(لأَنَّ الرَّاكِبَ مُبَاشِرٌ فِيْهِ (^٤) والدَّليل على أنَّه مباشر من حيث حكم الشَّرع أن من سار على دابته في ملكه فأوطأت إنسانًا بيد أو رجل فقتلته فعليه الدية والكفارة؛ لأنَّ الرَّاكب مباشر للقتل فيما أوطأت دابته والمباشرة في ملكه وغير ملكه سواء في إيجاب الضَّمان عليه كالرمي فإنَّ من رمى في ملكه فأصاب إنسانًا كان عليه ضمانه كذا في «المبسوط» (^٥).
(وَقِيْلَ: الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا (^٦) (^٧)؛ لأنَّ محمدًا -﵀- ذكر في الأصل: أنَّ الرَّاكب إذا أمر آخر فنخس الدَّابة فأوطأت إنسانًا كان الضَّمان عليهما، وعلل فقال: لأنَّ الناخس سائق والآخر راكب فقد بين بما ذكر أنَّ الرَّاكب والسَّائق في ضمان ما وطئت الدَّابة يشتركان ولا يختص به الرَّاكب (^٨).
أمَّا الجواب عن القول الأوَّل: فهو أنَّ المسبِّب مع المباشر إنَّما لا يضمن إذا كان السَّبب شيئا لا يعمل في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة، كما في الحفر فإن الحفر بانفراده لا يوجب التلف بحال ما لم يوجد الدفع الذي هو مباشرة وإن كان لو لا الحفر لكان لا يتلف بالدَّفع أيضًا لكن الدفع هو الوصف الآخر فيضاف الحكم إليه (^٩).
كما قالوا في سفينة مملوءة بالطَّعام: إذا جاء رجل وطرح فيه مَنًّا (^١٠) زائدًا فغرقت السَّفينة كان الضَّمان على الذي وضع المنَّ الزَّائد وإن كان لو لا [ما] (^١١) تقدم من الأحمال كان لا تغرق السَّفينة بالمنِّ الزَّائد ومع ذلك يضاف الغرق إلى المنِّ الزائد لما ذكرنا (^١٢).
_________________
(١) قال الشَّافعِيُّ -رَحمَهُ اللّهُ تعَالَى-: يَضمَنُ قَائدُ الدّابَّةِ وَسَائِقهَا وَرَاكِبهَا ما أصَابَتْ بيَدٍ أو فمٍ أو رجْلٍ أو ذَنبٍ ولَا يَجوزُ إلّا هذا. يُنْظَر: الأم (٧/ ١٥٠)، روضة الطالبين (١٠/ ١٩٨).
(٢) أي: لأن فعل الدابة، مضاف إلى الراكب والسائق والقائد. يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٥٨).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٨).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٩).
(٥) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٥).
(٦) أي: على الراكب والسائق. يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٦٠).
(٧) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٩).
(٨) يُنْظَر: المبسوط؛ للشيباني (٤/ ٥٦٠).
(٩) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٥٠)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠٩).
(١٠) المنّ: قال الليث: المنّ كان يَسقط على بَني إسرائيل من السّماء، إذ هم في التِّيه، وكان كالعسل الحامس حلاوةً. وقال الزَّجَّاج: جملة (المنّ) في اللُّغة: ما يَمن الله به ممّا لا تعب فيه ولا نصَب. قال: وأهل التَّفسير يقولون: إنَّ المن شيء كان يَسقط على الشجر حلْوٌ يشْرب. ويقال: إنه التُّرَنْجَبين. يُنْظَر: تهذيب اللغة (١٥/ ٣٣٨).
(١١) سقط في (ب).
(١٢) يُنْظَر: حاشية ابن عابدين (٨/ ٢٩٨)، تكملة رد المحتار (٢/ ٤٣٢).
[ ٢٤ / ٢٨٨ ]
وأمَّا (^١) في مسألتنا: فالرَّاكب على الدَّابة بانفراده عامل في إتلاف ما أوطأت الدَّابة من غير أن يكون على الدَّابة راكب، فلما كان كل واحد منهما عاملًا في الإتلاف عند الانفراد، فإذا اجتمعا لم يجز أن يضاف عمل السَّوق في الإتلاف إلى الركوب، [بل] (^٢) يكون (^٣) التَّلف مضافًا إليهما، فيجب الضَّمان عليهما نصفين إلى هذا أشار في «الذَّخيرة» (^٤).
ومن هذا الجنس ما قالوا: فيمن ساق دابة عليها وِقر (^٥) من الحنطة (^٦) فأتلفت (^٧) شيئًا في الطَّريق، نفسًا أو مالًا على إنسان، فهو على وجوه:
أمَّا إن قال السائق أو القائد أو الرَّاكب: إليك [إليك] (^٨) (^٩) فإن سمع هذه المقالة ولم يذهب فهو على وجهين:
أمَّا إن لم يبرح من (^١٠) مكانه باختياره، أو لم يجد مكانًا آخر ليذهب، فمكث في مكانه ذلك حتى تخرَّق [ثيابه] (^١١)، ففي الوجه الأوَّل: لا يضمن صاحب الدَّابة، وفي الوجه الثَّاني: يضمن لأنَّه مضطر في المقام في ذلك الموضع وغير مضطر في الوجه الأوَّل.
وإن لم يقل الرَّاكب: إليك إليك أو قال ولم يسمع من على الطَّريق حتى تخرق ثيابه أو فسد شيء من متاعه يضمن راكب (^١٢) الدابة لأنَّ التخريق مضاف إلى سَوْقِه (^١٣) فكان موجبًا للضَّمان كذا ذكره الإمام المحبوبي -﵀- (^١٤).
_________________
(١) وفي (ب) (وإن).
(٢) سقط في (ب).
(٣) وفي (ب) (بكون).
(٤) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٥٠)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٦٩، ٣٧٠)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠٩)، الدر المختار (٦/ ٦٠٥)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٦٠٥)، تكملة رد المحتار (١/ ١٧٨).
(٥) الوقر بالكسر: الحمل. يقال: جاء يحمل وقره. وقد أوقر بعيره، وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار، والوسق في حمل البعير. يُنْظَر: الصحاح؛ للجوهري (٢/ ٤١٣).
(٦) الحنطة: القمح، جمع: حنط. المعجم الوسيط (١/ ٢٠٢).
(٧) وفي (ب) (فأتلف).
(٨) سقط في (ب).
(٩) قال الفرّاء: العرب تأمر من الصفات بعليك، وعندك، ودونك، وإليك. يقولون: إليك إليك عنّي يريدون: تأخّر، كما يقولون: وراءك وراءك. وفي الحديث الذي رواه الترمذي (٣/ ٢٤٧)، «ليس ضرب ولا طرد ولا إليك إليك». وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح. يُنْظَر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣٢)، لسان العرب (٣/ ٣٠٩)، تاج العروس (٨/ ٤٢٧).
(١٠) وفي (ب) (عن).
(١١) سقط في (ب).
(١٢) وفي (ب) (صاحب).
(١٣) وفي (ب) (السوق).
(١٤) يُنْظَر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠٧)، مجمع الضمانات (٣٦٠).
[ ٢٤ / ٢٨٩ ]