روى عن حمنة ابنة جحش أنها استحيضت على عهد رسول الله ﷺ فأتت رسول الله ﷺ فقالت إني استحضت حيضة منكرة شديدة فقال لها: "احشي كرسفا" فقالت: إنه أشد من ذلك إني أثج ثجا قال: "تلجمي وتحيضي في كل شهر في علم الله ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي غسلا وصومي وصلي ثلاثا وعشرين أو أربعا وعشرين أو أخري الظهر وقدمي العصر واغتسلي لهما غسلا وأخري المغرب وقدمي العشاء واغتسلي لهما غسلا وهذا أحب الأمرين إلي" المعنى في هذا أنه أمرها أن تتحيض في علم الله ما أكثر ظنها أنها فيه حائض بالتحري منها لذلك لا أنه رد الخيار إليها من غير تحر منها كما أمر من دخل عليه شك في صلاته أن يتحرى أغلب ذلك في قلبه فيعمل عليه وهذا إنما يكون عند نسيانها أيامها التي كانت تحيض فيها فأمرت بالتحري كمن شك في صلاته ولم يعلم كم صلي
[ ١ / ١٩ ]
ستة أيام أو سبعة أيام شك من الراوي وإنما أمرها النبي ﷺ بأحد العددين الذي أخبرت أنه كان عدد أيامها وذهب عنها موضعها من الشهر لا أنه خيرها في أحدهما.
وقوله: "فأخري الظهر وقدمي العصر" فهو على الرخصة لها من الجمع بين الصلاتين لأنه لا يأتي عليها وقت صلاة إلا احتمل أن تكون فيه حائضا أو طاهرا يجب عليها الغسل أو مستحاضة يجب عليها الوضوء فكان عليها أن تغتسل لوقت كل صلاة حتى يخرج عن العهدة بيقين فلما عجزت عن ذلك جعل لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد بتأخير الأولى منهما إلى وقت الأخرى وتغتسل للصبح غسلا وهذا أحسن ما تقدر عليه في صلاتها وإنما أمرت أن تصليها في وقت الآخرة منهما دون الأولى منها لمعنيين.
الأول لو صلتهما في وقت الاولى منهما لصلت الآخرة قبل وقتها والثاني أنها إذا صلت بالغسل عند دخول الآخرة فقد صلتهما بطهارة محققة إلى آخر الوقت ثم مجموع ما قيل في المسألة أربعة أقوال الغسل لكل صلاة وثلاث مرات في اليوم ومرة في كل يوم ومرة واحدة في كل شهر والأول أشق ثم وثم والأجر على قدر المشقة وروى عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فقال رسول الله ﷺ: "إن دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي" فيه اعتبار دم الحيض بلونه وهو حديث لم يروه عن عروة عن عائشة إلا محمد بن المثنى وقد أنكر ذلك عليه لرواية من خالفه في ذلك وأن أوقفه على عروة بن الزبير وكل من روى هذه القصة أتى بها خالية عن لون الدم ويؤيده النظر الصحيح على سائر الأحداث فإن ألوانها غير معتبرة كالغائط والبول وإنما الأحكام لها في أنفسها لا لألوانها.
وأهل العلم في دم العرق على مذهبين ليس بحدث عند أهل الالمدينة وحدث عند غيرهم وليس أحد منهم اعتبر لونه فكان مثل ذلك النظر
[ ١ / ٢٠ ]
في دم الحيض بكون حكمه حكم نفسه لا حكم لونه وروى عن سليمان بن يسار عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة فقال رسول الله ﷺ: "لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم لتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر١ بثوب ثم لتصل"
في قوله ﷺ: "لتنظر إلى عدد الليالي والأيام" ما يدل على أن الحيض ليال وأيام وهو ثلاثة أيام لا أقل منها وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه فإن عورض بفساد الإسناد بتوسط مجهول بين سليمان وأم سلمة فقد وجدنا من حديث ابن عمر وأبي هريرة مسند أما ما يدل على أقل الحيض وهو قوله ﷺ: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة منهن ما لنا يا رسول الله قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين اغلب لذي لب منكن" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا من نقصان العقل وتمكث ليالي ما تصلي وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين" واللفظ لابن عمر وفي حديث أبي هريرة: "تمكث إحداكن الثلاث والأربع لا تصلي" قال الطحاوي: ولا نعلم شيئا روى عن رسول الله ﷺ في مقدار قليل الحيض غير ما ذكرناه فوجب القول به وترك خلافه.
_________________
(١) ن – ولتستذفر.١
[ ١ / ٢١ ]