قوله: ومنه ما يقطر من الكَرْم. أي: من الماء الطاهر والطهور ما يقطر من الكرم (^١) أيام الربيع (^٢)؛ لأنه يخرج من غير علاج (^٣).
_________________
(١) = كثير معالجة، لعموم الحاجة إليه! وفيه من الرقة، واللطافة، ما لا توجد في غيره. حاشية رد المحتار ١/ ١٧٩، الدر المختار ١/ ١٧٩، مغني المحتاج ١/ ١٨.
(٢) لقد ورد النهي عن تسمية العنب كرمًا. ففي البخاري (أ)، ومسلم (ب)، عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "لا يقولن: أحدكم للعنب الكرم، إنما الكرم: الرجل المسلم"، وفي لفظ مسلم (جـ): "فإنما الكرم: قلب المؤمن". وذلك؛ لأن هذه اللفظة، تدل على كثرة الخير، والمنافع في المسمى بها، وقلب المؤمن هو المستحق لذلك. قال المصنف في كتابه عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢٢/ ٢٠٣: "سبب كراهة ذلك أن لفظ الكرم كانت العرب تطلقها على شجر العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب، سموها كرمًا، لكونها متخذة منها؛ ولأنها تحمل على الكرم، والسخاء، فكره الشارع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره؛ لأنهم إذا سمعوا اللفظ فربما تذكروا بها الخمر، وهيجت نفوسهم إليها، فيقعوا فيها، أو قاربوا. وقال: إنما يستحق هذا الاسم قلب المؤمن؛ لأنه منبع الكرم؛ والتقوى؛ والنور والهدى" ا. هـ. انظر زاد المعاد ٢/ ٤٦٨، فتح الباري ١٠/ ٥٦٦، فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ٤١٧.
(٣) قال المؤلف ﵀ في البناية ١/ ٣٠٢: "وهو أيام تنظيف فروعه من أطرافه؛ ليقوى الأصول، وتطرح العنب كثيرًا".
(٤) أي: يخرج بنفسه من غير عصر. والمصنف يشير إلى أنه لا يجوز التوضؤ بما اعتصر من الشجر، والثمر؛ لأنه ليس بماء مطلق. الدر المختار ١/ ١٨١، بدائع الصنائع ١/ ١٥، الهداية ١/ ١٨، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري ١/ ١٣. (أ) ٥/ ٢٢٨٦ كتاب الأدب باب قول النبي إنما الكرم قلب المؤمن رقم ٥٨٢٩. (ب) ٤/ ١٧٦٣ كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب كراهة تسمية العنب كرمًا رقم ٨ (٢٢٤٧). (جـ) ٤/ ١٧٦٣ كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها باب كراهة تسمية العنب كرامًا رقم ٩ (٢٢٤٧).
[ ١ / ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
وذكر في المحيط: لا يتوضأ بما يسيل من الكرم؛ لكمال الامتزاج (^١) (^٢).
_________________
(١) ونصه في المحيط البرهاني ٣٤/ ب: "وكذلك لا يجوز التوضؤ بماء البطيخ والقثا، والقشر، ولا بالماء الذي يسيل من الكرم في الربيع". عن مخطوطة مصورة على الميكروفيلم بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام تحت رقم ١٠٩٨٧/ ف والنسخة الأصلية لدى الجامعة الإسلامية تحت رقم ٩٥٧.
