إنما أخر هذا الباب عما تقدمه لأن في هذا الباب ذكر أحكام وصية لقوم مخصوصين؛ وفيما تقدمه ذكر أحكام الوصايا على وجه العموم؛ والخصوص أبدًا يتلو العموم وجودًا فكذا ذكرًا وذلك عند اتحاد المسجد، وإذا اختلف المسجد زال الاختلاط؛ وما يُروى فيه ضعيف وهو ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الجار أربعون دارًا هكذا وهكذا وهكذا» (^٧)، وهذا خبر لا يعرف، وقد طُعِن في راويه مع ذلك كذا في شرح الأقطع (^٨).
_________________
(١) في (أ): الأحكام؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب) و(ج): بقي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٣).
(٤) في (أ) و(ب): الوصي؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٣).
(٦) قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَحَجُّوا عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَلَدِهِ يَحُجُّ رَاكِبًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ تَعَالَى الْحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ، وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ بَلَدِهِ، وَالْوَصِيَّةُ لِأَدَاءِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: رَاكِبًا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَانْصَرَفَ إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٢٩)، العناية (١٠/ ٤٧٢)، البناية (١٣/ ٤٥٨).
(٧) روى الطبراني عن كعب بن مالك﵁قال: أتى رسولَ الله - ﷺرجلٌ … فبعث رسولُ الله - ﷺأبا بكر وعمر وعليًا ن يأتون المسجد، فيقومون على بابه فيصيحون «ألا إن أربعين دارًا جار …». وهذا الحديثُ ضعَّفَه الحافظُ ابنُ حجر في "فتح الباري" (١٠/ ٥٤٨)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه "يوسف بن السَّفر" وهو متروك. ا. هـ مجمع الزوائد" ٨/ ١٦٩. ويوسف هذا قال عنه النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك يكذب، وقال ابن عدي: روى بواطيل، وقال البيهقي: هو في عداد من يضع الحديث، وقال أبو زرعة وغيره: متروك. اهـ من "ميزان الاعتدال" ٦/ ١٤٠. وفيه حديثٌ آخر في المعنى نفسِه وهو "حق الجوار إلى أربعين دارًا هكذا وهكذا يمينا وشمالًا وقدَّام وخلف" قال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن شيخه محمد بن جامع وهو ضعيف. اهـ "مجمع الزوائد" ٨/ ١٦٨.
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٥).
[ ٢٥ / ١٦٥ ]
ويستوي فيه الساكن والمالك قال محمد: في الزيادات (^١) (^٢): وينبغي على قياس قول أبي حنيفة: أن يدخل السكان تحت الوصية من الجيران المتلازقين وإن كانوا لا يملكون المسكن، ومن كان مالكًا ولم يكن ساكنًا لا يدخل.
قال أبو بكر بن شاهويه (^٣): فهذه كرحم أبيه من محمد في مذهب أبي حنيفة وليس كذلك فإنه بنى هذا الحكم على استحقاق الشفعة للملاك دون السكان كذا في المغني (^٤).
ويدخل فيه العبد الساكن لإطلاقه ولا يدخل عندهما لأن الوصية لو (^٥) ثبتت لكان الاستحقاق للمولى [والمولى] (^٦) ليس بجار؛ فأما المكاتبون فيدخلون لأن الاستحقاق يثبت لهم؛ والأرملة تدخل لأن سكناها مضاف إليها؛ والتي هي ذات بعل لا تدخل لأن سكناها غير مضاف إليها فلم تكن جارًا حقيقة كذا في الذخيرة (^٧) والإيضاح (^٨).
ومن أوصى لأصهاره أي لأقرباء امرأته؛ وفي الصحاح (^٩) الأصهار أهل بيت المرأة وإن كانت في عدة من طلاق [بائن] (^١٠) لا يستحقها، وإن كانت ترث منه بأن كان الطلاق في حالة المرض كذا في المغني (^١١).
ومن أوصى لأقاربه (^١٢) فهي للأقرب فالأقرب إلى أن قال: وقالا: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام؛ وهذا كان في زمن محمد: فإن في زمنه ما كان في أقرباء الإنسان الذين ينسبون إليه إلى أقصى أب له في الإسلام كثرة؛ فأما في زماننا ففيهم كثرة لا يمكن إحصاؤهم فتصرف الوصية إلى أولاد أبيه (^١٣) وجده وجد أبيه وأولاد أمه وجدته وجد أمه؛ ولا تصرف إلى أكثر من ذلك كذا كان بخط شيخي: محالًا إلى بعض شروح المشائخ للمبسوط (^١٤).
