المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية في عصره.
المطلب الثالث: الحالة العلمية في عصره.
المطلب الأول
الحالة السياسية في عصره
عاش الإمام السِّغْنَاقِي ﵀ في النصف الأخير من القرن السابع الهجري، وعاصر أمورا عظاما، وأهوالا جساما، أحاطت بالأمة الإسلامية آنذاك، فشهد سقوط دولة العباسيين بسقوط بغداد على يد التتار سنة ٦٥٦ هـ، وعاصر دولة المماليك بالشام وعاصر كثيرًا من حروب الصليبيين ضد الإسلام، فالأحداث كانت تتوالى، والأحوال السياسية كانت مضطربة للغاية، وكان لسقوط بغداد الأثر الكبير في نفس كل إنسان في ذلك الوقت، وكان للوزير ابن العلقمي الشيعي الرافضي
[ المقدمة / ٢١ ]
(ت ٦٥٦ هـ) (^١) دور كبير في دخول التتار إلى بلاد العراق، وقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله (^٢)، حيث دبر مكيدة مع أمير التتار هولاكو خان (^٣)، أدت إلى دخول التتار بغداد، وبذلوا السيف، واستمر القتل والسبي نيفًا وثلاثين يومًا، فقدر عدد من قتل في تلك الأيام أكثر من مليون شخص (^٤).
بعد ذلك توالى الخلفاء على حكم الدولة، وخرجت بعض الأقطار عن حكم الدولة العباسية، ولم يستقر الأمر على خليفة واحد، بل تعددت الحكومات واختلفت الاتجاهات، واضطربت الأحوال، فالدولة العباسية لم تعد حاكمة لجميع الأقطار، كما كانت دولة الأمويين، وكما انفصلت بلاد الأندلس، وخرجت بلاد الشام (^٥) على يد الفاطميين، ثم جاء من بعدهم الأيوبيون، ولاقى الأيوبيون في أخريات أيامهم كثيرا من العناء والضعف بسبب غارات الصليبيين المتكررة، فسقطت الدولة الأيوبية سنة ٦٤٨ هـ، وقامت على أنقاضها دولة المماليك (^٦).
أما بلاد خراسان وما وراء النهر (^٧) فقد تداولتها الملوك دولا بعد دول، وكان السلاجقة الأتراك هم الذين حكموا تلك المناطق في الفترة التي عاشها الإمام السِّغْنَاقِي -﵀-، وكان يتنقل من مكان إلى آخر في خضم تلك الأحداث.
_________________
(١) ابن العلقمي: هو محمد بن أحمد بن علي أبو طالب، الوزير مؤيد الدين، أبو طالب بن العلقمي، الرافضي، وزير المستعصم البغدادي، وزير سوء على نفسه، وعلى الخليفة، وعلى المسلمين، دمّر العراق، مات ذليلَا سنة ٦٥٦ هـ. انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٢١٢ - ٢١٣)، شذرات الذهب (٥/ ٢٧٢)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣١٧).
(٢) هو المستعصم بالله: الخليفة الشهيد أبو أحمد عبدالله بن المستنصر بالله منصور الظاهر الهاشمي العباسي ولد سنة ٦٠٦ هـ، كان فاضلًا تاليًا لكتاب الله متدينًا متمسكًا بالسنة كأبيه وجده، وقتل يوم الأربعاء سنة ٦٥٦ هـ. انظر: تهذيب سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٧٠ - ٢٧١).
(٣) هولاكو بن بنتولي بن جنكيز خان من أعظم ملوك التتار مهابةً وخبرةً بالحروب، وافتتح المعاقل والحصون، وهلك بمرض الصرع (داء يشبه الجنون) سنة ٦٤٦ هـ. انظر: مرآة الزمان في تاريخ الأعيان (٤/ ١٧٤).
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٢٠٠ - ٢٠٥)، العبر في أخبار من غبر للذهبي: (٥/ ٢٢٥، ٢٢٦).
