وأمَّا الفرق بين هذه القربة (^١)، وبين الصَّلاة في المسجد أنَّ هذه القرب يؤتى بها في المساجد بطريق التبعية للصَّلاة، والصَّلاة هي المقصودة في بناء المسجد، فلابدَّ من إظهار التفرقة بين الأصل والتبع، وليس ذلك إلا لإطلاق (^٢) في الأصل، والتقييد بشرط السَّلامة في التبع. وإنَّما قلنا: بأنَّ الصَّلاة هي المقصودة في بناء المساجد، بدليل الحكم الشرعي، والاسم اللغوي، والاستعمال العرفي.
وأمَّا الحكم الشَّرعي: وهو أنَّه إذا ضاق المسجد على المصلِّي كان للمصلِّي أن يزعج القاعد من (^٣) موضعه حتى يصلِّي فيه، وإن كان القاعد مشتغلًا بذكر الله تعالى، أو بالتَّدريس، أو بقراءة القرآن، أو بالاعتكاف، وفي عكسه لو كان أحد يريد الصَّلاة ليس لغيره أن يزعج السَّابق عن مكانه، لما أنَّ المسجد بني للصَّلاة مقصودًا.
وأمَّا الاسم اللغوي: فهو أنَّه سمي مسجدًا، والمسجد: هو موضع السُّجود، أي: السُّجود في الصَّلاة. وأمَّا العرفي: فظاهر؛ لأنَّ النَّاس تعارفوا بناء المسجد لأجل الصَّلاة لا لغيرها إلى هذا أشار في «الذَّخيرة» و«الجامع الصَّغير» لشمس الأئمة (^٤).
وذكر صدر الإسلام في «الجامع الصَّغير» بعدما ذكر الخلاف والدَّليل من الطَّرفين فقال: إلا أنَّ ما قالاه أظهر؛ لأنَّ الجلوس من ضرورات ما هو مباح مطلقًا، فيصير حكمه كحكمه؛ لأنَّ ما كان من ضرورات الشيء يكون حكمه حكم ذلك الشيء. والله أعلم (^٥).
فَصْلٌ فِي الحَائِطِ المَائِلِ