قوله: واقتصرت على عشرة كتب، هي أهم كتب الفقه له، وأحقها بالتقديم.
أقول: هذا بيان لقوله: هذا مختصر في علم الفقه؛ لأنه لما قال ذلك ألقى في ذهن السامع أنه مختصر، ولكن ما تحقق عنده كيفية اختصاره ولا كمية أبوابه، ولما قال: على عشرة كتب، انتقش في ذهنه أنه على عشرة كتب، ليس إلا.
وقوله: "هي أهم كتب الفقه".
_________________
(١) في د من أهم.
(٢) وجملة بقدر ما وسعه وقته متعلق بجمعت.
(٣) أي الضمير في وسعه المنصوب على المفعول والضمير المجرور في كلمة "وقته" عائدان إلى المختصر.
(٤) لم أعثر على تلك النسخة.
[ ١ / ٥٦ ]
وهي كتاب الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج.
منحة السلوك
أي: الكتب العشرة التي أذكرها أهم كتب الفقه لبعض إخواني.
وكونها (^١) أهم كتب الفقه ظاهر.
أما الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج؛ فلأنها قواعد الإسلام وأُسُّه (^٢)، لما روى البخاري (^٣) في صحيحه (^٤) بإسناده (^٥) إلى ابن عمر -﵄- (^٦)،
_________________
(١) أي: الكتب العشرة.
(٢) الأسُّ: أصل البناء، وجمعه آساس، مثل قفل وأقفال. لسان العرب ٤٦/ ٤٦ مادة أسس، مختار الصحاح ص ٧ مادة أس س، المصباح المنير ١/ ١٤ مادة أُ سَّ، القاموس المحيط ١/ ١٤٥ مادة أس س.
(٣) هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري، حبر الإسلام، والحافظ لحديث رسول الله -ﷺ- ولد سنة ١٩٤ هـ ببخارى، ونشأ يتيمًا، كان حاد الذهن، مبرزًا في الحفظ، ورأسًا في الورع، والعبادة، رحل في طلب الحديث، صنف الصحيح في ست عشرة سنة، وله أيضًا التاريخ، والضعفاء، والأدب المفرد، وغيرها توفي سنة ٢٥٤ هـ. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥، تاريخ بغداد ٢/ ٤، وفيات الأعيان ٤/ ١٨٨، شذرات الذهب ٢/ ١٣٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩١، مرآة الجنان ٢/ ١٤٦٧.
(٤) ١/ ١٢ كتاب الإيمان باب أمور الإيمان رقم ٩.
(٥) قال حدثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر -﵄- قال
(٦) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي. صاحب رسول الله -ﷺ- ولد سنة ١٠ قبل الهجرة، شهد الخندق وما بعدها، وشهد فتح أفريقية، كان من زهاد الصحابة وأكثرهم اتباعًا للسنة، كان شديد الورع شديد التحري، والتوقي في فتواه، كُفَّ بصره في آخر حياته، توفي سنة ٧٣ هـ بمكة. الإصابة ٢/ ٣٤٧، الاستيعاب ٢/ ٣٤١، شذرات الذهب ١/ ٨١، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٢٧٩.
[ ١ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
عن النبي -ﷺ- أنه قال: "بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان". فهذه أركان خمسةٌ للدين.
أما الشهادتان: فموضعهما الكلام (^١)، فلذلك لم يذكرهما المصنف؛ لأنه علم برأسه مستقل بنفسه (^٢).
وأما الصلاة فلا شك أنها تالية الإيمان، وتاليته في الكتاب، والسّنة.
_________________
(١) أي علم الكلام.