(٢) وقد اختلف العلماء، في الماء الذي يسيل من الكرم؟ هل هو طاهر، وطهور؟ أم أنه طاهر في نفسه، غير مطهر لغيره؟ على قولين: - القول الأول: أنه طاهر وطهور. طاهر في نفسه، مطهر لغيره، لعدم كمال امتزاجه، لخروجه من غير علاج -أي عصر-، وإلى هذا القول: ذهب أبو يوسف، واختاره برهان الدين المرغيناني، والزيلعي، والطحاوي. القول الثاني: أنه طاهر في نفسه، غير مطهر لغيره؛ وذلك لكمال امتزاجه. فهو ماء مقيد، وليس بماء مطلق؛ بل إن المياه المعتصرة من النباتات، وما ينزل من الشجر، طاهرة غير مطهرة. وهو المختار عند كثير من علماء الحنفية، واقتصر عليه قاضيخان في الفتاوى، وصاحب المحيط، وصدر به في الكافي، وذكر الجواز بصيغة قيل؛ وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأحمد. قال في غنية المتملي: وهو الأحوط، وهو أرجح القولين. وأما قول الزيلعي في تبيين الحقائق: "وإن كان يخرج منه من غير علاج، لم يكمل امتزاجه، فجاز الوضوء به، كالماء الذي يقطر من الكرم"، فقد قال عنه ابن نجيم في البحر الرائق: "فما وقع في شرح الزيلعي، من أنه لم يكمل امتزاجه؛ ففيه نظر! وقد علمت أن العلماء: اتفقوا على جواز الوضوء بالماء المطلق، وعلى عدم جوازه بالماء المقيد". غنية المتملي ص ٩١، البحر الرائق ١/ ٦٩، الهداية ١/ ١٨، تبيين الحقائق ١/ ٢٠، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١/ ٢٠، بداية المجتهد ١/ ٢٧، الذخيرة ١/ ١٧٤، الكافي في فقه الإمام مالك ص ٩١، التلقين ص ١٧، مغني المحتاج ١/ ١٨، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب بشرح تنقيح اللباب ١/ ٣٦، حلية العلماء ١/ ٧٠، المستوعب ١/ ٩٨، المغني ١/ ٣٩.
[ ١ / ٧٨ ]
والمتغير بطاهر، ما لم يغلبه بالأجزاء، ولم يجدد له اسم آخر.
منحة السلوك
قوله: والمتغير بطاهر.
أي: ومنه المتغير. أي من الطاهر، والطهور الماء الذي تغير بالشيء الطاهر، كالصابون، والزعفران (^١)، والحرض (^٢)، ونحوها (^٣)، ولكن بشرطين الأول: أن لا يغلبه بالأجزاء.
أشار إليه بقوله: ما لم يغلبه بالأجزاء، والثاني: أن لا يُجدَّد له اسم آخر.
أشار إليه بقوله: ولم يجدد له اسم آخر؛ لأنه إذا جُدِّد له اسم آخر لا يبقى ماء، كالمرق (^٤)، وماء الباقِلا (^٥)،
_________________
(١) الزعفران: نبت معروف يُتَّخذ من زهره سحيق أصفر، يصنع به طيب. الدر النقي ١/ ٤٠٦، المطلع ص ١٧٣، تاج العروس ٣/ ٢٣٨ مادة "زعفر"، المعجم الوسيط ١/ ٣٩٤ مادة زعفران، محيط المحيط ص ٣٧٢ مادة زعفران، لسان العرب ٤/ ٣٢٤ مادة زعفر، المعرب ص ٣٥٣.
(٢) الحرض -بسكون الراء وضمها-: الأشنان وهو الحمض. مختار الصحاح ص ٥٥، مادة ح ر ض، لسان العرب ٧/ ١٣٥، مادة حرض، المغرب ص ١١٢ مادة الحرض، القاموس المحيط ١/ ٦٢٢، مادة ح ر ض، معجم مقاييس اللغة ٢/ ٤١ باب الحاء والراء وما يثلثهما مادة حرض.
(٣) كالعصفر، والأشنان، واللبن، وماء المد -أي السيل-. بدائع الصنائع ١/ ١٥، شرح العناية ١/ ٧١، الهداية ١/ ١٩.
(٤) في ر "كماء المرق".
(٥) الباقلاء: الفول كذا في اللسان، ومحيط المحيط، وقيل: البقل من النبات ما ليس بشجر، دق ولا جل. وقيل: ما كان منه ينبت في بزره، ولا ينبت في أرومة ثابتة، فاسمه البقل. القاموس المحيط ١/ ٣٠٣ مادة ب ق ل، المطلع ص ٢٣١، لسان العرب ١١/ ٦٠٠ مادة بقل، محيط المحيط ص ٤٨ مادة بقل، المحكم ٦/ ٢٦٧ مادة بقل، النظم المستعذب ٢/ ١٨٠، الدر النقي ٢/ ٤٢.
[ ١ / ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
والخلّ، وسائر الأشربة (^١).
واعلم أن المراد من الغلبة بالأجزاء، هو أن يخرج الماء من الصفة الأصلية، وهي الرِّقَّة، بأن يثخنه (^٢) أي: أن يجعله ثخينًا (^٣)، لا أن يكون من حيث الوزن أكثر، كما يتوهمه بعض الناس، نص عليه (^٤) في شروح الهداية (^٥) (^٦).
