لما فرغ من بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالأعيان شرع في بيان أحكام الوصايا المتعلقة بالمنافع (^٤) (^٥)؛ وأخَّر هذا الباب عنه لما أن المنافع بعد الأعيان وجودًا فلذلك أوردها ذكرًا، وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره أو غلتهما سنين معلومة، ويجوز بذلك أبدًا وهذا عندنا.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٤٨٥)، البناية (١٣/ ٤٨٠).
(٣) في (ب): مما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) سبق تعريف المنفعة ص ٣١٦.
(٥) ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ لأِنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا مَلَكَ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ حَال حَيَاتِهِ بِعَقْدِ الإْجَارَةِ وَالإْعَارَةِ فَلأِنْ يُمَلِّكَهَا بِعَقْدِ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى لأِنَّهُ أَوْسَعُ الْعُقُودِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِل مَا لَا يَحْتَمِلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ مِنْ عَدَمِ الْمَحَل وَالْخَطَرِ وَالْجَهَالَةِ. -وَيَرَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ لأِنَّهَا مَعْدُومَةٌ. ينظر: بدائع الصنائع ٧/ ٣٥٢، تبيين الحقائق ٦/ ٢٠٢، جواهر الإكليل ٢/ ٣٢٤، مغني المحتاج ٣/ ٤٥، المغني ٦/ ٥٩
[ ٢٥ / ١٨١ ]
وعلى قول ابن أبي ليلى (^١) لا يجوز شيء من ذلك مؤقتًا ولا غير مؤقت لأن الموصي (^٢) يملك الموصى به (^٣) بإيجابه وذلك لا يصح منه فيما ليس بمملوك له، والمنفعة والغلَّة التي تحدث [بعد موته ليس بمملوك له وإيجابه لا يتناول المنفعة والغَلة التي تحدث] (^٤) في حال حياته فتبطل (^٥) وصيته بها.
ولكن نقول: المنفعة تحتمل التمليك ببدل وبغير بدل في حال الحياة وتحتمل التمليك بعد الموت أيضًا؛ وهذا لأن الموصي يبقي العين على ملكه حين يجعل مشغولًا بتصرفه موقوفًا على حاجته (^٦) وإنما تحدث المنفعة على ملكه؛ وإذا ثبت هذا في المنفعة فكذلك في الغلة لأنها بدل المنفعة فالوصية على خلاف الميراث فالإرث لا يجري في الخدمة بدون الرقبة؛ لأن الوراثة خلافة.
وتفسيرها أن يقوم الوارث مقامَ المورث فيما كان ملكًا للمورث وهذا لا يتصور إلا فيما يبقى وقتين والمنفعة لا تبقى وقتين؛ وأما الوصية إيجاب ملك بالعقد (^٧) بمنزلة الإجارة والإعارة كذا في المبسوط (^٨).
فإنها تمليك على أصلنا أي فإن العارية تمليك المنافع على أصلنا، وهو احتراز عن قول الشافعي: فإنها إباحة المنافع لا تمليكها عنده (^٩).
بخلاف الميراث أي لا يجري (^١٠) الإرث في المنافع وتجري الوصية فيها، والمعنى هو الحاجة.
يشملها أي يشمل المنفعة والغلة، وإن كان لا مال له غيره خدم الورثة يومين والموصى له يومًا أي أبدًا إذا كانت الوصية بخدمة العبد مطلقة غير مؤقتة.
وأما إذا أوصى بخدمة عبده سنة من غير تعيين السنة والعبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإن العبد يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين إلى ثلاث سنين، فإذا مضى ثلاث سنين تم وصية الموصى له بالخدمة.
وحاصل ذلك أنه إذا أوصى لرجل بخدمة عبده سنة ولا مال له غيره فهو على وجهين؛ إما أن تكون السنة بعينها بأن قال: أوصيت بخدمة هذا العبد لفلان [سنة] (^١١) سبعين وأربعمائة؛ أو كان بغير عينها بأن لم يقل سنة كذا.
_________________
(١) في (أ): وعلى قول أبي ليلى؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): الوصي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (أ) و(ب): له؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): فتتصل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): صاحبه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ب): بالعين؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٨١).
(٩) ينظر: البناية (١٣/ ٤٨٣).