_________________
(١) سبق ص ١٤١.
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٥، ٤٧٦).
(٣) هو: محمد بن أحمد بن علي بن شاهويه أبو بكر القاضي الشاهويه الفارسي سمع أبا خليفة الجمحي ويحيى بن زكريا الساجي روى عنه الحاكم أبو عبد الله ومات بنيسابور سنة إحدى وستين وثلاثمائة وردها رسولا جمع بين الفقه وعلم الحساب. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ١٨).
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٦).
(٥) في (ج): لم؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ٢٠٠)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٨٠٥).
(٨) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ٢٠٠)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٨٠٥).
(٩) في (أ): الصحيح؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ٢٠٠)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٨٠٥)، العناية (١٠/ ٤٧٦).
(١٢) من أوصى لأقربائه، فالوصية عند أبي حنيفة للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه، سواء المسلم والكافر والصغير والكبير، ولا يدخل فيهم الوالدان والولد؛ لأنهم لا يسمون أقارب ويكون ذلك لاثنين فصاعدا، لأن الوصية أخف من الميراث، وفي الميراث يعتبر الأقرب فالأقرب، والمقصد من هذه الوصية تلافي ما فرط في إقامة واجب الصلة وهو يختص بذي رحم محرم. وقال الصاحبان: أبو يوسف ومحمد: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام وهو أول أب أسلم أو أول أب أدرك الإسلام وإن لم يسلم، لأن القريب منشق من القرابة، فيكون اسما لمن قامت به. ونص الحنفية على أنه لو أوصى لذوي قرابته أو قراباته أو لأنسبائه أو لأرحامه أو لذوي أرحامه فلها نفس الحكم. -وقال المالكية: يختص ذلك بأقارب أبيه غير الورثة، إن كان له ذلك، وإن لم يكن دخل في الوصية أقارب أمه. -وقال الشافعية: يدخل في ذلك كل قرابة له، وإن بعدت، عملا بعموم اللفظ مسلما كان أو كافرا، غنيا أو فقيرا، إلا الأصل (الأب والأم فقط) والفرع (أولاد الصلب فقط) فلا يدخلان في الأصح عندهم ولا يسمون أقارب عرفًا. ينظر: تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠/ ٤٧٧، والبدائع ٧/ ٣٤٨، وتبيين الْحَقَائِق ٦/ ٢٠١، الشَّرْح الصَّغِير ٤/ ٥٩١، ٥٩٢، مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣/ ٦٣، كَشَّاف الْقِنَاع ٤/ ٣٦٤، ٢٨٧.
(١٣) في (أ): ابنه؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٤) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ٢٠١)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٥٠٨).
[ ٢٥ / ١٦٦ ]
وقوله: فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه إلى آخره (^١).
وحاصله أن عند أبي حنيفة في هذه المسألة يشترط ستة أشياء:
أحدها: أن يكون المستحق بهذا اللفظ ذا رحم محرم من الموصي.
والثاني: أن ذلك لا يتفاوت من قبل الآباء والأمهات.
والثالث: يجب أن يكون (^٢) ممن لا يرثه.
والرابع: أن يقدم الأقرب فالأقرب.
والخامس: أن يكون المستحق به اثنين فصاعدًا.
والسادس: أن لا يدخل فيه الولد والوالد، إلى هذا أشار في المبسوط (^٣)؛ ثم ذكر فيه وعندهما ذو الرحم المحرم وغير ذي الرحم سواء بل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام يستوون في الاستحقاق.
وفي بيان هذا اللفظ على قولهما وجهان أحدهما: أقصى أب له أسلم.
والثاني: أن من يناسبه إلى أقصى أب أدرك الإسلام يدخل في هذه الوصية سواء أسلم أو لم يسلم؛ وتفاوت ما بين القولين أن الموصي إذا كان عَلَويًّا (^٤) فعلى القول الأول أقصى الأب هو علي﵁فلا يدخل في الوصية أولاد عقيل وجعفر.
وعلى الطريق الثاني: أقصى الأب هو أبو طالب لأنه أدرك الإسلام وإن لم يسلم فيدخل فيه أولاد عقيل وجعفر وإلى هذا أشار في الأصل (^٥) (^٦).
