تبين لي-والله أعلم- أنه ماتريدي (^٥) المذهب في المسائل العقدية، ويدل على ذلك:
١ - أن الماتريدية كانوا يمثلون مذهب السلاطين والملوك في ذلك الوقت، وخاصة ملوك بلدان ما وراء النهر، فناصر هؤلاء الملوك علماءهم، وتوافرت لهم مناصب القضاء، والإفتاء، والرئاسة، والخطابة، والتأليف، وإنشاء المدارس والتدريس فيها؛ لتنشر أفكارهم، ويزداد نشاطهم، ولقي القبول من الناس، بالإضافة إلى أن الناس على دين ملوكهم.
_________________
(١) انظر: تاج التراجم (ص ٣٠)، الدرر الكامنة (٢/ ٣٥٢)، مفتاح السعادة (٢/ ١٦٨).
(٢) انظر: الفوائد البهية (ص ١٨٦)، طبقات الحنفية (٢/ ٢٤٠)، معجم المؤلفين (٣/ ٦٢٠).
(٣) لم يذكر أحدٌ ممن ترجم له أكثر من ذلك، انظر: كشف الظنون (٢/ ١٤٩٩)، الفوائد البهية (ص ٥٨ - ٥٩).
(٤) انظر: تاج التراجم (ص ٢٥)، الفتح المبين (٢/ ١١٢).
(٥) الماتريدية: فرقة كلامية، تنسب إلى أبي منصور الماتريدي، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محاججة خصومها. انظر: موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة (١/ ٦٢).
[ المقدمة / ٢٨ ]
٢ - تأثره بكتب الماتريدية كـ: "تأويلات أهل السنة" (^١) لأبي منصور الماتريدي (^٢)، بالإضافة إلى تأثره بكتب أبي اليسر محمد بن محمد البزدوي المتوفى سنة ٤٩٣ هـ شقيق فخر الإسلام البزدوي المتوفى سنة ٤٨٢ هـ وقد نقل عنهما كثيرا في كتابه النهاية كما في ص ٣١٤ حيث قال ﵀: (وذكرأبواليسر) وبقوله ﵀: في ص ١٦١ (كذا ذكره فخر الإسلام).
٣ - تفقهه على يد الأستاذ العلامة شمس الأئمة الكردري، وهو تلميذ
نور الدين الصابوني (^٣) العلم المعروف في الماتريدية.
٤ - أن للسغناقي ﵀ كتابًا اسمه التسديد في شرح التمهيد وهو شرح لكتاب التمهيد لقواعد التوحيد لأبي المعين ميمون بن محمد المكحولي النسفي (^٤)، وهو من علماء الماتريدية.
٥ - ويدل على عقيدته الماتريدية المسائل العقدية التي أوردها في كتابه "الكافي" (^٥)، ومنها:
١ - عقيدته في مسألة خلق القرآن: قال الإمام السِّغْنَاقِي﵀- (^٦): (أن من قال بخلق القرآن - أي القرآن الذي هو صفة قائمة بذات الله -تعالى- فهو كافر، وأما القرآن الذي هو مكتوب في مصحفنا ومحفوظ في صدورنا، ومقروء بألسنتنا، فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة أنه مخلوق).
_________________
(١) كتاب: تاويلات أهل السنة لمحمد بن محمد أبي منصور الماتريدي، الكتاب مطبوع في عشرة أجزاء، حققه الدكتور مجدي باسلوم وطبعته دار الكتب العلمية بلبنان.
(٢) محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، من أئمة علماء الكلام، نسبة إلى ما تريد، مدينةٌ بسمرقند، من كتبه (التوحيد)، (أوهام المعتزلة)، (الرد على القرامطة)، (تأويلات أهل السنة) مات بسمرقند سنة (٣٣٣ هـ). انظر: الفوائد البهية (ص ١٩٥)، مفتاح السعادة (٢/ ٢١)، الجواهر المضية (٢/ ١٣٠).
(٣) أحمد بن محمود بن أبي بكر، نور الدين الصابوني البخاري: من علماء الكلام، من الحنفية، والصابوني نسبة إلى عمل الصابون أو بيعه، له كتاب (البداية من الكفاية) توفي ببخارى سنة (٥٨٠ هـ) انظر: الفوائد البهية (ص ٤٢)، كشف الظنون (٢/ ١٤٩٩).
(٤) ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول، أبو المعين النسفي الحنفي: عالم بالأصول والكلام، كان بسمرقند وسكن بخارى، من كتبه (بحر الكلام) و(تبصرة الأدلة)، (التمهيد لقواعد التوحيد). انظر: كشف الظنون (١/ ٣٣٧)، الجواهر المضية (٢/ ١٨٩).
