لما فرغ من بيان أحكام الموصى له (^١) شرع في بيان أحكام الموصى إليه وهو الوصي لما أن كتاب الوصايا يشملهما؛ لكن قدم أحكام الموصى له (^٢) لكثرتها وكثرة وقوعها، فكانت الحاجة إلى معرفتها أَمَسُّ.
ومن أوصى إلى رجل- أي: ومن جعل غيره وصيًّا؛ يقال أوصى إليه إذا جعله وصيًّا؛ والاسم: الوصاية بالكسر والفتح كذا في «الصحاح» (^٣).
فقبل الوصيفي وجه المُوصِي أي: بعلم الموصي.
وردَّها في غير وجهه أي: بغير علم الموصي، هكذا فسره في «الذخيرة» (^٤).
لأن الميت مضى لسبيله؛ أي: مات.
معتمدًا عليه؛ أي: على الوصي بقبول وصايته.
فإن قلت ما الفرق بين هذا وهو ما إذا جعله وصيًّا بشرط قبول الوصاية في حال حياة الموصي في وجهه، وبين (^٥) ما إذا أوصى لرجل بثلث ماله أو بمال معين حيث لا يعتبر قبول الموصَى له الوصية في حال حياة الموصي حتى لو قبله في حال حياة الموصي ثم رده بعد وفاته صح الرد؛ بخلاف الوصي فإنه لو قبل الوصاية في حال حياة الموصي ثم رده بعد وفاته لا يصح الرد مع أن كل واحدة من الوصيتين مضافة إلى ما بعد الموت.
قلتُ: الفرق بينهما هو أن الإيصاء إلى الغير توكيل إلى وقت في المستقبل، وهو ما بعد الموت، وإضافة الوكالات إلى وقت في المستقبل جائزة، فإنه إذا قال لغيره: وكلتك ببيع عبدي غدًا أو رأس الشهر جاز قياسًا واستحسانًا.
وأما الوصية [بالمال] (^٦) فتمليك مضاف إلى وقت في المستقبل وهو ما بعد الموت وتمليك المال مضافًا إلى وقت في المستقبل مما يأباه القياس؛ فإنه لو قال: وهبتك عبدي هذا غدًا لم يصح؛ ثم التوكيل المضاف إلى وقت في المستقبل جائز في حال الحياة؛ وصح الإيصاء إلى آخر [للحال] (^٧) مضافًا إلى ما بعد الموت، وإذا صح الإيصاء للحال مضافًا إلى ما بعد الموت صح القبول في الحال أيضًا.
فأما تمليك المال مضافًا إلى وقت في المستقبل فباطل، فيعتبر باطلًا للحال؛ وإذا اعتبر باطلًا للحال صار وجوده وعدمه بمنزلة، فلذلك لم يصح القبول للحال؛ ولأن [الوصية] (^٨) إليه استخلاف له في الولاية وإثبات ولاية التصرف للغير مع قيام ولاية المتصرف جائز.
_________________
(١) في (ج): الوصية؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): الوصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: «الصحاح» (٦/ ٢٥٢٥).
(٤) ينظر: «العناية» (١٠/ ٤٩٦)، «البناية» (١٣/ ٥٠٠).
(٥) في (ج): وهي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٩٣ ]
ألا ترى أن الوكيل يتصرف عن ولاية مستفادة من قبل الموكل مع قيام ولاية الموكل فصح القبول والرد في حال حياة الموصي وقيام ولايته؛ وأما الوصية له فاستخلاف في نفس الملك والحكم ثبت بعد الموت؛ فإن ثبوت الملك للموصى له مع قيام الملك للموصي لا يتصوَّر؛ فيعتبر القبول والرد حال ثبوت الملك له وهو ما بعد الموت؛ ولأن المقصود في جعله وصيًّا توفير المنفعة على الموصي ودفع الضرر عنه؛ وبعد ما قبل الوصي (^١) لو جاز له الرد بعد الموت تضرر به الموصي لأنه ترك النظر والإيصاء إلى الغير اعتمادًا على قبوله؛ ثم لو صح رَدُّه في غير وجهه يصير الوصي بالقبول كالغارِّ له، والغرور حرام والضرر مدفوع.
بخلاف الوصية بالمال فإن هناك وإن قبله في حياته فله أن يردَّه بعد موته؛ لأن المقصود هناك توفير المنفعة على الموصى له وليس في رده معنى الضرر [والغرور] (^٢) في حق الموصي (^٣)؛ لأنه إذا رده لا يضيع المال بل يصير إلى وارثه وذلك خير للموصي شرعًا، وهذه الفروق الثلاثة مستفادة من «الذخيرة» (^٤) و«الإيضاح» (^٥) و«المبسوط» (^٦) على هذا الترتيب.
قوله: بخلاف الوكيل بشراء عبد بغير عينه أو ببيع ماله حيث يصح رده في غير وجهه؛ هذا الذي ذكره مخالف لعامة روايات الكتب من «الذخيرة» (^٧) و«التتمة» (^٨) (^٩) و«أدب القاضي» (^١٠) للصدر الشهيد و«الجامع الصغير» للإمام المحبوبي (^١١) و«فتاوى قاضي خان» (^١٢)؛ لأنه ذكر في هذه الكتب أن الوكيل إذا عزل نفسه عن الوكالة حال غيبة الموكِّل لا يصح حتى لو عزل نفسه من [غير] (^١٣) علم الموكل لا يخرج عن الوكالة. وموضعه في «الذخيرة» الفصل الثاني من وكالتها، والفصل العاشر من وكالة التتمة، والباب السابع والستون من أدب القاضي وباب بيع الأوصياء من وصايا (^١٤) «الجامع الصغير» (^١٥) وفصل التوكيل بالخصومة من فتاوى قاضي خان.
_________________
(١) في (ج): الموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): الوصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) سبق ص ١١١. والذَّخِيرَة مُخْتَصَر المحُيط البُرْهاني فِي الْفِقْه النُّعْماني، لبرهان الدِّين مُحَمَّد بن تَاج الدِّين أَحْمَد بن برهان الدِّين عَبْد الْعَزِيز ابن عُمَر مَازَة، (ت ٦١٦ هـ (، وهو مخطوط في مركز المخطوطات والوثائق فِي المكتبة الأزهرية بالقاهرة برقم (٢٠٨٥٦)، وهناك نسخة أخرى منه فِي الْجَامِعة الأردنية برقم ٣٨٦٧.
(٥) سبق ص ١٠٦ ..
(٦) ينظر: «المبسوط» (٢٨/ ٢٣).
(٧) ينظر: «العناية» (١٠/ ٤٩٧، ٤٩٨)، «البناية» (١٣/ ٥٠٠).
(٨) تتمة الفتاوى للإمام برهان الدين محمود (محمد) بن أحمد بن عبدالعزيز الحنفي؛ ت (٦١٦). ينظر: كشف الظنون (١/ ٣٤٣)، الجواهر المضيئة (٢/ ١٥).
(٩) ينظر: «العناية» (١٠/ ٤٩٧، ٤٩٨)، «البناية» (١٣/ ٥٠٠).
(١٠) أدب القاضي على مذهب أبي حنيفة؛ لجماعة وهم: الإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي المجتهد الحنفي، المتوفى: سنة اثنتين وثمانين ومائة، وهو: أول من صنف فيه إملاء. والقاضي أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز الحنفي، المتوفى: سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وأبي جعفر أحمد بن إسحاق الأنباري، المتوفى: سنة ٣١٧، ولم يكمله. والإمام أبي بكر أحمد بن عمرو الخصاف، المتوفى: سنة إحدى وستين ومائتين، رُتِّبَ على: مائة وعشرين بابا. وهو: كتاب جامع غاية ما في الباب، ونهاية مآرب الطلاب، ولذلك تلقوه بالقبول، وشرحه فحول أئمة الفروع والأصول. ينظر: كشف الظنون (١/ ١).
(١١) ينظر: «العناية» (١٠/ ٤٩٧، ٤٩٨)، «البناية» (١٣/ ٥٠٠).
(١٢) ينظر: «العناية» (١٠/ ٤٩٧، ٤٩٨)، «البناية» (١٣/ ٥٠٠).
(١٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٤) في (أ): قضايا؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٥) في (ب): الجامع الكبير؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٩٤ ]
ولكن ذكر في فتاوى قاضي خان في الوكيل بشراء شيء بعينه فقال والوكيل بشراء شيء بعينه إذا أخرج نفسه عن الوكالة لا يملك إلا بمحضر من الموكل.
ثم العجب من الإمام قاضي خان: أنه ذكر في الجامع الصغير مع هذا ما يوافق رواية الهداية فقال بين هذا أي بين الوصي وبين ما لو وكل رجلًا بشيء فرد الوكيل يصح رده سواء رده في وجه الموكل (^١) أو في غير وجهه لأن في الوكالة الموكل قادر على التصرف بنفسه فلو صح الرد لا يتضرر به الموكل ولا يصير مغرورًا والله أعلم بصحته.