(١٠) في (أ): لا يجوز؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
(١١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٨٢ ]
وكل وجه من ذلك على وجهين؛ إما إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج؛ فإن كانت في سنة بعينها ومضت تلك السنة بعينها قبل موت الموصي بطلت الوصية.
وإن مات الموصي بعد ما مضى من تلك السنة التي عينها بعضها أو مات قبل دخول السنة ينظر إن كان العبد يخرج من ثلث ماله أو لا يخرج، ولكن أجازت الورثة فإنه يسلم العبد إلى الموصى له حتى يستوفي وصيته؛ وإن كان لا يخرج ولم تجز الورثة فإن العبد يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين (^١) حتى تمضي السنة التي عينها فإذا مضت يسلم العبد للورثة؛ وإن كانت السنة بغير عينها إن كان العبد يخرج من ثلث المال أو لا يخرج وقد أجازت الورثة يسلم العبد إلى الموصى له حتى يستخدمه سنة كاملة ثم يرد إلى الورثة؛ وإن كان العبد لا يخرج من ثلث ماله ولم تجز الورثة فإنه يخدم الموصى له يومًا والورثة يومين إلى ثلاث سنين كذا في المغني (^٢) (^٣).
فصيرناه إلى المهاباة أي المناوبة (^٤) بالأزمان فكان هذا على خلاف ما لو أوصى له بغلة عبده ولا مال له غيره كان له ثلث غلته تلك السنة؛ لأن الغلة عين مال تحتمل القسمة، وإنما تنفذ الوصية في مقدار الثلث من الغلة في سنة واحدة بخلاف الخدمة فإنها لا تحتمل القسمة بالأجزاء، فكان للموصى له أن يستوفي (^٥) الخدمة بطريق المهاباة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة كما لو أوصى به كذا في المبسوط (^٦).
وفي المهاباة تقديم أحدهما زمانًا فلم تكن المهاباة في المعادلة مثل القسمة بالأجزاء فلذلك لا يصار (^٧) إلى المهاباة (^٨) إلا عند تعذر قسمة السكنى بالأجزاء؛ ولكن ليس للورثة أن يبيعوا ما في أيديهم من ثلثي الدار على ما ذكر في الكتاب.
فإن كان مات الموصى له عاد أي (^٩) الموصى به وهو العبد أو الدار.
_________________
(١) في (ب): يخدم الموصى له والورثة يومين؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): على ما ذكرنا كذا في المغني؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٣) ينظر: بَدَائِع الصَّنَائِع ٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤، العناية (١٠/ ٤٨٦).
(٤) في (ج): المبادلة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): يسبق؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٨٢).
(٧) في (ب): يعاد؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ج): الأجزاء؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٩) في (ب): إلى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٨٣ ]
إلى الورثة [أي إلى ورثة] (^١) الموصي.
استحقها أي وارث الموصى له (^٢) لأن إيجابها تعلق بالموت.
على ما بيناه من قبل أي في فصل اعتبار حالة الوصية في بيان الفرق بين جواز الإقرار وبطلان الوصية بقوله بخلاف الوصية لأنها إيجاب عند الموت.
وبين أيضًا في أوائل كتاب الوصايا في مسألة قبول الوصيّة بعد الموت بقوله: لأن أوان ثبوت حكمه بعد الموت لتعلقه به.
فاستخدمه بنفسه أي استخدم الموصى له العبد الذي أوصى بغلته بنفسه فيملك تمليكها من غيره ببدل (^٣) أو غير بدل كالاستئجار فإنه لو تملك المنفعة بالاستئجار في حال الحياة ملك الإجارة من غيره؛ فكذلك إذا تملك المنفعة بالوصية بعد الموت.
بخلاف العارية لأنها إباحة على أصله ولهذا قال: المستعير لا يملك الإعارة من غيره.
فإنها تمليك أي فإن الإعارة تمليك المنفعة بغير بدل في حال الحياة على أصلنا، حتى لو قال: ملكتك منفعة هذه الدار كانت عارية صحيحة؛ وإنما لا يتعلق بها اللزوم لكونها متعرية (^٤) عن البدل.