(٢) إلا أنه علم مذموم، ذمه السلف، لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق، مصادمة لنصوص الكتاب والسنة، ولما يتولد منه من الشر، وإثارة الشبهات، وإفساد الدين، والشك فيه، والحيرة، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في الصدور، بحيث تنبعث الدواعي، ويشتد الحرص على الإصرار عليها، وهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وصفوه الشبه، والشكوك، والفاضل، الذي يعلم أن الشبه، والشكوك زادت بذلك، ومن المحال أن لا يحصل الشفاء، والهدى والعلم، واليقين من كتاب الله، وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين، بل الواجب أن يجعل ما قاله الله، ورسوله، هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي، والخبري السمعي. وقد شدد السلف في التحذير من هذا العلم، فعن أبي يوسف أنه قال لبشر المريسي: "العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسًا في الكلام، قيل زنديق". وعنه أيضًا أنه قال: "من طلب العلم بالكلام تزندق"، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: "من طلب الدين بالكلام ضل". وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة، وأقبل على الكلام" ا. هـ. وإقحام المصنف الشهادتين في علم الكلام خطأ، فإن موضعهما علم التوحيد، أو علم العقائد، ونحوهما لا علم الكلام. كتاب الرد على علم المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٤، صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام ص ٤٦٤، شرح العقيدة الطحاوية ص ١١، ١٤٦٥.
[ ١ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
أما في الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣].
وأما في الحديث فما رويناه (^١) وأنها أحد شطري الإيمان (^٢)، ألا يرى أن تاركها جاحدًا: كافر بالإجماع (^٣)، وكسلًا وتهاونًا، فاسق فيؤدب، ويضرب (^٤)، وعند الشافعي (^٥):
_________________
(١) يشير إلى حديث ابن عمر السابق في ١/ ٥٧.
(٢) لعل المؤلف ﵀، يشير إلى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه ١/ ٢٠٣ رقم ٢٢٣ عن أبي مالك الأشعري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله، تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك". وقد اختلف العلماء في معنى قوله -ﷺ-: "الطهور شطر الإيمان": فقيل معناه: أن الأجر فيه ينتهي تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان. وقيل معناه: أن الإيمان يجب ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء؛ لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان، في معنى الشطر. وقيل معناه: أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهي انقياد في الظاهر. قيل المراد بالإيمان هنا: الصلاة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٣]، والطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت في الشطر، وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا. قال النووي عن القول الأخير: "وهذا القول أقرب الأقوال". شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ١٠٠، جامع العلوم والحكم ٧/ ٢ تحفة الأحوذي ٩/ ٣٤٩، فتح المبين بشرح الأربعين ص ١٨٣.
(٣) الإفصاح ١/ ١٠١، رحمة الأمة ١/ ٣٠.
(٤) تنوير الأبصار ١/ ٣٥٢، الدر المختار ٢١/ ٣٥٢، حاشية رد المحتار ١/ ٣٥٢.
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس المطلبي القرشي، أحد أئمة المذاهب =
[ ١ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
يقتل (^١). فقيل: حدًا، وقيل: كفرًا (^٢).
وقد ورد في تاركها وعيد شديد لما روى مسلم (^٣) في صحيحه بإسناده إلى جابر -﵁- (^٤) قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن بين الرجل
_________________
(١) = الأربعة، وإليه ينتسب الشافعية. ولد سنة ١٥٠ هـ بغزة، فحمل إلى مكة لما فطم، فنشأ بها، وأقبل على العلوم. كان شديد الذكاء، جمع إلى علم الفقه، القراءات وعلم الأصول، والحديث، واللغة، والشعر، كان من أحذق قريش بالرمي. من تصانيفه الأم، والرسالة، وأحكام القرآن، واختلاف الحديث، وغيرها توفي سنة ٢٠٤ هـ. تذكرة الحفاظ ١/ ٣٤٦١، الانتقاء ص ٤٦٤٦، صفة الصفوة ٢/ ٢٤٨، طبقات الشافعية للسبكي ١/ ١٩٢، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/ ٥٥، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥.