فإن لم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي (^٢) فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء رد ولم يقبل لأن الإيصاء توكيل بعد الوفاة فيعتبر بالتوكيل حالة الحياة؛ ومن وكل وكيلًا حال حياته ما لم يوجد من الوكيل قبول إمَّا دلالة أو نصًّا كان بالخيار إن شاء رد وإن شاء قبل فكذلك هذا.
فإن قيل كان يجب أن لا يكون له الخيار لأنه لما بَلغه الإيصاءُ ولم يَردَّه حال حياة الموصي بترك الميت الإيصاء إلى غيره اعتمادًا على أنه يقبله فإذا رد بعد وفاته يصير الميّت مغرورًا من جهته.
والجواب عنه أن الميت مغتر ههنا وليس بمغرور لأنه كان من حقه أن يسأل عنه أنه يقبله أو لا يقبل فإذا لم يفعل ذلك وبنى الأمر على أنه يقبله بعد موته ولم يوص إلى غيره حصل مغترًا من جهة نفسه لا مغرورًا (^٣) من جهة الوصي.
بخلاف ما إذا قيل لأنه لما قبل في حياته بترك الميت (^٤) الإيصاء إلى غيره اعتمادًا على قبوله فلو ملك الرد بعد وفاته يصير الميت مغرورًا من جهته والغرور منفي كذا في الذخيرة (^٥).
فلو أنه باع شيئًا من تركته فقد لزمته؛ لأن ذلك دلالة الالتزام والقبول ودليل القبول كصريح القبول (^٦) فكذلك إذا باع بعض تركة الميت أو اشترى للميت بعض ما يحتاجون إليه أو اقتضى مالًا أو اقتضاه لزمته الوصية لوجود دليل القبول والرضا كالمشروط له الخيار إذا وجد منه ما يدل على الإجازة والفسخ كان ذلك بمنزلة التصريح بذلك والأصل في ذلك قوله - ﷺ - لبريرة ك (إن وطئك زوجك فلا خيار لك) (^٧)
_________________
(١) في (ج): الوكيل؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (أ): الوصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): مغترًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (ب): ترك الميت؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٥) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٣).
(٦) في (ب): والمقبول كصريح القبول؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) زيادة (إن وطئك زوجك فلا خيار لك) عند أبى داود (٢٢٣٦) من طريق محمد بن إسحاق عن أبى جعفر، وعن أبان بن صالح عن مجاهد، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: «أن بريرة أعتقت وهى عند مغيث - عبد لآل أبى أحمد فخيرها رسول الله - ﷺ -، وقال لها: " … " فذكرها. والدارقطني ٣/ ٢٩٤؛ قال ابن الملقن في البدر المنير ٧/ ٦٤٦: في إسناده عنعنة ابن إسحاق. وتابعه يزيد بن رومان عن عروة به مختصرا جدا بلفظ: " كان زوج بريرة عبدا ". أخرجه مسلم (٤/ ٢١٥) والنسائى وابن الجارود (٧٤٢) والبيهقى (٧/ ٢٢١). وتابعه الزهرى عن عروة به بلفظ: " كانت بريرة عند عبد فعتقت، فجعل رسول الله - ﷺ - أمرها بيدها "أخرجه البيهقى من طريق محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن مسلم الزهرى به.
[ ٢٥ / ١٩٥ ]
كذا في المبسوط (^١).
وإذا كانت خلافة لا يتوقف على العلم كالوراثة؛ وهذه النكتة (^٢) تحتاج إلى التتميم وتمامها أن الوصاية لما كانت خلافة كالإرث صح بيعه كبيع الوارث بعد موت المورث؛ وإذا صح البيع صار لازمًا حكمًا لنفاذ البيع فلا يملك رده بعد ذلك كذا في الذخيرة (^٣).
وقد بينا طريق العلم وشرط الإخبار فيما تقدم من الكتب؛ ومن تلك الكتب هو ما ذكره في فصل القضاء بالمواريث من فصول كتاب أدب القاضي فذكر هناك هذا الفرق الذي ذكر هنا ووجه التبليغ فقال ومن أعلم من الناس بالوكالة يجوز تصرفه ولا يكون النهي عن الوكالة حتى يشهد عنده شاهدان أو رجل عدل وهذا عند أبي حنيفة: وقال هو والأول سواء أي الواحد فيهما يكفي، ودفع الأولى أي المضرة الأولى وهو أعلى أولى يعني لما قال لا أقبل لا يبطل الإيصاء ولم يرتد لأنه لو بطل لوقع الموصي في الضرر؛ والضرر واجب الدفع وإن كان في لزوم الإيصاء نوع ضررعلى الوصي ولكن هذا الضرر أقل من ذلك الضرر ولأن هذا مجبور بالثواب وذلك غير مجبور بشيء كذا ذكره الإمام الكشاني: (^٤).
إلا أن القاضي إذا أخرجه عن الوصاية يصح ذلك أي يصح إخراج القاضي؛ وهذا استثناء عن قوله ثم قال أقبل فله ذلك يعني لو رد الوصي الوصاية فقال لا أقبل ثم قال أقبل يجوز قبوله الوصاية إلا إذا كان القاضي أخرجه حين رد الوصاية فحينئذٍ لا يصح قبوله بعد ذلك.
وذكر في أدب القاضي للصدر الشهيد: في باب ما يكون قبولًا للوصية، ولو أوصى إليه وهو ليس بحاضر فبلغه ذلك في حياة الموصي أو بعد وفاته فقال لا أقبل (^٥) [ثم مات الموصي ثم قَبِل] (^٦) بعد ذلك يجوز لأن هذا الرد لم يصح من غير علم الموصي كرد الوكالة لا يصح من غير علم الموكل؛ فإذا لم يرتد الإيجاب وقبل صح القبول إلا أن يكون القاضي أخرجه من ذلك بذلك الرد فيكون خارجًا من الوصية فبعد ذلك وإن قبل لا يصح.
واختلف المشائخ ﵏ في تخريج هذا الحكم منهم من قال إنما كان لأن على قول بعض العلماء يصح الرد بدون علم الموصي فالقاضي متى أخرجه من الوصاية بذلك الرد فقد قضى في فصل مجتهد فيه فينفذ وإليه ذهب الإمام السرخسي.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٤).
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٤٩٨)، البناية (١٣/ ٥٠٢).
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٤٩٨)، البناية (١٣/ ٥٠٢).
(٤) ينظر: البناية (١٣/ ٥٠٢، ٥٠٣).
(٥) في (ب): فقال أقبل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٩٦ ]
ومنهم من قال لا حاجة إلى هذا لكن إنما كان لأن الوصاية لو صحت بقبوله كان للقاضي أن يخرجه ويصح الإخراج فهذا أولى؛ وإليه ذهب الإمام شمس الأئمة الحلواني (^١):.
ومن أوصى إلى عبد أي إلى عبد غيره لأنه ذكر بعد هذا حكم الإيصاء إلى عبد نفسه؛ وفي المبسوط صرح بهذا وقال وإذا أوصى إلى عبد غيره فالوصية باطلة.
وإن أجاز مولاه لعدم ولايته أي لعدم ولاية العبد على نفسه والوصية ولاية (^٢)
والرق ينفي (^٣) ولايتَه [عن نفسه فيمنع ولايته] (^٤) على غيره.
واستبداده أي ولِعدم استبداده بنفسه لأن منافعه لمولاه فالظاهر أنه يمنعه من التبرع بها على غيره؛ فكذلك بعد إجازة المولى لا تصح وصايته أيضًا لأن هذا بمنزلة الإعارة منه للعبد فلا يتعلق به اللزوم؛ فإذا رجع المولى عنه كان العبد عاجزًا عن التصرف بالوصاية (^٥)؛ إلى هذا أشار في المبسوط (^٦).
قيل معناه في جميع هذه الصور مستبطل والدليل على هذا ما ذكره في الإيضاح بقوله ولو تصرف العبد قبل أن يخرجه القاضي نَفذ تصرّفه لأنه أهل للتصرف ولكن يخرجه القاضي للمعنى الذي ذكرنا؛ وهو أن منافع بدنه مستحقة للمولى فلا يجوز التصرف (^٧) لورثة الموصي فقبل الإخراج الوصاية ثابتة فنفذ تصرفه؛ وكذلك في الكافر معناه مستبطل لأنه ذكر في كتاب القسمة ما يدل على جواز الوصية ما لم يخرجه القاضي؛ فإن حملناه على هذه الرواية فالوجه فيه أنه أهل للتصرف واستنابته صحيحة إلا أن القاضي يخرجه عن الوصاية لأنه لا يتوقى (^٨) البياعات الفاسدة؛ ولئن اعتبرنا ظاهر الرواية فالوجه فيه أن في الوصية إثباتَ الولاية للوصي (^٩) على سبيل الخلافة عنه ولا ولاية للكافر على المسلم.
ثم الوصي يخلف الموصي في التصرف كما أن الوارث يخلف المورث في الملك والتصرف؛ والكافر لا يرث المسلم فكذلك لا يكون وصيًا للمسلم؛ وكذلك إن أوصى الذمي إلى الحربي لم يجز لهذا المعنى؛ ولو أوصى إلى مكاتبه أو إلى مكاتب غيره فهو جائز لأن المكاتب في منافعه بمنزلة الحر فإن عجز المكاتب عن المكاتبة وعاد قنًا كان الجواب فيه كالجواب في العبد كذا في المبسوط (^١٠) والإيضاح (^١١).