وكذلك الوصية إلا أن غير الموصي لا يتمكن من الرجوع بعد موت الموصي والموصى فائت لا يتصور رجوعه فيه؛ وهذا لأن المنفعة ليست بمال، وفي تمليكها بمال (^٥) إحداث معنى المالية فيها فإنما (^٦) تثبت هذه الولاية لمن يملكها تبعًا لملك الرقبة أو لمن يملكها بعقد المعاوضة حتى يكون مملكًا لها بالصفة التي تملكها؛ [فأما إذا تملكها] (^٧) مقصودة بغير عوض ثم تملكها بعوض كان مملكًا أكثر مما يملك معنى وهو لا يجوز كذا في المبسوط (^٨).
فإذا كانوا في مصره أي في مصر الموصي.
وإذا كانوا في غيره أي في غير مصر الموصي.
أو بغلَّة داره يجوز أيضًا أي كما تجوز الوصية بالخدمة، لأنه بدل المنفعة أي لأن الغلة ذكَّر الضمير الراجع إليها لتذكير الخبر وهو البدل أو بتأويل المال.
فكان بالجواز أولى أي بالنسبة إلى الخدمة، يعني أن الخدمة منفعة محضة ليست فيها شائبة العينية فلما جازت الوصية بها فلأن تجوز الوصية بالغلة التي هي عبارة عن مال عين (^٩) وهو الدراهم والدنانير بالطريق الأولى، كان (^١٠) له ثلث غلة تلك السنة يعني لو كانت الوصية بَغَلَّةِ عبده سنة لأنه عين مال يحتمل القسمة بالأجزاء [هذا احتراز عن الوصية بخدمة العبد فإن هناك لما لم تحتمل نفس العبد القسمة بالأجزاء] (^١١) صرنا إلى قسمة استيفاء الخدمة بطريق المهاباة إلى أن يكون ما يستوفيه خدمة سنة كاملة على ما ذكرنا من استخدامه ثلاث سنين فيما إذا كانت السنة غير معينة؛ وأما الغلة فهي عين مال يحتمل القسمة، ولذلك قسمناها بالأجزاء لا بالمهاباة عطفًا منه لأحدهما على الآخر لأنه عطف قوله لآخر برقبته بالواو على قوله أوصى له بخدمة عبده؛ وما أوجب لكل واحد منهما بطريق العطف يحتمل الوصية بانفراده، فبعطف إحدى الوصيتين على الأخرى لا يتحقق بينهما مشاركة فيما أوجبه لكل واحد منهما؛ ثم بما صحت الوصية لصاحب الخدمة [لو لم يوص في الرقبة بشيء لصارت الرقبة ميراثًا للولد مع كون الخدمة للموصى له فكذلك إذا أوصى بالرقبة لإنسان آخر] (^١٢) لأن الوصية قياس الميراث من حيث أن الملك يثبت بهما بعد الموت كذا في المبسوط (^١٣).
_________________
(١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): الوارث الموصى له؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): من غير سؤال؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (أ): متغيرة؛ وفي (ج): منصرفة؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): مال؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): قائمًا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٨٣).
(٩) في (ج): محض عين؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) في (ب): لكان؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٨٤).
[ ٢٥ / ١٨٤ ]
فإن قلت: فعلى من تكون النفقة في هذه الصورة.
قلتُ: قال الإمام التمرتاشي: ولو أوصى لرجل بدار ولآخر بسكناها فالنفقة على صاحب السكنى لأن المنفعة تحصل له، ونفقة العبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر على صاحب الخدمة؛ فإن مرض إن لم يستطع معه الخدمة فعلى الموصى له برقبته؛ وإن استطاع فعلى صاحب الخدمة وهكذا قالوا في المرأة إذا مرضت إن لم يمكن الانتفاع بها بوجه ما لا نفقة لها وإلا فلها النفقة.