(٢) رحمة الأمة ١/ ٣٠، مغني المحتاج ١/ ٣٢٧، الحاوي الكبير ٢/ ٥٢٥، الوسيط ١/ ٨٣٢، روضة الطالبين ٢/ ١٤٤٦.
(٣) مغني المحتاج ١/ ٣٢٧، الحاوي الكبير ٢/ ٥٢٥، نهاية المحتاج ٢/ ٤٢٨، روضة الطالبين ٢/ ١٤٤٦، الوسيط ١/ ٨٣٢.
(٤) هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أبو الحسين، الإمام، الحافظ، صاحب المسند الصحيح، من أئمة المحدثين. ولد بنيسابور سنة ٢٠٤ هـ رحل إلى الشام، ومصر، والعراق في طلب الحديث، ولازم البخاري وحذا حذوه. صنف صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. توفي سنة ٢٦١ هـ بنيسابور. من مصنفاته: صحيح مسلم، والمسند الكبير، وكتاب العلل، وكتاب الطبقات، وغيرها. تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٨، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٥٧، وفيات الأعيان ٥/ ١٩٤، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٤٦٤، طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٧، الفهرست ص ٢٨٤٦.
(٥) هو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الأنصاري السلمي. صحابي جليل، ولد سنة ١٤٦ قبل الهجرة، شهد بيعة العقبة، وغزا مع رسول الله -ﷺ- تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين الرواية عن رسول الله -ﷺ- كان مفتي المدينة في زمانه، كف بصره قبل موته. وتوفي بالمدينة سنة ٧٨ هـ. الإصابة ١/ ٢١٣، سير أعلام النبلاء ٣/ ١٨٩، التاريخ الكبير ٢/ ٢٠٧، أسد الغابة ١/ ٣٠٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/ ١٤٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٤٠، شذرات الذهب ١/ ٨٤.
[ ١ / ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
والكفر ترك الصلاة" (^١) (^٢).
وأما الطهارة: فهي شرطها، فلا تنفكُّ عنها.
وأما الزكاة: فلا ريب أنها تالية الصلاة، وثانيتها في الكتاب، والسنة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وأما في الحديث فما رويناه (^٣)، وأنها من أعظم أركان الدين، وكيف لا؟
وقد قال ﵊: "ما من صاحب إبلٍ، ولا بقرٍ، ولا غنمٍ لا يؤدي زكاتها، إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت، وأسمنه، تنطحه
_________________
(١) رواه الإمام مسلم ١/ ٨٨ كتاب الإيمان باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة رقم ١٣٤ بلفظ "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة".
(٢) ومما ورد في تاركها من الوعيد الشديد قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر، الآيتان: ٤٢، ٤٣] وقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٥]، وعن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -ﷺ- ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" متفق عليه (أ)، وعن بريدة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (ب).
(٣) يعني حديث ابن عمر السابق ١/ ٥٧، "بني الإسلام على خمس ". (أ) البخاري ١/ ١٧ رقم ٢٥ كتاب الإيمان باب فإن تابو وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم رقم ٢٥، ومسلم ١/ ٥٣ كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. (ب) جامع الترمذي ٧/ ٢٨٣ كتاب الإيمان باب ما جاء في ترك الصلاة رقم ٢٦٢٣.
[ ١ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
بقرونها وتطؤه بأظلافها (^١)، كلما نفدت (^٢) أُخراها، عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس" رواه مسلم، وابن ماجه (^٣)، وفي صحيح مسلم أيضًا (^٤)، عن أبي هريرة -﵁- (^٥) قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح (^٦) من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين
_________________
(١) الأظلاف: من الشَّاء والبقر ونحوه، كالظُّفُر من الإنسان، ويقال: للبعير المنسم، وللفرس السنبك، وللطير: المخلب، وللسبع البرثن. المصباح المنير ٢/ ٣٨٥، القاموس المحيط ٣/ ١٢٥ مادة ظ ل ف، معجم مقاييس اللغة ٣/ ٤٤٦٧ باب الظاء واللام وما يثلثهما مادة ظلف، فقه اللغة ١/ ١١٠.