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٤٩٩)، البناية (١٣/ ٥٠٣).
(٢) في (أ): واجبة؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): يبقي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): بالولاية؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٤).
(٧) في (أ) و(ج): الصرف إلى؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٨) في (ب): لا يتولى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): للموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٥).
(١١) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٥).
[ ٢٥ / ١٩٧ ]
وهذا يصلح عذرًا في إخراجه لأن الإيصاء إلى الغير إنما يجوز شرعًا ليتم به نظر الموصي لنفسه ولأولاده؛ وبالإيصاء إلى الفاسق لا يتم معنى النظر وله أنه مخاطب احترازًا عن الصبي والمجنون.
وقوله مستبدًا احترازًا عن الإيصاء إلى عبد الغير فإنه لا استبداد له وعن الإيصاء إلى عبد نفسه وفي الورثة كبير لأن للكبير أن يمنع (^١) نصيبه منه فلا يبقى حينئذ للعبد الاستبداد بنفسه وأما ما نحن فيه فلا يملك منعه (^٢) أحد فكان مستبدًا (^٣) بالتصرف؛ وعن هذا علل لأبي حنيفة (^٤): في الأسرار (^٥) والإيضاح (^٦) بقوله إن أحدًا لا يملك منعه (^٧) فجازت الوصية إليه؛ ثم قال في الأسرارفإن قيل للقاضي ولاية البيع في هذه المسألة؛ قلنا إذا ثبت الإيصاء إلى العبد لم يبق للقاضي ولاية البيع؛ والوصاية قد تتجزأ على ما هو المروي عن أبي حنيفة: (^٨).
فإذا أوصى إلى رجلين إلى أحدهما في العين وإلى (^٩) الآخر في الدين؛ روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: تعالى أن كل واحد منهما يكون وصيًا فيما أُوصِيَ إليه خاصة كذا ذكره الإمام المحبوبي في الجامع الصغير (^١٠).
ومن يعجز عن القيام بالوصية أي بالوصاية، [ولو شكى إليه الوصي ذلك أي ولو شكى إلى القاضي [[الوصيُّ عَجْزَه عن القيام بأمور الوصاية] (^١١)؛ هكذا صرح في المبسوط (^١٢) وقال وإن كان الوصي شكى إلى القاضي]] (^١٣) عجزه عن التصرف فعلى القاضي أن ينظر في ذلك؛ فإن علم عدالتَه وعجزَه عن الاستبداد ضم إليه غيرَه لأنه لو لم يفعل ذلك إما أن يتضرر الوصي بالعجز عن التصرف في حقوق نفسه أو يترك التصرف في حوائج الموصي فيتمكن الخلل في مقصود الموصي ويرتفع هذا الخلل بضم غيره إليه فلهذا قدم أي الوصي (^١٤) لأنه استفاد الولاية من الميت (^١٥) ولأن الموصي اختاره ورضي به والشاكي قد يكون ظالمًا في شكواه فلما لم تتبين جنايته لا يحتاج القاضي إلى النيابة [عن الميت] (^١٦) في النظر والاستبدال به؛ كذا في المبسوط (^١٧).
_________________
(١) في (ب) و(ج): أن يبيع؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٢) في (ب) و(ج): بيعه؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٣) في (ب): مستندًا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠١)، البناية (١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠١)، البناية (١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠١)، البناية (١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٧) في (ب) و(ج): بيعه؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠١)، البناية (١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٩) في (أ): لا إلى؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠١)، البناية (١٣/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(١١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٢) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٤).
(١٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٤) في (ب): الموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٥) في (ج): الثلث؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٧) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٤).
[ ٢٥ / ١٩٨ ]
ومن أوصى إلى اثنين لم يكن لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: ينفرد؛ وقيل هذا الاختلاف فيما إذا أوصى إلى كل واحد منهما على حدة؛ فأما إذا أوصى لهما جملة لا ينفرد أحدهما بالإجماع كذا ذكره الإمام الكشاني (^١).
وذكر الإمام قاضي خان قيل الخلاف فيما إذا أوصى إليهما معًا؛ فأما إذا أوصى إلى كل واحد منهما بالانفراد على وجه التعاقب ينفرد أحدهما بالتصرف عند الكل؛ وقيل الخلاف في الفصلين واحد وهكذا أيضًا ذكر الإمام المحبوبي في الجامع الصغير (^٢).
وقال: وذكر الإمام شمس الأئمة الحلواني: في شرح هذا الكتاب عن أبي القاسم الصفار (^٣).
وقال: هذا الخلاف بينهم فيما إذا أوصى إليهما جميعًا معًا بعقد واحد؛ فأما إذا أوصى إلى كل واحد منهما بعقد على حدة يتفرد كل واحد منهما بالتصرف بلا خلاف.
قال الفقيه أبو الليث (^٤): وقول أبي القاسم الصفار أصح (^٥) وبه نأخذ.
وحكي عن أبي بكر الإسكاف (^٦) قال الخلاف فيهما جميعًا سواء أوصى إليهما جميعًا أو متفرقًا؛ جعل في المبسوط قول أبي بكر الإسكاف أصح.
_________________
(١) ينظر: البناية (١٣/ ٥٠٨).
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٤)، البناية (١٠/ ٥١٢).
(٣) هو أبو القاسم الصفار البلخي نقل عن الفقيه أبو جعفر الهندواني في طبقة الكرخي، تفقه عليه جماعة منهم: أحمد بن الحسين المروزي، والصفار بيت علماء تقدم منهم جماعة، مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ٢٦٣).
(٤) هو: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه أبو الليث المعروف بإمام الهدى، تفقه على الفقيه أبو جعفر الهندواني وهو الإمام الكبير صاحب الأقوال المفيدة والتصانيف المشهورة، توفي ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ينظر: سيرأعلام النبلاء (١٦/ ٣٢٢)، الجواهر المضية (٢/ ١٩٦)، الأعلام للزركلي (٨/ ٢٧).
(٥) في (ج): أوضح؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) هو: أبو بكر الإسكاف البلخي، اسمه: محمد بن أحمد كان إماما كبيرا، قال: كنت عند الحافظ عبد الحميد –يعني أبا خازم- قأراد أن يطالب رجلا بكفالة نفس قد كفل إلى ثلاثة أيام، فقلت: لا يلزمه المطالبة إلى ثلاث أيام، فإذا مضت ثلاثة أيام فله المطالبة بنفسه أبدا ما لم يسلم إليه، وقلت له: لو باع عبدا إلى ثلاثة أيام بالثمن لا يلزمه إلا بعد ثلاثة أيام، وكذلك هذا. فقال عبد الحميد: كنت لا أعلم ذلك. مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فى السنة التى مات فيها أبو القاسم الصفار، قلت: من غرائبه إذا توضأ ثلاثا ثلاثا فالثالثة فرض كإقامة الركوع والسجود، والمذهب أن الأولى فرض والثانية والثالثة سنة، وقيل فى الثانية سنة والثالثة نفل. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ٢٣٩).
[ ٢٥ / ١٩٩ ]
وقال: ولم يذكر في الكتاب ما إذا أوصى إلى كل واحد منهما على الانفراد.
وقال كثير (^١) من مشائخنا ﵏ أن هنا يتفرد كل واحد منهما بالتصرف بمنزلة الوكيلين إذا وكل كل واحد منهما على الانفراد؛ ولكن الأصح أن الخلاف في الفصلين لأن وجوب الوصية يكون عند الموت؛ وعند الموت إنما تثبت الوصية لهما معًا بخلاف الوكالة وهذا لأن بالإيصاء إلى الثاني يقصد اشتراكه مع (^٢) الأول وهو يملك الرجوع عن الوصية إلى الأول فيملك إشراك الثاني معه وقد يوصي (^٣) الإنسان إلى غيره على ظن أنه يتمكن من إتمام مقصوده وحده ثم تبين له عجزه عن ذلك فيضم إليه غيره فكان بمنزلة الوصية إليهما معًا بخلاف الوكيلين فإن رَأْيَ الموكل (^٤) قائمًا هناك وإذا عجز الوكيل تمكن الموكل من المباشرة بنفسه فلم يكن قصده ضم الثاني إلى الأول وإنما كان قصده إنابة كل واحد منهما منابه بانفراده.
وذكر في الكتاب اختلاف الأقوال فيه ولم يذكر ما هو الأصح عنده إلا في أشياء معدودة أي استحسانًا كذا في المبسوط (^٥).
وذكر في الأسرار وإذا أوصى إلى رجلين لم يملك أحدهما التفرد بالتصرف إلا في ستة أشياء تجهيز الميت وقضاء الديون بجنس [حقه] (^٦) وشراء ما لابد للصغير منه وبيع ما يَشْرَع إليه الفساد عند عدم الأخذ ورد الغصب والوديعة والخصومة.
وقال أبو يوسف: يملك [التفرد] (^٧) به.
