لما كان يؤول أمر القتيل في بعض الأحوال إلى القسامة شرع في بيانها.
فمن محاسن القسامة خلاص من يُتهَم بالقتل عن القصاص (^١) وصيانة دم المقتول عن الإهدار بإيجاب الدية وتعظيم أمر الدماء وخطرها بتكرار الأيمان وتعيين الخمسين من الأيمان إنما ثبت بالأحاديث المشهورة (^٢)، فيحتاج هاهنا إلى بيان القسامة لغة وشرعًا وبيان سببها وركنها وشرطها وحكمها ودليل شرعيتها.
أما اللغة فالقسامة على بناء الغرامة والحمالة (^٣) اسم وضع موضع الإقسام (^٤)، ثم قيل للأيمان التي تقسم على أهل المحلَّة (^٥) إذا وجد قتيل فيها.
وأما تفسيرها شرعًا فما روى [أبو يوسف] (^٦) عن أبي حنيفة﵁أنه قال [في القتيل] (^٧):
يوجد في المحلة أو في دار رجل في المصر (^٨) إن كان به جراحة أو أثر ضرب أو أثر خنق ولا يعلم مَنْ قَتَلَه يُقسِم خمسون رجلًا من أهل المحلة كل رجل منهم يقول: بالله ما قتلتُه وما علمت له قاتلًا.
_________________
(١) سبق ص ١٠٤.
(٢) الحديث المشهور عند المحدثين: هو ما رواه ثلاثة فأكثر ما لم يبلغ حد التواتر، وهو المستفيض عند جماعة من الأصوليين والفقهاء وبعض المحدثين، ويطلق أيضًا على: ما اشتهر على الألسنة مطلقًا ولو كان له إسناد واحد أو كان لا إسناد له؛ والشهرة على هذا النحو لا يلزم منها صحة الحديث أو ضعفه، وقد ألف فيها العلماء لحاجة الناس إليها، ومن المؤلفات: - التذكرة في الأحاديث المشتهرة لبدر الدين الزركشي المتوفى سنة (٧٩٤) هـ. - والدُّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي، لخص فيه تذكرة الزركشي، وزاد عليها كثيرًا. ينظر: المقاصد الحسنة -باب المؤلفات في الأحاديث المشتهرة ص (٢١).
(٣) الحمالة: تَحَمَّلَ الحَمَالَة أَي حَمَلَها؛ قال الأَصمعي: الحَمَالة الغُرْم تَحْمِله عَنِ الْقَوْمِ ونَحْو ذَلِكَ؛ والحمالة بفتح الحاء: ما يحمله من الغرم (كالدية ونحوها) عن الغير إصلاحا " لذات البين. ينظر: لسان العرب (١١/ ١٨٠)، معجم لغة الفقهاء (١٨٦).
(٤) في (ب): القسام؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) المحلة: بالتحريك وتشديد اللام جمعها جمعها محال ومحلات: منازل القوم وبيوتهم. ينظر: المعجم الوسيط (١/ ١٩٤).
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) المصر: وهي المدينة تذكر وتؤنث وجمعها أمصار. ينظر: لسان العرب (٥/ ١٧٦)، القاموس المحيط (١/ ٤٧٦).
[ ٢٥ / ٦٣ ]
وأما سببها فوجود القتيل في المحلة أو فيما معناها من الدار والموضع (^١) الذي بقرب من المصر بحيث يسمع الصوت منه.
وأما ركنها فأن يجري من يقسم هذه الكلمات على لسانه وهي قوله: بالله ما قتلته وما علمت له قاتلًا؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء والقسامة إنما تقوم بها.
وأما شرطها فهو أن يكون المقسم رجلًا بالغًا عاقلًا حرًا فلذلك لم يدخل في القسامة المرأة والصبي والمجنون والعبد.
وأن يكون في الميت (^٢) الموجود في المحلة أثر القتل وأما لو وجد ميتًا لا أثر به فلا قسامة ولا دية.
ومن شرطها أيضًا تكميل [اليمين] (^٣) بالخمسين، فإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان على من وجد منهم حتى يتم خمسين.
وأما حكمها فالقضاء بوجوب الدية بعد الحلف؛ وفي الآباء بالحبس حتى يحلفوا لو ادعى الولي قتل العمد.
وأما لو ادعى الولي قتل الخطأ فالقضاء بالدية عند النكول.
وأما دليل شرعيتها فالأحاديث المشهورة كحديث سهل (^٤) وغيره وقضاء عمر (^٥) - ﵁وإجماع الصحابة في زمن خلافة عمر (^٦) إلى هذا أشار في التحفة (^٧) (^٨) وغيرها.
_________________
(١) في (ب): أو الموضع؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): المسبب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) هو: الصحابي سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي. اختلف في اسم أبيه؛ فقيل: عبد الله. وقيل: عامر. وأمه أم الربيع بنت سالم بن عدي بن مجدعة. قيل: كان له عند موت النبي - ﷺسبع سنين أو ثماني سنين، وقد حدث عنه بأحاديث. مات في أول خلافة معاوية. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٦٦١)، الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ١٦٣).
(٥) ينظر: الاستذكار (٨/ ١٥٥)، المغني (١٢/ ٤٨)، التشريع الجنائي (٣/ ٣٧٠)، صحيح فقه السنة (٤/ ٢٣١)، الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٣/ ١٧٤).
(٦) في (ب) و(ج): عمر بن عبدالعزيز؛ وهو كذلك في تحفة الفقهاء (٣/ ١٣١). وجاء في الأصل (٦/ ٥٦٥): وبلغنا عن عمر﵁أنه قضى بالدية على عاقلتهم، وفي البناية (١٣/ ٣٣٦): لما روي: أن عمر﵁لما قضى في القسامة وافى إليه تسعة وأربعون رجلا فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين ثم قضى بالدية، وفي تبيين الحقائق (٦/ ١٧٠): وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ حُكْمُ عُمَرَ﵁بِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺبِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَصَارَ إجْمَاعًا،، وفي العناية (١٠/ ٣٧٩): لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ﵁لَمَّا قَضَى فِي الْقَسَامَةِ وَافَى إلَيْهِ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا فَكَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ حَتَّى تَمَّتْ خَمْسِينَ ثُمَّ قَضَى بِالدِّيَةِ، وفي اللباب (٢/ ٧٢٥): فَهَذِهِ الْقسَامَة الَّتِي حكم بهَا عمر بن الْخطاب بعد رَسُول الله [غ] بِمحضر (من الصَّحَابَة، وَلم) يُنكر عَلَيْهِ مُنكر.
(٧) هو: تحفة الفقهاء في الفروع؛ للشيخ الإمام الزاهد علاء الدين: محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي، زاد فيها على (مختصر القدوري) ورتب أحسن ترتيب. ينظر: كشف الظنون (١/ ٣٧١).
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧٣).
[ ٢٥ / ٦٤ ]
قوله: يتخيرهم الولي بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا، هذا على طريق الحكاية عن الجمع.
وأما عند الحلف فيحلف كل واحد منهم: بالله ما قتلته؛ ولا يحلف بالله: ما قتلنا؛ لجواز أن يكون باشر القتل بنفسه فيجترئ على يمينه: بالله ما قتلنا.
فإن قيل: يجوز أنه قتل مع غيره فيجترئ على يمينه: بالله ما قتلت؛ كما في عكسه.
قلنا: لا، كذلك لأنه إذا حلف بالله: ما قتلت؛ وكان قتل مع غيره كان كاذبًا في يمينه فإن الجماعة متى قتلوا واحدًا يكون كل واحد منهم قاتلًا؛ ولهذا يجب القصاص على كل واحد منهم في العمد والكفارة في الخطأ، كذا وجدت بخط شيخي: (^١).
اللوث من لوّث الماء كدّره؛ ولوث ثيابه بالطين أي لطخها فتلوثت؛ ومنه بينهم لوث وعداوة أي شر أو طلب بحقد.
وفي القسامة إذا كان هناك لوثة هي أن يكون هناك علامة القتل في واحد بعينه؛ أو يكون هناك عداوة ظاهرة (^٢).
والقصاص لا يجامعها أي لا يجامع الشبهة.
اعلم أن الأصل في شرعية القسامة الأحاديث المشهورة منها $حديث سهل بن أبي خيثمة (^٣) أن عبد الله بن سهل (^٤) وعبد الرحمن بن سهل (^٥) وحُوَيصَة (^٦)
ومحيصة (^٧) خرجوا في التجارة [إلى خيبر (^٨) (^٩) وتفرقوا إلى حوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلًا في قليب من خيبر يتشحط (^١٠) في دمه فجاءوا إلى رسول الله - ﷺ - ليخبروه فأراد عبد الرحمن وهو أخو القتيل أن يتكلم فقال - ﷺالكُبَّر الكبر؛ فتكلم أحد عميه حُوَيصة أو مُحَيّصَة وهو الأكبر منهما وأخبره بذلك، قال: ومن قتله؟ قالوا: ومن يقتله سوى اليهود؛ قال: تبرئكم اليهود بأيمانها؛ فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفّار لَا يُبَالُونَ ما حلفوا عليه؛ قال غ: أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم؟ فقالوا: كيفَ نحلف على أمرٍ لم نعاين ولم نشاهد؟ فكره رسول الله - ﷺ - أن يبطل دمه فوَدَاه بمائة من إبل الصدقة (^١١).
_________________
(١) ينظر: الجوهرة النيرة (٢/ ١٤٣).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٨٦)، العناية (١٠/ ٣٧٣)، البناية (١٣/ ٣٢٨).
(٣) سبق ترجمته في الصفحة السابقة.
(٤) هو عبد الله بن سهل أبو ليلى الأنصاري الحارثي أخو عبد الرحمن وابن أخي حويصة ومحيصة، وهو المقتول بخيبر الذي ورد في قضيته القسامة. ينظر: تاريخ الإسلام (٣/ ٢٦٠)، الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٠٦).
(٥) هو عبد الرحمن بن سهل بن زيد بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة الأنصاري الحارثي، ممن شهد أحدًا والخندق. ينظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٤/ ٤١٩)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٨٣٦)، تاريخ الإسلام (٢/ ١٨٨).
(٦) هو حويصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري. شهد أحدًا والخندق وسائر المشاهد. ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ١٢٤)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (١/ ٤٠٩).
(٧) هو محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة ابن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي يكنى أبا سعد، يعد في أهل المدينة، بعثه رسول الله - ﷺ - إلى أهل فدك يدعوهم إلى الإسلام، وشهد أحدًا والخندق وما بعدها من المشاهد. وهو أخو حويصة ابن مسعود، على يده أسلم أخوه حويصة بن مسعود، وكان حويصة بن مسعود أكبر منه، وكان محيصة أنجب وأفضل. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٤٦٣)، تاريخ الإسلام (٢/ ٥٣٧).