(٢) في حاشية الأصل: "قوله: كلما نفدت بالدال المهملة من باب علم يعلم" ا. هـ. مصنف.
(٣) مسلم ٢/ ٤٦٨٥ كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة رقم ٢٨، (٩٩٨) عن جابر بن عبد الله -﵄-، وابن ماجه ١/ ٥٤٦٩ كتاب الزكاة باب ما جاء في منع الزكاة رقم ١٧٨٥ عن أبي ذر الغفاري -﵁-.
(٤) ٢/ ٤٦٨٠ كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة رقم ٩٨٧.
(٥) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقيل: في اسمه غير ذلك، صحابي جليل، راوية الإسلام، ولد سنة ٢١ قبل الهجرة، ونشأ يتيمًا أسلم ٧ هـ، وهاجر إلى المدينة، ولزم صحبة رسول الله -ﷺ- فروى عنه أكثر من خمسة آلاف حديث. كان رأسًا في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه. توفي سنة ٥٧ هـ بالمدينة. سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٧٨، أسد الغابة ٤٦/ ٣١٨، الإصابة ٤/ ٢٠٢، شذرات الذهب ١/ ٤٦٣، حلية الأولياء ١/ ٣٧٤٦.
(٦) في هامش الأصل؛ قوله: "صفايح الصفايح جمع صفيحة مثل اللوح" ا. هـ. مصنف. لسان العرب ٢/ ٥١٣ مادة صفح، القاموس المحيط ٢/ ٨٢٧ مادة ص ف ح، مختار الصحاح ص ١٥٣ مادة ص ف ح، معجم مقاييس اللغة ٣/ ٢٩٣ باب الصاد والفاء وما يثلثهما مادة صفح.
[ ١ / ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
العباد (^١)، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار".
وأما الصوم فلا زيغ (^٢) أنه من جملة ما يبتنى عليه الإسلام، وأنه هو العبادة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه، وإن كان جميع العبادات له في الحقيقة على ما روي في صحيح مسلم (^٣)، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: قال الله ﷿: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به".
وأما الحج فهو أيضًا من شعائر الإسلام، وتُقام به شعائر الله تعالى، ويحصل به الجنة؛ لما روى مسلم في صحيحه (^٤)، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وفيه أيضًا (^٥)، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من أتى هذا البيت فلم يرفث (^٦)،
_________________
(١) كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [سورة التوبة، الآيتان: ٣٤، ٣٥].
(٢) الزيغ: الميل. يقال: زاغ عن الطريق يزيغُ إذا عَدَلَ عنه. لسان العرب ٨/ ٤٣٢ مادة زيغ، المصباح المنير ١/ ٢٤٦١ مادة زَاغَتِ، مختار الصحاح ص ١١٨ مادة ز ي غ.
(٣) ٢/ ٨٠٤٦ كتاب الصيام باب فضل الصيام رقم ١١٥١.
(٤) ٢/ ٩٨٣ كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة رقم الحديث ١٣٤٩.
(٥) أي في صحيح مسلم ٢/ ٩٨٣ كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة رقم الحديث ١٣٥٠ لفظ مسلم "ومن حج فلم يرفث ولم يفسق".
(٦) الرفث: الجماع وغيره، مما يكون بين الرجل، وامرأته، ويطلق على الفحش من القول.=
[ ١ / ٦٣ ]
والجهاد
منحة السلوك
ولم يفسق (^١)، رجع كما ولدته أمه".
وفي رواية ابن ماجه (^٢): "من حج هذا البيت" إلى آخره.
وأما الجهاد فلا مِراء أنه من قواعد الإسلام (^٣)، ألا يرى أن التولي من الزحف كيف عُدّ من الكبائر؟ (^٤) وكيف رغّب رسول الله -ﷺ- فيه؟ وقال:
_________________
(١) = لسان العرب ٢/ ١٥٢ مادة رفث، مختار الصحاح ص ١٠٥ مادة ر ف ث، المصباح المنير ١/ ٢٣٢ مادة رَفَثَ.
