روى زر عن عبد الله قال: كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعن غروبها ونصف النهار.
وروى عن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيها أو نقبر فيها موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تنصب الشمس للغروب حتى تغرب وخرج الآثار بذلك من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة ومعان متفقة في بعضها فإن الشمس تطلع بين قرني الشيطان وهي ساعة صلاة الكفار فدع الصلاة حتى ترتفع ويذهب شعاعها.
[ ١ / ٦٧ ]
وفي بعضها حتى ترتفع قدر رمح لا خلاف أن التطوع كله قد دخل في النهي المذكور في هذه الآثار غير أن مالكا ﵀ ذهب إلى أن الصلاة غير منهي عنها عند قيام الشمس لأنها كما تقوم تميل من غير أن يتخللها زمان يتهيأ فيه صلاة ولكن رسول الله ﷺ هو الحجة ولم ينه إلا عن ممكن وقد وجدناها تقوم وتكون شبه المضطربة مدة ما ثم تزول وأبا يوسف والشافعي استثنيا يوم الجمعة عند قيام الظهيرة واحتجا في ذلك بآثار فيها استثناء يوم الجمعة من النهي لم نجد لها صحة ولا رويت عن ثبت ممن يؤخذ عنهم العلم وإنما هي آثار منقطعة لا أسانيد لها وما كان مثل هذا لم يجز الاحتجاج به وقد احتج لهما بعض بأنه لما أمر رسول الله ﷺ بالابراد بصلاة الظهر في الحر ولم يأمر بذلك في يوم الجمعة علم أن يوم الجمعة مخصوص بمعنى لم يوجد في سائر الأيام ورد بأن الابراد بعد الزوال والوقت المنهي عن الصلاة فيه عند قيام الشمس وهما مختلفان لكل منهما حكم غير حكم صاحبه.
واختلف أهل العلم في قضاء المكتوبات في هذه الساعات فقيل لا يجوز فيها شيء من المكتوبات إلا عصر اليوم الذي يصلى فيه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏ لأن آخر وقت العصر غروب الشمس فأخرجوها من عموم النهي في ذلك الوقت والقياس أن يكون آخر وقتها تغير الشمس لأن كل وقت سوى ذلك الوقت يجوز أن تصلى فيه الفرائض يجوز أن تصلى فيه النوافل وما لا فلا وهذا قول أبي بكرة الصحابي روى عن ابنه يزيد أنه قال: واعدنا أبو بكرة إلى أرض له فسبقنا إليها فأتيناه ولم يصل العصر فوضع رأسه فنام ثم استيقظ وقد تغيرت الشمس فقال: أصليتم العصر؟ فقلنا: لا قال: ما كنت أنتظر غيركم فأمهل عن الصلاة حتى غابت الشمس ثم صلاها فهذا هو القياس في هذا الباب وذهب مالك والشافعي إلى أن المنهي عنه هو التطوع لا غير والقياس يرد ذلك لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في أوقات كما نهى عن الصيام في أيام من العام
[ ١ / ٦٨ ]
فكما لم يجز الصيام في الأيام الخمسة تطوعا وفرضا لا يجوز أن تقضى تلك الأوقات صلاة فريضة ولا يصلى فيها تطوع.
فإن قيل ورد النهي بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس وبعد صلاة العصر إلى أن تغرب وخص بالتطوع اتفاقا وصح قضاء الفائتات فيهما فليكن النهي في هذه الأوقات كذلك لأن أحكام الصلاة بأحكام الصلاة أشبه من الصيام قلنا: النهي فيهما لمعنى في الصلاة بدليل أن من صلى العصر أو الصبح ليس له أن يصلي فيهما التطوع ومن لم يكن صلاهما له أن يصلي فيهما والوقت بالنسبة إليهما واحد في الأوقات الثلاثة النهي لمعنى في الوقت لاستواء جميع الناس فيه كالمانع من الصيام في الأيام الخمسة هو الوقت لا ما سواه فلذلك صح قياس الصلاة في تلك الأوقات على الصيام في تلك الأيام ولم يصح قياسها على الصلاة بعد الصبح وبعد العصر وما روى من قوله ﵇: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح أو فليصل إليها أخرى ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب فقد أدرك العصر" يحتمل أن يكون النهي في هذه الأوقات ناسخا لذلك ويحتمل أن يكون منسوخا بهذا وإذا احتملا ارتفعا ورجع الأمر فيه إلى ما يجب الرجوع إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة والاجماع وهو القياس الذي ذكرنا وقد روى عن ابن عمر ﵁ في الأوقات الثلاثة ما يدل على أنه لا تصلى فيها نافلة ولا فريضة وهو أنه منع الصلاة على الجنازة فيها وهي فرض كفاية وأجازها بعد صلاة الصبح والعصر إذا صليتا لوقتهما المختار بحيث يبقى من وقتها ما يصلى فيه على الجنائز كذلك روى نافع عنه.
[ ١ / ٦٩ ]