وقال: كل أب يجمعهم منذ كان الإسلام؛ وجه قول أبي حنيفة: أن مقصوده بهذه الوصية صلة القرابة وقرابة ذي الرحم المحرم يفرض وصلها وإذا تجرد الرحم عن المحرمية لا يفرض وصلها، وما ليس بفرض لا يكون مزاحمًا للفرض، وبالإجماع يتناول هذا اللفظ ذا الرحم المحرم؛ والدليل على صحة هذه القاعدة حرمة الرجوع في الهبة والعتق عند دخوله في ملكه واستحقاق النفقة؛ فإنه يختص ذو الرحم المحرم؛ يقرره أن قرابة ذي الرحم الذي ليس بمحرم ثابت من وجه؛ فإن في حرمة المناكحة والأحكام التي بينا هم كالأجانب، وفي حكم الميراث (^٧) تعتبر قرابتهم؛ والثابت من وجه دون وجه لا يدخل في الاسم (^٨) المطلق كما أن اسم الصلاة عند الإطلاق لا يتناول صلاة الجنازة؛ واعتبار الأقرب فالأقرب لأن الصلة في حق الأقرب أوجب، والوصية أخت الميراث على معنى أنه يتعلق استحقاق المال فيهما بالموت ثم في الميراث يقدم الأقرب فالأقرب فكذلك في الوصية؛ واشتراط كون الأقرب غير وارث (^٩) له لأن مقصود الموصي تصحيح وصيته ولا وصية للوارث شرعًا؛ واعتبار المثنى فصاعدًا لأن اللفظ لفظ الجمع ولفظ الجمع في الميراث يتناول المثنى فصاعدًا.
_________________
(١) قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ فَهِيَ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْوَالِدَانِ وَالْوَلَدُ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ: الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يُنْسَبُ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ). ينظر: الهداية (٤/ ٥٣٠)، العناية (١٠/ ٤٧٧)، البناية (١٣/ ٤٦٦).
(٢) في (ج): أن لا يكون؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٥٥).
(٤) في (ب): أن المسلم إذا كان علويًا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٥) في (ب): وإلى هذا الأصل أشار في الأصل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٧، ٤٧٨)، البناية (١٣/ ٤٦٩)، الأصل (٥/ ٤٣٠).
(٧) في (أ): الموت؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (أ): الأهم؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): فالأقرب؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٦٧ ]
بخلاف ما إذا أوصى لذي قرابته، فصيغة (^١) اللفظ هنا تتناول الواحد فصاعدًا وإنما لا يدخل الواحد (^٢) فيه عندنا خلافًا للشافعي:؛ والقياس ما ذهب إليه فإن من اتصل بالمرء بغير واسطة يكون أقرب إليه ممن يتصل بواسطة، ولكنا نقول: إن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين فقال: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٣) وإنما يعطف الشيء على غيره؛ ثم من حيث العرف (^٤) العاقل لا يقول لوالده هو قريبي، ومن قال ذلك ينسب إلى السفه ويعد عقوقًا منه، فعرفنا أن القريب في لسان الناس من يتقرب إلى غيره بواسطة، والولد يتقرب إليه بغير واسطة كالأب فلا يدخل واحد منهما في هذه الوصية كذا في المبسوط (^٥).
و[لا] (^٦) معتبر بظاهر اللفظ بعد (^٧) انعقاد الإجماع على تركه، هذا جواب عن قولهما أن القريب مشتق من القرابة فيكون اسمًا لمن قامت به.
وذكر في شرح الأقطع ههنا سؤالًا وجوابًا فقال، فإن قيل، تساوَوْا (^٨) في سبب الاستحقاق وهو اسم القرابة فوجب أن يتساووا في الاستحقاق أصله [إذا أوصى] (^٩) لبني فلان؛ الجواب أن تعلق الاستحقاق بالاسم يخالف الإجماع لأن أبا حنيفة: اعتبر الأقرب، وأبو يوسف ومحمد (^١٠): اعتبرا من ينسب إلى أقصى أب في الإسلام، والشافعي اعتبر من ينسب إلى الأب الأقرب الأدنى وما خالف الإجماع لا يصح.
وإذا أوصى لأقاربه وله عمَّان وخالان فإن كان له ولد يحرز ميراثه فالثلث لعميه عند أبي حنيفة: لأنهما أقرب إليه من الخالين.
