أمَّا في الإحداث (^٨) قال شمس الأئمة السَّرَخْسِيِّ في شرح هذا الكتاب: فإن كان الإحداث يضرُّ بأهل الطَّريق ويحول بينهم وبين المرور في الطَّريق فليس له أن يحدث ذلك وإن كان لا يضر بأحد لِسَعَة الطَّريق جاز له إحداثه ما لم يمنع منه؛ لأنَّ الطَّريق معد للتطرق، وهو حق العامة، وفي إحداث شيء فيما هو حق عامَّة المسلمين يعتبر الضَّرر عملًا بقوله -﵇-: «لا ضَررَ ولا ضِرَارَ في الإسلام» (^٩) ففيما يتمكَّن فيه الضَّرر هو آثم في الضَّرر بغيره، وفيما لا يتمكَّن فيه الضَّرر يترفق بالمباح ولا يضر بغيره وربما ينفع غيره، فالمار ينتفع به من حيث إنَّه يندفع عنه الثلج والحر والبرد (^١٠).
_________________
(١) كذا في (أ)، وفي بداية المبتدي (٢٤٧)، والهداية (٤/ ١٩١)، (مَا يُحْدِثُ).
(٢) في هامش (أ).
(٣) المغرب في ترتيب المعرب (٢/ ٢٣٥).
(٤) المرجع السابق (١/ ١٤١).
(٥) المرجع السابق (٢/ ٥٣).
(٦) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٩).
(٧) يُنْظَر: دستور العلماء (١/ ٢٦٨).
(٨) يُنْظَر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩٥)، مجمع الأنهر (٤/ ٣٦٠).
(٩) رواه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤)، في (كتاب الأحكام)، في (باب من بنى في حقه ما يضر بجاره)، برقم (٢٣٤١) عن عِكْرِمَةَ عن ابن عَبَّاسٍ قال: قال رسول اللَّهِ -ﷺ- «لَا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ». ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٦)، في (كتاب البيوع)، برقم (٢٣٤٥) عن أبي سعيد الخدري -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا ضرر ولا ضرار من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه» وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(١٠) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٢٠٠)، تبيين الحقائق (٦/ ١٤٢)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩٥)، مجمع الأنهر (٤/ ٣٦٠).
[ ٢٤ / ٢٤٩ ]
قال الفقيه أبو الليث -﵀-: وهذا نظير رجل له على غيره دين فإن طالبه صاحب الدَّين بقضائه لا يسعه أن يؤخره دفعًا للضَّرر عن صاحب الدَّين، وإن لم يطالبه كان في وسعه من تأخيره لانعدام الضَّرر في حقِّه فهذا مثله.
وعلى هذا لو قعد الرجل في الطَّريق يبيع ويشتري إن كان الطَّريق واسعًا لا يتضرر النَّاس بقعوده جاز له أن يقعد، وإن كان فيه ضرر بالنَّاس لا يجوز له القعود (^١).
وأمَّا في الخصومة فقال أبو حنيفة -﵀-: لكلِّ أحد من عرض النَّاس أن يمنعه من الوضع، وإن تكلفه الرفع بعد الوضع سواء كان فيه ضرر أو لم يكن إذا وضع بغير إذن الإمام؛ لأنَّ التَّدبير فيما يكون حقًا للعامّة إلى الإمام لِتَسْكين الفتنة فالذي يضع بغير إذنه يفتات على رأي الإمام فيه فلكلِّ أحد أن ينكره عليه.
وعلى قول أبي يوسف -﵀-: لكلِّ أحد قبل الوضع أن يمنعه منه لا بعد الوضع؛ لأنَّ قبل الوضع لكل أحد يد فيه، فالذي يحدث يريد أن يجعلها في يد نفسه خاصة، فأمَّا بعد الوضع فقد صار في يده فالذي يخاصمه يريد إبطال يده من غير دفع الضَّرر عن نفسه ويكون متعنتًا.
وعلى قول محمَّد -﵀-: ليس له أن يخاصم بالمنع ابتداء، ولا بالرَّفع انتهاءً إذا لم يكن فيه ضررًا؛ لأنَّه مأذون في إحداثه شرعًا فهو كما لو أذن له الإمام فيه بخلاف ما لو كانت السكة غير نافذة، فإنَّه ممنوع من إحداثه شرعًا وإن لم يكن يتضرَّر به أهل السِّكة؛ لأنَّه كالمملوك لهم (^٢).
و(فِي المِلْكِ المُشْتَرَكِ (^٣) لا يعتبر الضَّرر.
وعن أبي القاسم الصَّفَّار -﵀- (^٤) أنَّه قال: إنَّما يلتفت إلى خصومته إذا لم يكن له مثل ذلك، أي: من الجرصن وغيره فإن كان له مثله لا يلتفت إلى خصومته؛ لأنَّه لو أراد به إزالة الضَّرر عن النَّاس لبدأ بنفسه وحيث لم يبدأ دلَّ أنه متعنت وليس بمحتسب (^٥).
