فإن قلت: يشكل على هذا كله: ما إذا تجاذب (^١) الرجلان حبلًا بينهما فانقطع الحبل وسقط كل واحد منهما على [قفاه ومات، فلا شيء على واحد منهما، وبمثله في هذه الصُّورة لو وقع كل واحد منهما على] (^٢) وجهه ومات يجب دية كل واحد منهما (^٣) كاملة على عاقلة الآخر وتجاذُب الحبل منهما لا يخلو:
إمَّا إن كان محظورًا أو مباحًا، فلو كان محظورًا كان ينبغي أن يجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه، كما في المسائل التي أوردها الخصم، ولو كان مباحًا كان فعل كل واحد منهما مباحا لم يعارضه محظور فحينئذ لابدَّ أن يكون مقيدًا بشرط السَّلامة؛ لأنَّ ترك التجاذب في وسعهما، بخلاف نفحة الدَّابة وضربها [بذنبها] (^٤) في حق الرَّاكب على ما مرَّ فحينئذ يجب أيضا نصف دية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه فعدم إيجاب الضَّمان في الصُّورة الأولى وإيجاب الدية الكاملة على عاقلة كل واحد منهما كان مناقضًا لهذه الأصول التي ذكر في «الكتاب» و«الأسرار» [فما وجهه؟] (^٥) (^٦)
قلت: وجهه هو أنَّه لما وقع كل واحد منهما على وجهه في الصُّورة الثانية علم أنَّها (^٧) [إنما] (^٨) وقع على وجهه بجذب صاحبه إياه فكان موت كل واحد منهما بفعل صاحبه لا بفعل نفسه فتجب كل دية (^٩) كل واحد منهما على عاقلة صاحبه كما هو مذهبنا في المصطدمين إلا أنَّ في المصطدمين أحدهما: تعدٍّ وهو الصدمة، والآخر: مباح وهو المشي، فلم يظهر المباح بمقابلة التعدِّي فأضيف الحكم إلى التعدِّي (^١٠) لا إلى المباح فلذلك وجب على عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه كاملة.
[وفي مسألة انقطاع الحبل إذا مات كل واحد منهما بالوقوع على وجهه كان موته بفعل صاحبه من غير أن يوجد فعل من الميِّت في حق نفسه أصلًا فلذلك وجب على عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه كاملة] (^١١).
_________________
(١) جاذَبْتُه الشيءَ: نازَعْتُه إِياه. والتَّجاذُبُ: التَّنَازُعُ. يُنْظَر: لسان العرب (١/ ٢٥٨).
(٢) سقط في (ب).
(٣) وفي (ب) (يجب على كل واحد منهما دية).
(٤) سقط في (ب).
(٥) سقط في (ب).
(٦) يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٩)، تبيين الحقائق (٦/ ١٥١)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٢٨)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤١٠)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٦٠٦)، تكملة رد المحتار (١/ ١٧٩).
(٧) وفي (ب) (أنه)، وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام.
(٨) سقط في (ب).
(٩) وفي (ب) (فتجب دية) وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام.
(١٠) وفي (ب) (المتعدي).
(١١) سقط في (ب).
[ ٢٤ / ٢٩٢ ]
بخلاف ما إذا وقع كل واحد منهما على قفاه عند الانقطاع حيث لا يجب على [كل] (^١) واحد منهما شيء؛ لأنَّ سقوطه على قفاه بقوَّة نفسه لا بجذب صاحبه، فكان كل واحد منهما قاتلًا نفسه من غير مزاحمة صاحبه فلا يجب على صاحب كل واحد منهما شيء؛ لأنَّه لم يقتله حتَّى لو وقعا مختلفين بأن سقط أحدهما على وجهه والآخر على قفاه فدية السَّاقط على وجهه على عاقلة صاحبه.
ولو قطع إنسان الحبل بينهما فسقط كل واحد منهما على قفاه فمات فديتهما على عاقلة القاطع للحبل؛ لأنَّه صار كالدَّافع لكلِّ واحد منهما هذا ممَّا أشار إليه في «المبسوط» (^٢).
وذكر في الفصل الثَّامن عشر من جنايات (^٣) «الذَّخيرة»: وإن قطع إنسان الحبلَ فوقعا على وجوههما ففي نسخة: لا يكون هذا من قطع الحبل، وفي نسخة: هذا من قطع الحبل (^٤).
(هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إِذَا كَانَا حُرَّيْنِ فِي العَمْدِ وَالخَطَأِ (^٥) أي: يختص نصف الدية في العمد عن (^٦) عاقلة كل واحد منهما، وفي الخطأ تجب الدية الكاملة على ما ذكر (^٧) في الكتاب خلا أنَّه ذكر الخطأ في وضع المسألة، والعمد في بيان قول الخصم (^٨).
(وَكَذَا فِي العَمْدِ (^٩) إلا أنَّ العمد هنا بمنزلة الخطأ؛ لأنَّه شبه (^١٠) العمد.
(فَفِي الخَطَإِ: تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الحُرِّ المَقْتُولِ قِيمَةُ العَبْدِ).
(لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ [مِنْهُمَا] (^١١) (^١٢) صار قاتلًا لصاحبه فيجب على عاقلة الحرِّ قيمة العبد ثم قد تلف العبد الجاني وأخلف بدلًا فيكون بدله لورثة المجني عليه وهو الحر؛ لأنَّ المضمون وهو النِّصف في العمد لما ذكرنا (^١٣) في بيان قول الخصم وهو: أنَّه آلم نفسه وصاحبه فهدر (^١٤) نصفه ويعتبر نصفه.
_________________
(١) زيادة في (ب).
(٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ١٩١).
(٣) وفي (ب) (جناية).
(٤) قال في البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٦٢): قيل لمحمد -﵀-: إن وقعا على وجههما إذا قطع الحبل؟ قال محمد: هذا من قطع الحبل. وقال محمد﵀- في نوادر رستم: لا ضمان على قاطع الحبل. قال ابن عابدين: أقول: يحتمل أن يراد بذلك نفي التصور أو نفي الضمان. وينظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٦٠٦)، تكملة رد المحتار (١/ ١٧٩).
(٥) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٩).
(٦) وفي (ب) (على)، وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام، وهكذا جاءت في العناية شرح الهداية.
(٧) وفي (ب) (ما ذكرنا).
(٨) يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٩، ٢٠٠)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٧٣، ٣٧٤).
(٩) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٠).
(١٠) وفي (ب) (أشبه).
(١١) زيادة في (ب).
(١٢) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٠).
(١٣) وفي (ب) (ذكر).
(١٤) وفي (ب) (فيهدر).
[ ٢٤ / ٢٩٣ ]