(٨) خيبرُ: الناحية المشهورة، بينها وبين المدينة مسيرة أيام، وهي تشتملُ على حصونٍ ومزارعَ ونخلٍ كثير. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (٢٦٩).
(٩) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) يتشحط: أي يتخبط فيه ويضطرب ويتمرغ. ينظر: لسان العرب (٧/ ٣٢٨) و(١٥/ ١٣).
(١١) أخرجه البخاري في (صحيحه)، كتاب الديات باب القسامة، (٩/ ٩ رقم الحديث: ٦٨٩٨)، ومسلم في (صحيحه)، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات باب القسامة، (٣/ ١٢٩٤ رقم الحديث: ١٦٦٩).
[ ٢٥ / ٦٥ ]
ثم قيل إنما وَدَى رسول الله - ﷺ - لأنه يجوز الحمالة عن أهل الذمة فإن قضاء دين الغير بِرٌّ له، وأهل الذمة من أهل البر إليهم حتّى جاز عندنا صرف الكفارات إليهم، ولا يجوز من مال الزكاة (^١)
إلا على سبيل الاستقراض (^٢) من بيت المال (^٣)، ومنها حديث الزهري (^٤) وهو ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب (^٥) أن القسامة كانت من أحكام الجاهلية قررها رسول الله - ﷺ - في قتيل من الأنصار وجد في جب (^٦) اليهود بخيبر وذكر الحديث إلى أن قال: فألزم النبيّ - ﷺاليهود الدّية والقسامة (^٧).
وفي رواية: فكتب إليهم إما أن تدوه أو فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله (^٨).
_________________
(١) سبق ١١٢.
(٢) الاستقراض: طلب القرض. ينظر: معجم لغة الفقهاء (٦٤). وسبق تعريف القرض ص ١٧٠.
(٣) في (أ): على ندب المال؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة الإمام، أبو بكر القرشي الزهري المدني. أحد الأعلام وحافظ زمانه، وطلب العلم في أواخر عصر الصحابة وله نيف وعشرون سنة. ينظر: تاريخ الإسلام (٣/ ٤٩٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٨٣)، غاية النهاية في طبقات القراء (٢/ ٢٦٢، ٢٦٣).
(٥) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، الإمام أبو محمد القرشي المخزومي المدني. عالم أهل المدينة بلا مدافعة. ولد في خلافة عمر لأربع مضين منها، وقيل: لسنتين مضتا منها. ورأى عمر وسمع عثمان وعليًّا وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأبا موسى الأشعري وأبا هريرة وجبير بن مطعم وعبد الله بن زيد المازني وأم سلمة وطائفة من الصحابة. ينظر: سير أعلام النبلاء (٤/ ٢١٧ - ٢٤٦)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (٢/ ١١٠٣)، غاية النهاية (١/ ٣٠٨).
(٦) الجب: البئر التي لم تطو، وسميت البئر جبًا لأنها قطعت قطعًا. ينظر: الصحاح (١/ ٩٦)، لسان العرب (١/ ٢٥٠)
(٧) أخرجه ابن عبد الرزاق في (مصنفه)، كتاب العقول باب القسامة، (١٠٢٧ رقم الحديث: ١٨٢٥٢) وابن أبي شيبة في مصنفه ما جاء في القسامة (٥ - ٤٤٠) رقم (٢٧٨٠٦).
(٨) أخرجه البخاري في (صحيحه)، كتاب الأحكام باب كتاب الحاكم إلى عماله والقاضي إلى أمنائه، (٩/ ٧٥) رقم الحديث: (٧١٩٢)، ومسلم في (صحيحه) كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات باب القسامة، (٣/ ١٢٩٤) رقم الحديث: (١٦٦٩)، ونصه: «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب».
[ ٢٥ / ٦٦ ]
واحتج [مالك] (^١) (^٢)
والشافعي (^٣) رحمهما الله بآخر هذا الحديث [بقوله - ﷺ -] (^٤): أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (^٥).
وفي رواية: تحلفون وتستحقون (^٦)، وهذا تنصيص على أن اليمين على الولي وأنه يستحق القصاص به.
ثم قال الشافعي: في القول الجديد: يرجح جانب المدعي ولكن بحجة فيها ضرب شبهة (^٧)، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات فيجب المال؛ وهذا لأن اليمين حجة من يشهد له الظاهر كما في سائر الدعاوى، فإن الظاهر يشهد للمدعى [عليه] (^٨) لأن الأصل براءة ذمته.
فأما في القسامة فالظاهر يشهد للمدعي عند قيام اللوث فيكون اليمين حجة له، وهذا معنى قوله في الكتاب: فإذا كان الظاهر شاهدًا للولي (^٩) يبرأ بيمينه.
وحجتنا ما روينا من الآثار المشهورة وقول رسول الله - ﷺ -: لو أعطي [الناس] (^١٠) بدعواهم … الحديث (^١١).
_________________
(١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) المقدمات الممهدات فصل في وجوب القود في القسامة (٣ - ٣٠١).
(٣) الأم (٦/ ٩٦ - ٩٧)، مختصر المزني: كتاب القسامة (٨/ ٣٥٨).
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) أخرجه البخاري في (صحيحه) كتاب الجزية باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره وإثم من لم يف بالعهد (٤/ ١٠٠ رقم الحديث: ٣١٧٣).
(٦) في صحيح مسلم-كتاب القسامة والمحاربين والقصاص-باب القسامة (رقم ٣١٦٧) بلفظ: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ. وسنن النسائي الصغرى-كتاب الطهارة-التوقيت في المسح على الخفين للمقيم (رقم ٤٦٥٧)؛ وبرقم (٤٦٦٣) بلفظ: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا فَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟. وسنن ابن ماجه-كتاب الصلاة-أبواب مواقيت الصلاة (٢٦٦٩). وفي سنن الدارمي-كتاب الصلاة بلفظ: تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ، ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ نُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ " وفي مسند أحمد-مسند العشرة-مسند المدنيين-برقم (١٥٧٦٢) بلفظ: تُسَمُّونَ قَاتِلَكُمْ، ثُمَّ تَحْلِفُونَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ تُسْلِمُهُ. والسنن الكبرى-كتاب النكاح-أبواب التزويج على العتق برقم (٦٦٦٩).
(٧) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٠٨).
(٨) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٩) في (ج): للمولى؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.؛ ويكثر السقط في (ج) في أطراف الأسطر.
(١١) أخرجه البخاري في (صحيحه) كتاب تفسير القرآن، (٦/ ٣٥ رقم الحديث: ٤٥٥٢)، ومسلم في (صحيحه) كتاب الأقضية باب اليمين على المدعى عليه (٣/ ١٣٣٦ رقم الحديث: ١٧١١).
[ ٢٥ / ٦٧ ]
وقد بينا في الدعوى أن اليمين ليس بحجة صالحة لاستحقاق فلسٍ بها فكيف يكون حجة لاستحقاق نفسٍ [خصوصًا] (^١) في موضع يتيقن (^٢) أنّ الحالف مجازف يحلف على ما لم يعاينه بحال محتمل في نفسه وهو اللوث، وإنما اليمين مشروعة لإبقاء ما كان على ما كان فلا يستحق بها ما لم يكن مستحقًا.
فأما [قوله] (^٣): أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؛ لا تكاد تصح هذه الزيادة وقد قال جماعة من أهل الحديث أولهم سهل بن أبي خيثمة: ما قال رسول الله - ﷺ -: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم (^٤)، ولو ثبت فإنما قال ذلك على سبيل الاستفهام عليهم لا على طريق الحكم والأمر لهم بذلك؛ فإن الثاني معطوف على الأول فشاركه في الاستفهام، فإنه لو كان على سبيل الحكم لكان يقول: أتحلفون فتسحقوا دم صاحبكم؛ كما تقول: [أتدخل الدار فتبصرَ الأمر بالنصب أريد به التعليق في الحكم وإذا أريد به الاستفهام قيل] (^٥): أتدخل الدار وتجلسُ فيها [بالرفع أي أتجلسُ فيها] (^٦) بعد الدخول، والاستفهام استخبار عن فعله أيفعله أم لا وليس ببيان أنه يجوز له ذلك، أو هو محمول على الاستفهام بطريق الإنكار كقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ (^٧).
وكذلك قوله (^٨) تحلفون (^٩) معناه أتحلفون كقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (^١٠) معناه أتريدون؟
وكأنه - ﷺ - رأى منهم الرغبة في حكم الجاهلية حين أبوا أيمان اليهود بقولهم: لا نرضى بيمين قوم كفار؛ فقال ذلك على سبيل الزجر، فلما عرفوا كراهة رسول الله - ﷺ - لذلك رغبوا عنه بقولهم: كيف نحلف على أمرٍ لم نعاين ولم نشاهد؟ كذا في المبسوط (^١١) والأسرار (^١٢).
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): متفق؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ج) و(أ)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(٤) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) سورة الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): أتحلفون؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) سورة الأنفال: ٦٧
(١١) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٠٩).
(١٢) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧٦)، المبسوط (٢٦/ ١٠٩).
[ ٢٥ / ٦٨ ]
لأنه يمين وليس بشهادة، وبهذا التعليل يحترز عن اللعان (^١) حيث لا يجوز اللعان منهما لما أن اللعان شهادة والمحدود في القذف والأعمى ليس لهما شهادة الأداء؛ فأما هذه فيمين محضة كذا في المبسوط (^٢).
وإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية أي على عاقلة أهل المحلة.
وفي المبسوط ثم إنما يقضى بالدية على عاقلة أهل المحلة في ثلاث سنين (^٣)؛ لأن حالهم هنا دون حال من باشر القتل خطأ وإذا كانت الدية هناك على عاقلته في ثلاث سنين فهنا [أولى] (^٤).
وفي ظاهر الرواية القسامة على أهل المحلة، والدية على عواقلهم.
وذكر في اختلاف زفر ويعقوب (^٥) أن (^٦) على قول زفر القسامة والدية على عاقلة أهل المحلة قياسًا لأحد الموجبين على الآخر.
وعلى قول أبي يوسف: لا قسامة على العاقلة لأن التحمل يجري في الدية ولا يجري التحمل في اليمين، وادعة اسم قبيلة من همدان، ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه عمدًا أو خطأ؛ إلى أن قال: وإن كان في القصاص فهو على اختلاف مضى في كتاب الدعوى؛ فكذا في بعض النسخ وهو الأصح لأنه أحال على هذا المذكور.
