الحالة العلمية في عصره
في هذا الجو الذي تلبد بالغيوم، وتعكر صفوه، واشتدت أعاصيره، حيث أتلفت الكتب وهدمت المكتبات، وأحرقت المساجد، وقتل العلماء، وهددوا بشتى أنواع التعذيب، واستمرت هذه الحالة خمسًا وعشرين سنة (٦٥٦ هـ-٦٨٠ هـ) (^٢).
وفي عهد أحمد بن هولاكو، بدأت الحركة العلمية نشاطها، وأخذت في صعودها وتقدمها، وازدهرت بشكل ملموس، بلغ العلماء رسالتهم، وأدوا أمانتهم، واضطلعوا بما حملوا، فأسست المدارس والمعاهد، وأنشئت دور المكتبات، وعمرت المساجد والجوامع.
فكان في الفترة التي عاشها السنغاقي كما قال الشيخ محمد علي السايس: "نبغ كثير من كبار العلماء، وأساطين المفكرين، إلا أن تلك الظروف السيئة، وعوامل الاضطرابات القوية، أثرت في نشاط الحركة العلمية، ورجعت بها القهقرى، فأبدلتها من القوة ضعفا، ومن التقدم تأخرا، وأماتت في العلماء روح الاستقلال الفكري، فلم نجد بعد محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ من سمت به نفسه إلى مرتبة الاجتهاد، يتخير لنفسه في الاستنباط والاستفتاء، ويأخذ أحكامه من الكتاب والسنة غير مقتد برأي أحد من الأئمة … إلخ" (^٣).
_________________
(١) انظر: إخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول، للإسحاقي.
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٢٠٠ - ٢١٨ - ٢٢١).
(٣) انظر: تاريخ الفقه الإسلامي، لمحمد علي السايس (ص ١١١).
[ المقدمة / ٢٤ ]
وفي عهد الإمام السِّغْنَاقِي -﵀- بدأ العلماء بحل رموز في الكتب، وفك الألغاز، ووضع الحواشي والشروح، وفتح المغلقات، وإيضاح المبهمات، فانحصرت جهود العلماء في حل العبارات والتراكيب، واشتغل الناس بالألفاظ عن لب العلم وجوهره، وهو ما يكد الأذهان، ويفسد الاستعداد، ويميت المواهب والملكات (^١)، ولعل هذا ما نراه جليا في مؤلفات شيخنا الإمام السِّغْنَاقِي ﵀، فكتبه عامتها شروح مختصرات لكتب قبله (^٢).