روى عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن بها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو اومر ماتين حسنتين لشهد العشاء" وخرج من طرق الصلاة المسكوت عنها هي صلاة العشاء الآخرة والله أعلم بدليل ما روى عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله صلى الله
[ ١ / ٩٥ ]
عليه وسلم أنه أخر العشاء حتى كان ثلث الليل أو قربه ثم دار في الناس وقدرهم عشرون فغضب غضبا شديدا ثم قال: "لو أن رجلا ندب الناس إلى عرق اومر ماتين لأجابوا له وهم يتخلفون عن هذه الصلاة لهممت أن آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أتخلف على أهل هذه الدور الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران".
فإن قيل: كيف كان هذا الوعيد من الرسول ﷺ في التخلف عن الجماعة وهي في سائر الصلوات فرض كفاية بقيام البعض يسقط عن الباقين؟ قلنا: كان هذا قبل سقوط الفرض عنهم فكلهم بعد مأمورون بالاجتماع مأخوذون به حتى تقام الصلاة ويؤدى كما ينبغي ومما يحققه ما روى عن ابن أم مكتوم قال: خرج رسول الله ﷺ من المسجد فرأى في الناس رقة فقال: "إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على رجل يتخلف في بيته عن الصلاة إلا حرقت عليه" فقلت: يا رسول الله بيني وبين المسجد نخلا وشجر أوليس كل حين أقدر على قائد أفأصلي في بيتي فقال: "تسمع الإقامة؟ " قلت: نعم، قال: "فأتها".
وفي رواية: "أليس تسمع النداء فإذا سمعت النداء فامش إليه؟ " فأجابه النبي ﷺ بما أجابه مع ما به من الضرر كالرجل الذي لا يعرف الطريق فلا يسقط عنه بذلك حضور الجماعات فعلم بذلك أنه واجب على المطيقين له وإن ذلك مما يخاطب به جميع أهله قبل سقوط فرضه بقيام البعض وكان الوعيد لما رأى في الناس رقة فلم تكن الجماعة التي حضرت لتلك الصلاة الجماعة المطلوبة لمثلها وروى عن أبي الزبير قال سألت جابرا قال رسول الله ﷺ: "لولا شيء لأمرت رجلا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتا على ما فيها" قال جابر إنما قال ذلك من أجل رجل بلغه عنه شيء، فقال: "لئن لم ينته لأحرقن بيته على ما فيه".
ولا ينكر مجيء الوعيد عاما لأجل ما بلغه عن رجل واحد لأن دأبه
[ ١ / ٩٦ ]
صلى الله عليه على ما جبل عليه من الخلق العظيم عدم مخاطبة من صدر منه هفوة وبلغته وكان إذا بلغه عن أحد شيء يقول ما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا ولا يقول ما بال فلان لئلا يلحقه في ذلك ما يبغضه عند غيره بل يحصل الانزجار عما كان منه بوقوفه ودخوله في العموم روى عن عائشة ﵂ قالت: صنع رسول الله ﷺ شيئا رخص فيه فتركه قوم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخطب فقال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني أعلمهم بالله وأشهدهم له خشية" ولا يستبعد إضافة ما كان من الواحد إلى الجماعة لأنه جاء بمثله القرآن وهو قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ وإنما قاله عبد الله بن أبي فإن زيد بن أرقم شكا إلى رسول الله ﷺ وأخبره أنه سمع عبد الله يقول في غزوة بني المصطلق لئن رجعنا إلى قوله الأذل فجاء عبد الله فاعتذر وحلف لرسول الله ﷺ فكذبت الأنصار زيد فأنزل الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ الآية تصديقا لقول زيد فدعا زيد بن أرقم وهو في منزله فأخذ بيده وقال هذا الذي أوفى الله بإذنه يقول بما سمع فأضاف الله تعالى القول إلى الجماعة وإن كان المتكلم واحدا إذ كانوا لم يردوه عليه وكذا الذي تخلف في بيته قد وقف عليه بعض جيرانه فلم ينكروا عليه ماكان منه فكانوا مثله وإن كانوا لم يتخلفوا بأنفسهم فلذلك عمهم جميعا بالوعيد في الحديث الذي ذكرناه.
[ ١ / ٩٧ ]