منحة السلوك
في الإناء، حتى يُفرغ عليها مرتين، أو ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده".
قال أبو عيسى (^١) (^٢): هذا حديث حسن صحيح.
[الترتيب]
الرابعة: الترتيب، وهو أن يبدأ بما بدأ الله بذكره (^٣).
وقال الشافعي: هو فرض؛ لأن الواو للترتيب (^٤).
_________________
(١) = أن يغسلهما؟ رقم ٣٩٣، وأبو داود ١/ ٢٥ كتاب الطهارة، باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلهما رقم ١٠٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٥ كتاب الطهارة، باب التكرار في غسل اليدين. عن أبي هريرة -﵁-. وأصل الحديث في البخاري ومسلم كما سبق في ١/ ١٤٧.
(٢) هو محمد بن عيسى بن سورة بن السلمي الترمذي، أبو عيسى. من أئمة علماء الحديث، وحفاظه، ولد سنة ٢٠٩ هـ وارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين. تتلمذ على الإمام البخاري، وشاركه في بعض شيوخه. كان يُضْرب به المثل في الحفظ. من تصانيفه: الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، والشمائل النبوية، والتاريخ، والعلل في الحديث. توفي سنة ٢٧٩ هـ، بترمذ. الأنساب للسمعاني ١/ ٥٤٩، تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨٧، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٣، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٢٨٢، شذرات الذهب ٢/ ١٧٤.
(٣) الترمذي، في جامعه ١/ ٣٥.
(٤) في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦]. فبدأ بغسل الوجه، وعطف بغسل اليدين، والرأس، والرجلين، وهو مذهب المالكية. الكتاب ١/ ١١، منية المفتي ص ٢٧، المختار ١/ ٩، بداية المبتدي ١/ ١٤، كنز الدقائق ١/ ٦، الشرح الكبير ١/ ٩٦، الشرح الصغير ١/ ٤٦.
(٥) وفاقًا للحنابلة. الأم ١/ ٤٥، مغني المحتاج ١/ ٥٤، فتح الوهاب ١/ ١١٥، الوجيز ١/ ١٣ المبدع ١٠/ ١١٤، حاشية الروض المربع لابن قاسم ١/ ١٨٤.
[ ١ / ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
ولنا: ما قلنا (^١): والواو، للجمع (^٢).
_________________
(١) من الآية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦]. تبيين الحقائق ١/ ٦.
(٢) اختلف العلماء في حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء على قولين: القول الأول: ويقضي بوجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء: وهو مذهب الشافعية (أ)، والحنابلة (ب)، وبه قال: أبو ثور، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقتادة، وإسحاق ابن راهويه، وهو قول عثمان بن عفان، وابن عباس، ورواية عن علي بن أبي طالب -﵃- (جـ). القول الثاني: عدم وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء: وهو مذهب الحنفية (د)، والمالكية (هـ)، ورواية عن أحمد (و) وبه قال: ابن مسعود، والثوري، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، والزهري، وربيعة، وهو مروي عن علي -﵁-، ومكحول، والنخعي، والزهري، والأوزاعي، واختاره: ابن المنذر، وأبو نصر البندنجي من الشافعية، والمزني (ز). الأدلة: أولًا: أدلَّة القول الأول: استدلوا بما يلي: = (أ) الوجيز ١/ ١٣، المجموع ١/ ٤٤١، نهاية المحتاج ١/ ١٧٥، روضة الطالبين ١/ ٥٥. (ب) المحرر ١/ ١٢، الإنصاف ١/ ١٣٨، منتهى الإرادات ١/ ٤٦، الشرح الكبير لابن قدامة ١/ ١٤٩. (جـ) المجموع ١/ ٤٤٣، الحاوي الكبير ١/ ١٣٨، الذخيرة ١/ ٢٧٨، الشرح الكبير لابن قدامة ١/ ٢٤٩. المغني ١/ ١٥٦. (د) فتح القدير ١/ ٣٥، تحفة الفقهاء ١/ ١٦، بدائع الصنائع ١/ ٢١، حاشية رد المحتار ١/ ١٢٢، البحر الرائق ١/ ٢٨، رؤوس المسائل ص ١٠٢. (هـ) الخرشي على خليل ١/ ١٣٥، الشرح الصغير ١/ ١٢٠، المدونة ١/ ١٤، القوانين الفقهية ص ٣٦، حاشية الدسوقي ١/ ٩٩، الذخيرة ١/ ٢٧٨. (و) المغني ١/ ١٥٦، الشرح الكبير لابن قدامة ١/ ١٤٩، الإنصاف ١/ ١٣٨. (ز) الذخيرة ١/ ٢٧٨، الحاوي الكبير ١/ ١٣٩ المغني ١/ ١٥٦، المجموع ١/ ٤٤٣، الشرح الكبير لابن قدامة ١/ ١٤٩.