(٥) انظر: البداية من الكفاية: (ص ٧).
(٦) انظر: الكافي (١/ ٩٨ - ٩٩).
[ المقدمة / ٢٩ ]
فقوله ﵀: (فلا خلاف بيننا وبين المعتزلة بأنه مخلوق) هذا مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة؛ لأن القرآن عند أهل السنة والجماعة هو كلام الله تعالى غير مخلوق منه، وأنه سبحانه يتكلم إذا شاء بما شاء، وأن كلامه يسمع ويتلى وأنه بحرف وصوت، ومن قال: أن المكتوب في المصحف عبارة عن كلام الله أو حكاية عن كلام الله، وليس فيها كلام الله، فقد خالف الكتاب والسنة وسلف
الأمة (^١).
٢ - عقيدته في أسماء الله تعالى وصفاته: قال الإمام السِّغْنَاقِي -﵀- (^٢): (ليس له موجب سوى اعتقاد الحقيقة فيه والتسليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٣)، نظير ذلك قوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ (^٤)، فبالنظر إلى اليد يعلم أن المراد منها الجارحة، ثم هذا الموضع لا يحتمل ذلك، فكان على خلاف المراد الذي يعلم من ظاهر الكلام؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فتشابه موجب السمع وموجب العقل، والسلف لم يشتغلوا بتأويل المتشابه؛ بل قالوا: نؤمن بتنزيله ولا نشتغل بتأويله ونفوض أمره إلى الله، ونقول: ما أراد الله به فهو حق).
والجواب عن هذا أن المؤلف ﵀ جعل اليد في قوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ (^٥)، من المتشابهات، لأن الماتريدية تجعل الأسماء والصفات من المتشابهات خلافا للسلف، وبالتالي فوض أمره من حيث المعنى والكيف إلى الله، لأنه ما أخذ من اليد معناه المعلوم، وتنزه الله عن ذلك، والتفويض عند الماتريدية هو التفويض في معانيها وكيفيتها وجهلهما معا، ونفي ما تدل عليه نصوصها، وتلاوتها دون فهم معانيها.
أما عند السلف فالتفويض للكيف دون المعنى، فالسلف كانوا يعرفون معاني الصفات ويفوضون علم كيفيتها إلى الله، فيكون الكيف هو المجهول عندهم لا المعنى، فكانوا مثبتين للصفات لا مفوضين لها.
٣ - عقيدته في مسألة تكوين العالم. قال الإمام السِّغْنَاقِي﵀-: (^٦) (التكوين أزلي قائم بذات الله تعالى، وهو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجوده، لا أنه يوجد عنده كاف ونون عند عامة المتكلمين من أصحابنا.
فإن قيل: فإذا حصل وجود العالم بالتكوين فما الفائدة في خطاب ﴿كُنْ﴾ عند الإيجاد؟
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس (١/ ١٨٩).
(٢) انظر: الكافي (١٤٧ - ١٥٠).
(٣) سورة آل عمران من الآية (٧).
(٤) سورة المائدة من الآية (٦٤).
(٥) سورة المائدة الآية (٦٤).
(٦) انظر: الكافي (١/ ٢٠٩).
[ المقدمة / ٣٠ ]
قلنا: وردت الآيات في هذا في كثير من المواضع، منها ما ذكر ها هنا، ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ (^١)، ومنها قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ (^٢)، فقلنا بموجبها، ولا نشتغل بطلب الفائدة كما قلنا في الآيات المتشابهة، ولا نشتغل بسوى ذلك على ما هو المختار عند كثير من السلف، مع اعتقاد أن ما يوجب نقيضه غير مراد بالآيات المتشابهات، وكذلك ها هنا نقول بوجود خطاب ﴿كُنْ﴾ عند الإيجاد من غير تشبيه ولا تعطيل؛ ولأن فيه بيان إظهار عظمته وكمال قدرته، كما أن الله تعالى يبعث من في القبور، يبعثه ولكن بواسطة نفخ الصور، وكذلك ها هنا خلق الأشياء بواسطة الأمر).
فقوله ﵀: هو عين عقيدة الماتريدية؛ لأن التكوين عند الماتريدية صفة أزلية (^٣).
والحق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أفعاله تعالى صفات قائمة به تعالى تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته وتتجدد آحادها، غير أن نوعها قديم (^٤).
وهذا يظهر منه أنه على معتقد الماتريدية، هذا ما وصلت إليه بعد البحث، وأستغفر الله عن الخطأ، فهذا العالم بذل الكثير من جهده ووقته لنشر العلم، أسأل المولى له الرحمة والمغفرة وأن يجزيه بالحسنات إحسانًا وبالسيئات عفوًا وغفرانا.