أقول: قد جرى دأب السَّلف (^١)، والخَلف (^٢) من المصنِّفين ﵏، أن يُعَنْوِنُوا (^٣) كتبهم بالبسملة وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: اقتدَاء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا (^٤).
والثاني: عملًا بقوله -ﷺ-: "كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" رواه أبو داود (^٥)،
_________________
(١) السين واللام والفاء: أصل يدلُّ على تقدم، وسبق. من ذلك السلف الذين مضوا. والقوم السُّلَّاف: المتقدِّمون. معجم مقاييس اللغة ٣/ ٩٥ باب السين واللام وما يثلثهما مادة "سلف"، المصباح المنير ١/ ٢٨٥ مادة سَلَفَ، مختار الصحاح ص ١٣٠ مادة س ل ف.
(٢) الخَلَفُ: القرن يأتي بعد القرن، وخَلَفَ من قبله أي جاء بعده. لسان العرب ٩/ ٩٠ مادة خلف، المصباح المنير ١/ ١٧٨ مادة خَلَفَ -مختار الصحاح ص ٧٨ مادة خ ل ف.
(٣) عنونت الكتاب: جعلت له عُنوانًا -بضم العين- وقد -تكسر- وعنوان كل شيء: ما يُستدلُّ به عليه، ويظهره. المصباح المنير ٢/ ٤٣٤ مادة عن، مختار الصحاح ص ١٩٢ مادة ع ن ن، لسان العرب ١٣/ ٢٩٤ مادة عنن.
(٤) بالنظر إلى ما تقرر عليه استفتاح الكتاب، فكان مطابقًا لترتيبه في الابتداء بالبسملة والتثنية بالحمدلة. البناية في شرح الهداية ١/ ١٥.
(٥) هو سليمان بن الأشعث بن بشير الأزدي السجستاني، محدث البصرة، ولد سنة ٢٠٢ هـ رحل، وجمع، وصنف، وبرع في الحديث قال إبراهيم الحربي: أُلين لأبي داود الحديث، كما ألين لداود الحديد، انتقل إلى البصرة بعد تخريب الزنج لها؛ لنشر الحديث، وبها توفي سنة ٢٧٥ هـ. من مصنفاته: السنن، والمراسيل، والبعث. =
[ ١ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
وابن ماجه (^١) (^٢).
والثالث: تبرُّكًا باسم الله في ابتداء الأمر، وتفاؤلًا به؛ ليوفقه طريق الرشاد، ويسلكه سنن (^٣) السداد، ويعاذ به من شر أبي كردوس (^٤) الرجيم،
_________________
(١) = طبقات الحنابلة لأبي يعلى ١/ ١٥٩، الجرح والتعديل ٤/ ١٠١، تاريخ بغداد ٩/ ٥٥، وفيات الأعيان ٢/ ٤٠٤، تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩١، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٠٣.
(٢) هو محمد بن يزيد الربعي بالولاء القزويني، أبو عبد الله، الحافظ، الكبير، الحجة، المعمر حافظ قزوين في عصره، من أئمة المحدثين، صاحب السنة، ولد سنة ٢٠٩ هـ. رحل إلى البصرة، وبغداد، والشام، ومصر، والحجاز، والري. من تصانيفه: السنن، وتفسير القرآن، وتاريخ قزوين، توفي سنة ٢٧٣ هـ. المنتظم ١٢/ ٢٥٨، تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٣٦، شذرات الذهب ٢/ ١٦٤، وفيات الأعيان ٤/ ٢٧٩، سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٧، تهذيب التهذيب ٩/ ٥٣٠.
(٣) رواه أبو داود ٤/ ٢٦١ كتاب الأدب باب الهدي في الكلام رقم ٤٨٤٠ عن أبي هريرة -﵁- بلفظ "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم". ورواه ابن ماجه ١/ ٦١٠ كتاب النكاح باب في خطبة النكاح رقم ١٨٩٤ عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع". وليس عندهما اللفظ الذي ساقه المصنف، واللفظ الذي ساقه المصنف رواه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ١/ ٦ من طريق الحافظ الرهاوي بسنده عن أحمد بن محمد بن عمران حدثنا محمد بن صالح البصري بها حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي حدثنا بشر بن إسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال " " وقد رمز له السيوطي في الجامع الصغير ص ٣٩١ بالضعف.