ألا ترى أنهما في الميراث يتقدمان على الخالين، وأن بالعمومة يستحق العصوبة وأقوى ما يستحق بالقرابة العصوبة.
وفي قول أبي يوسف ومحمد: الخالان والعمان في الثلث سواء؛ ولو ترك عمًّا وخالين فللعم نصف الوصية والنصف للخالين؛ لأنه لابد من اعتبار معنى الجمع وهو الاثنان في الوصية يعني لو كان العم اثنين كان لكل واحد منهما النصف فكذا إذا انفرد كان له النصف أيضًا.
_________________
(١) في (ج): فيمنعه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب) و(ج): الوالد؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٣) سورة البقرة: ١٨٠.
(٤) في (أ): الفرق؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٥٥)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٩٧)، البناية (١٣/ ٤٦٨).
(٦) ساقطة من (ب)؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (أ): بغير؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (أ): ساقط؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (ب)؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) في (ج): وأبو محمد ويوسف؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٦٨ ]
فإن قلت: في هذا التقدير يلزم أن يجعل عدم المزاحم بمنزلة المزاحم.
قلت (^١): إذا كان معه عم آخر كان له النصف فكذا إذا لم يكن معه عم آخر كان له النصف أيضًا فحينئذٍ كان لقائل أن يقول: إذا كان له عم واحد كان له الثلث لأنه إذا كان معه عمان (^٢) كان له الثلث فكذا إذا لم يكن معه غيره؛ وكذلك يجب أن يكون له الربع أو الخمس عند الانفراد على تقدير أن يكون معه (^٣) ثلاثة أعمام أو أربعة أعمام، وكذلك فيما وراء ذلك ولا يقول به أحد؛ قلتُ: لا يلزم ذلك لأن اعتبار الجموع كلها من الثلاثة والأربعة وغيرها ساقط لتعذر اعتبارها، فتعين أدنى الجموع المستعمل فيه وأدنى الجموع في الوصية والميراث الاثنان، فاعتبر هو وما وراءه لم يعتبر؛ وهذا لأن نقصان حقه عن النصف باعتبار المزاحمة وعدم المزاحمة إذا لم يكن معه غيره أظهر من عدمها إذا كان معه آخر؛ فإذا أخذ العم النصف صار كأن لم يكن فيكون الباقي من الثلث للخالين، وفي قولهما الثلث بينهم أثلاث إلى هذا أشار في المبسوط (^٤).
فله نصف الثلث لما بينا أراد قوله لأنه لابد من اعتبار معنى الجمع وهو الاثنان إلى آخره (^٥).
وهي أقوى أي قرابة العمومة أقوى من قرابة الخؤولة والأنسباء في جميع النسب (^٦) كالأنصباء في جميع النصب (^٧).
وقالا: يتناول كل من يعولهم وتصيبهم (^٨) نفقته، ولكن لا يدخل تحت هذه الوصية مماليكه وإن كان يصيبهم نفقته كذا في المغني (^٩).
_________________
(١) في (أ): حيث قلت؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (أ): عمًا؛ وفي (ب): لأنه إذا معه عمان كان له عمان؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): له؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٨).
(٥) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْجَمِيعِ وَهُوَ الِاثْنَانِ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِذِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ لِلْعَمِّ كُلُّ الْوَصِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْفَرْدِ فَيُحْرِزُ الْوَاحِدُ كُلَّهَا إذْ هُوَ الْأَقْرَبُ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٣٠، ٥٣١)، العناية (١٠/ ٤٧٨)، البناية (١٣/ ٤٦٩).
(٦) في (ب): النسيب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٧) في (ب): النصيب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٨) في (ب): ويضمهم؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٩) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ٢٠١)، العناية (١٠/ ٤٧٩)، البناية (١٣/ ٤٧٠).