وفي الجامع الصغير لقاضي خان والحاصل أن عندهما أحد الوصيين لا ينفرد بالتصرف إلا في ثمانية؛ وزاد على ما ذكر في الأسرار تنفيذ الوصية المعينة وقبول الهبة وجمع الأموال الضائعة؛ ويحتمل أن يكون قبول الهبة من جنس جمع الأموال الضائعة فيعدان واحدًا فيه يُتِمُّ الثمانية؛ والمصنف: لما رأى اختلاف الأقوال في العدد لم يتعرض للعدد بل قال إلا في أشياء معدودة لأن الوصايا سبيلها الولاية حتى أنها لا تثبت [لمن لا تثبت] (^٨) له الولاية بالتولية كالكافر والعبد فإن الوصاية إليهما (^٩) لا تصح على ما مر لعدم ولاية الكافر على المسلم وعدم ولاية العبد على أحد فيراعى وصف التفويض؛ وإنما فوض إليهما حق التصرف وكل واحد منهما في هذا السبب بمنزلة شطر (^١٠) العلة [وبشطر العلة] (^١١) لا يَثْبت شيء من الحكم.
_________________
(١) في (ب): أكثر؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٢) في (ب): بشرط إشراكه إلى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): يقضي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): الوكيل؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٠).
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): الوصية لهما؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) في (ج): شرط؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠٠ ]
إذ هو شرط مفيد أي وصف الاجتماع شرط مفيد لأن رأي الواحد لا يكون كرأي المثنى؛ ومقصود الموصي توفير المنفعة عليه وعلى ورثته وذلك عند اجتماع رأيهما أظهر فأشبه الوكالة من هذا الوجه.
لأنها ليست من باب الولاية أي الولاية المستفادة من الموصي وصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه؛ أي يملك صاحب الدين أخذه إذا كان من جنس حقه؛ فلما ملك أخذه من غير تسليم أحد لم يكن التسليم من باب الولاية.
وقوله وحفظ المال بالدفع هذا على وجه التعليل لقوله وقضاء الديون؛ يعني أن كل واحد من الوصيين يملك قضاء الدين لأنه ليس في قضاء الدين إلا حفظ المال إلى أن يُقْضَى إلى صاحب الدين؛ وكل من يقع المال في يده فهو يملك حفظه؛ هذا في قضاء دين الميت وأما في اقتضاء دين
الميت (^١) على الغير فهو على الخلاف ذكره في المبسوط وقال: وأما اقتضاء الدين واسترداد الوديعة فهو على الخلاف لأن هذا يقبل التأخير ويتحقق اجتماعهما عليه؛ وفيه توفير المنفعة لأن حفظ الواحد لا يكون كحفظ المثنى وإنما رضي الموصي بحفظهما وقبول الهدية (^٢) وهو معطوف على قوله إلا في شراء الكفن والخصومة في حقوق الميت لأن الاجتماع فيها متعذر لأنهما لو تكلما معًا بالخصومة في مجلس القضاء يؤدي إلى شغب في مجلس القضاء ولا يفهم القاضي كلامهما؛ وقال في المبسوط والخصومة مما لا يتحقق اجتماعهما عليه.
ألا ترى أنهما وإن حضرا لم يتكلم إلا أحدهما لأنهم لو تكلما جميعًا لم يفهم القاضي كلام كل واحد منهما ولهذا ملك أحد الوكيلين الخصومة … والتفرد بها.
والمراد بالتقاضي الاقتضاء أي القبض لأن الموصي (^٣) ما رضي بتصرفه فلا يكون للوصي أن يرضى بما يعلم أن الموصي لم يرض به.
وقال الشافعي: لا يكون وصيًا في تركة الميت الأول بحال.
وقال ابن أبي ليلى لا يكون وصيًا في تركة الميت الأول إلا أن يوصى إليه بوصية الأول كذا في المبسوط (^٤).
وإلى الحد في النفس حتى كان له ولاية تزويج الصغار والصغائر واستيفاء القصاص فكذا الوصي فيما انتقل إليه لأنه خلف عن الأول؛ وباعتبار هذه الخلافة يجعل الأول قائمًا حكمًا والخلف يعمل عمل الأصل عند عدم الأصل ومن شرط ثبوت الخلافة انعدام (^٥) الأصل.
_________________
(١) في (ب): في قضاء الدين؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب) و(ج): الهبة بالجر؛ وما أثبت من (أ) قريب من معناه.
(٣) في (أ): الوصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢٢).
(٥) في (أ) و(ب): إعدام؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠١ ]
وعند الموت كانت له أي عند موت الموصي (^١) كانت للوصي ولاية في التركتين أي في تركة نفسه.
وتركة موصيه أي في حال حياة الوصي (^٢) الأول كان له ولاية فيهما؛ ففي ماله باعتبار أنه ملكه وفي مال موصيه باعتبار الوصاية إليه فكذا الوصية؛ فكانت تسمية التركة بمال الوصي (^٣) الأول وهو حي بعد باعتبار ما يؤول إليه أمره فلا يرضى بتوكيل غيره.
والإيصاء إليه أي لا يرضى الموكل بتوكيل الوكيل غيره ولا بإيصاء الوكيل إلى غيره.
ومقاسمة الوصي الموصى له [على الورثة جائزة ومقاسمة الورثة عن الموصى له] (^٤) باطل يعني قسمت كردن وصي [مر تركة رابا موصى له ازبراي ورثة صغار يا ازبراي ورثة كبار غائب جائز است وقسمت كردن وصي] (^٥) باورثة ازبراي موصى له غائب بحاضر باطل كنمت (^٦) (^٧).
اعلم أن فائدة الجواز والبطلان إنما تظهر في حق الرجوع على من وقع حقه في يده وعدم الرجوع عليه حتى إن مقاسمة الوصي الموصى له عن الورثة لما جازت لم يرجع الورثة على الموصى له عند هلاك حصتهم في يد الموصي (^٨)؛ ومقاسمة الورثة عن الموصى له لما لم تجز كان للموصى له أن يرجع على الورثة بثلث ما في أيديهم إذا هلك حقه (^٩) في يد الوصي (^١٠).
وكان معنى عن في قوله عن الورثة أي نائبًا عن الورثة وكذلك في قوله عن الموصى له أي نائبًا عن الموصى له.
صورته أن رجلًا لو أوصى إلى رجل وأوصى لرجل آخر بثلث ماله وله ورثة صغار أو كبار غيَّب فقاسم الوصي الموصى له وأعطاه الثلث وأمسك الثلثين للورثة فالقسمة نافذة على الورثة حتى لو هلك حصة الورثة في يده لم يرجع الورثة على الموصى له بشيء لأن ولايته نافذة على الصغار وعلى حفظ مال الكبار والموصى له خصم والقسمة تصح بين الخصمين فنفذت القسمة.
_________________
(١) في (أ): الوصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ج): الموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (أ): الموصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): باطل است؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: الأبجدي [قاموس عربي فارسي] (ص: ٧) و(ص: ٣٣٧).
(٨) في (أ): الوصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (أ): حصته؛ وما أثبت من (ب) و(ج) قريب منه.
(١٠) في (ب): الموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠٢ ]
وأما في عكسه وهو أن يكون الوارث كبيرًا حاضرًا وصاحب الوصية غائبًا فقاسم (^١) الوصي مع الوارث فأعطى الوصي الوارث حقه وأمسك الثلث للموصى له لم تنفذ القسمة على الموصى له حتى لو هلك ما في يده كان للموصى له أن يرجع على الورثة بثلث ما في أيديهم لأنه لا ولاية للوصي عليه إلى هذا أشار في الإيضاح (^٢) وغيره.
وذكر الإمام المحبوبي: محيلًا إلى مبسوط شيخ الإسلام أن مقاسمة الوصي (^٣) الموصى له على الورثة جائزة في العروض والعقار جميعًا إذا كانت الورثة صغارًا كلهم حتى لو هلك نصيب الورثة لم يكن لهم الرجوع بشيء على الموصى له لأن للوصي ولاية على الورثة.
ألا ترى أن له بيع نصيب الصغار من العقار والمنقول جميعًا؛ أما لو كانت الورثة كبارًا فليس للوصي ولاية البيع على الكبير الغائب في العقار وله ولاية بيع المنقول عليه فكذا القسمة إذ القسمة نوع بيع (^٤) فلذلك قلنا إذا كانت الورثة كبارًا غُيَّبًا كانت مقاسمة [الوصي] (^٥) الموصى له على الورثة جائزة في العروض دون العقار.
وأما مقاسمته مع الورثة على الموصى له باطلة في العقار والعروض جميعًا سواء كان الموصى له صغيرًا أو كبيرًا حاضرًا (^٦) أو غائبًا حتى إذا هلكت حصة الموصى له في يد الوصي (^٧) وبقيت حصة الورثة كان للموصى له أن يرجع بثلث ما بقي في (^٨) يد الورثة إن كان قائمًا في أيديهم.