(٤) سنن الطريق: أي جِهَته. لسان العرب ١٣/ ٢٢٦ مادة سنن، المصباح المنير ١/ ٢٩٢ مادة سنه، مختار الصحاح ص ١٣٣ مادة س ن ن.
(٥) وهي كنية لإبليس. أحكام الجان للشبلي ٢١، المرصع لابن الأثير ص ٣٠٢، البداية والنهاية ١/ ٥٣.
[ ١ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
ويُلاذ به (^١) من مكره (^٢) العظيم فإن فيه معاذًا للمؤمنين وملاذًا للمسلمين (^٣)، ألا ترى أن من اعتراه (^٤) خطب (^٥) جسيم (^٦)، واحتواه أمرٌ عظيمٌ، كيف يتلفظ باسم من هو يعزو نفسه إلى بابه ويعدها من جملة أحبابه ليحصل له المناص (^٧) من ذلك، والخلاص في ذلك وكيف ينبث (^٨) من حواليه وينشرد من جوانبه من هو به حصل له ما حصل، ووقع له ما وقع؟ فبالحري ذلك في
_________________
(١) لاذ به لجأ إليه، وعاذ به. مختار الصحاح ص ٢٥٣ مادة ل وذ، المصباح المنير ٢/ ٥٩٠ مادة لَاذَ، القاموس المحيط ٤/ ١٨٢ مادة ل وذ.
(٢) المكر: الاحتيال، والخديعة. مختار الصحاح ص ٢٦٣ مادة م ك ر، المصباح المنير ٢/ ٥٧٧ مادة مكر، مجمل اللغة ص ٦٧٢ باب الميم والكاف وما يثلثهما مادة "مكر".
(٣) وثمة وجه رابع، وهو الاقتداء بالنبي -ﷺ- في كتبه، ورسائله. فتح الباري ١/ ٨، تحفة الأحوذي ١/ ٩، حاشية الروض المربع ١/ ٢١.
(٤) في ق بزيادة "يعني حصل له".
(٥) الخطب: الأمر الشديد ينزل، الجمع "خُطُوبُ". المصباح المنير ١/ ١٧٣ مادة خاطبَهُ، مختار الصحاح ص ٧٦ مادة خ ط ب، القاموس المحيط ٢/ ٧٥ مادة خ ط ب.
(٦) جَسِمَ جَسمًا فهو جَسِيمٌ، أي: عظيم. المصباح المنير ١/ ١٠١ مادة جسم، مختار الصحاح ص ٤٤ مادة ج س م، القاموس المحيط ١/ ٤٩٢ مادة ج س م.
(٧) المناص: الملجأ والمفرُّ. مختار الصحاح ص ٢٨٥ مادة ن وص، المصباح المنير ٢/ ٦٣٠ مادة المناص، مجمل اللغة ص ٦٨١ باب النون والواو وما يثلثهما مادة "نوص".
(٨) ينبث عن عيوب الناس، أي: يظهرها. لسان العرب ٢/ ١٩٣ مادة نبث، معجم مقاييس اللغة ٥/ ٣٧٩ باب النون والياء وما يثلثهما مادة "نبث"، القاموس المحيط ٤/ ٣٠٩ مادة ن ب ث.
[ ١ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
اسم الله تعالى؛ لأنه هو المخلص في الدنيا والآخرة، والمنجي من مكائد أبي مرة (^١)، ومصايد الحارث (^٢)، ووساوس الولهان (^٣)، وكيف لا؟ وأن سائر أسماء الله تعالى جميعها مضمّنة (^٤) فيه، مندرجة (^٥) فيما تحته، كما قيل: إن لفظة الله: اسم للذات، مستجمع لجميع الصفات، وإن سورة التوحيد، مخصوصة به، وكلمة الشهادة واقعة به، والأيمان مشروعة به.
_________________
(١) في ق بزيادة "إبليس". وأبو مرة: كنية لإبليس. ومن كناه أيضًا أبو الكروبيين. لسان العرب ٥/ ١٧١ مادة مرر، فتح الباري ٦/ ٣٣٩، القاموس المحيط ٤/ ٢٢٧ مادة "مرّ".