(٢) الفسق: هو الخروج عن الطَّاعة. معجم مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٢ باب الفاء والسين وما يثلثهما مادة "فسق"، المصباح المنير ٢/ ٤٧٣ مادة فَسَقَ، القاموس المحيط ٣/ ٤٩٠ مادة ف س ق.
(٣) في السنن ٢/ ٩٦٤ كتاب المناسك، باب فضل الحج، والعمرة رقم الحديث ٢٨٨٩ وهو عند البخاري ٢/ ٦٤٥ أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [سورة البقرة، الآية ١٩٧] رقم الحديث ١٧٢٣ بلفظ "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" عن أبي هريرة -﵁-.
(٤) ولكونه سعيًا في إظهار كلمة الله بدار الحرب. وهو ذروة سنام هذا الدين، يقول النبي -ﷺ-: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (أ). عن معاذ بن جبل -﵁-.
(٥) روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (ب). (أ) الترمذي ٧/ ٢٨٠ كتاب الإيمان باب ما جاء في حرمة الصلاة رقم ٢٦١٩. (ب) ٣/ ١٠١٧ كتاب الوصايا باب قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [سورة النساء، الآية ١٠] رقم ٢٦١٥.
[ ١ / ٦٤ ]
والصيد مع الذبائح والكراهية
منحة السلوك
" تضمَّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادًا في سبيلي، وإيمانًا بي، وتصديقًا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال، من أجرٍ، أو غنيمةٍ، والذي نفس محمدٍ بيده، ما من كَلْم (^١) يُكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلِم، لونه لون دم، وريحه ريح مسكٍ"، الحديث بتمامه في صحيح مسلم (^٢) (^٣).
وأما الصيد، والذبائح، فلا ريبة أنهما يكثران من الخلق بالنسبة إلى غيرهما من المباحات، لا سيما الذبائح، فتكون الحاجة ماسة إلى علمه.
وأما الكراهية: فلا غَرْوَ أن (^٤) فيها بيان الحل، والحرمة، ولا شك أنَّ تمييز الحلال من الحرام، والاجتناب عنه (^٥).
_________________
(١) الكَلْمُ هو: الجُرْح، وكلمته كلمًا من باب قتل جرحته: ومن باب ضرب لغة، ثم أطلق المصدر على الجرح، وجمع على كلوم وكِلام، مثل بحر، وبحور، وبحار. لسان العرب ١٢/ ٥٢٤ مادة كلم، مختار الصحاح ص ٢٤٠ مادة كلم ك ل م، المصباح المنير ٢/ ٥٤٠ مادة كلَّمتُهُ.
(٢) وتمامه: "والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم، أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل".
(٣) ٣/ ١٤٩٥ كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد، والخروج في سبيل الله رقم ١٨٧٦ عن أبي هريرة -﵁-.
(٤) أي لا عَجَبَ. المصباح المنير ٢/ ٤٤٦ مادة غَرِي، مختار الصحاح ص ١٩٨ مادة غ ر ا، القاموس المحيط ٣/ ٣٨٩ مادة غ ر و.
(٥) أي عن الحرام.
[ ١ / ٦٥ ]
والفرائض
منحة السلوك
من قواعد الإسلام (^١).