قوله: لأن الوارث خليفة الميت حتى يَردُّ (^٩) بالعيب وَيُرَدُّ عليه به كالميت لو كان حيًا يعني لما كان الوارث قائمًا مقام الميت وهو كبير غائب أو صغير وهو حاضر أو غائب والوصي أيضًا قائم مقام الميت فصح أن يكون (^١٠) الوصي قائمًا مقام الوارث عند عجز الوارث عن المقاسمة وهو فيما إذا كان صغيرًا أو غائبًا (^١١)؛ ولما قام الوصي مقام الوارث في تمييز ملك الميت عن الوصية كانت مقاسمة الموصى له مع الوصي بمنزلة مقاسمته مع الوارث فصحت كما تصح مع الوارث؛ ولما صحت المقاسمة صار هلاك نصيب الوارث في يد الوصي بعد القسمة كهلاكه بعد قسمة الوارث بنفسه مع الموصى له فلا يرجع الوارث على أحد.
_________________
(١) في (ب): فقام؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٥).
(٣) في (أ): الموصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): يبقى؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (أ): أو حاضرًا؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (أ): الموصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): من؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): يرث؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) في (أ): يقوم؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (ج): صغيرًا أو كبيرًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠٣ ]
وأما الموصى له لما لم يكن خليفة الميت بل يحصل (^١) له ملك مبتدأ ولهذا لا يَرُدُّ بالعيب ولا يُرَدُّ عليه فلم يكن الموصى له قائمًا مقام الميت والوصي قائم مقام الميت فلا ينوب الوصي عن الموصى له (^٢) حال غيبته فلذلك لم تصح مقاسمة الوصي مع الورثة لأجل الموصى له حتى لو [قاسم] (^٣) وهلك ما أفرزه الموصي (^٤) في يد الوصي من نصيب الموصى له كان له ثلث ما بقي في يد الورثة إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (^٥):.
فإن قلت لما لم تصح مقاسمة الوصي مع الورثة نائبًا عن الموصى له كان ينبغي أن يضمن الوصي (^٦) عند الهلاك للموصى له (^٧) لأنه تصرف في نصيبه بالمقاسمة وليس له ولاية ذلك التصرف شرعًا وهلك المال بعد ذلك الفعل الذي هو غير مشروع فيضمن كما لو تعدى على المال واستهلكه.
قلتُ الأمر لا يخلو إما إن هلك ما في يد الوصي الذي هو نصيب الموصى له [أو هلك ما] (^٨) في أيدي الورثة، فإن هلك ما في يد الوصي فلا يضمن لأن الوصي أمين فيه كما كان أمينًا فيه قبل المقاسمة ولم يفعل في نصيب الموصى له شيئًا سوى أنه أفرز نصيبه من نصيب الورثة وأمسك في يده كما كان يمسكه قبل الإفراز، والإفراز للحفظ ليس بتعد فلا يضمن فكان هلاك نصيبه بعد الإفراز بمنزلة هلاك [قدر] (^٩) نصيبه قبل الإفراز؛ ولو هلك [قدر نصيبه] (^١٠) قبل الإفراز كان ينتقل قدر نصيبه إلى ما بقي من المال فكذلك ههنا انتقل قدر نصيبه إلى ما أعطى الورثة ثم إن كان ما أعطاهم باقيًا في أيديهم كان للموصى له الرجوع عليهم بقدر نصيبه وهو ثلث ما أعطاهم؛ وإن كان هالكًا كان الموصى له بالخيار في تضمين الحصة التي دفعها الوصي إلى الورثة إن شاء ضمن القابض بالقبض وإن شاء ضمن الدافع بالدفع؛ فإن لم يكن دفع حصة الورثة إليهم حتى لو هلك (^١١) الكل في يد الوصي لم يكن للموصى له أن يضمن الوصي شيئًا لبقاء حكم الأمانة في المال فكذا في هلاك قدر نصيبه إلى هذا أشار الإمام المحبوبي: (^١٢).
_________________
(١) في (ب): بل يجعل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٢) في (ب): عن الموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): الوصي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ينظر: الجامع الصغير (١/ ٥٢٩).
(٦) في (ج): الموصى له؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (ج): للموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (ج): حتى هلك؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٢) ينظر: تكملة فتح القدير (١٠/ ٥٠٦).
[ ٢٥ / ٢٠٤ ]
يرجع الموصى له بثلث ما بقي لما بينا أراد به قوله لأن الموصى له شريك الوارث، وإن كان أوصى الميت بِحَجَّة فقاسم الورثة أي قاسم الوصي الورثة.
فهلك ما في يده أي ما في يد الحاج فالوصي والحاج مدلول عليهما غير مذكور بهما حج عن الميت من ثلث ما بقي وهو الذي أفرزه الوصي للورثة.
صورته ما ذكره الإمام قاضي خان: في مناسك الجامع الصغير فقال مثاله إذا مات الرجل وترك أربعة آلاف درهم وأوصى بأن يحج عنه وكان مقدار الحج ألف درهم فأخذ الوصي ألفًا ودفعها إلى الذي يحج عنه فسرقت في الطريق في قول أبي حنيفة: يؤخذ ثلث ما بقي من التركة وهو ألف درهم؛ فإن سرقت ثانيًا يؤخذ ثلث ما بقي مرة أخرى هكذا.
وعند أبي يوسف: يؤخذ ما بقي من ثلث جميع المال وذلك ثلاثمائة وثلاثون وثلاث (^١) [وثلث] (^٢) فإن سرقت ثانيًا لا يؤخذ مرة أخرى.
وفي قول محمد: إذا سرقت الألف الأولى بطلت الوصية ولا يؤخذ منه مرة أخرى سواء بقي من الثلث الأول شيء أو لم يبق شيء.
[ولأبي يوسف: أن محل الوصية الثلث فيجب تنفيذها ما بقي محلها وإن لم يبق شيء] (^٣) بطلت لأنه لو لم يبطل مع هذا أدى ذلك إلى إفناء المال على الورثة.
ولأبي حنيفة: أن ما هلك هلك قبل تنفيذ الوصية وحق الوارث ما يبقى بعد تنفيذ الوصية فما هلك يجعل كأن لم يكن.
ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله لرجل فبعثوا به إلى الموصى له فهلك في الطريق أو سرقت قبل أن يصل إليه يعطى له ثلث ما بقي ويجعل الأول كأن لم يكن، وما قال فإن فيه إفناء (^٤) المال على الورثة فجوابه ما قلنا أن حق الوارث ما يبقى بعد تنفيذ الوصية،
ومن أوصى بثلث بألف درهم فدفعها أي فدفع الألف الورثةُ إلى القاضي فقسمها والموصى له غائب.
فَقِسْمَتُهُ أي: فقسمة القاضي جائزة بخلاف قسمة الوصي مع الورثة حال غيبة الموصى له فإنها باطلة على ما مر، وفائدة الجواز هي ما ذكرنا أن ما في يد القاضي لو هلك ثم حضر الغائب (^٥) لا يرجع على الورثة بشيء، ثم الفرق بين القاضي والوصي هو أن للقاضي ولاية على الغائب فيما ينفعه (^٦) ولهذا يملك بيع ما يخشى عليه [التوى (^٧) (^٨) والتلف فكانت قسمة القاضي كقسمة الموصى له لما أن القاضي نصب ناظرًا للمسلمين ولمن يعجز عن تنفيذ أمره في قسمته (^٩)؛ ذلك بخلاف الوصي لأنه لا ولاية له على الموصى له ولهذا لا يملك بيع شيء من ماله فلا تنفذ قسمته عليه إلى هذا أشار الإمام قاضي خان: (^١٠).
_________________
(١) في (أ) و(ج): ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون؛ وما أثبت من (ب) هو الأفصح.
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): إحياء؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): الموصى له؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): ينفقه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ج): طمس لكلمة (التوى) وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) التوى: هلاك المال. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ٤٧)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ١٤٩).
(٩) في (أ): وفي قسمته؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٠) حاشية الشلبي (٦/ ٢١٠).
[ ٢٥ / ٢٠٥ ]
وذكر الإمام المحبوبي: أن هذا الذي ذكره من الجواب وهو جواز مقاسمة القاضي مع الورثة وإمساك نصيب الموصى له وهو فيما إذا كانت التركة مما يكال ويوزن لأن القسمة فيما يكال أو يوزن تمييز وليست بمبادلة حتى تفرد أحد الشريكين من غير قضاء ولا رضى، ويجوز لأحدهما أن يبيع نصيبه مرابحة على ما قام عليه من الثمن؛ فأما فيما لا يكال ولا يوزن لا يجوزلأن القسمة فيه مبادلة كالبيع وبيع مال الغائب لا يجوز فكذا القسمة.
وإذا باع الوصي عبدًا من التركة بغير محضر من الغرماء فهو جائز؛ وإنما ذكر هذه المسألة للفرق بينها وبين ما إذا باع المولى (^١) أو وصيه عبده المأذون [المديون] (^٢) بغير محضر من غرماء العبد فإن ذلك لا يجوز لأن لغريم العبد هناك حقًا في استبقاء العبد وبعد البيع لا يبقى فكان البيع مبطلًا حق الغرماء فلا ينفذ بغير إجازتهم؛ وأما ههنا فليس لغريم المولى حق في استبقاء العبد إنما حقه في استيفاء الدين من الثمن فلم يكن البيع مبطلًا حق الغريم بل محققًا له لأن حقه في الدراهم والدنانير لا في عين العبد وبالبيع يحصل ذلك.
