(وَالفَرْقُ (^٦) أي: بين الشيء المحمول، حيث يجب الضَّمان به فيما إذا هلك إنسان، وبين الثَّوب الملبوس حيث لا يجب الضَّمان فيه، وإن هلك إنسان به بوقوعه عليه (^٧).
(فَيَخْرُجُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ) أي: (بِوَصْفِ السَّلَامَةِ).
(إِذَا لَبِسَ مَا لَا يَلْبِسُهُ (^٨) أي: في العادة كاللِّبد (^٩)، والجَوَالِق (^١٠)، ودرع الحرب في غير موضع الحرب، أو لبس ثوبا لا يحتاج إليه من حيث الزينة، ومن حيث دفع الحر والبرد، وذكر الإمام المحبوبي: وإن كان عليه ثوب لبسه زيادة على قدر الحاجة لم يذكره﵀- في الكتاب (^١١).
وروى ابن سماعة عن محمَّد -﵀- قال محمَّد: يضمن إذا سقط عنه وعطب به إنسان لأنه لا تعم به البلوى (^١٢).
_________________
(١) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٢) بداية المبتدي (٢٤٩)، وهو لفظ محمد في الجامع الصغير. يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٥).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٤) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٤٤)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٣٩).
(٥) يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٤، ٥١٥)، الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٦) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٧) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٠).
(٨) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٩) اللِّبد: من الصوف، وهو من البُسُط. يُنْظَر: لسان العرب (٣/ ٣٨٦)، إكمال الأعلام (٢/ ٥٥٨).
(١٠) هي الوعاء، وقيل هي الغِرارة. يُنْظَر: لسان العرب (١/ ٣٠٥)، تاج العروس (٢٥/ ١٢٩).
(١١) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٤٣)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٠).
(١٢) قال بدر الدين العيني: وقياس الأئمة الثلاثة: لا يضمن بعد التعدي. يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٠).
[ ٢٤ / ٢٦٤ ]
(وَإِذَا كَانَ المَسْجِدُ لِلعَشِيرَةِ (^١) فالعشيرة: القبيلة ذكرها في «الصِّحاح» (^٢) ولكن المراد بها هنا أهل المسجد (^٣).
(أَوْ جَعَلَ فِيهِ)، (حَصَاةً (^٤) يعني: سنك زائد من عرض مسجد را (^٥).
(وَإِن كَانَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ العَشِيرَةِ يَضْمَنُ (^٦).
هذا إذا فعله غير العشيرة بغير إذن العشيرة، أمَّا لو فعله بإذنهم فلا يضمن بالاتِّفاق (^٧)؛ لأنَّ فِعْلَ غير العشيرة بإذنهم كفعل العشيرة.
ألا ترى أنَّ من حفر بئرًا في طريق المسلمين بإذن الإمام فوقع فيها إنسان لم يضمن، كما لو حفر الإمام بنفسه، وأمَّا إذا فعلوا ذلك بغير إذن أهل المحلَّة أن أحدثوا بناء أو حفروا بئرًا فعطب ههنا إنسان فإنَّهم يضمنون بالإجماع (^٨)؛ لأنَّ أهل المحلة في حق المسجد بمنزلة الملاك وغير أهل المحلة بمنزلة الأجانب، والأجنبي لو فعل هذا في ملك غيره يضمن فكذا هنا.
وأمَّا إذا وضعوا جُبًّا ليشربوا منه الماء أو بسطوا حصيرًا أو بواري (^٩) أو علَّقوا قنديلًا بغير إذن أهل المحلة فَتَعَقَّل إنسان بالحصير فعطب أو عطب بغيره قال أبو حنيفة -﵀-: بأنَّهم يضمنون، وقال أبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: لا يضمنون (^١٠).
قال الإمام شمس الأئمة الحلواني -﵀-: أكثر مشائخنا أخذوا بقولهما في هذه المسألة وعليه الفتوى كذا ذكره في «الذَّخيرة».
وذكر الإمام التمرتاشي: لو ضاق المسجد بأهله فلهم أن يمنعوا من ليس منهم عن الصّلاة فيه.
_________________
(١) بداية المبتدي (٢٤٩).
(٢) الصحاح؛ للجوهري (٢/ ٣١١).
(٣) يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٥)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٠).
(٤) بداية المبتدي (٢٤٩).
(٥) عبارة فارسية تعني: حجر زائد من عرض المسجد.
(٦) بداية المبتدي (٢٤٩)، وهو لفظ محمد في الجامع الصغير. يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٥).
(٧) باتفاق أبي حنيفة وأصحابه. يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٥)، مجمع الضمانات (١/ ٤١١).
(٨) يُنْظَر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠١)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٤).