وأما الفرائض فلا عندد (^٢) أنها نصف العلم، لقوله -ﷺ-: "تعلموا الفرائض، وعلموه فإنه نصف العلم، وهو يُنسى، وهو أول شيء ينزع من
_________________
(١) ففي الصحيحين (أ) عن النعمان بن بشير -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، إلا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وهذا الحديث، من القواعد التي يدور عليها الإسلام. قال ابن دقيق العيد: "هذا الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة وأجمع العلماء على عظيم موقعه، وكثير فوائده". قال إسحاق بن راهويه: "أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر: إن الأعمال بالنيات، وحديث: الحلال بين والحرام بين، وحديث: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه، وحديث: من صنع في أمرنا شيئًا ليس منه فهو رد". وقال أبو داود: "الفقه يدور على خمسة أحاديث: الحلال بين والحرام بين، وقوله: لا ضرر ولا ضرار، وقوله: الأعمال بالنيات، وقوله: الدين النصيحة، وقوله: وما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم". جامع العلوم والحكم ١/ ٦٢، شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد ص ٢٤.
(٢) فلا عنددَ: أي لا سبيل، ولا شك، ويقال: عندَدٌ وعُندد أي بد وما لي عن ذاك عندَد وعندُد، أي: محيص. لسان العرب ٣/ ٣١٠ مادة عند، القاموس المحيط ٣/ ٣٢٢ مادة ع ن د، مجمل اللغة ص ٤٨٧ باب العين والنون وما يثلثهما مادة عند، معجم مقاييس اللغة ٤/ ١٥٤ باب العين والنون وما يثلثهما مادة "عند". (أ) البخاري ١/ ٢٨ رقم ٥، ومسلم ٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩.
[ ١ / ٦٦ ]
والكسب مع الأدب.
منحة السلوك
أمتي" رواه ابن ماجه (^١).
وقال ﵊: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضلٌ، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة" رواه أبو داود (^٢).
وأما الكسب مع الأدب فلا معلندد (^٣) أنَّ طلب الكسب فريضة، فيكون
_________________
(١) ٢/ ٩٠٨ كتاب الفرائض باب الحث على تعليم الفرائض رقم ٢٧١٩، وابن عدي ٢/ ٣٨٣ في ترجمة حفص ابن عمر بن أبي العطاف والدارقطني في السنن ٤/ ٦٧ كتاب الفرائض رقم ١، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٢ كتاب الفرائض، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٠٩ كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض. من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف، ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-. قال البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٠٩: "تفرد به حفص بن عمر وليس بالقوي". قال ابن عدي عن الحديث: "لا يصح". وقال ابن كثير في تفسيره ١/ ٤٥٧: "وفي إسناده ضعف". وقال الذهبي -في تعليقه على المستدرك الحاكم ٤/ ٣٣٢: "حفص واه بمرة، والحديث ضعيف". وقال الذهبي أيضًا -في تعليقه على مستدرك الحاكم ٣/ ٧٩ -: "ومداره على حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو متروك".
(٢) ٣/ ١١٩ كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض رقم ٢٨٨٥، وابن ماجه ١/ ٢١ في المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس رقم ٥٤، والدارقطني في السنن ٤/ ٦٧ كتاب الفرائض رقم ٢، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٢ كتاب الفرائض، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢٠٨ كتاب الفرائض باب الحث على تعليم الفرائض، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢٩. عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-. وفي إسناده: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وقد تكلم فيه غير واحد، وفيه أيضًا عبد الرحمن بن رافع، وقد غمزه البخاري، وابن أبي حاتم. قال الذهبي في التلخيص على المستدرك ٤/ ٣٣٢: ضعيف. تهذيب الكمال ١٧/ ١٠٢، ميزان الاعتدال/ ٥٦٠.
(٣) أي: لا سبيل، وما لي عنه معلندد: أي سبيل. =
[ ١ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
داخلًا في القواعد (^١).
والأدب: التخلق بالأخلاق الحميدة.
ولا شك أن التأدب بالآداب الحسنة واجب، وترك الآداب في كثير من المواضع يوجب الفسق، ويسقط العدالة.