(٥) هي بأرض فلسطين وكانت متجر العرب، وكان اسمها الأول (سوَرى)، وأمّا حدها فمن الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية، وأما عرضها فمن جبل طي من نحو القبلة إلى بحر الروم. انظر: معجم البلدان (٣/ ٣٥٤).
(٦) انظر: إعلام النبلاء بتاريخ حلب: ٣/ ٢٢٠.
(٧) هي بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها مما يلي الهند ومن مدنها نيسابور، وهرات، ومرو. انظر: معجم البلدان (٢/ ٤٠١).
[ المقدمة / ٢٢ ]
وقد استولى التتار على العراق وخراسان، وهموا للزحف على الشام ومصر، فدخل التتار حلب، وأعملوا السيف في أهلها، وجرى لهم قريب مما جرى لأهل بغداد (^١).
وعندما علم الملك المظفر قطز (^٢) أن التتار عازمون على القدوم إلى بلاد مصر تجهز لهم وحاربهم في موقعة عين جالوت ٦٥٩ هـ (^٣) وهزمهم.
وبعد مقتل قطز تولى الملك الظاهر بيبرس، فبايع للخلافة في بغداد للمستنصر بالله أبي القاسم، فما كان من هذا الخليفة إلا أن قلده حاكما على مصر، ثم قتل الخليفة العباسي المستنصر بالله وبويع الحاكم بأمر لله.
وفي سنة ٦٦١ هـ أسلم بركة خان ابن عم هولاكو وتحالف مع الظاهر بيبرس لمحاربة هولاكو فهزم الله تعالى هولاكو ومن معه.
وفي سنة ٧٠١ هـ توفي الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله وبويع لابنه المستكفي بالله، وفي هذه الفترة اجتمع التتار مرة أخرى فخرج الشيخ ابن تيمية وحرض المسلمين على قتالهم فخرجت الجموع المسلمة من كل مكان وهزموهم شر هزيمة وأعز الله الإسلام وأهله (^٤).
هذا ولاشك أن لهذا الاضطراب السياسي الذي عاصره العلامة الإمام السِّغْنَاقِي﵀- تأثيرا في حياته، ولكن رغم ذلك كله، نراه أقبل على العلم تدريسًا وتأليفًا كغيره من العلماء المخلصين في هذا العصر، فقاموا على حفظ ما بقي من التراث، وتجديد ما بدده (^٥) الغزاة.
_________________
(١) انظر: إعلام النبلاء بتاريخ حلب: (٣/ ٢٣١، ٢٣٢).
(٢) هو سيف الدين التركي قطز بن عبدالله، أخص مماليك المعز التركماني، بويع سنة ٦٥٧ هـ، وكان شجاعًا بطلًا كثير الخير ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا، قتل شهيدًا -﵀- سنة ٦٥٧ هـ انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، شذرات الذهب (٥/ ٢٩١).
(٣) اسم موقع عند مدينة بيسان في غور الأردن جرت عنده موقعة فاصلة بين الجيش الإسلامي والمغول سنة (١٢٦٠) هـ وانتهت بهزيمة المغول لأول مرة وتراجعهم النهائي عن بلاد الشام وإيقاف المد المغولي المكتسح الذي أسقط خلافة بغداد والخلافة العباسية سنة ١٢٥٨ هـ. بلدة بين بيسان ونابلس من أعمال فلسطين. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ١٦٢).
(٤) انظر: العبر: (٥/ ٢٥٨)، البداية والنهاية: (١٤/ ٢١)، إعلام النبلاء بتاريخ حلب: (٣/ ٢٤٦، ٢٤٧).
(٥) بده يبده بدًا: فرّقه، والتبديد: التفريق، وتبدد الشيء: تفرّق. انظر: الصِّحَاح (٢/ ٤٤٤).
[ المقدمة / ٢٣ ]