_________________
(١) يُنْظَر: المحيط البرهاني (٧/ ٣٠٦)، تبيين الحقائق (٦/ ١٤٢)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٣٠).
(٢) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٤٢، ١٤٣)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٢٦)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٩)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩٥)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٩٣)، تكملة رد المحتار (١/ ١٦٥).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(٤) هو: الشيخ الفقيه المحدث أحمد بن عصمة أبو القاسم الصفار البلخي، الملقب حَم بفتح الحاء، نقل عن الفقيه أبو جعفر الهندواني فى طبقة الكرخي، وتفقه على أبي جعفر المغيدواني وسمع منه الحديث، وروى عنه أبو علي الحسين بن الحسن ابن صديق بن الفتح الوزعجي شيخ ثقة. قال السمعاني فى ترجمة الوزعجي: أبو علي الحسين بن صديق الوزعجي يروي عن محمد بن عقيل وأحمد بن حم. (ت ٣٢٦ هـ). يُنْظَر: الجواهر المضية (١/ ٧٨).
(٥) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٤٢)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩٥).
[ ٢٤ / ٢٥٠ ]
ولا يقضى عليه بالهدم بخصومة العبيبد والصبيان المحجورين؛ لأنَّ خصومة المحجو (^١) لا تعتبر في ماله ولذلك في مال غيره.
وإن خاصمه ذمِّي يُقضى عليه بالهدم؛ لأنَّ للذميِّ حقًا في الطَّريق.
وهذا إذا بنى على طريق العامَّة بناء لنفسه فإن بنى شيئًا للعامة كالمسجد ونحوه لا يضر بالمسلمين لا يُنقض كذا روي عن محمَّد -﵀- (^٢).
وأمَّا الضَّمان فنقول: الذي أخرجه ضامن لما أتلف به؛ لأنَّه متعدٍّ في التَّسبيب إلى الإتلاف من حيث إنَّه شغل بما صنع طريق المسلمين فيضمن كما لو حفر بئرًا على قارعة (^٣) الطَّريق لكن المتلف إن كان آدميًّا فالضَّمان على عاقلته وإن جرح إنسانًا إن بلغ أرشه أرش الموضحة يجب على العاقلة وإذا كان دونه يجب في ماله وإن أصاب مالًا فأتلفه فضمانه في ماله (^٤).
قوله: (وَلا يَسَعُ (^٥) لِلَّذِي عَمِلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ (^٦) أي: بما عمله من الجرص وغيره.
(وَلا ضَرَرَ فِيهِ (^٧) والواو للحال، والحال أنَّه لا ضرر فيما عمله.
(فَيُلْحَق مَا فِي مَعْنَاهُ (^٨) أي: فيلحق المقول الذي في معنى المرور من حيث إنَّه لا ضرر فيه بالمرور.
(إِذ المَانِعُ (^٩) أي: من الانتفاع.
المتعنت: هو الذي يخاصم فيما لا ضرر فيه لنفسه ولغيره (^١٠).
«لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ (^١١) (^١٢) أي: لا يضر الرجل أخاه ابتداءً ولا جزاءً؛ لأنَّ الضَّرر بمعنى الضر وهو يكون من واحد والضرار من اثنين بمعنى المضارَّة وهو أن تضرَّ من ضرَّك كذا في «المُغرب» (^١٣)، والضَّرر في الجزاء: هو أن يتعدى المجازي عن قدر حقِّه في القصاص وغيره (^١٤).
_________________
(١) كذا في (أ)، والصواب (المحجور).
(٢) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٤٢)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٣٠)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩٥)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٩٢).
(٣) قال الأصمعيّ: قارعة الطريق: ساحتها. وقال ابن السكيت: قارعة الطريق: ظهره وفارعتُه، أعلاه ومُنقطعه. يُنْظَر: تهذيب اللغة (١/ ١٥٥)، المخصص (٣/ ٣٠٧).
(٤) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٤٣)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٣٠)، مجمع الأنهر (٤/ ٣٦١)، تنقيح الفتاوى الحامدية (٧/ ١٠٢).
(٥) كذا في (أ)، وفي الهداية (وَيَسَعُ) وهي الصواب.
(٦) بداية المبتدي (٢٤٧).
(٧) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(٨) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(٩) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(١٠) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٣٠).
(١١) سبق تخريجه (ص ٤٥٧).
(١٢) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(١٣) يُنْظَر: (٢/ ٨).
(١٤) يُنْظَر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٩٣)، تكملة رد المحتار (١/ ١٦٥).
[ ٢٤ / ٢٥١ ]