[ ٢٥ / ١٦٩ ]
لأن الإنسان يتجنس بأبيه لأن الجنس عبارة عن النسب، والأنساب إنما تكون من جنس قوم أبيه لا من جنس قوم أمه؛ فإن إسماعيل - ﷺ - كان من هاجر وكان من جنس قوم أبيه؛ وإبراهيم﵁ابن رسول الله - ﷺ - كان من جنس قريش؛ وأولاد الخلفاء من الإماء يصلحون للخلافة فعلمنا أنهم يدخلون في هذا اللفظ دون عشيرة الأم كذا في المبسوط (^١). ولو أوصى لأيتام بني فلان فاليتيم اسم لصغير مات أبوه لقوله النبي - ﷺ -: «لا يتم بعد الحلم» (^٢)؛ ولأن اليتيم عبارة عن الانفراد يقال: درة يتيمة أي لا نظير لها فهي منفردة؛ فمن انفرد عمن يربيه في حال حاجته إلى التربية كان يتيمًا، وبعد البلوغ قد استغنى عمن يربيه لقدرته على القيام بمصالح نفسه فلا يسمى يتيمًا.
فإن قيل: أليس أن الكفار كانوا يسمون رسول الله - ﷺ - يتيم أبي طالب.
قلنا: هذا لطف من الله تعالى لنبيه فإنهم كانوا يسبون اليتيم وهو ليس بيتيم، فلا يتناوله بسبهم كما كانوا يسمونه مذممًا ويسبون المذمم، ولا يتناوله لأنه كان محمدًا، ثم يدخل فيه الغني والفقير ههنا لتحقق معنى اليتم في الفريقين كذا في وصايا الجامع الكبير (^٣) لشمس الأئمة السرخسي:.
وقوله: وإن كانوا قومًا يحصون دخل في الوصية فقراؤهم وأغنياؤهم؛ وإن كانوا لا يحصون فالوصية للفقراء منهم؛ ثم حد الإحصاء عن أبي يوسف: أن لا يحصوا الانكباب وحساب لهم لا يحصون.
وقيل: إذا كان لا يحصيهم المحصي حتى يلد فيهم مولودًا ويموت فيهم أحد فإنهم لا يحصون؛ وقال محمد: إذا كانوا أكثر من مائة فإنهم لا يحصون؛ وقال بعضهم: فهو مفوض إلى رأي القاضي وعليه الفتوى؛ والأيسر ما قاله محمد: كذا في فتاوى قاضي خان: (^٤).
أو لأيامى بني فلان وهم لا يحصون حيث تبطل الوصية.
فإن قيل: كيف فرق بين الأرامل والأيامى في حق الاسم والحكم المرتب عليهما حيث جعل الأرامل من أسماء الحاجة؛ وعدم الإحصاء فيهم غير مانع لصحة الوصية لهم؛ ولم يجعل الأيامى من أسماء الحاجة وجعل عدم الإحصاء فيهم مانعًا لصحة الوصية مع أن الأيم والأرملة اسمان مترادفان لامرأة لا زوج لها في اللغة.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٤٧٩)، البناية (١٣/ ٤٧٢).
(٢) أخرجه أبو داود في (سننه) كتاب الوصايا باب ما جاء متى ينقطع اليتم، (٣/ ١١٥ رقم الحديث: ٢٨٧٣)، والبيهقي في (السنن الكبرى) كتاب الحجر باب البلوغ بالاحتلام، (٦/ ٩٤ رقم الحديث: ١١٠٣٩). قال الألباني في (إرواء الغليل) (٥/ ٧٩): صحيح.
(٣) ينظر: شرح السير الكبير (١/ ٢١٠٥).
(٤) ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ١٤٤).
[ ٢٥ / ١٧٠ ]
قلتُ: نعم كذلك وهما وإن كانا اسمين مترادفين لامرأة لا زوج لها استعمالًا ولكن في أصل ما يرجع إليه اشتقاقهما يفترقان؛ فاختلاف الحكم المبني عليهما كان بسبب اختلاف مرجعهما (^١) إلى ذلك الأصل.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي: في الجامع الكبير: ولو أوصى بثلث ماله لأرامل بني فلان وهم يحصون أو لا يحصون فالوصية (^٢) جائزة؛ لأن في الحقيقة معنى هذا الاسم ما ينبيء (^٣) عن الحاجة؛ يقال أرمل القوم إذا نفد ما عندهم من الزاد فصاروا محتاجين ثم قال: الأرامل للنساء خاصة دون الرجال؛ وقال الشافعي (^٤) يدخل فيه النساء والرجال ولكنا نقول: يتناول النساء خاصةً؛ لأن معنى مفارقة الزوج في هذا اللفظ معتبر فإن من لم تتزوج لا تسمى أرملة؛ ونفقة الزوجات على الأزواج شرعًا فالمرأة إذا فارقها زوجها نفد (^٥) ما كان لها من النفقة بهذه المفارقة تسمى أرملة؛ وأما الرجل فلم ينفد زاده بهذه الفرقة إذ ليس له عليها (^٦) شيء من الزاد فلا يكون أرمل؛ ثم الأرامل من النساء البالغة (^٧) التي كان لها زوج ففارقها أو مات عنها سواء دخل بها أو لم يدخل وهي محتاجة لما بينا أن حقيقة المعنى فيه نفاد زادها بسقوط نفقتها عن زوجها.