ولو تولى حيًا (^٣) بنفسه أي لو باع الموصي (^٤) المديون بنفسه حال حياته كان يجوز بيعه بغير محضر من الغرماء.
وإن كان مريضًا أي إذا باعه بمثل قيمته فكذا لو باعه من قام مقامه بغير محضر من الغرماء يجوز؛ فقد أخذ الوصي البائع مال الغير وهو المشتري بغير رضاه أي بغير رضا ذلك الغير لأن رضا المشتري بأخذ الوصي الثمن إنما كان عند سلامة المبيع للمشتري ولم يسلم فلا يكون راضيًا عند عدم السلامة فيجب على الوصي رد ما أخذ لذلك.
وقال الإمام قاضي خان: وأما ضمان الوصي لأنه لما استحق العبد ظهر أنه قبض الثمن بغير حق فكان عليه رده ويرجع في تركة الميت.
وكان أبو حنيفة: يقول لا يرجع أي لا يرجع الوصي على أحد لأنه تبين (^٥) بطلان الوصية باستحقاق لغلام ولم يكن عاملًا (^٦) للورثة فلا يرجع عليهم بشيء كذا ذكره الإمام المحبوبي: (^٧).
_________________
(١) في (ج): الولي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): حقًا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): الوصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): ينبيء؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٦) في (ب): غلام؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٨)، تبيين الحقائق (٦/ ٢١١)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٥٣٢).
[ ٢٥ / ٢٠٦ ]
لأن الرجوع بحكم الوصية لأن البيع كان لتنفيذ الوصية فكان حكمه حكم الوصية والوصية تنفذ من الثلث.
وجه ظاهر الرواية أنه يرجع عليه بحكم الغرور أي أن الوصي يرجع على الميت أي على تركته بحكم أن الميت غَرَّه بقوله أن هذا ملكي لأنه لما أمره ببيع عبده وبتصدق بثمنه على المساكين كان قائلًا أن هذا العبد ملكي فكان الوصي مغرورًا من جهته وكان ذلك الضمان دينًا على الميت والدين يُقْضَى من جميع الدين كذا ذكره الإمام قاضي خان: (^١).
وذكر في الذخيرة (^٢) وإن هلكت التركة لا يرجع على أحد لا على الورثة ولا على المساكين إن كان قد تصدق على المساكين بالثمن لأن البيع (^٣) لم يقع إلا للميت.
وذكر فيها أيضًا محالًا إلى المنتقى (^٤) إذا أوصى الرجل إلى رجل وأمره (^٥) أن يبيع عبده هذا ويتصدق بثمنه على المساكين ففعل الوصي (^٦) ذلك ثم استحق العبد من يد المشتري ورجع المشتري على الوصي بالثمن لم يرجع الوصي في مال الميت بشيء وإنما يرجع على المساكين الذين تصدق عليهم بالثمن؛ والقياس هكذا يقتضي لأن غُنْم تصرف الوصي يعود إلى المساكين فغُرْمه يجب أن يكون عليهم وهذه الرواية تخالف رواية الجامع الصغير.
ووجه رواية الجامع الصغير أن الميت أصل في غُنْم هذا التصرف وهو الثواب والفقير تبع له.
وقد مر في كتاب القضاء أي في آخر فصل القضاء بالمواريث من فصول كتاب أدب القاضي بقوله وإذا باع القاضي أو أمينه عبدًا للغرماء إلى آخره (^٧).
رجع في مال الصغير لأنه عامل له؛ هذا إذا باع للصغير بأمر القاضي أو بغير أمره؛ فإن باعه للغرماء بأمر القاضي وقبض الثمن وهلك في يده ثم استحق العبد رجع المشتري على الوصي بالثمن لما ذكر أنه لم يرض بخروج الثمن عن ملكه إلا عند سلامة المبيع له ولم يسلم؛ ثم الوصي يرجع على الغرماء لأنه باع لأجلهم فكان عاملًا لهم.
وإن باعه بأمر الغريم لا بأمر القاضي فكذلك لأنه يحق عليه البيع عند طلب الغريم كما يحق عند أمر القاضي كذا ذكر الإمام قاضي خان: (^٨).
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٨).
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٨)، الفتاوى الهندية (٦/ ١٥٠).
(٣) في (ج): المبيع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٨).
(٥) في (ج): وامرأة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): القاضي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: الهداية (٣/ ١١٤)، العناية (٧/ ٣٥٧)، البناية (٩/ ٩٣).
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٨)، البناية (١٣/ ٥١٩).
[ ٢٥ / ٢٠٧ ]
وإذا احتال الوصي أي إذا صار الوصي محتالًا له في قبض الدين الذي كان لليتيم على آخر فإن كان خيرًا لليتيم جاز؛ وهو أن يكون أملى أي وهو أن يكون الثاني وهو المحتال عليه أقدر على أداء الدين من المحيل الذي هو المديون الأول جاز قبول الحوالة للوصي (^١)؛ وإن كان الثاني أفلس لا يجوز؛ وإن كانا سواء ذكر أنه لا يجوز كذا ذكره الإمام المحبوبي (^٢).
وذكر في الذخيرة (^٣) وإن كان الثاني مثل الأول في الملأة فقد اختلف المشائخ ﵏ فيه وأشار في الكتاب إلى أنه لا يجوز.
فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين البيع فإنه لو باع مال اليتيم بمثل قيمته من أجنبي جاز على ما ذكر بُعَيْد هذا في الكتاب؛ وههنا لو قبل الحوالة على الثاني الذي هو مثل الأول في الملأة لا يجوز.
قلتُ الفرق هو أن البيع معاوضة من كل وجه والوصي يملك الاعتياض بمال اليتيم إذا لم يكن فيه غبن فاحش؛ فأما الحوالة فليست (^٤) بمعاوضة من كل وجه حتى تجوز الحوالة في المُسْلَم (^٥) فيه وبرأس مال السلم (^٦)؛ ولو كانت مبادلة من كل وجه كان استبدالًا بالمسلَم فيه وبرأس المال بالحوالة وذلك لا يصح؛ وإذا لم تكن مبادلة من كل وجه كانت بمنزلة الهبة بشرط العوض والوصي لا يملك الهبة من مال اليتيم بشرط العوض عند أبي حنيفة … ومحمد:.
وأما عند أبي يوسف: فيملكه فيجب أن يكون هذا على ذلك أيضًا كذا ذكره الإمام المحبوبي: (^٧).
ولا يجوز بيع الوصي ولا شراؤه إلا بما يتغابن الناس وكذلك الأب؛ لأن الولاية تثبت بطريق النظر والنظر فيما لم يكن فيه غبن لكن اليسير من الغبن إنما يتحمل [لتعذر] (^٨) الاحتراز عنه.
هذا إذا باع مال الصغير من أجنبي أو اشترى له من أجنبي؛ وأما إذا اشترى الوصي شيئًا من مال اليتيم لنفسه أو باع شيئًا من ماله للصغير (^٩) جاز في قول أبي حنيفة: وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: إذا كان لليتيم فيه منفعة ظاهرة.
_________________
(١) في (ج): للموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: البناية (١٣/ ٥٢٠).
(٣) ينظر: البناية (١٣/ ٥٢٠).
(٤) في (ج): فتثبت؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ج): بالسلم؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): المسلم؛ وما أثبت (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٥٠٩)، البناية (١٣/ ٥٢٠).
(٨) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): مال الصغير؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠٨ ]
وتفسيره أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير أو يشتري ما يساوي عشرة لنفسه بخمسة عشر فصاعدًا؛ وأما إذا لم يكن فيه منفعة ظاهرة لليتيم لا يجوز.
وعلى قول محمد: وأظهر الروايات عن أبي يوسف: لا يجوز على كل حال.
وجنس هذه المسائل ثلاث أحدها في الأب والثانية في الوكيل والثالثة في الوصي.
فأما الأب فله أن يشتري لنفسه شيئًا من تركة الميت إذا لم يكن فيه ضرر للصغير بأن كان بمثل القيمة وليس للوكيل بالبيع أن يشتري لنفسه.
وأما في الوصي إذا لم يكن فيه خير لليتيم لا يجوز وإذا كان خيرًا له فيجوز وقد ذكرنا تفسير الخيرية هذا إذا كان الوصي وصي الأب؛ وإن كان الوصي وصي القاضي فلا يجوز بيعه عن نفسه في الأحوال كلها لأنه وكيل والوكيل بالبيع لو باع من نفسه لا يجوز بالإجماع؛ ثم الفرق بين الأب والوصي فإن الأب لو باع مال الصغير من نفسه بمثل القيمة أو بغبن يسير يجوز بخلاف الوصي على ما ذكرنا لأن الأب وافر الشفقة في حق ولده فلا يقصر في أموره ظاهرًا؛ هذا كله فيما إذا كان مال الصغير وهو منقول.
وأما إذا باع الوصي ضيعة أو عقارًا للصغير من أجنبي بمثل القيمة يجوز؛ هذا جواب السلف؛ أما جواب المتأخرين أنه إنما يجوز بأحد شروط ثلاثة؛ إما بأن يرغب المشتري فيها بضعف قيمتها أو للصغير حاجة إلى ثمنها أو بأن يكون على الميت دين لا وفاء له إلا بها قال الصدر الشهيد (^١) وبه يفتى (^٢).