هذا بيان وجه اختيار المصنف هذه الكتب العشرة، على (^٢) أنَّا نقول: إنها (^٣) أكثر وقوعًا بالنسبة إلى غيرها، فإن المكلَّف يمكن أن لا يقع له في عمره شيء، من الوكالة (^٤)، أو الكفالة (^٥)، أو المضاربة (^٦)،
_________________
(١) = لسان العرب ٣/ ٣١٠ مادة عند، القاموس المحيط ٣/ ٣٢٢ مادة ع ن د، مجمل اللغة ص ٥٢٨ باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاث أحرف أوله عين.
(٢) ولأن الكسب سبب القوت، والطاقة، وهي: سبب إقامة الطاعة.
(٣) في هامش الأصل: "على: إشارة إلى جواب ثانٍ بمعنى مع أنا نقول. هـ. مصنف".
(٤) أي الكتب العشرة.
(٥) وكلتُ الأمر إليه (وكلًا) و(وكولًا): فوضته إليه، واكتفيت به. واصطلاحًا: أن يكل المرء أمره إلى غيره ممن يقوم مقامه. المصباح المنير ٢/ ٦٧٠ مادة وكلتُ، القاموس المحيط ٤/ ٦٥٣ مادة وك ل. مختار الصحاح ص ٣٠٦ مادة وك ل، حلية الفقهاء ص ١٤٥، الدر النقي ٣/ ٥١٣، لغة الفقه ص ٢٠٦، طلبة الطلبة ص ٢٨١، المطلع ص ٢٥٨، النظم المستعذب ٢/ ٦.
(٦) الكفيل: هو الضامن، أصلها من الضم. المصباح المنير ٢/ ٥٣٦ مادة كفَلَتُ، القاموس المحيط ٤/ ٦٨ مادة ك ف ل، مختار الصحاح ص ٢٣٩ مادة ك ف ل، طلبة الطلبة ص ٢٨٤، المطلع ص ٢٤٩.
(٧) المضاربة: لغة هي القراض. واصطلاحًا: معاقدة دفع النقد إلى من يعمل فيه، على أن الربح بينهما على ما شرطا، مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السير. =
[ ١ / ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
أو الرهن (^١)، أو الهبة (^٢)، أو العارية (^٣)، أو نحوها (^٤)، ولا يمكن شرعًا أن لا يقع له شيء في مسألة الطهارة، أو الصلاة، أو الصوم، أو الفرائض، أو الكراهية، أو الكسب؛ وعدم الوقوع في حق البعض، لوجود المانع، نادر بالنسبة إلى الوقوع في حق الأكثرين، والنادر كالمعدوم عند وجود الأكثر، فافهم.
_________________
(١) = مختار الصحاح ص ١٥٩ مادة ض ر ب، المصباح المنير ٢/ ٣٥٩ مادة ضربه، طلبة الطلبة ص ٣٠١، المطلع ص ٢٦١.
(٢) الرهن: في اللغة: الثبوت والدوام، وقيل: من الحبس. وفي الشرع: المال الذي يجعل وثيقة بالدين، ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه. المغرب ص ٢٠٣ مادة رهنت، التعريفات ص ١٢٥، طلبة الطلبة ص ٢٩٧، حلية الفقهاء ص ١٤١، الدر النقي ٢/ ٤٨٣، المطلع ص ٢٤٧، النظم المستعذب ١/ ٢٦٣.
(٣) الهبة: لغة: هي العطية بلا عوض. يقال: وهبتُ لزيدٍ مالًا (أهبُهُ) له (هِبَة) أي أعطيته بلا عوض. واصطلاحًا: تمليك عين، بلا عوض. المصباح المنير ٢/ ٦٧٣ مادة وهب، القاموس المحيط ٤/ ٦٦١ مادة وهـ ب، مختار الصحاح ص ٣٠٧ مادة وهـ ب، طلبة الطلبة ص ٢٢١، التعريفات ص ٢٥٧، أنيس الفقهاء ص ٢٥٥.