وذكر في المبسوط ونفقة العبد وكسوته على صاحب الخدمة لأنه إنما يتمكن من استخدامه إذا أنفق عليه فإن العبد لا يقوى [على الخدمة] (^١) إلا بذلك وهو أحق بخدمته فيلزمه نفقته كالمستعير، فإنه ينفق على المستعار وينتفع به؛ وإن أبى أن ينفق رَدَّهُ على صاحبه فهذا كذلك أيضًا؛ فإن كان أوصى بخدمة عبد صغير (^٢) لإنسان وبرقبته لآخر وهو يخرج من الثلث فنفقته على صاحب الرقبة حتى يدرك الخدمة، فإذا خدم صارت نفقته على صاحب الخدمة لأن بالنفقة عليه في حالة الصغر تنمو العين والمنفعة في ذلك لصاحب الرقبة؛ وإذا صار بحيث يخدم فهو بالنفقة (^٣) يتقوى على الخدمة والمنفعة في ذلك لصاحب الخدمة فلهذا كانت النفقة عليه؛ ثم نفقة المملوك على المالك باعتبار الأصل إلا أن يصير معدًّا لانتفاع الغير به فحينئذٍ تكون النفقة على المنتفع كالمولى (^٤) إذا زوج أَمَته ولم يبوّأها بيتًا كانت نفقتها على المولى، فإن بوّأها مع الزوج بيتًا كانت نفقتها على الزوج.
وإذا جنى العبد [الموصى] (^٥) بخدمته ورقبتِه جنايةً فالفداء على صاحب الخدمة لأن فيما هو المقصود بالعبد (^٦) وهو الاستخدام هو المختص به كالمالك؛ وبالفداء تسلم الخدمة له ولا يسلم لصاحب الرقبة شيء في الحال؛ فإذا فداه خدمه على حاله لأنه طهره من الجناية من حيث أن الملك يثبت فيهما أي في الوصية والميراث.
القوصرة بالتخفيف والتشديد وعاء التمر يتخذ من قصب.
ولا شيء لصاحب الظرف أي للموصى له بالأَمَة والخاتم والقوصرة.
_________________
(١) ساقطة من (ب)؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ج): معروف؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ب): بالرقبة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ب): تكون النفقة على المولى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): بالعقد؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٨٥ ]
في المظروف أي في الولد والفص والتمر؛ أما إذا فصل أحد الإيجابين عن الآخر فيها فكذلك الجواب عند أبي يوسف: أي كان كما أوصى ولا شيء لصاحب الظرف في المظروف.
وكذلك في أخواتها، والصواب في أختيهما وهو الخاتم مع الفص والقوصرة مع التمر لا غير.
بخلاف العبد مع الخدمة فإن الخدمة لا تنتصف بينهما بالاتفاق على ما أشار إلى هذا في الكتاب بقوله كما في وصية الرقبة.
والخدمة أي لا حظ لصاحب الرقبة في الخدمة بالاتفاق وإن كان ذكر ذلك في كلام (^١) مفصول؛ ويحتمل أنه إنما جمع الأخوات باعتبار الأجزاء في المسألتين وهي الخاتم والفص والقوصرة والتمر كما في وصية (^٢) الرقبة والخدمة فإن هناك المفصول والموصول سواء في الحكم أي للمفصول حكم الموصول، ثم تأخير تعليل محمد عن تعليل أبي يوسف: في الكتاب.
وفي المبسوط ذكر جواب محمد: عما قاسه أبو يوسف: من وصية الرقبة والخدمة، وإطلاق الرّواية والتعليل على مذهب محمد: من غير ذكر خلاف أحد في أصول الفقه لشمس الأئمة وفخر الإسلام: كل ذلك دليل على أن المعوَّل عليه والمأخوذ به قول محمد:.
قوله بخلاف الخدمة مع الرقبة يعني لو أوصى برقبة العبد لإنسان وبخدمته لآخر كان كما أوصى وإن كان في كلام مفصول، ولا يكون للموصى له بالرقبة من الخدمة شيء، إنما كان هكذا لأن اسم الرقبة لا يتناول الخدمة بخلاف ما نحن فيه فإن الخاتم يتناول الحلقة والفص جميعًا؛ واسم الجارية يتناولها وما في بطنها، واسم القوصرة (^٣) كذلك كذا في المبسوط (^٤).
والدليل على الفرق (^٥) أيضًا أن في فصل الخدمة والسكنى والغلة لو رد صاحب الوصية بالخدمة والسكنى والغلة أو مات (^٦) قبل موت الموصي تكون الخدمة والسكنى والغلة ملكًا لصاحب الأصل ولا يعود إلى الورثة لأنه انعدم المانع وقد حصل على ملكه فيكون له.
وأما في فصل الولد والفص ونحوه لو رد صاحب الوصية (^٧) بالجارية الولد وكذلك [في الفص والتمر يكون الولد ونحوه للورثة ولا يكون لصاحب الأصل.