[ ١ / ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١ - بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦]. وجه الاستدلال من الآية: قالوا: إن في الآية قرينة على أنه أريد بها الترتيب، فالله -جل وعلا- ذكر ممسوحًا بين مغسولات، وعادة العرب إذا ذكرت أشياء متجانسة، وغير متجانسة، جمعت المتجانسة على نسق، ثم عطفت غيرها، لا يخالفون ذلك إلا لفائدة، فلو لم يكن الترتيب واجبًا؛ لما قطع النظير عن نظيره (أ). فإن قيل: فائدته استحباب الترتيب: فالجواب من وجهين: الأول: أن الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيئًا من السنن. الوجه الثاني: أنه متى اقتضى اللفظ الترتيب، كان مأمورًا به، والأمر يقتضي الوجوب، ومذهب العرب إذا ذكرت أشياء، وعطفت بعضها على بعض، تبتديء بالأقرب، فالأقرب، لا يخالفون ذلك إلا المقصود؛ فلما بدأ سبحانه بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين، دل على الأمر بالترتيب، وإلا لقال فاغسلوا وجوهكم، وامسحوا برؤوسكم، واغسلوا أيديكم، وأرجلكم (ب).
(٢) قالوا: ولأن كل من حكى وضوء النبي -ﷺ- حكاه مرتبًا، وهو مفسر لما في كتاب الله كحديث: حمران مولى عثمان بن عفان: أنه رأى عثمان دعا بوضوء، فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات ثم قال: رأيت النبي -ﷺ- توضأ نحو وضوئي هذا (جـ) = (أ) المجموع ١/ ٤٤٣. (ب) نهاية المحتاج ١/ ١٧٥، المجموع ١/ ٤٤٤، الحاوي الكبير ١/ ١٣٨، مغني المحتاج ١/ ٥٤، المغني ١/ ١٥٦، الشرح الكبير لابن قدامة ١/ ١٤٩، شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٦. (جـ) رواه البخاري ١/ ١٧ كتاب الوضوء باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا رقم ١٥٨، ورواه أيضًا مسلم ١/ ٢٠٤ كتاب الطهارة باب صفة الوضوء وكماله رقم ٢٢٦.
[ ١ / ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكحديث: عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي -ﷺ- (أ). وكحديث: المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله -ﷺ- في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه، وهو يتوضأ، فغسل وجهه، ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين (ب). قال النووي: الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن جماعات من الصحابة في صفة وضوء النبي، كلهم وصفوه مرتبًا، مع كثرتهم، وكثرة المواطن التي رأوه فيها، وكثرة اختلافهم في صفاته، ولم يثبت فيه مع اختلاف أنواعه، صفة غير مرتبة، وفعل الرسول -ﷺ- بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك الترتيب لتركه في بعض الأحوال؛ لبيان الجواز، كما ترك التكرار في أوقات (جـ). وقال ابن القيم: كان وضوؤه مرتبًا، لم يخل به مرة واحدة البتة (د).
(٢) ولأن الوضوء عبادة، يشتمل على أفعال متغايرة، يرتبط بعضها ببعض، فوجب فيها الترتيب، كالصلاة، والحج (هـ). ثانيًا: أدلة القول الثاني: استدلوا بما يلي:
(٣) بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦]. وجه الاستدلال من الآية: قالوا: إن الله أمر بغسل الأعضاء، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع، وواو الجمع: لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلًا، فالواو: تفيد مطلق العطف، من غير تعرض لمقارنة، ولا ترتيب (و). = (أ) رواه البخاري ١/ ٨٠ كتاب الوضوء باب غسل الرجلين إلى الكعبين رقم ١٨٤. (ب) رواه البخاري ١/ ٧٨ كتاب الوضوء باب الرجل يوضيء صاحبه رقم ١٨٠. (جـ) المجموع ١/ ٤٤٥. (د) زاد المعاد ١/ ١٩٤. (هـ) الحاوي الكبير ١/ ١٤١، المجموع ١/ ٤٤٦. (و) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام ٢/ ١٠٩، فتح القدير ١/ ٣٥، البحر الرائق ١/ ٢٨، =
[ ١ / ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢ - واستدلوا أيضًا: بما رواه ابن عباس -﵄-: أن النبي -ﷺ- توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه.