ثم قال: ولو أوصى بثلث ماله لأيامى بني فلان وإن كن لا يحصون فالوصية باطلة؛ لأنه ليس في الاسم ما ينبئ عن الحاجة، فالتأيم هو البعد عن الزوج، وإذا لم يكن فيه ما ينبيء عن الحاجة تعذر إدخال الكل في الوصية إذا كن لا يحصين فبطلت الوصية؛ وإن كن يحصين (^٨) فالوصية جائزة؛ ولا يدخل في الأيامى الرجال إنما الوصية للنساء خاصة، وكان الكرخي: يقول: يدخل فيه النساء والرجال، ولكن قول محمد: حجة في اللغة.
وذكر في المغرب أيضًا ما يدل على أن اختلاف الحكم فيهما واقع على إنباء اللغة على ذلك؛ وقال أرمل أي افتقر من الرمل (^٩) كادفع من الدفعاء وهي التراب، ثم قال: وفي التهذيب يقال للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل أو امرأة أرمل ولا يقال للتي لا زوج لها [وهي] (^١٠) موسرة أرملة فعلم بهذا أن معنى الفقر لازم في الأرمل، والأيم التي لا زوج لها بكرًا كان أو ثيبًا؛ ورجل أيم أيضًا وقد آمت آيمة والفقر فيه ليس بلازم فلذلك صار اسم الأيامى بمنزلة اسم الشبان في أنه لا ينبئ عن الحاجة.
_________________
(١) في (ب): موجبهما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ج): فالوديعة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ب) و(ج): لا ينبئ؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٤) في (ب) و(ج): الشعبي؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٥) في (ب): بعد؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٦) في (ب): إذ ليس عليها؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ب): مبالغة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): لا يحصون؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
(٩) في (ب): الرجل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٧١ ]
وقوله: بخلاف ما إذا أوصى لشبّان بني فلان وهم لا يُحصَون أو لأيامى بني فلان وهم لا يحصون حيث تبطل الوصية، ثم إنما تبطل الوصية لقوم لا يحصون إذا كان اسم ذلك القوم لا ينبئ عن الحاجة كالشبان؛ وإن كان ينبئ عن الحاجة كالفقراء والمساكين تصح الوصية، وإن كانوا لا يحصون للمعنى الذي ذكره الإمام شمس الأئمة والمعروف بصدر حميد (^١): في أصل باب من يوصي لبني فلان من وصايا الجامع الكبير فقال: إن الاستحقاق متى علق بالنسبة فإن كان في اللفظ ما ينبئ عن الحاجة صحت الوصية وإن كانوا لا يحصون لأن مقصود الموصي إزالة حاجة المحتاج؛ وجهة القربة والوصية متى وقعت بجهة هي قربة صار المراد بها وجه الله تعالى؛ والله تعالى واحد لا شريك له فلم تكن للجهالة فيه تصور، فكان هذا والوصية بالصدقة المطلقة سواء، وإذا لم يكن في لفظه ما ينبئ عن الحاجة لم تكن القربة (^٢) فيها مقصودة بل كان المقصود هو التمليك من المسمى؛ وجهالة المتملك (^٣) مانعة صحة التمليك فلابد من إعلام المسمى لذلك، وذلك لأنه إذا سمى قومًا يحصون تصح الوصية لصحة التمليك منهم؛ وأما إذا كانوا لا يحصون فتبطل الوصية لجهالة تمكنت في المصروف إليه على وجه لا يمكن رفعها؛ فإن الصرف إلى الكل غير ممكن لكثرتهم، وليس بعضهم بأولى من البعض فكانت الوصية باطلة بمنزلة الوصية لبني آدم أو لأهل الدنيا.
وقال في الصحاح (^٤): الشباب جمع شاب وكذلك الشبان (^٥).