_________________
(١) كشراب الرمان، والحماض، والدبس، وهو ما يخرج من العصفر المنقوع، وماء الورد، وماء الزردج. مختصر الطحاوي ص ١٧، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١/ ٢٩، العناية على الهداية ١/ ٧١، بدائع الصنائع ١/ ١٥، الجوهرة النيرة على مختصر القدوري ١/ ١٤.
(٢) يقال ثَخُنَ الشيء: كثُفَ وغلُظ وصلُبَ. لسان العرب ١٣/ ٧٧ مادة ثخن. مختار الصحاح ص ٣٥ مادة ث خ ن. المصباح المنير ١/ ٨٠ مادة ثخن.
(٣) قال المصنف -في المستجمع في شرح المجمع ٢٢/ ب-: "قد علم من ذلك أن المراد بغلبة الأجزاء، أي تخرجه عن صفته الأصلية، بأن يثخن، إلا أن يكون من حيث الوزن أكثر. والأصح: أن الاعتبار للغلبة بالأجزاء، بالاتفاق".
(٤) أي العلماء.
(٥) أي: كتاب الهداية لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني برهان الدين المتوفى سنة ٥٩٤ هـ وهو شرح، لكتابه بداية المبتدي وهو عمدة في المذهب الحنفي، مكث في تصنيفه ثلاثة عشر عامًا.
(٦) وممن نص عليه في شرح الهداية: أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي ت ٧٨٦ هـ، في كتابه الموسوم بـ "العناية شرح الهداية" حيث قال ١/ ٧٢: "ويعتبر فيه الغلبة بالأجزاء، فإن كانت أجزاء الماء غالبة -ويعلم ذلك ببقائه على رقته- جاز الوضوء به، وإن كانت أجزاء المخلوط غالبة، بأن صار ثخينًا وزالت عنه رقته الأصلية لم يجز". ونص عليه أيضًا: جلال الدين الخوارزمي بكرلاني ت ٧٦٧ هـ في كتابه "الكفاية شرح الهداية" (مخطوط) ق ٣١/ أالنسخة الأصلية لدى مكتبة الحرم برقم ٢٠٥٦ ما نصه: =
[ ١ / ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
ويعضده أيضًا قول قاضي خان (^١): إن التوضؤ بماء الزعفران، والزّردج (^٢)، والعُصفُر (^٣)، يجوز إن كان رقيقًا، والماء غالب، فإن غلبت الحمرة وصار
_________________
(١) = "قوله: ما يتغير بالطبخ، عني بالتغير: الثخونة، حتى إذا طبخ ولم يثخن بعد، بل رقة الماء فيه باقية، جاز الوضوء به". كما نص عليه أيضًا أمير كاتب بن أمير عمر العميد قوام الفارابي ت ٧٥٨ هـ في كتابه "غاية العامة، نادرة الزمان، في آخر الأوان، في شرح الهداية" (مخطوط) ص ١ لوحة ١٨/ ب النسخة الأصلية لدى مكتبة الأزهر تحت رقم ٢٧٦. حيث قال: "والغلبة بالأجزاء، لا بتغير اللون، هو الصحيح. أراد بغلبة الأجزاء ثخونة المخلوط بحيث يسلب صفة الرقة عن الماء". وانظر أيضًا شرح فتح القدير ١/ ٧٢، وحاشية يعقوب بن إدريس الرومي على الهداية (مخطوط) لوحة ١٩/ أالنسخة الأصلية لدى مركز الملك فيصل تحت رقم ٢٤٨٩. كما نص عليه أيضًا العلماء في غير شرح الهداية، كالزيلعي في تبيين الحقائق ١/ ٢٠، وعلاء الدين السمرقندي في تحفة الفقهاء ١/ ٦٧، والكاساني في بدائع الصنائع ١/ ١٥ وغيرهم.