وأما الأب إذا باع ضيعة أو عقارًا لابنه الصغير بمثل القيمة؛ فإن كان الأب محمودًا عند الناس أومستورًا يجوز حتى لو كبر الابن لم يكن له أن ينقض البيع.
وإن كان فاسقًا لا يجوز حتى لو كبر الابن كان له أن ينقضه؛ قال الصدر الشهيد: [هو المختار] (^٣) كذا ذكر في أدب القاضي للصدر الشهيد في باب ما لا يجوز فعل الوصي (^٤) والذخيرة (^٥) والجامع الصغير للإمام المحبوبي (^٦) لأنه لا نظير (^٧) في الغبن الفاحش بخلاف اليسير.
وأصح ما قيل في الفرق بين الغبن الفاحش واليسير أن ما يدخل تحت تقويم المقوِّمين فهو غبن يسير وما لا يدخل تحت تقويم المقومين فهو غبن فاحش.
_________________
(١) سبق ص ٣٣٣.
(٢) ينظر: الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء (ص: ٣٤٠).
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: شرح أدب القاضي (٣/ ٣٨٦).
(٥) ينظر: الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء (ص: ٣٤٠).
(٦) ينظر: الدرة الغراء في نصيحة السلاطين والقضاة والأمراء (ص: ٣٤٠).
(٧) في (ب) و(ج): لا نظر؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠٩ ]
والصبي المأذون (^١) والعبد (^٢) المأذون (^٣)
[والمكاتب] (^٤) (^٥) يجوز بيعهم وشراؤهم بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة:.
وعندهما لا يجوز إلا بما يتغابن الناس فيه.
من المشائخ من قال هذه المسألة بناء على مسألة الوكيل بالبيع المطلق أو المضارب وشريك العنان والمفاوض حيث يملكون البيع بما عز وهان عند أبي حنيفة:؛ وعندهما لا يملكون إلا بما يتغابن الناس فيه فهذا مثله.
ومنهم من تكلم في المسألة ابتداءً لأنهم يتصرفون (^٦) بحكم المالكية أي يتصرفون بأهليتهم لا بأمر المولى لأن الإذن فك الحجر ولأنه أذن لهم في التجارة والتاجر (^٧) يحتاج إلى المساهلة ويحتمل الغبن في بعض التصرفات لاستجلاب قلوب المجاهرين فكان ذلك من توابع التجارة بخلاف الهبة وبخلاف الأب والوصي لأنهما يتصرفان بشرط الأصلح والأحسن.
_________________
(١) قال القدروري: قال أصحابنا: يجوز للولي أن يأذن للصبي في البيع فإذا باع بإذنه وهو يعقل البيع والشراء جاز. ينظر: مختصر القدوري-كتاب المأذون (٦٧)، كنز الدقائق-كتاب المأذون (١٥٦). وقال الشافعي: لا يجوز بيعه. ينظر: المهذب مع المجموع-كتاب البيوع (٩/ ١٥٥ - ١٥٦ - ١٥٨)، المقدمات الممهدات-كتاب المأذون له في التجارة (٢/ ٣٤٦).
(٢) في (ب): والبيع؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) قال القدوري: قال أصحابنا: إذا أذن لعبده في نوع من التجارة جاز أن يتصرف في جميع الأنواع. ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ١٩٢)، تبيين الحقائق (٥/ ٢٠٤). -وليس للإمام مالك في المسألة قول، ومذهب ابن القاسم يوافق الأحناف. ينظر: المدونة (٥/ ٢٤٢٩). -وقال الشافعي: لا يجوز أن يتصرف إلا فيما أذن له، قال في المهذب: لا يتجر إلا فيما أذن به؛ لأن تصرفه بالإذن فلا يملك إلا ما دخل فيه؛ فإن أذن له في التجارة لم يملك الإجارة، ومن أصحابنا من قال يملك إجارة ما يشتريه للتجارة لأنه من فوائد المال فملك العقد عليها كالصوف واللبن والمذهب الأول. وقد وافق الشافعي زفرُ من الأحناف والحنابلة أيضًا. ينظر: المهذب (١/ ٥١١)، مغني المحتاج (٢/ ٩٩)، المبسوط (٢٥/ ٥)، المغني … لابن قدامة (٥/ ٨٤).
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): والصبي والمأذون والمكاتب؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ج): لا يتصرفون؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (أ): والتأخر؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١٠ ]
وقال الفقيه أبو الليث: جنس هذه المسألة عند أبي حنيفة: على ثلاثة أوجه؛ في وجه لا يجوز البيع والشراء إلا بغبن يسير وهو البيع والشراء من الأب والجد والوصي والقاضي إذا باع مال اليتيم أو مال بيت المال.
وفي وجه يجوز البيع والشراء بغبن فاحش أو يسير وهو الشراء والبيع من المأذون والمكاتب.
وفي وجه يجوز البيع بغبن يسير وفاحش ولا يجوز الشراء إلا بغبن يسير وهو البيع والشراء من الوكيل والمضارب والشريك فلكل واحد من هؤلاء أن يبيع بغبن فاحش ولا يشتري إلا بغبن يسير ثم قال وبه نأخذ (^١)؛ وعندهما لا يملكونه لأن التصرف الفاحش منه تبرع كالهبة حتى لو حصل من المريض يعتبر من الثلث وهما لا يملكان (^٢) الهبة كذا ذكره الإمام قاضي خان (^٣) والمحبوبي: (^٤).
وقوله ولو كتب جملة إلى آخره (^٥) بيان وجه الاحتياط بدليل ما ذكره الإمام قاضي خان في الجامع الصغير بعد ما ذكر لفظ الاحتياط وقال لأنه لو كتب كتابًا واحدًا وجمع بين الوصية والشراء ويشهد من الشهود من يتحمل (^٦) الشهادة على الوصية فعند أداء الشهادة عندي يشهد بجميع ذلك فيكون شاهد زور فكان الاحتياط أن يكتب كتاب الوصية على حدة و[كتاب الشراء على حدة] (^٧)؛ يكتب في أول البياض صك الوصية ويشهد على ذلك ثم يكتب في آخره صك الشراء منه ويشهد وكذلك في الوكيل.
ولا يكتب من فلان وصي فلان لما بينا وهو قوله لأن ذلك أحوط إلى آخره (^٨).
لأنه لو كتب اشترى من فلان وصي فلان جاز أن يتحمل هذا الشاهد تلك الشهادة وهو الشاهد الذي حضر شراءه ولم يحضر وصايته؛ ومع ذلك لو شهد بقوله وصي فلان كانت شهادته شهادة الزور في حق الوصاية فكان الأحوط ما ذكرنا من رواية الجامع الصغير لقاضي خان:.
_________________
(١) ينظر: البناية (١٣/ ٥٢٠).
(٢) في (ب): وهما يملكان؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: البناية (١٣/ ٥٢٠).
(٤) ينظر: البناية (١٣/ ٥٢٠).
(٥) وَلَوْ كَتَبَ جُمْلَةً عَسَى أَنْ يَكْتُبَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ فِي آخِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَيَصِيرُ ذَلِكَ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْكَذِبِ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٤٣)، العناية (١٠/ ٥٠٩)، البناية (١٣/ ٥٢١).
(٦) في (أ): من لم يتحمل؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب. وبه يزيد المعنى تأكيدًا.
(٨) (وَإِذَا كَتَبَ كِتَابَ الشِّرَاءِ عَلَى وَصِيٍّ كَتَبَ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ عَلَى حِدَةٍ وَكِتَابَ الشِّرَاءِ عَلَى حِدَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٤٣)، العناية (١٠/ ٥٠٩)، البناية (١٣/ ٥٢١).
[ ٢٥ / ٢١١ ]
وبيع الوصي على (^١) الكبير الغائب جائز في كل شيء إلا في العقار وإنما استثنى العقار في حق البيع على الكبير لما أن الوصي يملك بيع العقار على الصغير في جواب السلف مطلقًا.
وفي جواب المتأخرين مقيدًا بأحد الأمور الثلاثة على ما ذكره في الذخيرة فقال والأصل فيه أن الوصي إذا باع التركة فهذا على ثلاثة أوجه إما أن يكون الورثة صغارًا كلهم أو كبارًا [أو صغارًا وكبارًا] (^٢)؛ فإن كانت الورثة صغارًا كلهم فإن الوصي يبيع كل شيء من تركة الميت ضِيَاعًا كان أو عروضًا أو عقارًا سواء كانوا حضورًا أو غيبًا وسواء كان على الميت دين أو لم يكن إنما يبيع بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس في مثله.
قال شمس الأئمة الحلواني: هذا الذي ذكره بأن الوصي يبيع عقار الميت ذلك جواب السلف (^٣)؛ فأما المتأخرون قالوا إنما يجوز للوصي بيع عقار الصغير إذا كان (^٤) على الميت دين لا وفاء له إلا من ثمن العقار أو يكون للصغير حاجة إلى ثمن العقار أو يرغب المشتري في شرائه بضعف القيمة؛ وإن كانت الورثة كبارًا كلهم فهو على وجهين الأول أن يكونوا حضورًا فإن لم يكن على الميت دين لا يملك التصرف في التركة أصلًا ولكن يتقاضى ديون الميت ويقبض حقوقه ويدفع إلى الورثة؛ وإن كان على الميت (^٥) دين فإن كان الدين محيطًا بالتركة أجمعوا على أنه يبيع كل التركة [بقدر الدين] (^٦).
