ألا ترى أن المقيم بالكوفة إذا خرج من أبيات الكوفة على قصد السفر كان مسافرًا يقصر الصلاة، فعرفنا أن التزوج في هذا الموضع لا يكون تزوجًا بالكوفة، وإنما ذكر توكيلها لئلا تبتلي بالخروج مع غير المحرم إلى ذلك الموضع.
رجل قال لعبده قد أذنت لك أن تتزوج كل أمة تشتريها فاشترى العبد أمة فتزوجها ببينة فهو جائز، لأن ما اشتراها صارت مملوكة للمولى وقد أقامه المولى مقام نفسه في ذلك، ولو زوج بنفسه أمته بمحضر من الشهود جاز، فكذلك العبد إذا فعل ذلك.
وقال أبو حنيفة، ﵀، في رجل له جارية تخرج في حوائجه وهو يطؤها فحبلت وولدت وسعه أن لا يدعيه وأن يبيعه معها، وإن كان لا يدعها تخرج لم يسعه ذلك، وإن كان يعزل ولا يطلب ولدها لم يسعه ذلك إذا حبسها ومنعها من الخروج، وهذا فيما بينه وبين ربه، فأما في الحكم فلا يلزمه النسب إلا بالدعوة، إلا أنه إذا حصَّنها فالظاهر أن الولد منه سواء كان يعزل عنها أو لا يعزل، فعليه الأخذ بالاحتياط والبناء على الظاهر.
وذكر عن علي ﵁ أن رجلًا أتاه فقال إن لي جارية أطؤها وأعزل عنها فجاءت بولد فقال علي ﵁ نشدتك الله هل كنت تعود في جماعها قبل أن تبول؟ قال نعم، فمنعه من أن ينفيه.
فهو عندنا على التي قد حصنت، ومعنى هذا أنه يتوهم بقاء بعض المنى
[ ١٢٢ ]
في إحليله، فبالمعاودة يصل إليها إذا عاد في جماعها قبل البول، ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد، رحمهما الله: إذا أتى أهله واغتسل قبل أن يبول ثم سال منه بقية المني يلزمه الاغتسال ثانيًا، وكذلك إن كان يعزل عنها فيصب الماء من فوق فربما يعود إلى فرجها فتحيل به، فلهذا لا يسعه نفي الولد.
والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه لما سئل عن العزل قال: "إذا أراد الله خلق نسمة من ماء فهو خالقها، وإن صببتم ذلك على صخرة، فاعزلوا أو لا تعزلوا".
وإذا غاب أحد المتفاوضين فأراد الباقي منهما أن يبطل الشركة فالحيلة له أن يرسل إليه رسولًا بأنه قد فارقه ونقض ما بينهما من الشركة، فإذا بلغ الرسول ذلك فقد انتقضت الشركة بينهما، لأن كل واحد منهما ينفرد بنقض الشركة بعد أن يكون ذلك بعلم صاحبه ليندفع الضرر والغرر عن شريكه بذلك، وعبارة الرسول في إعلامه كعبارة المرسل، وهذا في كل عقد لا يتعلق به اللزوم نحو عزل الوكيل والحجز على العبد المأذون، وفسخ المضاربة ونقض ولاء الموالاة إذا كان الأسفل غائبًا فأراد العربي أن ينقض ولاءه أرسل إليه رسولًا يبلغه عنه أنه قد نقض موالاته فيكون تبليغ الرسول إياه كتبليغ المرسل بنفسه، وإن أراد ذلك الأسفل فله ذلك قبل أن يعقل عنه الأعلى، فإن شاء فعل كذلك وإن شاء والى غيره، فيكون ذلك نقضًا للموالاة مع الأول، وقد بينا هذا في كتاب الولاء، والله أعلم.