مزايا الكتاب والمآخذ عليه
أولًا: مزايا الكتاب:
كتاب النهاية من الكتب التي برزت وفرضت مكانتها بين كتب الفقه عموما، وكتب الفقه الحنفي خصوصًا، وما ذلك إلا لما تميز به هذا الكتاب من مزايا عديدة منها:
١ - العناية بتوضيح بعض الكلمات الغريبة: كثيرًا ما يرى المؤلف ﵀ أن في بعض الكلمات غرابة، فيبادر بتوضيح المراد منها، وبيانها، مشيرا في بعض المواضع إلى الكتب التي اعتمد عليها في ذلك، كتعريفه ﵀ بعض الكلمات: مثل: التُمُشْكَ، الحاج الشعث، النفض، الركن اليماني، الميل، وغيرها.
[ المقدمة / ٤١ ]
٢ - فيما يتعلّق ببيان المسائل الخلافية في هذا الكتاب، فإن له حالتين:
أ- إن كان هذا الخلاف بين أئمة الحنفية أنفسهم، فإن المؤلّف كان حريصًا على نقْل هذا الخلاف بتمامه، لا سيما إذا كان هذا الخلاف بين الإمام أبي حنيفة وصاحبيه (^١)، بل إنه كان يذكر عنهم الروايات أيضًا في حال تعدّدها (^٢).
وقد يشير إلى رواية الإمام زفر، والحسن بن زياد (^٣)، كما يذكر أحيانًا بعض الروايات المشهورة في المذهب، كرواية: ابن شجاع (^٤).
وكان المؤلّف كثيرًا ما يقول: «عندنا، لنا، قولنا، أصحابنا، قلنا، الأصحاب، مذهبنا» (^٥)، ويعني بذلك فقهاء المذهب الحنفي.
ب- وإن كان هذا الخلاف بين الحنفية وغيرهم، فإن المؤلّف لم يكن حريصًا على نقل هذا الخلاف، وإنما كان يشير إلى خلاف الشافعية غالبًا (^٦)، وأحيانًا إلى خلاف المالكية (^٧)، ونادرًا ما كان يشير إلى خلاف الحنابلة.
ومن الأمور البارزة في هذا الكتاب عناية المؤلف ﵀ بالاعتراضات، ومناقشتها، وردها، ويكون ذلك بصيغة الافتراض كقوله: (فإن قيل)، (يرد)، (ألا ترى)، وكثيرًا ما يناقشها بقوله: (وأجيب)، (ويرده).
٣ - الاستدراك والتقييد: قد يقوم المؤلف -﵀- بإصلاح بعض العبارات الواردة في المتن، ويستدرك عليها، ويبين أن الأولى أن يقول كذا، بدلا من قوله كذا، كما يقوم بتقييد لما يطلقه في بعض المسائل.
٤ - الربط بالعلوم الأخرى: لم يقتصر المؤلف رحمه الله تعالى في شرحه على الجانب الفقهي، وتوضيح المسائل الفقهية، ومناقشتها، بل كان شرحه محلى بالفنون الأصيلة، فكان يعمد إلى مناقشة آراء المفسرين، واللغويين، وأئمة القراءات كالكسائي، وغيرهم، معتمدا في ذلك على مصادرهم وكتبهم، مما يؤكد أصالة مصادر هذا الكتاب وتنوعها.
٥ - طريقته في ترتيب الكتاب:
التزم المؤلف - ﵀ - بترتيب الكتب الفقهية، فلم ينقص شيئا من الأبواب، ولم يقدم بابًا على آخر، أو يؤخره عنه، فكان كتاب الحجّ مشتملًا على عشرة أبواب، مبتدئًا بباب الإحرام، فباب التمتع، ثم باب القران، ثم باب الجنايات، ثم باب مجاوزة الميقات، ثم باب الإضافة، ثم باب الإِحْصَار، ثم باب الفوات، فباب الحجّ عن الغير، ثم باب الهدي. وقد يفتتح الباب بمقدمة يشرح فيها العنوان، أو يحده، أو يوطئ للكلام في مسائله.
_________________
(١) ذكرتها في فهرس المسائل الخلافية.
(٢) ذكرتها في فهرس المسائل الخلافية.
(٣) انظر مثلًا: (ص ٤١٣، ٤٢١، ٤٥٨).
(٤) انظر مثلًا: (ص ١٣٢، ١٣٤).
(٥) انظر مثلًا: (ص ٢٠٣، ٢٠٨، ٣٣٤).
(٦) انظر مثلًا: (ص ١٩٦، ٢٠٣، ٢٩١).
(٧) انظر مثلًا: (ص ٤٣٧، ٤٤٩، ٤٥٠، ٦٨٤).
[ المقدمة / ٤٢ ]
ثانيًا: المآخذ عليه: وما يؤخذ على الإمام السِّغْنَاقِي -﵀- في كتابه:
ومع ما تميز به هذا الكتاب وحققه من انتشار كبير، إلا أنه عمل بشري يعتريه النقص والخلل، وسبحان من له الكمال، إلا أن هذه الملوحظات اليسيرة لا تنقص من قيمة الكتاب، ولا من جهد مصنفه ﵀؛ بل تنبه الباحث في سبر أغوار المسائل للوصول إلى الحق المؤيد بالدليل، ومن الملحوظات:
١ - هناك بعض الآراء التي نسبها إلى أصحابها، ولم أجدها في مظانها من مؤلفاتهم.
كقوله﵀-: وذكر الإمام التمرتاشي -﵀- ص ١٤٩ في باب الرجل يدرك الفريضة من «الجامع الصغير»، وكقوله﵀-: وذكر فخر الإسلام
-﵀ص ١٥٨ في «الجامع الصغير»: (فإذا وجد الإحرام في حالة الصغر لم ينعقد إلا للنفل) وغيرها ..
٢ - في بعض الأحيان ينقل المؤلف -﵀- عن مؤلفين، ويعزو الأقوال إلى أسمائهم التي اشتهروا بها، رغم اشتراك كثير من فقهاء الحنفية في هذا اللقب كـ"الإسبيجابي"-﵀-. كقوله -﵀- وذكر الإمام الإسبيجابي ص ٢٣٣؛ لأن الدم وجب لفوت. وغيرها ..
[ المقدمة / ٤٣ ]