(٢) وبقول علي -﵁- أنه قال: ما أبالي بأي أعضائي بدأت (أ).
(٣) وبقول ابن مسعود -﵁-: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء (ب).
(٤) ولأن الوضوء طهارة، فلم يجب فيه ترتيب، كالجنابة، وكتقديم اليمين على الشمال (جـ).
(٥) ولأنه لو اغتسل المحدث دفعة واحدة، ارتفع حدثه؛ فدل على أن الترتيب لا يجب (د). وقد رد أصحاب القول الأول على أدلة القول الثاني بما يلي:
(٦) قالوا: أما احتجاجكم بالآية: فإن الآية تدل على الوجوب كما سبق؛ فقد جاء ذكر الممسوح بين المغسولات، ومجيئه على هذه الصفة لفائدة، وهي: الترتيب، فلو لم يكن واجبًا، لما أدخل الممسوح بين المغسولات (هـ).
(٧) وأما استدلالكم بحديث ابن عباس -﵄-: أن النبي -ﷺ- توضأ، فغسل وجهه، ثم يديه، ثم رجليه، ثم مسح رأسه. فهو حديث ضعيف. قال النووي عنه: إنه ضعيف لا يعرف (و).
(٨) وأثر علي -﵁-: فيه انقطاع. قال البيهقي عنه: إنه مرسل (ز). = = حاشية رد المحتار ١/ ١٢٢، بدائع الصنائع ١/ ٢١، الذخيرة ١/ ٢٧٨، الخرشي على خليل ١/ ١٣٥. (أ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٧٨، كتاب الطهارة، باب الرخصة في البداءة باليسار. (ب) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٨٧، كتاب الطهارة، باب الرخصة في البداءة باليسار. (جـ) بدائع الصنائع ١/ ٢١، فتح القدير ١/ ٣٥، الذخيرة ١/ ٢٨٠. (د) حاشية رد المحتار ١/ ١٢٢، الخرشي على خليل ١/ ١٣٥، الذخيرة ١/ ٢٨٠. (هـ) الحاوي الكبير ١/ ١٤١، المجموع ١/ ٤٤٦، المغني ١/ ١٥٦، الشرح الكبير لابن قدامة ١/ ١٤٩. (و) المجموع ١/ ٤٤٦. (ز) السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٨٧، كتاب الطهارة.
[ ١ / ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤ - وأثر ابن مسعود -﵁-: ضعيف أيضًا. قال عنه البيهقي: هذا مرسل، ولا يثبت؛ وعلى فرض صحتها، فمعناه إنما عني به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد (أ).
(٢) قالوا: وأما قولكم: إنها طهارة، فلم يجب فيها ترتيب، كالجنابة، وكتقديم اليمين على الشمال. فالجواب عنه: أما قياسكم: الوضوء على الجنابة، فهو قياس مع الفارق، فجميع بدن الجنب بمنزلة العضو الواحد في الوضوء، فلم يجب ترتيبه، كالوجه بخلاف أعضاء الوضوء، فإنها متغايرة متفاضلة. والدليل على أن بدن الجنب شيء واحد. أنه لو جرى الماء من موضع منه إلى غيره، أجزأه، كالعضو الواحد في الوضوء، بخلاف الوضوء، فإنه لو انتقل من الوجه إلى اليد لم يجزئه. والجواب عن قياسكم: اليمين على الشمال من وجهين: الأول -أن الله رتب الأعضاء الأربعة، وأطلق الأيدي، والأرجل، ولو وجب ترتيبهما، لقال: وأيمانكم. الوجه الثاني: أن اليدين، كعضو واحد؛ لصحة إطلاق اسم اليد عليهما، فلم يجب فيهما ترتيب، كالخدين، بخلاف الأعضاء الأربعة (ب).
(٣) وقولكم: إن المحدث إذا انغمس يرتفع حدثه؛ دلالة على أن الترتيب لا يجب. فالجواب عنه: إن بعض العلماء، قال: يرتفع حدثه، ومنهم من منع، فإن منعنا فذاك، وإلا فالترتيب يحصل في لحظات لطيفة؛ ولأن الغسل يرفع الحدث الأكبر، فالأصغر أولى (جـ). وبعد عرض أدلة الفريقين، يظهر لنا رجحان القول الأول، القائل: بوجوب = (أ) السنن الكبرى ١/ ٨٧، كتاب الطهارة، المغني ١/ ١٥٧. (ب) المجموع ١/ ٤٤٦، الحاوي الكبير ١/ ١٤٢. (جـ) المجموع ١/ ٤٤٦، الحاوي ١/ ١٤٢.
[ ١ / ١٥٣ ]