وهذه المسألة بعد هذا بورقتين أو أكثر في قوله: وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم؛ وقد ذكرناه وذكرنا فيه القياس والاستحسان، وهذه الحوالة (^٧) ليست [إلا] (^٨) في ذلك المذكور في بعض النسخ، وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم ويجوز تكرار اليمين من واحد كما في كلمات اللعان لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حيًا.
فإن قلت: الظاهر لا يصلح حجة للاستحقاق ولهذا قلنا في عين الصبي وذكَرِهِ ولسانه إذا لم يعلم صحته حكومة العدل عندنا وإن كان الظاهر سلامتها.
_________________
(١) اللعان: هي شهادات مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها. ينظر: التعريفات (ص/ ١٩٢).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٠).
(٣) في (أ): في ثلاثين؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٩٢)، المبسوط (٢٦/ ١١٠).
(٦) في (ج): أي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٧) الحوالة: هي مشتقة من التحول بمعنى الانتقال، وفي الشرع: نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. ينظر: التعريفات (ص/ ٩٣)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ١٨٧).
(٨) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٦٩ ]
قلت: إن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال ولا تعظيم للأموال كتعظيم النفوس فلذلك لم يجب فيما لم يعلم سلامته [[يقينًا [ما] (^١) يجب في الذي علم سلامته يقينًا مما له خطر من القصاص والدية]] (^٢).
وأما الجنين فهو في نفسه عضو من وجه ونفس من وجه، فاعتبرنا جهة النفس إذا انفصل حيًا فيستدل عليه بتمام الخلق.
وإذا انفصل ميتًا اعتبرنا جهة العضو فيستدل عليه بناقص الخلق، فكان الظاهر هنا بمنزلة القتيل الموجود في المحلة وبه أثر الجراحة يحكم أنه مقتول بسبب هذا الظاهر فتجب القسامة والدية وإن كان يحتمل أنه مات حتف أنفه (^٣) لا بسبب الجراحة.
وأما الأعضاء فلما كان فيها شبه المالية لم توجب الدية التي لها خطر إلا عند التيقن.
وإذا وجد القتيل على دابة يسوقها (^٤) رجل فالدية على عاقلته أي على عاقلة السائق [سواء أكان السائق] (^٥) مالكًا للدابة (^٦) أم غير مالك.
وكذا إذا كان قائدها أو راكبها لأنه هو المختص بتدبير هذه الدابة وباليد عليها.
ألا ترى أنها لو وطئت إنسانًا كان ذلك على الذي معه بالسوق أو غيره فكذلك إذا وجد قتيلًا عليها، فإذا لم يكن مع الدابة أحد فهو على أهل المحلة الذين وجد فيهم القتيل على الدابة لأن وجوده على الدابة كوجوده في الموضع الذي فيه الدابة.
وقد روي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه كان يفصل الجواب في الدابة (^٧) تفصيلًا ويقول: إن هذا هكذا إذا كان السائق يسوق الدابة محتشمًا (^٨) مختفيًا سرًا؛ لأن الظاهر أنه هو القاتل إذا كان يسوقها على هذا الوجه، فأما إذا كان يسوقها غير محتشم نهارًا جهارًا فلا شيء عليه؛ لأن الإنسان قد يحمل أباه أو ابنه أو واحدًا من أقربائه ميتًا وينقله إلى بلده ليدفنه فيه وظاهر حاله في السوق يدل عليه فلا نجعله قاتلًا.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) فلان مات حتف أنفه: إذا مات من غير قتل ولا ضرب، أي بهلاك نفسه من غير سبب؛ وحقيقته انقطاع أنفاسه وخروجها من أنفه. ينظر: الصحاح (٤/ ١٣٤١)، طلبة الطلبة (ص/ ١٠٣).
(٤) السائق: هو الذي يسوقها من الخلف، وأما القائد: فهو الذي يقودها من الأمام. ينظر: لسان العرب (٣/ ٣٧٠)
(٥) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): للدية؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ج): الدية؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) إني لأحتشم: أي أستحي؛ والحشمة: الاستحياء. ينظر: لسان العرب (١٢/ ١٣٦).
[ ٢٥ / ٧٠ ]
فإن قلت: ما الفرق لأبي حنيفة ومحمد: بين سائق الدابة أو قائدها أو راكبها هاهنا وبين الدار (^١)؛ فإنه إذا وجد القتيل في الدار تجب القسامة والدية على مالك الدار لا على الساكن الذي في يده الدار عند أبي حنيفة ومحمد: وهاهنا تجب القسامة على الذي في يده الدابة من السائق وغيره والدية على عاقلته لا على مالك الدابة.
قلت له جوابين؛ أحدهما بطريق المنع (^٢) فنقول: لا نسلم بأن الدية هنا لا تجب على مالك الدابة فإن من مشائخنا من قال هذا الجواب الذي ذكره في الكتاب فيما إذا لم يكن للدابة مالك معروف وإنما يعرف ذلك بقول القائد والسائق.
وأما إذا كان للدابة مالك معروف فإنه يجب على مالك الدابة؛ وهذا لأنه متى لم يكن للدابة مالك معروف فالمالك من حيث الظاهر هو الذي في يده الدابة.
ألا ترى أنه لو ادعى أن الدابة دابته كان القول قوله؛ فإذا كان ذو اليد مالكًا من حيث الظاهر فالقسامة والدية تجب عليه بظاهر ملكه، فإذا أراد أن يحوله إلى غيره لا يقدر كما في الدار إذا أقر الذي في يده الدار أن الدار لغيره ولم يكن المقَر له مالكًا معروفًا للدار لا يصدق ذو اليد، فأما إذا كان مالك الدار معروفًا فإنه تجب القسامة والدية على مالك الدار، فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بين الدابة والدار، والثاني بطريق التسليم وهو أيضًا مما قاله بعض مشائخنا فقالوا: سواء أكان للدابة مالك معروف أم لم يكن فإن القسامة تجب على الذي في يده الدابة والدية على عاقلته.
وظاهر إطلاق الجواب في الكتاب يدل على هذا، فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الدار على ما ذكرت، والفرق هو أن العبرة في هذا الباب للتصرف والرأي والتدبير، ثم التصرف والرأي والتدبير في الدار يكون للمالك؛ لأنه لا يتصور [أي ما دام مالكًا] (^٣) انقطاع يده عن ذلك؛ لأنه وإن أخرها فالمئونة تكون على المالك فتكون القسامة عليه، وأما في الدابة فالتصرف والرأي والتدبير إلى من في يده الدابة؛ لأن زوال يد صاحب الدابة عن الدابة يثبت بالإجارة وكذلك بالانفلات فتكون القسامة على الذي في يده الدابة لذلك، هذا كله من المبسوط (^٤) والذخيرة (^٥).
_________________
(١) في (ج): الدابة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): التبع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (أ) و(ب)؛ وإثباتها من (ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٢٨٣).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٢).
[ ٢٥ / ٧١ ]
أُتِي بقتيل وجد بين قريتين فأمر أن يذرع وهو في $حديث أبي سعيد الخدري﵁أن قتيلًا وجد بين قريتين على عهد رسول الله - ﷺ - فأمر أن يُمْسح بينهما فوجد إلى إحدى القريتين أقرب بشبر فقضى عليهم بالقسامة … والدية (^١) كذا في المبسوط (^٢).
وَادعة وأرحب قبيلتان من هَمدَان، وإن وجد القتيل في دار إنسان فالقسامة عليه فصار صاحب الدار مع أهل المحلة بمنزلة أهل المحلة مع أهل المصر، فلما لم يدخل أهل المصر مع أهل المحلة كذلك لا يدخل أهل المحلة مع صاحب الدار في القسامة كذا في شرح الأقطع (^٣).
ولا يدخل السكان في القسامة مع المُلَّاك يعني إذا كان في المحلة سكان وملاك عند أبي حنيفة: وهو قول محمد:.
وإنما ذكر قولهما بهذا الطريق ولم يقل عند أبي حنيفة ومحمد ليظهر عدم أصالة محمد في هذا القول كأصالة أبي حنيفة: فيه؛ لأنه ذكر في الأسرار بعدما ذكر الاختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف هذا الاختلاف فقال: وقول محمد مضطرب (^٤).
وهاهنا اختار كونه مع أبي حنيفة ولكن مع نوع إشارة إلى أنه ليس بأصيل في هذا القول فصار كأنه قال وهو قول محمد في بعض الروايات.
وقال أبو يوسف: هو عليهم وهذا هو قوله الآخر، وكان قوله الأول كقولهما ثم رجع إلى هذا القول؛ وهو قول ابن أبي ليلى (^٥) (^٦)؛ لأن سكنى الملاك ألزم وقرارهم أدوم لأن السكان ينتقلون في كل وقت من محلة إلى محلة دون أصحاب الملك، والدليل عليه أن ما ينبني من الغُنْم شرعًا على القرب مختص به أصحاب الملك دون السُّكان وهو الشفعة فكذلك ما يكون من الغرم شرعًا.
_________________
(١) أخرجه أحمد في (مسنده)، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي سعيد الخدري﵁ - (١٧/ ٤٤١ رقم الحديث: ١١٣٤١)، والبيهقي في (السنن الكبرى) كتاب القسامة باب باب ما روي في القتيل يوجد بين قريتين ولا يصح (٨/ ٢١٧ رقم الحديث: ١٦٤٥٣)، ولفظه: "عن أبي سعيد أن قتيلًا وجد بين حيين، فأمر النبي - ﷺأن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر، قال أبو سعيد: كأني أنظر إلى شبر رسول الله - ﷺ -: فألقى ديته عليهم"، قال العقيلي في (الضعفاء الكبير) (١/ ٧٦): ليس له أصل، وقال ابن الجوزي في (الموضوعات) (٣/ ١٢٩): هذا حديث موضوع وفيه جماعة ضعاف منهم عطية، ضعفه الكل. ومنهم أبو إسرائيل واسمه إسماعيل بن أبي إسحاق ضعيف. وقال يحيى بن معين: أصحاب الحديث لا يكتبون حديثه. ومنهم إسماعيل بن أبان. قال أحمد بن حنبل: حدث أحاديث موضوعة. وقال يحيى: كذاب. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات. وقال البخاري والدارقطني: متروك.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١١).
(٣) هو شرح لمختصر القدوري، في مجلدين. للإمام: أحمد بن محمد، المعروف: بأبي نصر الأقطع. المتوفى سنة: أربع وسبعين وأربعمائة. ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٦٣١).
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٣).
(٥) ابن أبي ليلى: هو عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى الأنصاري الكوفي، ويقال: أبو محمد الفقيه المقرئ. ولد في وسط خلافة عمر، وهو يصغر عن السماع منه، بل رآه يمسح على الخفين. روى عن: عمر وعلي وابن مسعود وأبي ذر وبلال وأبي بن كعب وصهيب وقيس بن سعد بن عبادة وأبي أيوب والمقداد وروايته عن معاذ في السنن الأربعة، ولم يلحق هو طائفة سواهم. روى عنه: الحكم بن عتيبة وعمرو بن مرة وعبد الملك بن عمير وحصين بن عبد الرحمن والأعمش، وكان قد أخذ عن علي القرآن. ينظر: تاريخ الإسلام (٢/ ٩٦)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٦٢).