_________________
(١) في (أ): كلامهم؛ وما أثبت من (ب) و(ج) قريب منه.
(٢) في (ب): قضية؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): القوسرة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٨٤).
(٥) في (أ): العرف؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): ومات؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (أ): لو رده لصاحب الوصية؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٨٦ ]
وكذلك] (^١) إذا مات الموصى له بالولد قبل موت الموصي؛ والدليل على الفرق (^٢) بينهما أيضًا فصل الاستثناء فإنه لو أوصى بالجارية واستثنى ولدها أو أوصى بالخاتم واستثنى فصه أو أوصى بالدار واستثنى بناءها صح الاستثناء ويكون المستثنى للورثة.
ولو أوصى بالعبد واستثنى الخدمة أو بالدار واستثنى السكنى أو بالبستان واستثنى الغلة المعدومة فإنه لا يصح الاستثناء فكذلك في التخصيص.
والمعنى ما ذكرنا في أصل الباب أن من شرط [صحة] (^٣) التخصيص والاستثناء (^٤) أن يكون صدر الكلام متناولًا للمخصوص والمستثنى كذا في زيادات صاحب الهداية (^٥).
ومن أوصى لآخر بثمرة بستانه ثم مات وفيه ثمرة فله هذه الثمرة.
وإنما قيد بقوله: وفيه ثمرة لأنه إذا لم يكن في البستان ثمرة والمسألة بحالها فمسألة الثمرة كمسألة الغلة في أنه تتناول الثمرة المعدومة ما عاش الموصى له كما في مسألة الغلة كذا في المبسوط (^٦).
وحاصل مسائل الباب على أوجه في وجه يقع على الموجود (^٧) والحادث ما عاش الموصى له ذكر الأبد أو لا؛ وهو أن يوصي بغلة بستانه أو أرضه أو سكنى داره أو خدمة عبده لأن الغلة كما تتناول الموجود تتناول ما يكون بِعُرضِ الوجود (^٨) في العرف؛ يقال: لفلان غلة هذه الدار يراد به ما يدخل في ملكه في المستقبل ويعتبر خروجه من الثلث.
وفي وجه يقع على الموجود دون الحادث ذكر الأبد أو لا؛ وهو أن يوصي بالصوف على ظهر غنمه والولد في بطن جاريته واللبن في الضرع لأن المعدوم من هذه الأشياء لا يستحق بعقد ما.
وفي وجه أن ذكر الأبد يقع على الموجود والحادث كالوصية بثمرة بستانه؛ وإن لم يذكر الأبد فإن كانت الثمرة وقت الموت موجودة تتناولها وإلا فالقياس أن تبطل الوصية.
وفي الاستحسان يقع على الحادث إلى أن يموت الموصى له كذا ذكره الإمام التمرتاشي (^٩).
_________________
(١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (أ): العرف؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): الاستيفاء؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٥) ينظر: كشف الأسرار (١/ ٢٩٣).
(٦) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢)، البناية (١٣/ ٤٩١).
(٧) في (ب): يمتنع الموجود؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب؛ وبه يسقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٨) في (ب): الموجود؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٩) ينظر: حاشية الشلبي (٦/ ٢٠٤)، العناية (١٠/ ٤٩١).
[ ٢٥ / ١٨٧ ]
قوله: والفرق أي بين الثمرة والغلة يعني أن الوصية بالثمرة إنما تتناول الثمرة المعدومة إذا كانت الدلالة الزائدة مقرونة بها كذكر الأبد.
وأما الوصية بِالْغَلَّة فتتناول الغلة المعدومة وإن لم يكن ذكر الأبد مقرونًا بها.
وذكر في المبسوط (^١) وإنما كان هكذا لأن اسم الغلة حقيقة للموجود والحادث جميعًا؛ وأما اسم الثمرة فللموجود حقيقة ولا يتناول الحادث إلا مجازًا، فإذا أوصى له بثمرة بستانه ولم يقل: أبدًا فإن كان في البستان (^٢) ثمرة حين يموت الموصي فإنه يستحق الموصى له تلك الثمرة ولا حق له فيما يحدث بعدُ؛ لأن اللفظ إذا صار مستعملًا في حقيقة ينتفي المجاز عنه.