(٤) العاريَّة: لغة الخلو، والمفارقة، وتطلق ويراد بها الثبات، والملازمة، والغشيان. واصطلاحًا: إباحة منافع أعيان، يصح الانتفاع بها مع بقاء عينها. معجم مقاييس اللغة ٤/ ٢٩٥ باب العين والراء وما يثلثهما مادة عروى، مجمل اللغة ص ٥١٦ باب العين والراء وما يثلثهما مادة عرى، لسان العرب ١٥/ ٤٤ مادة عرا. المصباح المنير ٢/ ٤٠٦ مادة عراه، التعريفات ص ١٦٠، أنيس الفقهاء ص ٢٥١، المطلع ص ٢٧٢، النظم المستعذب ٢/ ١٦.
(٥) كالمزارعة، والمساقاة، والوقف، والشفعة، والسلم، والحوالة، والجعالة، والإيلاء، واللعان.
[ ١ / ٦٩ ]
نفعه الله به، وجعله سببًا لترقيه إلى أعلى مراتب سعادة الآخرة، والله الموفق.
منحة السلوك
قوله: نفعه الله به، وجعله سببًا لترقيه (^١) إلى أعلى مراتب سعادة الآخرة.
أقول: أي نفع الله بعض إخواني في الدين بهذا المختصر.
هذه جملة دعائية إخبار في معنى الإنشاء، تقديره: اللهم انفعه به، أي: وفقه وارزقه العمل بما فيه؛ لأنه حين يعمل بما فيه، يهديه إلى صراط مستقيم، ويرشده إلى منهج قويم.
قوله: "وجعله سببًا لترقيه": أي جعل الله هذا المختصر، سببًا لترقي بعض إخواني في الدين، الذي يشتغل فيه، ويعمل بما فيه، إلى أعلى مراتب الآخرة، وهو نظره إلى ربه الكريم (^٢)، من غير كيف ولا تشبيه (^٣)، ولا قرب
_________________
(١) رقى إلى الشيء رُقيًّا ورُقوًّا، وارتقى يرتقي وتَرَقَّى: صَعِد. لسان العرب ١٤/ ٣٣١ مادة رقا، مختار الصحاح ص ١٠٧ مادة ر ق ي، المصباح المنير ١/ ٢٣٦ مادة رَقَيْتُهُ.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ورؤيته سبحانه هي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين، وإن كانوا في الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به". فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/ ٤٨٥.
(٣) لقد شبه النبي -ﷺ- رؤية الشمس والقمر، برؤية الله، من حيث أنهم يشاهدون الله عيانًا دون حجاب، كما يشاهدون الشمس والقمر عيانًا، دون سحاب. يقول أبو هريرة -﵁- إن ناسًا قالوا لرسول الله: يا رسول الله -ﷺ- هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله -ﷺقال: فإنكم ترونه كذلك "متفق عليه" (أ). فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي. = (أ) البخاري ١/ ٢٠٣ كتاب مواقيت الصلاة باب فضل صلاة العصر رقم ٥٢٩، مسلم ١/ ١٦٣ كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية رقم ٢٩٩.
[ ١ / ٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
قريبٍ، ولا بعد بعيدٍ (^١)، نازلًا في دار البقاء، وحالًا في دار الكرامة.
اللهم ارزقنا ذلك يا خير الناصرين، ويا رب العالمين.
وهذه أيضًا جملة دعائية، إخبار في معنى الإنشاء.
ومعنى الترقي: هو التصعد، والتدرج، وهو: الوصول من الأدنى إلى الأعلى، على سبيل التدريج. فافهم.
_________________
(١) = الرسالة التدمرية ص ١٨٠، العقيدة الواسطية ص ١٤٠، حادي الأرواح ص ٣٢٦، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ص ٢٠٠.
(٢) قوله: "ولا قرب قريب، ولا بعد بعيد" هذا من الجمع بين المتناقضات، فكيف يكون لا قريبًا ولا بعيدًا! بل إن من دخل دار الكرامة، فهو قريب من الله ﷻ.
[ ١ / ٧١ ]