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٣٤٣).
[ ٢٥ / ٧٢ ]
الخِطة المكان المختط لبناء دار وغير ذلك من العمارات، وقولهم مسجد الخطة يراد بها ما خَطّه الإمام حين فتح البلدة وقسمها بين الغانمين.
وكذلك قوله في الكتاب وهو على أهل الخِطة دون المشترين أي على أصحاب الأملاك القديمة الذين كانوا يملكونها حينَ فَتح الإمام البلدةَ وقسمها بين الغانمين بخطّ خِطة لتمييز أنصبائهم، وهو على أهل الخطة أي المذكور، وهو وجوب القسامة.
والدية أي القسامة على أهل الخطة والدية على عواقلهم.
وقال أبو يوسف: الكل مشتركون؛ وهو [قول] (^١) ابن أبي ليلى.
والولاية أي ولاية الحفظ باعتبار الملك وفيما يجب باعتبار الملك لا يختلف باختلاف أسباب الملك كاستحقاق الشفعة، ولهما أن صاحب الخِطّة هو المختص بنصرة البقعة.
ألا ترى أن المحلة تنسب إلى صاحب الخطة دون المشترين.
فإن قلت: ما الفرق لهما بين المحلَة والدّار وفي الدار لو كان مشتريًا وصاحب خِطة ووجد القتيل فيها فهما متساويان في القسامة والدية ولا فرق بينهما بالإجماع، وفي حق المحلة فرقا بينهما حيث أوجبا (^٢) القسامة على أهل الخطة دون المشترين، مع أنّ كلّ واحد من أهل الخطّة والمشتري لو انفرد كانت القسامة عليه والدية على عاقلته وهما لم يفترقا في حق الدار، فكيف افترقا في حق المحلة.
قلتُ: قالا: الفرق بينهما العُرْف؛ فإنّ في العرف أن المشترين قلَّمَا يزاحمون أصحاب الخطة في التدبير والقيام لحفظ المحلة، وليس في حق الدار كذلك؛ فإن في عمارة ما استرم من الدار وإجارتها وإعارتها فهما متساويان، فكذلك في القيام بحفظ الدار.
وقيل أبو حنيفة: بنى ذلك على ما شاهد بالكوفة (^٣) أي ما شاهد من عادة أهل الكوفة في زمانه هو أن أصحاب الخطة في كلّ محلّة هم الذين يقومون بتدبير المحلة ولا يشاركهم المشترون في ذلك.
لما بينا أراد به قولَه ولهما أن صاحب الخطة هو المختص بنصرة البقعة.
وقوله: ولأنه أصيل والمشتري دخيل لأن الولاية انتقلت إليهم أي عند أبي حنيفة ومحمد:؛ لأن الولاية على قولهما لصاحب الخطة ولم يكن للمشترين، وحين صارت لهم كانت الولاية منتقلة (^٤) إليهم.
_________________
(١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): أوجباه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) الكوفة: هي أحد محافظات العراق وهي مركز المحافظة قريبة من النجف وتقع إلى الجنوب الغربي من بغداد. ينظر: موسوعة المدن العربية والإسلامية (ص/ ٨٠)، معجم البلدان (٤/ ٤٩٠).
(٤) في (ج): منقلبة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
[ ٢٥ / ٧٣ ]
أو خلصت لهم أي على مذهب أبي يوسف لما أن الولاية عنده … كانت لصاحب الخطة وللمشترين، فالآن خلصت للمشترين لزوال من يزاحمهم.
[وكذلك قوله لزوال من يتقدمهم أي على قولهما.
أو يزاحمهم] (^١) أي على قول أبي يوسف.
وإذا وجد قتيل في دار فالقسامة على رب الدار.
وذكر في الذخيرة: «القتيل إذا وجد في دار رجل فالدية على عاقلة صاحب الدار» باتفاق الروايات، و«القسامة على صاحب الدار» في رواية.
وفي رواية أخرى «القسامة على عاقلة صاحب الدار (^٢)».
وحكي عن الكرخي أنه كان يوفق بين الروايتين فكان يقول الرواية التي توجب القسامة على صاحب الدار محمولة على ما إذا كان قومه غُيَّبًا، والرواية التي توجب القسامة على قومه محمولة على ما إذا كان قومه حضورًا.
ولكن ذكر في فتاوى العتابي (^٣) كما ذكر في الكتاب «ومن اشترى دارًا فلم يقبضها حتَّى وُجد فيها قتيل» إلى آخره (^٤)، …
وهذه من مسائل الجامع الصغير (^٥).
وحاصل هذا الاختلاف راجع إلى أن أبا حنيفة: اعتبر اليد وَهَمُا اعتبرا الملك، وهذا الاختلاف نشأ بينهم بعد ما أجمعوا على أن وجوب الضمان عند وجود القتيل يتعلق بولاية الحفظ لأنه ضمان ترك الحفظ، فبعد ذلك قال أبو يوسف ومحمد: ولاية الحفظ تستفاد بالملك فيعتبر الملك.
وأبو حنيفة: يقول: حقيقة القدرة تثبت باليد إلا أن الملك سبب اليد فإذا كان الملك لأحدهما واليد للآخر كان اعتبار اليد أولى والولاية تستفاد بالملك؛ وهذا لأن وجوب الدية في هذا ضمان ترك الحفظ فيجب على مالك الدار لأنه مئونة الملك؛ فلهذا كانت الدية على صاحب الدار دون المودع والمستعير والمستأجر والغاصب والمرتهن حيث امتنع وجوب الدية على هؤلاء لهذا المعنى؛ فالملك للمشتري قبل القبض في البيع [الثابت] (^٦) فكان الضمان [الصادر] (^٧) (^٨) من ذلك الملك عليه (^٩).
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: تحفة الفقهاء (٣/ ١٣١)، العناية (١٠/ ٣٨٤)، البناية (١٣/ ٣٤٥).
(٣) هو جامع (جوامع) الفقه المعروف (بالفتاوى العتابية)، لأبي نصر: أحمد بن محمد العتابي البخاري الحنفي. المتوفى: سنة ٥٨٦ ست وثمانين وخمسمائة. وهو كبير في أربع مجلدات. ينظر: كشف الظنون (١/ ٥٦٩).
(٤) (وَمَنِ اشْتَرَى دَارًا وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى وُجِدَ فِيهَا قَتِيلٌ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ خِيَارٌ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي فِي يَدِهِ). ينظر: الهداية (٤/ ٥٠١)، العناية (١٠/ ٣٨٤)، البناية (١٣/ ٣٤٦).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٤)، البناية (١٣/ ٣٤٦).
(٦) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) في (أ): فكان حيث الصادر؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): كان عليه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٧٤ ]
فإن قلت: ما الفرق لهما بين هذا وبين ما إذا جنى العبد قبل القبض في البيع الثابت؛ حيث يخير المشتري هناك بين رد البيع وإمضائه، وهاهنا إذا وجبت الدية على عاقلة المشتري عندهما بسبب قتيل وجد في دار اشتراها ولم تقبض بعد [حيث لم يخير المشتري بين رد البيع وإمضائه.
قلت: الفرق بينهما هو أن الدار] (^١) لم تصر مستحقة بوجود القتيل فيها (^٢) بل ضمان الجناية يجب على عاقلة المشتري حتى يكون الاستحقاق بمنزلة العيب بخلاف العبد، فإنه إذا جنى جناية في يد البائع إنما يخير المشتري؛ لأن العبد يصير مستحقًا بالجناية والاستحقاق من أفحش العيوب وقد حدث ذلك في يد البائع فيخير المشتري كما لو حُمَّ (^٣) العبد في يد البائع (^٤)، وله أن القدرة على الحفظ باليد لا بالملك لما أن هذا الضمان ضمان ترك الحفظ، [وضمان ترك الحفظ] (^٥) إنما يجب على من كان قادرًا على الحفظ، والقادر على الحفظ هو الذي له يد أصالة لا يد نيابة (^٦).
وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين يد المودع وأمثاله لما أن يد هؤلاء يد نيابة ويد الغاصب يد أمانة هاهنا؛ لأن العقار لا يُضمن بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويد المرتهن قالوا: لا رواية فيه.
فإن قلت: ما الفرق لأبي حنيفة: بين وجوب الضمان هنا وبين وجوب صدقة الفطر؛ وفي صدقة الفطر اتفقوا على أن الاعتبار للملك.
قلت: قال أبو حنيفة: إن صدقة الفطر أينما وجبت [إنما وجبت] (^٧) على المالك لا على الضامن فإنها لا تجب على الضامن بحال؛ ألا ترى أن صدقة فطر المغصوب (^٨) تجب على المالك لا على الغاصب.
وأما ضمان الجناية كما يجب على المالك كذلك يجب على الغاصب (^٩) بل عند اجتماعهما يكون قرار الضمان على الضامن في ضمان الجناية، حتى إن العبد المغصوب (^١٠) أو المرهون إذا جنى جناية في يد الغاصب أو المرتهن واختار المولى الدفع أو الفداء يكون قرار ذلك على الضامن (^١١)، هذا كله من الجامع الصغير (^١٢) للإمام المحبوبي: والإمام قاضي خان: (^١٣).
_________________
(١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): فيهما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) حُمَّ الرجل: من الحُمَّى؛ وأحمه الله فهو محموم، وحم الماء: صار حارًا. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ٨٢).
(٤) في (ج): المشتري؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
(٥) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ج): صيانة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): صدقة الفطر فينظر المغصوب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (أ) و(ب): الضامن؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(١٠) في (ب): المضطرب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) في ج: القصاص؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٢) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٥١)، تبيين الحقائق (٦/ ١٧٣، ١٧٤)، البناية (١٣/ ٣٤٧)، رد المحتار (٦/ ٦٣٢).
(١٣) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٥١)، تبيين الحقائق (٦/ ١٧٣، ١٧٤)، البناية (١٣/ ٣٤٧)، رد المحتار على الدر المختار (٦/ ٦٣٢).
[ ٢٥ / ٧٥ ]
ومن كان في يده دار فوُجِدَ فيها قتيل لم تعقله العاقلة حتى يشهد الشهود أنها للذي في يده، يريد به إذا أنكرت العاقلة كون الدار لصاحب اليد وقالوا هي وديعة في يدك فالقول قولهم؛ لأن دية القتيل الموجود في الدار تجب على عاقلة رب الدار باعتبار ملك الدار، والملك بحكم اليد ثابت من حيث الظاهر وذلك حجة لدفع الاستحقاق، فلا بد من إقامة البينة لإيجاب الدية على عاقلته سواء أوجد صاحب الدار فيها قتيلًا أم غيره، كما في استحقاق الشفعة لم يكن بد من إقامة البينة على الملك لهذا المعنى، كذا ذكره الإمام المحبوبي: (^١).
