منهج المؤلف في الكتاب
قال الإمام المرغيناني﵀-: (قد جرى علي الوعد في مبدأ بداية المبتدي أن أشرحها بتوفيق الله تعالى شرحا أرسمه بـ كفاية المنتهى فشرعت فيه والوعد يسوغ بعض المساغ وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ تبينت فيه نبذا من الإطناب، وخشيت أن يهجر لأجله الكتاب، فصرفت العنان والعناية إلى شرح آخر موسوم
بـ الهداية أجمع فيه بتوفيق الله تعالى بين عيون الرواية، ومتون الدراية، تاركا للزوائد في كل باب، معرضا عن هذا النوع من الإسهاب، مع أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامها ويختم لي بالسعادة بعد اختتامها حتى أن من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر، ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر، وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله) (^٤).
وكما قلنا إن كتاب "الهداية" شرح لمتن واختصار لكتاب في وقت واحد، وذلك أنه خطر ببال المؤلف في أول الأمر أن يؤلف كتابا في الفقه، جامعا لأنواع المسائل، صغيرا في الحجم كبيرا في الرسم، وكان من متون المذهب المشتهرة المتداولة إذ ذاك كتابان: "مختصر القدوري" للإمام أبي الحسين أحمد بن محمد القدوري، و"الجامع الصغير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني.
فكتاب "الهداية" شرح لـ"البداية" واختصار لـ"الكفاية"، وهو شرح موجز اللفظ، واضح المعنى، حسن السبك، جامع لأحكام المسائل المذهبية وأدلتها، مع التعريج على ذكر آراء المخالفين، دل فيه على علم غزير وذوق سليم (^٥).
وإن من اصطلاحاته إذا قال: (الحديث محمول على المعنى الفلاني) يريد به أن أئمة الحديث قد حملوه على ذلك المعنى.
وإذا قال: (يحمل ما رواه فلان على كذا-بصيغة المجهول-) يريد به أن أئمة الحديث لم يحملوه على المعنى المذكور، كما قال في نواقض الوضوء، وإذا تعارضت الأخبار يحمل ما رواه الشافعي رحمه الله تعالى على القليل؛ فإنه أراد الحديث وهو أن النبي -ﷺ-: قاء فلم يتوضأ.
_________________
(١) انظر: الفوائد البهية: (ص ٢٣٢).
(٢) أصحابنا: المقصود الأئمة الثلاثة أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن. انظر: حاشية ابن عادين (١/ ٦٩).
(٣) انظر: النافع الكبير: (ص ٣٢)، والمذهب الحنفي: (٢/ ٤٥٤).
(٤) انظر: مقدمة الهِدَايَة شرح البداية: ١/ ١٤.
(٥) انظر: مقدمة بداية المبتدي.
[ المقدمة / ٢٠ ]
ومنها: أن يقول: (لما تلونا) إذا كان ثابتا في الكتاب العزيز (ولما روينا) فيما إذا كان ثابتا بالسنة، و(لما بينا) إذا كان الدليل عقليا، وإذا قال: (وإنما كان كذا للأثر) فمراده الحكم الثابت بقول الصحابي، وقد لا يفرق بين الأثر والخبر ويقول فيهما: لما روينا، ولما ذكرنا.
ومنها: أنه لا يذكر الفاء في جواب أما، قالوا: اعتمادا على ظهور المعنى، لكني أقول اقتداء بمن تقدم من بعض المشايخ من السلف، فإنه وقع في بعض عباراتهم كذلك.
ومنها: أنه يعبر عن الدليل العقلي بالفقه فيقول: (والفقه فقه كذا) ويقيم الدليل العقلي.
ومنها: أنه إذا قال عن فلان، يريد به أنه روى عنه ذلك، وإذا قال: (عند فلان) يريد به مذهب ذلك الفلان.
ومنها: اعتماده على المذهب الأخير، كما إذا قال عند فلان كذا، وعند فلان كذا، وعند فلان كذا، إلا إذا صرح بالمفتى به قبل ذلك.
ومنها: أنه متى وجد بعد قال: (﵀ أو العبد الضعيف) أو مثل ذلك في بعض التصرفات والأجوبة، فإنه يريد به نفسه، ولم يذكره بصيغة المتكلم تواضعا كقوله: في باب المهر، قال رضي الله تعالى عنه: معنى هذه المسألة أن يعمي جنس الحيوان دون الوصف بأن يتزوجها على حمار أو فرس .. إلخ، غير أن بعض تلامذته بعد وفاته صار يعبر تارة برضي الله عنه كما هنا، وتارة برحمه الله تعالى، والذي حرره هو قال: العبد الضعيف لا غير.
ومنها: أنه يذكر أولًا مسائل القدوري ثم مسائل الجامع الصغير في أواخر الأبواب، ولا يصرح باسم الكتاب إلا إذا كان هناك مخالفة.
ومنها: أنه يأتي بالجواب عن السؤال المقدر بلا تصريح به، ولا بقول: فإن قيل كذا، إلا في مواضع قليلة.
ومنها: إذا أراد النظر في مسألة أشار إليه بأسماء الإشارة المستعملة في البعيد، وإلى المسألة بالمستعملة في القريب.