(لأّنَّ الإِعْتَاقَ قَاطِعٌ للسِّرَايَةِ (^٦) يعني: لو جرح عبدًا ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السِّراية ولا تلزمه الدية ولا القيمة وإنَّما يضمن النقصان بالجراحة كما ذكرنا، وهذا لأنَّ الجرح إتلاف بعض المحل وأنَّه يوجب الضَّمان للمولى وبعد السِّراية لو وجب شيء لوجب للعبد فتصير النهاية للبداية وقد مَرَّ هذا من الكتاب في باب اعتبار حالة القتل (عَلَى مَا يَأْتِيكَ مِن بَعْد (^٧) أي: في باب جناية المملوك والجناية عليه في مسألة (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ المَولَى ثُمَّ مَاتَ مِن ذَلِكَ (^٨) (^٩).
_________________
(١) المراد بضمان المال: ما يضمن من أموالهم كالعقلاء؛ كالإتلاف الموجب للمال، وضمان المال المسروق للمسروق منه ونحوهما. يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٦) تبيين الحقائق (٦/ ١٣٩).
(٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٩).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٤) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٦)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٩٠)، تكملة رد المحتار (١/ ١٦١).
(٥) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٦) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٧) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٨) بداية المبتدي (٢٥٣).
(٩) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٢٣)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٦).
[ ٢٤ / ٢٤٦ ]
وذكر فخر الإسلام في «الجامع الصَّغير» قال بعض مشائخنا: معنى قوله: ضمن قيمته حيًا أي: الدية.
وقوله: ولا تجب الدية ليس هو من لفظ «الجامع الصَّغير» وإنَّما قالوا: المراد به الدية؛ لأنَّ الضَّرب وقع بالأم فلم تعتبر جنايته في حق الدية إلا بعد أن ينفصل حيًا ولذلك لم تنقطع سرايته.
بخلاف من جرح عبدًا ثم أعتقه مولاه وقال بعضهم: بل المراد منه حقيقة القيمة؛ لأنَّ الجناية قد تمت من الجاني لكنَّها لم تعتبر في حقِّ الجنين مقصودًا إلا بعد الانفصال فأشبه الرمي الذي تم من الرَّامي ولم يعتبر من المرمي إلا بعد الإصابة فإذا وجد العتق تم تمام العلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- حتى وجب ضمان القيمة.
فكذلك ههنا وإن كان هذا بالاتفاق صار حجة لهما على محمَّد (^١).
(وَلَنَا: أَنَّ الكَفَّارَةَ فِيهَا مَعْنَى العُقُوبَةِ (^٢)؛ لأنَّها شُرعت زاجرة والزَّجر إنَّما يكون شيء فيه عقوبة حتى أنَّها تتأدى بالمال والمال شقيق الروح فكان إزالة المال منه بمنزلة إزالة الرُّوح ومن وجه عبادة لتأدية بالصَّوم.
(وَقَدْ عُرِفَتْ فِي النُّفُوسِ المُطْلَقَةِ فَلا تَتَعَدَّاهَا (^٣) أي: لا تتعدَّى الكفارة من النفوس المُطْلَقة إلى غير المُطْلَقة وهو الجنين، إمَّا لأنَّ القياس لا يجري في العقوبات، أو لأن غير المُطْلقة ليست بنظير للمُطْلقة ولا يجري القياس في غير النظير (^٤).
وفي «المبسوط» فالجنين جزء من اعتبار صفة الجزئية يمنع وجوب الكفارة ومع الشَّك لا تجب الكفارة ولكن اعتبار معنى الجزئية لا يمنع وجوب الضَّمان فأوجبنا الضَّمان وألحقناه في ذلك بالنفوس (^٥).
وفي «الذَّخيرة» وإنَّما قلنا بعدم وجوب الكفَّارة؛ لأنَّ قضية القياس أن لا تجب الكفَّارة والضَّمان لكن تركنا القياس في الضَّمان بالآثار ولا أثر في الكفارة فتبقى الكفارة على أصل القياس.