لأنها في أيديهم لما أن المركب في يد الراكب فكذلك السفينة تكون في يد من فيها.
واللفظ أي لفظ قوله -على من فيها من الركاب والملاحين-
يشمل أربابها أي يشمل ملاكها وغير ملاكها.
وهذا على ما روي عن أبي يوسف ظاهر؛ أراد به ما ذكر في قوله ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
وقال أبو يوسف: هو عليهم جميعًا فيعتبر فيها اليد دون الملك كما في الدابة يعني أن المعتبر في القتيل الموجود [على الدابة هو اليد دون الملك لأنها تنقل وتحول؛ فكذلك في القتيل الموجود] (^٢) في السفينة كان الاعتبار [[لليد دون الملك وهم في اليد عليها سواء كذا في المبسوط (^٣).
وذكر شيخ الإسلام: قال بعض المشائخ: إنما يجب على الركاب إذا لم يكن للسفينة مالك معروف؛ وأما إذا كان لها مالك معروف فإن القسامة تجب على مالك السفينة؛ [ومنهم من يقول: يجب في الحالين على الذين كانت السفينة] (^٤) في أيديهم، ومثل هذا التفصيل من اختلاف المشائخ مذكور في الدابة وقد ذكرناه.
وإن وجد في المسجد الجامع والشارع الأعظم، أي وإن وجد القتيل في الطريق الأعظم، وفي المُغْرِب (^٥) (^٦) الشارع هو الطريق الذي يشرع فيه الناس عامة على الإسناد المجازي أو هو من قولهم شرع الطريق إذا تبين.
_________________
(١) ينظر: البناية (١٣/ ٣٤٧، ٣٤٨).
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٧).
(٤) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) هو المغرب في ترتيب المعرب، لأبي الفتح المطرزي المتوفى ٦١٠ هـ، وهو في اللغة تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب، اختصره من مصنف آخر له بعد الاستعانة بكتب أخرى. ينظر: هدية العارفين (٢/ ٤٨٨)، اكتفاء القنوع بما هو مطبوع (ص: ٣٢١).
(٦) ينظر: المغرب (ص: ٢٤٨).
[ ٢٥ / ٧٦ ]
وذكر في الذخيرة بعد ما ذكر المسجد الجامع أي (^١) مسجد جماعة يكون في سوق هو لعامة المسلمين؛ لأن التدبير في مثل هذا المسجد للإمام الذي هو نائب عن عامة المسلمين لا إلى أهل هذا السوق فلا قسامة فيه لأن [المقصود] (^٢) بالقسامة نفي تهمة القتل وذلك لا يتحقق في حق [عامة] (^٣) جماعة المسلمين كذا في المبسوط (^٤).
فعند أبي يوسف: يجب على السكان أي سواء أكان السكان مُلَّاكًا أم غير مُلَّاك على ما مر، وإن لم يكن مملوكًا كالشوارع العامة التي بنيت فيها فعلى بيت المال، وإنما أراد به أن يكون نائبًا عن المحال.
أما الأسواق التي تكون في المحال فهي محفوظة بحفظ أهل المحلة فتكون القسامة والدية على أهل المحلة فكذا في السوق النائي إذا كان من يسكنها في الليالي أو كان لأحد فيها دار مملوكة تكون القسامة والدية عليه؛ لأنه يلزمه صيانة ذلك الموضع فيوصف بالتقصير فيجب موجب التقصير عليه كذا في مبسوط فخر الإسلام (^٥) (^٦).
وذكر في الذخيرة والمغني (^٧) وفي المنتقى (^٨) إذا وجد قتيل في صف من السوق فإن كان أهل ذلك الصف يبيتون (^٩) في حوانيتهم (^١٠) فدِيَة القتيل عليهم؛ وإن كانوا لا يبيتون في حوانيتهم فالدِّيَة على الذين لهم ملك الحوانيت؛ فلا يتعلق بهم ما يجب لأجل النصرة؛ أي لأجل ترك النصرة.
وقد بيناه؛ أي في مسألة: وإن مرت دابة بين قريتين وعليها قتيل.
وإن وجد في وسط الفرات ذكر الفرات ليس للتخصيص بل المراد به النهر العظيم؛ ولهذا قال في المبسوط بهذا وقال وإذا وجد القتيل في نهر عظيم يجري به الماء فلا شيء فيه؛ وكذلك ذكر الوسط ليس للتخصيص فإن القتيل ما دام الماء به جاريًا كان حكم الشط (^١١) كحكم الوسط وبهذا التفسير بحر بعيد، هذا في الذخيرة (^١٢).
_________________
(١) في (أ) و(ب): أو؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٨).
(٥) هو مبسوط فخر الإسلام، لعلي بن محمد البزدوي، في أحد عشر مجلد، المتوفى سنة ٤٨٢. ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٥٨١).
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧).
(٧) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٧٤).
(٨) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٧٤).
(٩) في (ج): يستوون؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) الحانوت: دكان البائع؛ والجمع الحوانيت. ينظر: الصحاح (٥/ ٢١١٤)، المصباح المنير (١/ ١٥٨).
(١١) الشط: جانب النهر. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ١٦٥)، المعجم الوسيط (١/ ٤٨٣).
(١٢) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧)، البناية (١٣/ ٣٥١).
[ ٢٥ / ٧٧ ]
وأما إذا كان محتبسًا بالشط فحكمه ما ذكره في الكتاب.
وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: هذا إذا كان موضع انبعاث الماء في دار الشرك؛ لأنه إذا كان كذلك فلعل هذا قتيل دار الشرك؛ فأما إذا كان موضع انبعاث الماء في دار الإسلام تجب الدية في بيت المال؛ لأن موضع انبعاث الماء في يد المسلمين فسواء كان قتيل مكان الانبعاث أو مكان آخر دون ذلك فهو قتيل المسلمين، فتجب الدية في بيت المال (^١).
وذكر في الذخيرة أيضًا مثل هذا فقال: وإذا وجد الرجل قتيلًا في نهر يجري فيه الماء فهذا على وجهين؛ الأول: أن يكون النهر عظيمًا كالفرات ونحوه؛ وإنه على وجهين أيضًا؛ الأول: أن يجري به الماء، وفي هذا الوجه إن كان موضع انبعاث الماء في دار الحرب (^٢) فدمه هدر سواء أكان يجري في وسطه أم في شطه؛ لأنه لما كان يجري به الماء والحال هذه كان هو قتيل دار الشرك، أويحتمل أنه قتيل مكان الشرك، وذلك المكان ليس تحت أيدي المسلمين، وإن كان موضع انبعاث الماء في دار الإسلام تجب الدية في بيت المال؛ لأنه قتيل مكانٍ هو في يد المسلمين سواء اعتبرنا موضع انبعاث الماء أو موضع ظهور القتيل فهو على أقرب القرى من ذلك المكان.
على التفسير الذي تقدم أراد به قوله قيل هذا محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ أهله الصوت، وبهذا صرح في المبسوط (^٣) والذخيرة (^٤) وغيرهما.
فقال في المبسوط: وإن كان إلى جانب الشاطئ محتبسًا فهو على أقرب القرى إليه والأرضين فعليهم القسامة والدية؛ ثم قال وهذا إذا كانوا بالقرب من ذلك الموضع بحيث يسمعون صوت من وقف على ذلك الموضع ونادى بأعلى صوته؛ وإن كانوا لا يسمعون ذلك لا شيء عليهم فيه؛ هكذا فسره الكرخي:.
ورد في الذخيرة على هذا بقوله وأما إذا كان بحيث لا يسمع منه الصوت لا يجب عليهم شيء وإنما يجب في بيت المال؛ لأنه يجب بزعامة المسلمين لم تسقط القسامة وكذلك الدية لا تسقط عن عواقلهم.
وقد ذكرناه؛ أي المذكور في بعض النسخ؛ وهو قوله: ولو ادعى على البعض بأعيانهم أنه قتل وليه إلى آخره (^٥).
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧)، البناية (١٣/ ٣٥١).
(٢) دار الحرب: بلاد العدو الكافر المحارب، وهِيَ كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً. ينظر: معجم لغة الفقهاء (ص/ ١٧٨) بدائع الصنائع ٧/ ٣٠ - ٣١، كشاف القناع ٣/ ٤٣، الإنصاف ٤/ ١٢١، المدونة ٢/ ٢٢.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧)، البناية (١٣/ ٣٥١)، الأصل (٦/ ٥٧٠).
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧)، البناية (١٣/ ٣٥١).
(٥) وَلَوِ ادَّعَى عَلَى الْبَعْضِ بِأَعْيَانِهِمْ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا أَوْ خَطًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي الْمَبْسُوطِ. ينظر: الهداية (٤/ ٤٦٠)، العناية (١٠/ ٣٧٨)، البناية (١٣/ ٣٣٤).
[ ٢٥ / ٧٨ ]
وإن ادَّعى على واحد من غيرهم سقط عنهم؛ أي سقطت القسامة والدية، ويحلف المدعى عليه يمينًا واحدًا كذا في الذخيرة (^١)؛ فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي ابتداء الأمر؛ فإن الشارع أوجب القسامة ابتداء على أهل المحلة؛ فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي ما شرعه الشارع ابتداء.
وفي المبسوط: وإن ادعى أهل القتيل على بعض أهل المحلة الذين وجد القتيل بين أظهرهم فقالوا قتله فلان [عمدًا أو] (^٢) خطأ لم يُبْطِل هذا حقه وفيه القسامة والدية؛ لأنهم ذكروا ما كان معلومًا لنا بطريق الظاهر، وهو أن القاتل واحد من أهل المحلة، وكما لا يعلم ذلك حقيقة فكذلك بدعوى الأولياء على واحد منهم بعينه لا يصير معلومًا لنا حقيقة أنه هو القاتل، فإذا لم يثبت (^٣) بهذه الدعوى شيء لا يتغير (^٤) الحكم به، فبقيت القسامة والدية على أهل المحلة.
[وروى ابن المبارك (^٥) (^٦) عن أبي حنيفة: أنه تسقط القسامة عن أهل المحلة] (^٧)؛ لأن دعوى الولي على واحد منهم بعينه يكون إبراء لأهل المحلة عن القسامة؛ فإن القسامة في قتيل لا يعرف قاتله؛ فإذا زعم الولي أنه يعرف القاتل منهم بعينه صار مُبَرِّئًا لهم عن القسامة وذلك صحيح منه؛ فإذا ادعى القتل على غيرهم امتنعتْ دعواه عليهم للتناقض؛ لأنه لما ادعى على غير أهل المحلة فقد أبرأ أهل المحلة من ذلك حتى لا تُسْمَع دعواه بعد ذلك على أهل المحلة للتناقض، كذا في المبسوط (^٨).