(٢) الحارث: من أسماء إبليس، وكذا الحكم، قال ابن عباس -﵄-: كان اسم إبليس قبل أن يرتكب المعصية: عزازيل. فتح الباري ٦/ ٣٣٩، البداية والنهاية ١/ ٥٠، ٥٣.
(٣) جاء في جامع الترمذي ١/ ٦٢ رقم ٥٧ وابن ماجه ١/ ١٤٦ رقم ٤٢١ وأحمد ٥/ ١٣٦ عن أبي بن كعب -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: "إن للوضوء شيطانًا، يقال: له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". وفي سنده خارجة بن مصعب قال الحافظ عنه في التقريب ص ١٨٦: متروك وكان يدلس عن الكذابين. وقال الترمذي: حديث أبي بن كعب: حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، ولا يصح في هذا الباب عن النبي -ﷺ- شيء.
(٤) كل شيء جعلته في وعاءٍ، فقد ضَمنته إياه. مختار الصحاح ص ١٦١ مادة ض م ن، المصباح المنير ٢/ ٣٦٤ مادة ضمِنتُ، مجمل اللغة ص ٤٣٥ باب الضاد والميم وما يثلثهما مادة "ضمن".
(٥) يقال دَرَجَ الشيء في الشيء يدرجه درجًا، وأدرَجَه: طواه وأدخله. ويقال لما طويته: أدرجته؛ لأنه يطوى على وجهه وأدرجتُ الكتاب: طويته. لسان العرب ٢/ ٢٦٩ مادة درج، المصباح المنير ١/ ١٩١ مادة درج، مختار الصحاح ص ٨٥ مادة درج.
[ ١ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
ولو بسطنا القول فيه، من حيث الاشتقاق، والوضع، والإعراب، والمعاني (^١)، والبيان (^٢)، والبديع (^٣)، ومن حيث اختلاف المجتهدين (^٤) فيما يبتنى عليه (^٥) من الأحكام، ومن حيث الثواب والفضيلة، ومن حيث ما ورد فيه من الآثار والأخبار؛ لاحتجنا إلى دفاتر ما تحمل على الأكتاف؛ ولكن نذكر شيئًا نزرًا (^٦)، بقدر ما يتحمله هذا المختصر؛
_________________
(١) علم المعاني: علم يعرف به أحوال اللفظ العربي، الذي يطابق مقتضى الحال. التعريفات ص ١٦٩، محيط المحيط ص ٨٥٧ مادة معن، كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة ١/ ١٠.
(٢) علم البيان: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد، بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه. التعريفات ص ١٦٩، محيط المحيط ص ٦٥ مادة بَيْنَ، كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة ١/ ١١.
(٣) علم البديع: علم يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعاية مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ورعاية وضوح الدلالة، أي الخلو عن التعقيد المعنوي. التعريفات ص ١٦٩، محيط المحيط ص ٣١ مادة بَدَعَهُ، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة ١/ ١١.
(٤) الاجتهاد في اللغة: من الجهد -بالضم والفتح، وهو: استفراغ الوسع في تحصيل أمر، ولا يستعمل إلا فيما فيه مشقة، يقال: اجتهد في حمل الصخرة، ولا يقال: اجتهد في حمل القلم. وفي الاصطلاح: استفراغ الوسع في طلب الظن، بشيء من الأحكام الشرعية، على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه. المصباح المنير ١/ ١١٢ مادة الجهد، القاموس المحيط ١/ ٥٤٥ مادة ج هـ د، المستصفى ٢/ ١٠١، الحدود للباجي ص ٦٤، المحصول ٢/ ٣، الأحكام للآمدي ٤/ ٢١٨، تيسير التحرير ٤/ ١٧٨، البحر المحيط ٣/ ٢٨١، جمع الجوامع حاشية البناني ٢/ ٣٧٩، سلاسل الذهب ص ٤٣٧.
(٥) في ر زيادة "كثير".
(٦) النزر: هو القليل يتعدى بالحركة، فيقال: نزرته نزرًا، من باب قتل، المصباح =
[ ١ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منحة السلوك
تشفيًا (^١) لصدور الناظرين، وتروّيًا (^٢) لقلوب الواردين.