والمعنى فيه: أنَّ الجنين إذا انفصل ميتًا اعتبر ولدًا ونفسًا على حدة في حق غيره من العباد في حقِّ بعض الأحكام حتى تصير الجارية أم ولديه وتصير المرأة نفساء ويحل للمعتدة الإزواج، وفي حق نفسه اعتبر عضوًا من أعضاء الأم حتى لا يُسمى ولا يَرِث وكذلك في حق الله تعالى اعتبر عضوًا من أعضاء الأم حتى لا تقام عليه صلاة الجنازة التي هي حق الله تعالى.
_________________
(١) يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٨)، تبيين الحقائق (٦/ ١٤١)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩١).
(٢) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٤) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٢٤)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٦).
(٥) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٨).
[ ٢٤ / ٢٤٧ ]
قلنا: والكفَّارة حق الله تعالى فيعتبر الجنين في حق حكم الكفارة بمنزلة عضو من أعضائها، والكفارة لا تجب بإتلاف أعضائها أمَّا لو خرج الجنين حيًا ثم مات فعلى الضَّارب الدية الكاملة وعليه الكفَّارة؛ لأنَّه متى انفصل حيًا يعتبر نفسًا وولدًا في حق نفسه وفي حق غيره سواء كان الحق لله أو للعباد.
ألا ترى أنَّه يُصلى عليه صلاة الجنازة ويُسمَّى ويرث، ثم ذكر فيها محيلًا عن الزيادات: رجل اشترى جارية من آخر وقبضها، ثمَّ إنَّ المشتري وطئها وحبلت منه، ثم إنَّ الجارية ضربت بطن نفسها متعمدة أي: متعمدة إسقاط الجنين وألقت جنينًا ميتًا، أو شربت من الدَّواء ما يوجب سقوط الولد متعمِّدة، أو وضعت في قُبُلِهَا ما يطرح (^١) به الولد فأدخلته في الرَّحم فسقط الجنين ميتًا، ثم استحقَّها رجل بالبيِّنة وقضى القاضي للمستحق بالجارية وبالعقر على المشتري يقال للمستحق: إنَّ أمتك قتلت ولدها، وأنَّه ولد هذا الرجل، وأنَّه حرٌّ؛ لأنَّه ولد المغرور وولد المغرور حر، والجنين الحر مضمون بالغرة، فادفع أمتك أو افدها بغرة الجنين الحر وإنَّما شرط محمَّد -﵀- التعمُّد في فعل الجارية؛ لأنَّها ليست بمباشرة الإتلاف بل هي مسببة إلى قتله والسَّبب أي يوجب الضَّمان إذا كان بوصف التعدي وبالتعمد لإسقاط الولد تكون متعدِّية وعلى هذا الحرة إذا فعلت ذلك بنفسها كان على عاقلتها الغرة، ويشترط أن تكون متعمدة في فعلها لما ذكرنا، وهذا إذا فعلت بغير إذن الزَّوج فإن فعلت ذلك بإذنه فلا ضمان، وفي فتاوى أبي الليث -﵀- (^٢) في امرأة شربت دواء فألقت جنينًا ميتًا أو حملت حملًا ثقيلًا، أو حملت حملًا فألقت جنينًا ميتًا أن على عاقلتها خمسمائة درهم في سنة واحدة لوارث الحمل أيًا كان أو غيره، وإن لم يكن لها عاقلة ففي مالها في سنة والله أعلم بالصَّواب (^٣).
_________________
(١) طرح: طرحت الشئ، وبالشئ، طرحا، إذا رميته. يُنْظَر: الصحاح؛ للجوهري (١/ ٤٠٩).
(٢) هو: الإمام الفقيه المحدث الزاهد، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، الحنفي، المعروف بإمام الهدى، تفقه على الفقيه أبي جعفر الهندواني، وهو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة والتصانيف المشهورة، له تفسير القرآن وكتاب تنبيه الغافلين، وله كتاب فتاوى النوازل وغيرها. (ت ٣٧٥ هـ). يُنْظَر: الجواهر المضية (٢/ ١٩٦)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٢٢)، تاج التراجم (١/ ٣١٠).
(٣) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٨)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩١)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٩١)، الفتاوى الهندية (٦/ ٣٥، ٣٦).
[ ٢٤ / ٢٤٨ ]