يقال أجلوا عن قتيل؛ أي انكشفوا عنه وانفرجوا.
لأن القتيل بين أظهرهم؛ أي وجد بين أظهرهم؛ أي بينهم. والظهر والأظهر تجيئان معجمتين كما في قوله غ: «لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى» (^٩) أي صادرة عن غنى؛ فالظهر فيه معجم كما في ظهر القلب وظهر الغيب، فكذا في الأظهر يقال: أقام بين أظهرهم أي بينهم، ثم وجود القتيل بين أظهرهم موجب للقسامة والدية عليهم؛ فإن النبي - ﷺقضى على أهل خيبر بالقسامة والدية لوجود القتيل بين أظهرهم (^١٠).
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧)، البناية (١٣/ ٣٥٢).
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج) و(أ): يستفد؛ وما أثبت من (ب) قريب من معناه.
(٤) في (ج): يصير؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب منه.
(٥) هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم، التركي ثم المروزي، الحافظ الغازي أحد الأعلام، الإمام شيخ الإسلام عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته، مات سنة إحدى وثمانين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨).
(٦) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٤)، البناية (١٣/ ٣٥٢)
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٥).
(٩) أخرجه البخاري في (صحيحه)، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، (٢/ ١١٢ رقم الحديث: ١٤٢٧)، ومسلم في (صحيحه) كتاب الزكاة باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة (٢/ ٧١٧ رقم الحديث: ١٠٣٤) ونصه: "خير الصدقة عن ظهر غنى … ".
(١٠) سبق تخريجه. ص ٢٠٢ من حديث عبدالرزاق.
[ ٢٥ / ٧٩ ]
وقال عمر﵁للحارث بن أرفع الوادعي (^١) حين قال: لا أيماننا تدفع عن أموالنا ولا أموالنا تدفع عن أيماننا حقنهم دماءكم؛ وإنما أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم (^٢)؛ فإن قيل الظاهر أن قاتله من غير أهل المحلة وأنه من خصمائه.
قلنا قد تعذر الوقوف على قاتله حقيقة فيتعلق الحكم بالسّبب الظاهر وهو وجوده قتيلًا في محلتهم؛ ولأن على أهل المحلة أن يصونوا محلتهم عن مثل هذه الحادثة فإذا لم يفعلوا كانوا غارمين.
قال الفقيه أبو جعفر (^٣): في كشف
الغوامض (^٤): وهذا إذا كان الفريقان غير متناولين اقتتلوا عصبية (^٥)؛ فإن كانوا مشركين أو خوارج فلا شيء عليهم فيه ويجعل ذلك ممن أصابه العدو؛ لأن بمجرد الدعوى لا يثبت الحق؛ أي الاستحقاق عند إنكار المدعى عليه.
_________________
(١) هو الحارث بن الأزمع العبدي، ويقال: الوادعي. عن: عمرو ابن مسعود وعمرو بن العاص. وعنه: الشعبي وأبو إسحاق السبيعي؛ قاله أبوحاتم. قال ابن عبد البر: مذكور في الصّحابة. توفي في آخر أيام معاوية. هذا جميع ما قال فيه. وقال أبو موسى في الذّيل: ذكره ابن شاهين، وعبدان في الصّحابة، لكن قال ابن شاهين: هو تابعي أدرك الجاهلية روى عن عمر. قلت: ونسبه ابن سعد، فقال: الحارث بن الأزمع بن أبي بثينة بن عبد اللَّه بن مر بن مالك بن حرب بن الحارث بن سعد بن عبد اللَّه بن وداعة، ذكره في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة. ينظر: الطبقات الكبرى (٦/ ١٧٣)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (٢/ ٨٠٣)، الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ١٣٤).
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٣٩٠)، المبسوط (٢٦/ ١٠٧).
(٣) هو: محمد بن عبد الله بن محمد، الفقيه أبو جعفر البلخي الحنفي الهندواني، كان يقال له من كماله في الفقه: "أبو حنيفة الصغير". وتوفي ببخارى في ذي الحجة سنة اثنتين وستين. وقد تفقه على أبي بكر محمد بن أبي سعيد الفقيه. وكان من أعلام أئمة مذهبه. ينظر: تاريخ الإسلام (٨/ ٢٠٧)، الجواهر المضية (٢/ ٦٨).
(٤) هو: كشف الغوامض في الفروع. لأبي جعفر الهنداوني الفقيه. ذكر فيه: بعض ما أورده محمد في (الجامع الصغير). ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٤٩٣).
(٥) المسألة فيها ثلاثة أقوال: الأول: موافق للفقيه أبي جعفر وهو مذهب الحنفية؛ إلا أنهم لم يشترطوا شرطه: أن أهل المحلة يتحملون هذه الجناية إلا إذا أبرأهم الولي وادعى على غيرهم أو ادعى على غيرهم أو ادعى على معين منهم، واشترط أن يكون الفريقان غير متأولين. ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٧٤ - ١٧٥). الثاني: وهو مذهب المالكية: أن القسامة لا تثبت للقتيل بين الصفين. ينظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١٥/ ٤٥٣). الثالث: للشافعية: أنه إن ادعى على رجل بعينه فله ذلك؛ وإن لم يدع على أحد بعينه فلا عقل ولا قود. ينظر: الأم (٦/ ١٠٦).
[ ٢٥ / ٨٠ ]
للحديث الذي رويناه؛ أي في أوائل باب القسامة، وهو قوله - ﷺ -: «لو أُعْطِي الناس بدعواهم لادَّعى قوم دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (^١)؛ ولا يقال الظاهر أنهم قتلوه؛ لأن الظاهر حجة لدفع الاستحقاق لا للاستحقاق كذا في الجامع الصغير (^٢) لشمس الأئمة (^٣) والمحبوبي.
فإن قلت ما وجه الفرق بين ما إذا اقتتل الفريقان من المسلمين عصبية كالكلابادي (^٤) والدروازي (^٥) شجارًا ثم أجلوا (^٦) عن قتيل ولا يدرى مَنْ قتله، فإنه تجب القسامة والدية على أهل ذلك المكان الذي وجد فيه وجعل القتيل قتيل ذلك المكان لا قتيل العدو؛ وبين ما إذا اقتتل المسلمون [مع المشركين] (^٧) فأجلوا عن قتلى المسلمين لم تجب القسامة والدية]] (^٨) على أهل ذلك المكان بل يجعل ذلك قتيل العدو مع أن في الموضعين جميعًا إذا كان لا يدرى مَنْ قَاتلُه احتمل أن يكون قتيل المكان واحتمل أن يكون قتيل العدو.
قلت: وجهه هو أن المقاتلة إذا وقعت بين المسلمين والمشركين (^٩) [وأجلوا عن قتيل في مكان في دار الإسلام ولا يدرى من قتله من المسلمين أو المشركين] (^١٠) يرجح احتمال قتل المشركين حملًا لأمر المسلمين على الصلاح؛ ولهذا جعل شهيدًا [لأنه لو جعل قتيل المسلمين لا يكون شهيدًا] (^١١) لاستحقاق الدّية على أهل ذلك المكان حينئذ، والشهيد من يكون عوض دمه على الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (^١٢) فلما ترجح هذا الاحتمال لهذا المعنى تعين أنه قتيل أهل الشرك.
_________________
(١) سبق تخريجه. ص ٢٠٥ ..
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٩)، البناية (١٣/ ٣٥٣).
(٣) هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل؛ أبو بكر؛ السرخسي من أهل سرخس بلدة في خراسان. ويلقب بشمس الأئمة. كان إمامًا في فقه الحنفية، وعلامة حجة متكلمًا ناظرًا أصوليًّا مجتهدًا في المسائل. أخذ عن الحلواني وغيره. سجن في جب بسبب نصحه لبعض الأمراء، وأملى كثيرًا من كتبه على أصحابه وهو في السجن، أملاها من حفظه، توفي سنة ٤٨٣ هـ. من تصانيفه: «المبسوط» في شرح كتب ظاهر الرواية في الفقه؛ و«الأصول» في أصول الفقه، «شرح السير الكبير» للإمام محمد بن الحسن. ينظر: الفوائد البهية (ص: ١٥٨)، الجواهر المضية (٢/ ٢٨)، الأعلام للزركلي (٦/ ٢٠٨).
(٤) كلاباذ: بالفتح، والباء الموحدة، وآخره ذال معجمة: محلة ببخارى. وكلاباذ أيضا: محلة بنيسابور. ينظر: معجم البلدان (٤/ ٤٧٢).
(٥) الدروازي: إقليم «درواز» للأفغان مقابل ضم إقليمى «روشن» و«شغنان» إليه. ينظر: تاريخ بخارى (١/ ١٣).
(٦) أجلوا عن القتيل: أي انفرجوا عنه، وَجَلَوْتُ: أوضحت وكشفت. ينظر: الصحاح (٦/ ٢٣٠٤)، المغرب (ص/ ٣٥٤).
(٧) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب) قرابة لوح كامل؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): من المسلمين أو المشركين؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٢) سورة التوبة: ١١١
[ ٢٥ / ٨١ ]
وأما في قتيل المسلمين من الطرفين لما احتمل أن يكون هذا القتيل قتيل [أهل] (^١) ذلك المكان وقتيل عدوه لم يمكن حمل أحدهما (^٢) على الصلاح؛ لأنا لو أحلنا القتل على أي الأمرين لا يكون فيه حمل أمر المسلمين على الصلاح لأن كلا الفريقين مسلمان؛ فلما بقي حال القتيل مشكلًا ولم يترجح أنه قتيل عدوه الذي قاتل معه أوجبنا القسامة والدية على أهل ذلك المكان؛ لأن في إضافة القتل إلى أهل ذلك المكان عند الإشكال ورد النص به؛ فكان العمل بما ورد فيه النص أولى عند الاحتمال من العمل بالذي لم يرد فيه النص.
ثم في مسألة الدروازكي مع الكلابادي لو ادعى ولي القتيل على الفريق الآخر أنهم قتلوه أو على رجل منهم بعينه أنه قتله يبرأ أهل المحلة عن الدية والقسامة، ولكن لا يثبت القتل على أولئك إلا بالحجة؛ لأن مجرد الدعوى لا تصلح سببًا للاستحقاق وما (^٣) يصلح سببًا لبراءة الغير، فتثبت براءة أهل المحلة بمجرد الدعوى على غيرهم بخلاف ما إذا عين رجلًا من أهل المحلة؛ فإن الدية والقسامة على أهل المحلة على حالها؛ ولم يتضمن ذلك براءة غيره على ما ذكرنا؛ لما أن وجوب القسامة على أهل المحلة في الشرع دليل على القاتل منهم.