(٢) هو الحسن بن منصور بن أبي القاسم بن محمود الأوزجندي الفرغاني، الإمام الكبير، المعروف بقاضي خان، فخر الدين، من كبار فقهاء الحنفية في المشرق، ومفتيهم في عصره، وفتاواه متداولة دائرة في كتبهم. تفقه على الإمام أبي إسحاق الصفاري والإمام أبي الحسن المرغيناني وغيرهما. من تصانيفه: الفتاوى، وشرح الجامع الصغير، والأمالي، توفي سنة ٥٩٣ هـ. تاج التراجم ص ١٥١ رقم الترجمة ٨٧، شذرات الذهب ٤/ ٣٠٨، الفوائد البهية ص ٦٤، الجواهر المضية ٢/ ٩٣، سير أعلام النبلاء ٢١/ ٢٣١ كتاب أعلام الأخبار رقم ٣٨١.
(٣) الزردج: هو ماء يخرج من العصفر المنقوع، فيطرح، ولا يصبغ به. المغرب ص ٢٠٧ الزاي مع الراء المهملة مادة ماء الزردج.
(٤) العُصفر: بضم العين والفاء نبت يصبغ به، منه ريفيٌّ، وبَرِّي. وكلاهما نبت بأرض العرب. ومن منافعه أنه يهريء اللحم الغليظ. القاموس المحيط ٣/ ٢٤٠ مادة ع ص ف ر، لسان العرب ٤/ ٥٨١ مادة عصفر، المصباح المنير ٢/ ٤١٢ مادة العُصْفُرُ.
[ ١ / ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
متماسكًا، لا يجوز (^١).
ويقويه قول أبي يوسف (^٢) في الأمالي (^٣): إذا اختلط الصابون بالماء، وغلب عليه، وأثخنه، لا يجوز التوضؤ به. وإذا كان رقيقًا، لكن علاه بياض الصابون يجوز التوضؤ به.
وكذلك إذا طبخ الآس (^٤)، والبابونج (^٥) في الماء، فإن غلب على الماء حتى يقال ماء البابونج، أو ماء الآس، لا يجوز التوضؤ به (^٦).
_________________
(١) فتاوى قاضيخان ١/ ١٧.
(٢) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، أخذ الفقه عنه، وهو المقدم من أصحابه، كان فقيهًا، عالمًا، حافظًا، سكن بغداد، وولي القضاء لثلاثة خلفاء المهدي، والهادي، والرشيد، قال الذهبي في السير: بلغ من رئاسة العلم ما لا مزيد عليه. من تصانيفه: الخراج، وأدب القاضي، والجوامع، وغيرها. مات ببغداد سنة ١٨٢ هـ، وقيل: سنة ١٨١ هـ. أخبار القضاة لوكيع ٣/ ٢٥٤، وفيات الأعيان ٦/ ٣٧٨، الجواهر المضية ٣/ ٦١١، تذكرة الحفاظ ١/ ٢٩٢، سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٣٥، تاج التراجم ص ٣١٥ رقم الترجمة ٣١٣، النجوم الزاهرة ٢/ ١٠٧، طبقات الحنفية ١/ ١٢.
(٣) تبيين الحقائق ١/ ٢٠، بدائع الصنائع ١/ ١٥، الهداية ١/ ١٩، البحر الرائق ١/ ٦٩.
(٤) الآس: شجرة ورقها عطر. وهي ضرب من الرياحين، تكثر بأرض العرب. لسان العرب ٦/ ١٩ مادة أوس، المصباح المنير ١/ ٢٩ مادة الآس، مختار الصحاح ص ١٣ مادة أوس.
(٥) البابونج: نبت مزهر، كثير النفع، معرَّب بابُونَة. محيط المحيط ص ٢٥ مادة البابونج، القاموس المحيط ١/ ٢٠٩ مادة البابونج.
(٦) وذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى أن الماء المتغير بالزعفران، ونحوه من الطاهرات تغيرًا كثيرًا لا يتطهر به؛ لأنه لا يصدق عليه اسم الماء من غير قيد. بدائع الصنائع ١/ ١٥، الهداية ١/ ١٩، مختصر الطحاوي ص ١٥، حاشية رد المحتار ١/ ١٨١، الشرح الصغير ١/ ١٣، الكافي في فقه أهل المدينة ص ١٥، حلية العلماء =
[ ١ / ٨٢ ]
وطاهر فقط، وهو كل ماء أزيل به حدث، أو أقيمت به قربة.
منحة السلوك
وههنا تفريعات أخر ذكرتها في شرحي "المستجمع" فمن رامها (^١) فعليه بذيله (^٢).