(٩) بواري جمع بوريا، قال الأصمعي: البوريا بالفارسية وهو بالعربية بارى وبوري، ويقصد بها: الحصير. وقال الجوهري: الباريا والبوريا: التي من القصب. يُنْظَر: الصحاح، للجوهري (٢/ ١٦٠)، المخصص (٤/ ٢٢٣)، المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٧١).
(١٠) يُنْظَر: الجامع الصغير (٥١٥).
[ ٢٤ / ٢٦٥ ]
وعن ابن سلام (^١): باني المسجد أولى بالعمار، والقوم أولى بنصب الإمام والمؤذن.
وعن الإسكاف (^٢): الباني أحق بذلك.
قال أبو الليث: وبه نأخذ إلا أن يُنَصَّب، والقوم يريدون من هو أصلح لذلك (^٣).
(وَتَكْرَارِ الجَمَاعَةِ إِذَا سَبَقَهُمْ بِهَا غَيْرُ أَهْلِهِ (^٤) أي: يفرق حكم تكرار الجماعة في المسجد بحسب أنَّهم أهل المسجد أو غيرهم، فإنَّ أهل المسجد لو صلوا فيه بجماعة لا يكون لغيرهم أن يصلوا فيه بجماعة، وغير أهل المسجد لو صلوا فيه بجماعة فلأهل المسجد أن يصلوا فيه بجماعة بعد ذلك بجماعة، فعلم بهذا أن أهل المسجد مع غير أهل المسجد ليسوا بسواء.
أو نقول: لا يبعد أن يكون المسلمون فيما هو المقصود وهو الصَّلاة فيها سواء، ثم مع ذلك يختص أهل المسجد بالتدبير فيه، كالكعبة، والنَّاس فيما هو المقصود وهو الطَّواف سواء، ثم اختص بنو شيبة (^٥) بالتَّدبير فيه، حتَّى أنَّ النبي -﵇-: «لما أخذ المفتاح منهم يوم الفتح، نزل عليه الوحي يأمره بالردِّ فقال: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ
إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٦) (^٧).
_________________
(١) الفقيه أبو نصر، محمد بن محمد بن سلام البلخي، من أقران أبي حفص الكبير، روى عن يحيى بن نصير البلخي (ت ٣٠٥ هـ). يُنْظَر: الجواهر المضية (٢/ ١١٧).
(٢) هو: مُحَمَّد بن أحمد أبو بكر الإسكاف البلخي، فقيه حنفي، إمام كبير جليل القدر، أخذ الفقه عن مُحَمَّد بن سلمة وعن أبي سليمان الجوزجاني. وتفقه عليه أبو بكر الأعمش مُحَمَّد بن سعيد وأبو جعفر الهندواني. من تصانيفه: "شرح الجامع الكبير للشيباني". (ت ٣٣٦ هـ). يُنْظَر: الجواهر المضية (٢/ ٢٨)، الفَوَائِد البهية (١٦٠).
(٣) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٤٦)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٤٧)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤١، ٢٤٢)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠١)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٤).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٥) هذه النسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي من بني عبد الدار بن قصي من سدنة الكعبة. يُنْظَر: الأنساب؛ للسمعاني (٣/ ٤٨٦).
(٦) سورة النساء من الآية (٥٨).
(٧) الحديث أصله في البخاري (٤/ ١٥٦٢)، في (كتاب المغازي)، في (باب دخول النبي -ﷺ- من أعلى مكة)، برقم (٤٠٣٨) من غير ذكر الآية وسبب النزول. وأمَّا الحديث بتمامه، فقد ذكره الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٣٢٩)، برقم (٣٣٧)، بلفظ «روي أن النبي -ﷺ- حين دخل مكة يوم الفتح غلق عثمان بن طلحة الحجبي باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه وكان عثمان سادن الكعبة وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي -﵁- يده وأخذه منه وفتح ودخل -ﷺ- وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فنزل جبريل وأخبر رسول الله -ﷺ- أن السدانة في أولاد عثمان أبدا». ثم قال الزيلعي: قلت غريب وذكره الثعلبي ثم البغوي في تفسيرهما هكذا من غير سند. وذكر ابن حجر في الفتح (٨/ ١٩): أنه مرسل.
[ ٢٤ / ٢٦٦ ]
(وَقَصْدُ القُرْبَةِ لا يُنَافِي الغَرَامَةَ إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ) هذا جواب عن قولهما: (لأَنَّ هَذِهِ مِن القُرَبِ) إلى آخره. وقال: (قَصْدُ القُرْبَةِ لا يُنَافِي الغَرَامَةَ (^١).
ألا ترى أنَّه إذا وقف إنسان في الطَّريق لإماطة الأذى عن الطَّريق أو لدفع الظلم عن غيره فعطب به إنسان يضمن، وإن كان يستحق به الثَّواب هذا كله من «المبسوط» و«الذَّخيرة» (^٢).