وتعيين الولي واحدًا منهم لا ينافي هذا الأمر لأنه منهم؛ وأما تعيين غيرهم ينافي ذلك؛ لأن ذلك بيان أن القاتل ليس منهم وهم إنما يغرمون إذا كان القاتل منهم تقديرًا، ولم يثبت ذلك عند تعيين الولي غيرهم؛ هذا كله مما أشار إليه في الذخيرة (^٤).
والعسكر لشكر بنا ختن يقال عسكر الرجل فهو معسكر [والموضع معسكَر] (^٥) بفتح الكاف.
أقاموا أي سكنوا، الخباء الخيمة (^٦) من الصوف، والفسطاط الخيمة العظيمة، فكان هو أعظم من الخباء وإن كان خارجًا من الفسطاط فعلى أقرب الأخبية؛ هذا إذا نزلوا قبائل قبائل متفرقين، أما إذا نزلوا مختلطين فإن الدية والقسامة عليهم، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٧). فإن كان القوم لقوا قتالًا؛ وانتصاب «قتالًا» يحتمل أن يكون على الحال؛ أي مقاتلين، وأن يكون على المفعول به كما في قوله بعده: وإن لم يلقوا عدوًا؛ أي وقت القتال؛ وأن يكون على المفعول له؛ أي للقتال (^٨) فيجب على المالك عند أبي حنيفة خلافًا لأبي يوسف:.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): أمرهما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (أ) و(ج): وأما؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٧، ٣٨٨)، البناية (١٣/ ٣٥٢).
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): الخيمة العظيمة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٨٩).
(٨) في (أ): للقتل؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٨٢ ]
وفي المبسوط وإن كان المعسكر (^١) في ملك رجل فعلى [عاقلة] (^٢) صاحب الأرض القسامة والدية؛ لأن المالك هو المختص بالتدبير في ملكه وولاية حفظ ملكه إليه، وقد بينا أنه لا معتبر بالسّكان مع الملاك.
ثم قال: وقيل في قياس قول أبي يوسف: ينبغي أن يكون على النازلين في ذلك الموضع؛ لأن عنده السكان في المحلة كالملاك.
وإذا قال المستحلَفُ: قتَله فلان؛ أي في مسألة القسامة أستحلف بالله ما قتلتُ وما عرفتُ له قاتلًا غيرَ فلان؛ هذا الذي ذكره قول محمد (^٣) وأما في قول أبي يوسف فلا يذكر العلم.
وهذا الاستحلاف فيما إذا وجد القتيل في محلة وشهد اثنان (^٤) من أهل المحلة على أن فلانًا قتله لم تقبل شهادته؛ فلما لم تقبل شهادته كيف توجه اليمين عليهما في القسامة إذا اختارهما الولي، فالمستحلف في ذلك كيف [يحلف] (^٥)، هكذا ذكر صورته في المبسوط (^٦) والذخيرة (^٧).
أما في الذخيرة فقد ذكره محيلًا إلى شرح شيخ الإسلام إذا وجد قتيل في مَحَلَّة وزعم أَهْل المحلّة أن رجلًا منهم قتله ولم يدَّع ولي القتيل على واحدٍ منهم بعينه لم تسقط عنهم القسامة والدية؛ لأن ولي القتيل لو ادّعى على واحد منهم بعينه [كان] (^٨) عليهم القسامة والدية فإذا لم يدَّعِ على واحد منهم بعينه أولى؛ ثم كيف يحلفون.
قال أبو يوسف: يحلفون بالله ما قتلناه ولا يحلفون ولا علمنا له قاتلًا؛ لأن فائدة التحليف على العلم أن يعترفوا أنا علمنا له قاتلًا، فيصير ذلك سببًا لوجوب القصاص على القاتل، وقد اعترفوا بذلك يعني فلا حاجة إلى التحليف.
وعلى قول محمد: يحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا غير فلان، لجواز أنهم عرفوا قاتلًا آخر مع فلان؛ وإنما عيَّنوا فلانًا ليسقطوا عن أنفسهم اليمين في حق غيرهم؛ ويحلفون على العلم ويستثنون منه فلانًا؛ لأن الاستحلاف على العلم في حق فلان لا يفيد (^٩)؛ أما في حق غيره يفيد رجاء أن يُقرُّوا بغيره؛ وذكر في المغني (^١٠) والفتوى على قول محمد.
_________________
(١) في (أ) و(ج): العسكر؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): غير محمد؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): وشهدا بيان؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٩، ١٢٠).
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٩٠)، البناية (١٣/ ٣٥٥).
(٨) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): لا يقبل؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(١٠) ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٧٩).
[ ٢٥ / ٨٣ ]
وذكر في المبسوط (^١) فإن أقام الولي شاهدين من غير أهل المحلة على ذلك الرجل فقد أثبت عليه القتل بالحجة فيقضى عليه بموجبه؛ وإن أقام شاهدين من أهل المحلة بذلك عليه لم تقبل شهادتهما لأن أهل المحلة خصماء في هذه الحادثة ما بقيت القسامة والدية عليهم فكانوا متهمين في هذه
الشهادة وكانوا في معنى شاهدين لأنفسهم فلهذا لم تقبل شهادتهما (^٢).
وقال أبو يوسف: إن اختارهما (^٣) الولي في جملة من يحلفهم [يحلفهما] (^٤) بالله ما قتلنا قط؛ لأنهما زعما أنهما يعلمان القاتل فلا معنى لاستحلافهما على العلم، فإنهما يستحلفان على الثبات (^٥) بالله ما قتلنا.
وقال محمد: يحلفان بالله ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا سوى فلان؛ لأن ما هو المقصود يحصل بهذا الاستثناء فلا يجوز إسقاط اليمين على العلم في حقهما كما لا يجوز في حق غيرهما؛ كالوصي إذا خرج من الوصاية بأن بلغ الغلام أو عزله القاضي.
قال (^٦): وعلى الأصلين هذين؛ أي الأصلين المجمع عليهما (^٧) أحدهما أن كل من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا لم تقبل شهادته في تلك الحادثة بالإجماع؛ كالوكيل إذا خاصم ثم عزل.
والثاني إذا كانت لرجل عرضية أن يصير خصمًا ثم بطلت هذه العرضية فشهد تقبل شهادته بالإجماع؛ ثم في مسألتنا هذه وهي ما إذا شهد اثنان (^٨) من أهل المحلة على رجل من غيرهم عند دعوى الولي القتل على ذلك الرجل شهدا بأنه قتل، جعل أبو حنيفة: شهادتهما هذه شهادة
من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا فشهد فلم تقبل شهادتهما؛ لأن نفس وجود القتيل بين أظهرهم جعلهم خصماء فلا تقبل شهادتهما.
وجعل أبو يوسف ومحمد رحمهما الله شهادتهما هذه شهادة رجل له عرضية أن يصير خصمًا ثم لم يصر خصمًا فتقبل شهادتهما، وذلك أنهم إنما يكونون خصمًا لو ادعى الولي عليهم؛ فإذا ادعى على غيرهم زالت هذه العرضية، وبه تبين أنهم لم يكونوا خصماء في هذه الحادثة أصلًا فوجب قبول شهادتهم فيها؛ كالشفيع إذا شهد بالبيع بعدما سلم الشفعة تقبل شهادته؛ والوكيل [بالخصومة] (^٩) إذا عُزِل قبل أن يخاصم ثم شهد في تلك الحادثة تقبل شهادته لهذا المعنى.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٥).
(٢) في (أ): وإذا تقبل شهادتهما؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): اختار؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): البتات؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٣٥٦).
(٧) في (ب): المجمع عليه أحدهما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (أ): شهدا بيان؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٨٤ ]
وأبو حنيفة: يقول: أهل المحلة صاروا خصماء في هذه الحادثة بوجود القتيل بين أظهرهم؛ ومن صار خصمًا في حادثة لا تقبل شهادته فيها وإن خرج من (^١) الخصومة كالوكيل إذا خوصم في مجلس الحكم ثم عزل فشهد؛ وإنما قلنا ذلك لأن السبب الموجب للدية والقسامة عليهم وجود القتيل بين أظهرهم كما قال عمر﵁ - (وأنا أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم) (^٢)؛ وبدعوى الولي على غير أهل المحلة لا يتبين أن هذا السبب لم يكن، ولكن خرجوا من الخصومة بعد أن كانوا خصماء؛ إلى هذا أشار في المبسوط (^٣) والإيضاح (^٤).
وعلى هذين الأصلين يتخرج كثير من المسائل؛ إما على الأصل الأول؛ أعني به قوله إن كل من انتصب خصمًا في حادثة ثم خرج من أن يكون خصمًا لم تقبل شهادته؛ فمسألة الوكيل إذا خاصم في مجلس الحكم ثم عزل فشهد لم تقبل.
وكذلك الوصيّ عن اليتيم خصم في حقوقه وإن لم يخاصم لقيامه مقام اليتيم شرعًا في حقوقه؛ ثم لو بلغ اليتيم فشهد الوصي لم يقبل.
وإما على الأصل الثاني؛ وهو ما إذا كانت لرجل عرضية أن يصير خصمًا إلى آخره؛ فمسألة الشفيعين إذا شهدا على المشتري بالشراء وهما لا يطلبان الشفعة يقبل لأنهما ما صارا خصمين بالشراء، بل صارا بعرض ذلك بأن يطلبا.
وكذا الوارثان إذا شهدا بالدين (^٥) على الميت وثَم وارث ثالث ولم يطلبا الميراث قبلت شهادتهما؛ لأن الوارث مع الدين لا يصير خصمًا بنفس الديون، فإن الدين مقدَّم عليه ولكنه بعرض أن يصير خصماَ بالطلب فله القضاء من موضع آخر، فإذا لم يطلب لم يكن خصمًا.
وكذلك الوكيلان (^٦) بالخصومة إذا عزلا قبل الخصومة ثم شهدا بذلك قبلت شهادتهما؛ لأن الوكيل بالخصومة إنما يصير خصمًا بمكان القضاء لأنه لا يصح في غيره، فصارت الوكالة مؤقتة بالمكان فلا تثبت قبله كما لو وقتت بالزمان؛ كذا في الأسرار (^٧).
ثم قال فيه: فما قاله أبو حنيفة أظهر وما قالاه أخف (^٨).
_________________
(١) في (ب): عن؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: العناية شرح الهداية (١٠/ ٣٩٠)، المبسوط (٢٦/ ١١٥).
(٣) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٥).
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٣٩٠).
