أقول: أي هذا الكتاب الذي صنفت، كتاب مختصر.
هذا التقدير إذا كانت الخطبة بعد الفراغ من التصنيف، وإن كانت (^٢) في أول الشروع، تكون الإشارة حينئذ إلى ما في خاطره؛ لأنه تصور في خاطره أن يصنف كتابًا صفته كذا وكذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] (^٣)، فإنه ﵇ أشار إلى الكعبة قبل بنائها؛ لأنه تصورها في قلبه؛ ما من شأنها يكون كذا وكذا.
وقوله: "في علم الفقه".
أي: في بعض علم الفقه، وإنما قلنا هكذا؛ لأن هذا المختصر، مقتصر على عشرة كتب، ليس إلا.
والفقه في اللغة: الفهم. كما في قوله تعالى: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨]
_________________
(١) في نسخة ب جـ د "هذا كتاب مختصر".
(٢) أي: الخطبة.
(٣) الأقرب هو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢٦] قال ابن كثير ﵀: قال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٢٦] أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٣٥] وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية، بعد بناء البيت، واستقرار أهله به. تفسير ابن كثير ١/ ٢٤٦٠.
[ ١ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
أي: يفهموا (^١).
وفي اصطلاح الفقهاء: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية، من أدلتها التفصيلية.
وعن أبي حنيفة (^٢): أنه معرفة النفس ما لها (^٣)، وما عليها (^٤).
وقيد بقوله: "لبعض إخواني"؛ لأنه لا يمكن أن يكون هذا المختصر لجميع إخوانه؛ لأن المؤمنين شرقًا وغربًا كلهم إخوانه في الدين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وإنما قيد بقوله: "في الدين"، احترازًا عما إذا كان له أخ في النسب، ولم يكن أخًا له في الدين مثل ما إذا كان كافرًا.
وقوله: "بقدر ما وسعه وقته".
_________________
(١) لسان العرب ١٣/ ٥٢٢ مادة فقه، القاموس المحيط ٣/ ٥١٣ مادة ف ق هـ، المصباح المنير ٢/ ٤٧٩ مادة الفِقهُ، معجم مقاييس اللغة ٤/ ٤٤٢ باب الفاء والقاف وما يثلثهما مادة فقه.
(٢) هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن كاوس التيمي بالولاء، الفقيه، المجتهد، المحقق، أحد أئمة المذاهب الأربعة، ولد سنة ٨٠ هجرية، بالكوفة، وبها نشأ، كان يبيع الخز ويطلب العلم، ثم انقطع للدرس والإفتاء، سمع خلقًا من التابعين. قال الشافعي: "ما طلب أحد الفقه، إلا كان عيالًا على أبي حنيفة". مات سنة ١٥٠ هـ. التاريخ الكبير للبخاري ٨/ ٨١، تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣، تذكرة الحفاظ ١/ ١٤٦٨، الجواهر المضيئة ١/ ٤٩، الانتقاء لابن عبد البر ص ١٢١، سير أعلام النبلاء ٤٦/ ٣٩٠، تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٤٩.
(٣) أي من الثواب.
(٤) أي من العقاب ومما أوجب الله عليها من الشرائع والأعمال. الفتاوى التتارخانية ١/ ٤٦٩، البحر الرائق ١/ ٤٦.
[ ١ / ٥٥ ]
واقتصرت فيه على عشرة كتب، هي أهم (^١) كتب الفقه له، وأحقها بالتقديم.
منحة السلوك
أي: جمعته بقدر ما وسع هذا المختصر وقت المختصر. فالضمير في وسعه، منصوب على المفعوليّة، وفاعله قوله وقته، والضمير في وقته، مجرور بالإضافة (^٢) وكلاهما (^٣) عائدان إلى المختصر.
وفي بعض النسخ بقدر ما وسعني وقته (^٤).
والحاصل أن هذا اعتذار من المصنف في سبب الاختصار، وهو عدم وسعه الوقت على أطول من هذا، إما باعتبار أن المختصر مطلوب مرغوب فيه، وإما باعتبار كونه مشغولًا بخلافه أيضًا، ولم يساعده وقته إلا بهذا المقدار. وهذا هو الظاهر، فافهم.