عن قتادة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة يطيل في الأولى ويسمعنا الآية وكان يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب وقال في حديث آخر وكان يطيل أول ركعة من الظهر والغداة فيه أن النبي ﷺ كان يطيل القراءة في الأولى من الظهر على القراءة في الثانية منها واختلف فيه فذهب بعضهم منهم محمد إلى ما في هذا الحديث وبعضهم إلى التسوية بين القراءة في الركعتين الأوليين في الصلاة كلها إلا في الصبح فإنها تطال على القراءة في الثانية اتفاقا وعن أبي سعيد الخدري ﵁ اجتمع ثلاثون من الصحابة وقاسوا قراءة رسول الله ﷺ فيما يخافت فيه بقدر ثلاثين آية في الركعتين الأوليين من الظهر وفي أخرييهما على النصف من ذلك وفي العصر في الأوليين نصف أولي الظهر وفي أخرييهما قدر نصف أخرى الظهر وما اختلف منهم رجلان ففيه التسوية بين الأوليين ظهرا أو عصرا وهو الأولى عندنا لأن الرباعية تنقسم قسمين أوليين وأخريين فكما استوى القراءة في الأخريين فكذلك ينبغي أن تستوي في الأوليين يؤيد ذلك ما كان من سعد بن أبي وقاص وقد شكا عليه أهل الكوفة أمورا من جملتها أنه لا يحسن يصلي جوابا لعمر في قوله: فأما أنا فأمد في الأوليين واحذف في الأخريين وما آلو ما اقتديت برسول الله ﷺ فقال عمر ذلك الظن بك.
فأخبر أنه كان يطيل في الأوليين ويحذف في الأخريين اقتداء برسول الله ﷺ ومعقول أن الأخريين إذا استوتا في الحذف تكون الأوليان استوتا في المد وفيما روينا بأن القراءة في أخريي العصر قدر نصف اخريي الظهر.
[ ١ / ٤٠ ]
دليل على أن في الأخريين من العصر والظهر زيادة على فاتحة الكتاب التي هي سبع آيات لا غير لأن نصف الخمسة عشر سبع آيات ونصف يقرأ في كل من اخريي الظهر ونصف هذا النصف في كل من اخريي العصر مع الاختلاف الظاهر بين أهل العلم في الركعتين الأخريين من هاتين الصلاتين فبعضهم يقول إن شاء المصلي زاد فيهما على الفاتحة مما معناه دعاء وإن شاء سبح فيهما ولم يقرأ فيهما بشيء من القرآن منهم أبو حنيفة والثوري وأصحابهما ومنهم من يقول لا بد من قراءة الفاتحة فيهما من غير زيادة عليها وهم فقهاء الحجاز وروى عن علي ﵁ أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بالفاتحة وسورة ولا يقرأ في الأخريين بشيء وعن جابر أنه كان يقرأ في الأخريين بالفاتحة.
وعن عائشة مثله وتقول إنما هو دعاء يعني كانت تقرأها على أنها دعاء لا قراءة قرآن كما في سواهما. وعن أبي عبد الله الصنابحي صليت المغرب خلف أبي بكر في خلافته فلما قام إلى الركعة الثاثلة دنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية. وروى عن مكحول والله ما كانت قراءة لكنها كانت دعاء فدل على أن صحة ما قيل أن القراءة في الأخريين إنما هي دعاء وتسبيح لا كالقراءة في الأوليين ومثل هذا القول لا يقال استنباطا بالرأي بل توفيقا محضا فلا يصح خلافه وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال التسبيح أحب إلي في الركعتين الأخريين وكذلك كان الثوري يقول وأما أبو حنيفة وأصحابه فيذهبون إلى أن القراءة فيهما أحب إليهم من التسبيح فيهما.
[ ١ / ٤١ ]