عن أبي مسعود الأنصاري أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس فقال له بشير بن سعد أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد" والسلام كما قد علمتم.
وروى عن كعب بن عجرة قال لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ الآية جاء رجل فقال يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة قال: "قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد" ثم روى عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبرهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد".
ولم يوجد في غير هذا الحديث وعلى أزواجه وذريته إلا ما روى عن طاوس عن أبي بكر ﵁ بزيادة وعلى أهل بيته أيضا ومتمسك أهل المدينة حديث أبي مسعود وأهل الكوفة حديث كعب بن عجرة ولم يتعلقوا بما سواهما وسائر أهل العلم على هذين الأثرين باستعمالهم في صلاتهم وفيما سواها على الاختيار بحيث
[ ١ / ٥٤ ]
لا تفسد الصلاة بترك ذلك غير الشافعي فإنه ذهب إلى أن الصلاة على النبي ﷺ من الفرائض بحيث لا تجزي صلاة إلا بها وإن موضعها من التشهد الذي يتلوه السلام وذهب في كيفيته إلى حديث أبي مسعود الأنصاري لكن كان يلزمه على أصله الأخذ بحديث أبي حميد للزيادة التي فيه على أزواجه وذريته وأهل بيته في الصلاة عليه كما ذهب إلى حديث ابن عباس في التشهد لزيادة والمباركات فيه على ما في غيره من الآثار المروية في التشهد في بعض الآثار على إبراهيم وفي بعضها على آل إبراهيم لا يوجب الاختلاف لأن ذكر الآل يدخل فيه من هم آله ومنه: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ لأن آله لما استحقوا العذاب باتباعه كان هو أشد استحقاقا لذلك بدعائه إياهم إليه وبإمامته إياهم فيه.
وروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال كنا نقول خلف رسول الله ﷺ ونحن في الصلاة إذا جلسنا السلام على الله وعلى عباده السلام على جبرئيل وميكائيل السلام على فلان وفلان فقال رسول الله ﷺ: "أن الله هو السلام فلا تقولوا هكذا ولكن قولوا التحيات لله والطيبات السلام عليك إلى عباد الله الصالحين" "فإنه إذا قالها نالت كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليختر أطيب الكلام أو ما أحب".
وروى عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم يصلي على النبي ثم يدعو بما شاء".
ففي حديثي ابن مسعود وفضالة ما ينفي قول من قال أنه لا بد من الصلاة على النبي ﷺ إذ لم يأمر النبي ﷺ بإعادة الصلاة بعد وقوفه على ترك الصلاة عليه بل فوض الأمر إلى مشيئة المصلي.
[ ١ / ٥٥ ]
ولو كانت صلاته غير مجزية بدون الصلاة عليه لأمر بالإعادة كما أمر المصلي الصلاة الناقصة في حديث رفاعة بن رافع إذ قال له "ارجع فصل فإنك لم تصل" مرتين أو ثلاثا الحديث.
ولا حجة لمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الآخر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لأن ذلك يدل على وجوب الصلاة قولا وغيرها مثل قوله واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه الآية فلو ترك رجل في صلاته التسبيح لم تفسد صلاته بذلك وإن كان فيه ترك فضيلة فكذا الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة بتركها يكون المصلي تاركا لحظه في الفضيلة وكذا لا دليل فيه لمن أوجبها في التشهد الذي يتلوه السلام بقوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ لأنه يحتمل أن يكون المراد به التسليم له ﷺ في أمره ونهيه في الصلاة وغيرها كما في قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ إذ لا خلاف من المخالف في تأويل هذه الآية والله أعلم.
[ ١ / ٥٦ ]