وإذا لم يكن في البستان ثمرة عند موت الموصي فلم يستعمل اللفظ في حقيقته فيجب استعماله في المجاز ويكون له ما يحدث من الثمار ما عاش بمنزلة الغلة.
وفرق آخر بين الغلة والثمرة فهو أن الموصى له بالغلة إذا مات بطلت وصيته بخلاف الثمرة إذا ظهرت وصارت لها قيمة ثم مات الموصى له بالثمرة أنها تصير لورثة الموصى له؛ لأنه عين مال كذا ذكره الإمام التمرتاشي (^٣).
وذكر في المبسوط وفي الوصية بالثمرة إذا استحق الحادث ثم مات الموصى له فإن مات قبل أن تحدث الثمرة بطلت وصيته لأن الثابت له حق الاستحقاق وذلك لا يورث عنه؛ وإن كان موته بعدما أثمر البستان فتلك الثمرة لورثته لأن ذلك العين صار مملوكًا له فيخلفه (^٤) وارثه فيه.
ألا ترى أنه لو كان باعه في حياته وأخذ ثمنه جاز بيعه وكان الثمن لورثته بعد موته، ثم في البستان السقي والخراج وما فيه صلاحه على صاحب الغلة لأنه هو المنتفع بالبستان فصار هو كالنفقة في فصل (^٥) الخدمة.
وهذا بخلاف ما تقدم أي الوصية بصوف الغنم ونحوه على خلاف الوصية بثمرة البستان والوصية بالغلة فإن الوصية فيهما عند ذكر التأبيد تتناول الموجود والحادث؛ والوصية بصوف الغنم (^٦) ونحوه لا تتناول الحادث وإن ذكر التأبيد؛ والفرق وهو أن القياس في الثمرة والغلة أن لا يستحق إلا الموجود (^٧) عند موته كما في الأولاد؛ لأنه إنما يُمَلِّكه بالوصية ما هو مملوك للموصي والعين الحادث بعد موته لا يكون مملوكًا فلا يستحقه الموصى له ولكنه استحسن فقال: الثمار التي تحدث يجوز أن تستحق بإيجابه بعقد من العقود كالمعاملة على قول من يجيزها.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٢).
(٢) في (ج): الموصى به؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
(٣) ينظر: حاشية الشلبي (٦/ ٢٠٤).
(٤) في (أ): فيجعله؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): فضل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): والوصية بالغلة والوصية بصوف الغنم؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (أ) و(ب): ألا يستحق الموجود؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٨٨ ]
فكذلك يجوز استحقاقها بالوصية عند التنصيص على التأبيد لأن الوصية أوسع العقود جوازًا بخلاف ما في البطن فإن ما يحدث لا يجوز استحقاقه بشيء من العقود والوصية نوع من العقود، أو نقول أن القياس في مسألة الصوف واللبن والولد أن يستحق الموجود والحادث عند التنصيص على التأبيد لأن المحل الذي يحدث منه هذه الزوائد يجعل مبقى على ملك الميت حكمًا لاستعماله بوصيته، والوصية فيما يحدث منها يصير كالمضاف إلى حالة الحدوث فصح ذلك كما في الثمار؛ ولكنه استحسن فقال: ما في بطون الحيوان ليس في وسع البشر إيجاد ماليس بموجود منه فلا يصح إيجابه للغير بشيء من العقود بخلاف الثمار؛ فإن لصنع العباد تأثيرًا في إيجاده ولهذا جاز عقد المعاملة وهي شركة في الخارج فيصح إيجاب الوصية فيما يحدث منه عند التنصيص على التأبيد؛ والدليل على الفرق أنه لو أوصى بيد عبده لإنسان أو رِجْل شَاتِهِ لم تصح الوصية.
ولو أوصى له بقوائم الخلاف أو سعف النخل صحت الوصية، وكان الفرق هذا هو أن سعف النخل وإن كان وصفًا للنخل فإنه يحتمل التمليك ببعض العقود بخلاف أطراف الحيوان، فإذا ظهر هذا الفرق فيما هو موجود منهما فكذلك فيما يحدث كذا في المبسوط (^١).
أما الولد المعدوم وأختاه وهما الصوف واللَّبَنُ؛ كذا في المبسوط (^٢).
والله أعلم.
* * *