(٥) في (ج): بالمرض؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) الوكالة: بمعنى التوكيل؛ وهي إقامة الشخص غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم. ينظر: التعريفات (ص/ ١٧٧)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٤٨٠).
(٧) ينظر: البناية (١٣/ ٣٥٣، ٣٥٦).
(٨) في (ب) و(ج): أحق؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٨٥ ]
لأن الخصومة قائمة مع الكل على ما بيناه؛ أي في مسألة: وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة في بيان الفرق بقوله وهو أن وجوب القسامة عليهم دليل على أن القاتل منهم فتعيينه واحدًا منهم لا ينافي [ابتداء] (^١) الأمر.
ومن جرح في قبيلة؛ أي لم يعلم الجارح؛ لأنه لو علم الجارح فلا قسامة فيه بل فيه الدية على الجارح وعاقلته لو كان خطأ والقصاص لو كان عمدًا.
فإن كان صاحب فراش؛ أي لو صار المجروحُ صاحبَ فراش حين جرح في تلك القبيلة ثم نقل إلى أهله فمات؛ وإنما قيد به لأنه لو كان صحيحًا يجيء ويذهب حينَ جُرح ثم مات في أهله فلا شيء فيه كذا في المبسوط (^٢).
وقال أبو يوسف: لا ضمان فيه؛ وهو قول ابن أبي ليلى (^٣)؛ هذا الخلاف فيما إذا صار صاحب فراش حين جرح؛ وأما إذا كان صحيحًا حين جرح بحيث يجيء ويذهب فلا شيء فيه.
وعلى قول أبي يوسف وابن أبي ليلى لا شيء عليهم في الوجهين؛ لأن القسامة والدية في القتيل الموجود في المحلة والجريح غير القتيل.
وله أن الجرح إذا اتصل به الموت صار قتلًا ولهذا (^٤) وجب القصاص.
فإن قلت: …
فعلى هذا ينبغي أن لا يفرق (^٥) الحكم بين أن يكون صاحب فراش وقت الجرح أو لم يكن صاحب فراش وقت الجرح كما لا يفرق في حق القصاص؛ فإنه إذا لم يكن وقت الجرح صاحبَ فراش ولكن سرى إلى النفس بعدَ أيام، فإنه يجب فيه القصاص حيث يجعل الموت مُحَالًا على تلك الجراحة، فكان ينبغي أن تجب القسامة والدية هاهنا أيضًا وإن كان صحيحًا وقت الجرح بعد ما كان موته من تلك الجراحة.
قلتُ: لما كان أمر القسامة والدِّية أمرًا ثابتًا بالنص بخلاف القياس على ما ذكرنا روعي فيه ما ورد فيه النص (^٦) بقدر الإمكان؛ والنص ورد في قتيل وجد في محلّة لا يعلم قاتله؛ فقلنا هاهنا أيضًا إن لم يكن قتيلًا وقت الجرح يجب أن يكون في حكم القتيل (^٧) شرعًا؛ وهو فيما إذا صار صاحب فراش؛ لأن تصرفاته في مثل هذه الحادثة (^٨) غير نافذة إلا في الثُّلث فكان له حكم الميّت فيما إذا صار صاحب فراش فلذلك قيد به.
_________________
(١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٨).
(٣) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٨)، العناية (١٠/ ٣٩١)، البناية (١٣/ ٣٥٧).
(٤) في (أ): واحدًا؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): يفترق؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٦) في (ج): ما ورد بالنص؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (أ): القتل؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ج) و(أ): الحالة؛ وما أثبت من (ب) قريب من معناه.
[ ٢٥ / ٨٦ ]
وذكر في المبسوط وجه قولنا أنه إذا كان صاحب فراش فهو مريض (^١) والمرض إذا اتصل به الموت فإنه يجعل كالميت من أول سببه (^٢).
ألا ترى أنه في حكم التصرفات جعلت هذه الحالة كالحال بعد موته؛ فكذلك في حكم القسامة والدية يجعل كأنه مات حين جرح في ذلك الموضع.
فأما إذا كان صحيحًا يذهب ويجيء فهو في حكم التصرفات لم يجعل كالميت من حين جرح، فكذلك في حكم القسامة والدية؛ وقد ذكرنا وجهي القولين فيما قبله من مسألة القبيلة (^٣)، وهو الذي ذكره قبيل هذا بقوله ومن جُرح في قبيلة.
والدليل على صحة هذه الحوالة صريح ما ذكره في الإيضاح في هذه المسألة بقوله: ولو أن رجلًا معه جرح وبه رمق حمله إنسان إلى أهله فمكث يومًا أو يومين ثم مات لم يضمن الذي حمله في قول أبي يوسف وفي قياس قول أبي حنيفة: يضمن.
ثم قال وهذا بناءً على مسألة قد مرت أنه إذا جرح في قبيلة ثم مات في أهله فوجه البناء أن يده بمنزلة المحلَّة فصار وجوده جريحًا في يده كوجوده جريحًا في المحلة وقد مر الوجه من قبل (^٤).
وكذلك ذكر في المبسوط بعد ما ذكر مسألة القبيلة (^٥)، قال: وعلى هذا التخريج (^٦) إذا وجد على ظهر إنسان يحمله إلى بيته فمات بعد يوم أو يومين فإن كان صاحب فراش حتى مات فهو على الذي يحمله [كما لو مات] (^٧) على ظهره؛ وإن كان يذهب ويجيء فلا شيء على من حمله (^٨).
وفي قول ابن أبي ليلى لا شيء عليه في الوجهين.
ولو وجد الرجل [قتيلًا] (^٩) في دار نفسه فدِيَته على عاقلته لورثته عند أبي حنيفة:؛ أي على عاقلة ورثته لورثته؛ لأنه لما وجد قتيلًا في الدار المملوكة لورثته لا له لأنه ميت والميت [ليس] (^١٠) من أهل الملك فتكون الدية عليهم.
وإنما قال الدية على عاقلته بناءً على الظاهر، وهو أن عاقلة الوارث والمورث متحد؛ فإن كان في موضع تختلف العاقلة ينبغي على قياس هذه الطريقة وهي أن الدار مملوكة للورثة لا للميت أن تكون الدية على عاقلة الورثة وهي الأصح.
_________________
(١) في (ج): مرتهن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٩).
(٣) القبيلة: واحدة قبائل العرب وهم بنو أب واحد. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ٢٤٦)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٣٥٦).
(٤) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٤٩).
(٥) في (ج): القسامة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب) و(ج): الجريح؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٩).
(٩) ساقطة من (أ) و(ج)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ج)؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٨٧ ]
وعلى قياس طريقة أن غيره لو وجد قتيلًا فيها كانت القسامة عليه دون عاقلته يجب أن تكون الدية على عاقلة القتيل؛ كذا في المبسوط (^١).
فيجعل كأنه قتل نفسه فيهدر، وهذا لأنه لو وجد غيره قتيلًا في هذه الدار جعل هو كالمباشر لقتله في حكم الدية؛ فإذا وُجد هو قتيلًا فيه يجعل كأنه باشر قتل نفسه [ومن قتل نفسه] (^٢) كان دمه هدرًا.
قبل ذلك أي قبل ظهور القتل.
فيجب على عاقلتهم أي على عاقلة الورثة.
فإن قيل إذا قلتم إن الدية تجب على عاقلة الورثة فكيف يستقيم أن يعقلوا عنهم لهم.
قلنا إن الدية تجب للمقتول حتى تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه ثم يخلفه الوارث فيه (^٣) وهو نظير الصبي والمعتوه (^٤) إذا قتل أباه تجب الدية على عاقلته وتكون ميراثًا له.
وهذا بخلاف المكاتب (^٥) يوجد قتيلًا في دار نفسه؛ لأن هناك إذا وجد غيره قتيلًا إنما يجعل هو كالقاتل له [باعتبار عقد الكتابة، وعقد الكتابة باقٍ بعدما وجد هو قتيلًا فيه فلهذا جعل كأنه قتل نفسه.
فأما هاهنا إذا وجد غيره قتيلًا إنما يجعل هو كالقاتل له] (^٦) لقيام ملكه في الدار حين وجد القتيل، وذلك غير موجود فيما إذا وجد هو قتيلًا فيه؛ فإن الملك منتقل إلى ورثته فلهذا افترقا؛ كذا في المبسوط (^٧).
كما إذا وجد قتيل في محلة؛ أي كان توهم قتل نفسه ساقطًا هناك فكذا هنا؛ قال المتأخرون: إن المرأة تدخل مع العاقلة في التحمل في هذه المسألة.
وإنما قيد بقوله: في هذه المسألة لأن المرأة لا تدخل في العواقل في تحمل الدية في صورة من الصور على ما يجيء في المعاقل (^٨) بقوله وليس على النساء والذرية (^٩) عقل.
وفي المبسوط: ثم ظاهر ما قال في الكتاب يدل على أنه ليس عليها شيء من الدية (^١٠).
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٤).
(٢) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): ثم يخلفهم الوارث فيهم؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) المعتوه: الناقص العقل، والمعتوه: المدهوش من غير مس جنون، وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التعبير. ينظر: التعريفات (ص/ ٢٢١)، الصحاح (٦/ ٢٢٣٩)، لسان العرب (١٣/ ٥١٢).
(٥) في (ب): القتيل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٤).
(٨) في (ج): العاقلة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب منه.
(٩) في (ج): في الدية؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٢٠).
[ ٢٥ / ٨٨ ]
ولفظ ما قال في الكتاب وإذا وجد القتيل في دار امرأة في مصر ليس فيه من عشيرتها أحد؛ فإن الأيمان تكرر على المرأة حتى تحلف خمسين يمينًا ثم تفرض الدية على أقرب القبائل منها؛ وهذا قول أبي حنيفة وهو قول محمد: إلى آخره (^١).
ثم قال وهو اختيار الطحاوي في مباشرة القتل أيضًا فإنه يقول إذا كان القاتل من جملة العاقلة فعليه جزء من الدية؛ وإن لم يكن من جملة العاقلة إذا كان القاتل غيره فلا شيء عليه من الدية؛ والمرأة (^٢) لا تدخل في جملة العاقلة [إذا كان القاتل غيرها؛ وغيره من أصحابنا كان يقول هي لا تدخل في جملة العاقلة] (^٣) لأن النصرة لا تقوم بها؛ وأما إذا كانت هي المباشرة للقتل فعليها جزء من الدية؛ لأن القاتل واحد من العواقل باعتبار مباشرته، فإنه لما وجب على غير المباشر لأجله فعلى المباشر أولى أن يجب جزء منها؛ فكذلك هاهنا وجوب جزء على المالك باعتبار أن التدبير (^٤) في ملكه إليه وفي هذا الرجل والمرأة سواء. والله أعلم
* * *