وأما فيما زاد على الدين (^٧) اختلفوا فيه؛ قال أبو حنيفة: يبيع وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبيع.
وإذا لم يكن على الميت دين ولكن الميت أوصى بوصايا فإن كانت الوصية في الثلث أو فيما دون الثلث أنفذها (^٨)؛ وإن كانت أكثر من ذلك أنفذ بمقدار الثلث وما بقي فهو للورثة فلو أراد أن يبيع شيئًا من التركة لتنفيذ الوصية أجمعوا (^٩) أنه يبيع بقدر الوصية وأما فيما زاد اختلفوا على الوجه الذي اختلفوا في قضاء الدين وهذا إذا لم يقض الورثة الدين ولم ينفذوا الوصية من خالص ملكهم؛ فأما إذا قضوا ونفذوا لم يبق للوصي ولاية بيع التركة أصلًا.
_________________
(١) في (أ): عن؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): المسألة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) به زيادة معنى.
(٤) في (أ): إلا إذا كان؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): الورثة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى لسياق ما قبله.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ج): الثلث؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى لسياق ما قبله.
(٨) في (أ) و(ج): أبعدها؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٩) في (ب): انفذوا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
[ ٢٥ / ٢١٢ ]
والوجه الثاني إذا كانوا أغنياء فإن لم يكن في التركة دين ولا وصية فإنه يبيع المنقولات لأن بيع المنقولات من جملة الحفظ؛ ولا يبيع العقار لأنه لو باعه باعه لأجل الحفظ وبيع العقار ليس من الحفظ.
ولو خيف هلاك بناء (^١) العقار هل يملك بيعه اختلف المشائخ فيه؛ قال بعضهم يملك استدلالًا بالمنقول؛ وقال بعضهم لا يملك وهو الأصح لأن الدار لا يهلك (^٢) غالبًا فيبنى الحكم عليه لا على النادر.
فإن كانت التركة مشغولة بالدين وإن كان الدين مستغرقًا فله أن يبيع العقار والمنقول جميعًا لأنه لا يمكنه قضاء الدين إلا بالبيع فصار مأمورًا بالبيع من جهة الموصي؛ وإن كان الدين غير مستغرق يبيع بقدر الدين من العقار والمنقول.
وهل يبيع الزيادة؛ إن كان منقولًا فله البيع وإن كان عقارًا فكذلك عند … أبي حنيفة:.
وعندهما لا يبيع وإن كانت الورثة بعضهم كبارًا وبعضهم صغارًا فهو على وجهين أيضًا الأول أن يكون الكبار غيبًا فإن كانت التركة خالية عن الدين وعن الوصية فللوصي بيع المنقول بالإجماع وله بيع حصة الصغار من العقار.
وهل (^٣) يبيع حصة الكبار؛ فعلى الخلاف الذي مر، وإن كانت التركة مشغولة بالدين أو الوصية إن كان الدين مستغرقًا يبيع العقار والمنقول جميعًا؛ وإن كان غير مستغرق فإنه يبيع بقدر الدين من العقار والمنقول بالإجماع.
وهل يبيع الزيادة على ذلك؛ فالمسألة على الخلاف؛ وإن كان الكبار حضورًا فإن كانت التركة خالية عن الدين فإنه يبيع حصة الصغار من العقار بالإجماع.
وهل يبيع حصة الكبار؛ فالمسألة على الخلاف وإن كانت التركة مشغولة بالدين فإن كان الدين مستغرقًا فإنه يبيع الكل وإن كان الدين غير مستغرق يبيع بقدر الدين.
وهل يبيع الزيادة؛ فالمسألة على الخلاف فالأصل عندهما أن الولاية تتقدر بقدر سببها وسبب الولاية للوصي عجز الوارث عن التصرف وعن الحفظ بنفسه [والصغير عاجز عن التصرف والحفظ بنفسه] (^٤) والكبير إذا كان حاضرًا قادرًا على التصرف والحفظ بنفسه فلا حاجة إلى إثبات الولاية للوصي؛ وإذا كان غائبًا فهو قادر على التصرف من حيث هو عاجز عن الحفظ من حيث هو وبيع المنقول من جملة الحفظ لأنه يخشى عليه التوى والتلف فيثبت له ولاية بيع منقول الغائب (^٥) من حيث أنه حفظ.
_________________
(١) في (ج): بيع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): لا يملكه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (أ): ومثل؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٥) في (ب): بيع المنقول للغائب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١٣ ]
أما العقار فمحصنة بنفسها فلم يكن بيعها من جملة الحفظ وإنما يكون بيعها من حيث التصرف وليس للوصي ولاية التصرف في مال الكبير وإن كان غائبًا؛ والأصل عند أبي حنيفة: أنه متى يثبت للوصي ولاية بيع بعض التركة يثبت له ولاية بيع الباقي فإن الوصي كما يملك بيع نصيب الصغير من المنقول يملك بيع نصيب الكبير الغائب إلى آخره [كذا في الذخيرة] (^١) (^٢).
وذكر في المبسوط بعد ما ذكر هذا الاختلاف فقال وأبو حنيفة: استحسن فقال لما ثبت له الولاية في بيع البعض ثبت في الكل لأن الولاية بسبب الوصاية [وهي لا تحتمل التجزيء] (^٣) وهذا لأن في بيع البعض إضرارًا (^٤) بالصغير والكبير جميعًا لأنه يتعيب به نصيب الكبير والأشقاص لا يشترى [بما يشترى] (^٥) به الحمل فكان في بيع الكل توفير المنفعة عليهم وللوصي ولاية في نصيب الكبير فيما يرجع إلى توفير الشفقة عليه.
ألا ترى أنه يملك الحفظ وبيع المنقولات حال غيبته لما فيه من المنفعة له.
قوله وصي الأخ في الصغير والكبير الغائب بمنزلة وصي الأب في الكبير الغائب وكذا وصي الأم والعم.
وهذا الجواب في تركة هؤلاء أي في تركة الأم والأخ والعم وإنما قيد بقوله وهذا الجواب في تركة هؤلاء لأن وصي الأم [والأخ] (^٦) في تركة الأب للصغير ليس كوصي الأب (^٧) لأنه ذكر في الذخيرة بعدما ذكرنا منها في تصرف وصي الأب فقال هذا هو الكلام في وصي الأب.
أما وصي الأم فنقول وصي الأم لا يملك على الصغير بيع ما ورثه الصغير عن الأب العقار والمنقول في ذلك سواء؛ لأن وصي الأم قائم مقام الأم والأم حال حياتها لا تملك بيع ما ورثه الصغير من العقار فالمنقول المشغول بالدين والخالي عن الدين سواء؛ وما كان موروثًا للصغير من جهة الأم إن كان خاليًا عن الدين والوصية يبيع المنقول ولا يبيع العقار لأنه لا ولاية للوصي على الصغير وإنما له حفظ التركة على الميت لتوهم أن يظهر على الميت دين؛ فبيع المنقول من جملة (^٨) الحفظ وأما بيع العقار فليس من جملة الحفظ؛ وإن كانت التركة مشغولة بالدين وبالوصية إن كان الدين مستغرقًا فله أن يبيع الكل ودخل بيع (^٩) العقار تحت ولايته لأن بيع العقار طريق قضاء الدين وقضاء الدين دخل تحت ولايته؛ وإن لم يكن الدين مستغرقًا يبيع بقدر الدين.
_________________
(١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ١٤٤).
(٣) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (أ): احترازًا؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٧) في (ب) و(ج): الأم؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٨) في (ب): جهة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): مع؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١٤ ]
وهل يبيع الزيادة على قدر الدين؛ فعلى الاختلاف الذي ذكرنا.
وكل جواب عرفته في وصي الأم فهو الجواب في وصي الأخ والعم لأنه كما لا ولاية للأم على الصغير في المال فكذا لا ولاية للأخ والعم على الصغير في المال أيضًا.
وذكر في أدب القاضي للصدر الشهيد في باب ما يجوز من فعل الوصي وأما وصي الأم ووصي الأخ بأن ماتت المرأة وتركت ابنًا صغيرًا فأوصت إلى رجل أو مات الرجل وترك أخًا صغيرًا وأوصى إلى رجل فلهذا الوصي (^١) أن يبيع ما ترك من العروض وليس له أن يبيع ما ترك من العقار لأن لهذا الوصي (^٢) ولاية الحفظ دون التصرف؛ وبيع العروض من جملة الحفظ لأنه يخشى عليه التوى والتلف؛ وأما بيع العقار فليس من جملة الحفظ لما ذكرنا أنه محصن بنفسه؛ غير أنه تقدم عليه وصي الأب في التصرف لما بينا و[هو] (^٣) قوله ولنا أن بالإيصاء تنتقل ولاية الأب إلى آخره (^٤).
والله أعلم بالصواب.
* * *