وفي الإيضاح: وقال أبو يوسف: إذا أوصى لشبان أهل بيته أو لكهولهم أو لمشائخهم فالشباب من خمسة عشر إلى خمسين سنة إلى أن يغلب عليه الشمط؛ والكهل من ثلاثين سنة إلى آخر عمره؛ والشيخ ما زاد على خمسين سنة؛ وجعل أبو يوسف: الشيخ والكهل سواء فيما زاد على الخمسين.
وروي عن محمد: أنه قال: الغلام ما كان له أقل من خمسة عشر؛ والفتى من بلغ خمسة عشر وفوق ذلك؛ والكهل إذا بلغ أربعين فزاد عليه؛ وما بين خمسين إلى ستين إلى أن يغلب عليه الشيب فحينئذٍ يكون شيخًا.
ولو أوصى لبني فلان يدخل فيه الإناث في قول أبي حنيفة: أول قوله وهو قولهما.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٤٨٠)، البناية (١٣/ ٤٧٣).
(٢) في (ب): الفرقة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب) و(ج): التمليك؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٤) الصحاح تاج اللغة للإمام أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي ت (٣٩٣). ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٠٧٣).
(٥) ينظر: الصحاح (١/ ١٥١).
[ ٢٥ / ١٧٢ ]
ثم اعلم أن عندهما إنما يدخل الإناث تحت هذه الوصية فيما إذا اختلط الذكور والإناث وأما إذا انفرد الإناث فلا شيء لهن بالاتفاق؛ ثم هذا الذي ذكره فيما إذا كان فلان ذلك أبا الأولاد؛ وأما إذا كان بنو فلان اسم قبيلة أو اسم فخذ وهو أخص من اسم القبيلة يتناول الذكور والإناث بالاتفاق لأن حقيقةَ الاسم للذكور وانتظامه للإناث يجوز.
ألا ترى أنه يستقيم [أن ينفي] (^١) (^٢) اسم البنين عن البنات بإثبات غيره وهو اسم البنات؛ ولا يستقيم نفي هذا الاسم عن الذكور بحال، وهذا هو علامة الفرق بين الحقيقة والمجاز كذا في المبسوط (^٣). فلهذا يدخل فيه موالي العتاقة أي الفقراء [منهم] (^٤).
وقال في الجامع [الكبير] (^٥) لشمس الأئمة وإن كان في بني فلان موالي عتاقة فقراء وموالٍ أسلموا على أيديهم ووالُوهُم وفقراء موالي موال وحليف لهم وعديد فهم يدخلون جميعًا في الوصية يَقْسِم الوصي بين من يَقدر عليهم من فقرائهم، والحليف اسم من يأتي قبيلةً فيحلف لهم ويحلفون له على التناصر؛ والعديد من يعد نفسه منهم وهم عدوا (^٦) ذلك له من غير حلف (^٧)، وإنما دخل الكل لأن الإيجاب ههنا تعلق بالنسبة إلى القبيلة وهم في هذه النسبة سواء للتناصر بينهم بهذه الأسباب.
ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - قال: «موالي القوم من أنفسهم وحليفهم [منهم] (^٨)» (^٩)، وهذا لأن حقيقة النسب تكون في حكم المنقطع بالامتداد.
[ألا ترى أن أحدًا لا ينسب إلى آدم - ﷺ - بالنسب ولكن بالنسبة يقال أنه من بني آدم] (^١٠) ولما كان كذلك استوى الكل في الاستحقاق بهذا الاسم لاستوائهم في التناصر؛ بخلاف ما إذا كان فلان أبو أولاد ليس بقبيلة ولا فخذ فهنالك حقيقة النسب متصل غير منقطع فيتعلق الاستحقاق به ولا يدخل الموالي فيه.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): يبقى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٩/ ١٤١).
(٤) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ج) و(أ): وعدوا؛ وما أثبت من (ب) قريب منه.
(٧) في (أ): ليس من غير حلف؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) أخرجه أبو داود في (سننه) كتاب الزكاة باب الصدقة على بني هاشم، (٢/ ١٢٣ رقم الحديث: ١٦٥٠)، والترمذي في (سننه) كتاب أبواب الزكاة باب ما جاء في كراهية الصدقة للنبي - ﷺوأهل بيته ومواليه (٣/ ٣٧ رقم الحديث: ٦٥٧)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". قال الألباني في (إرواء الغليل) (٣/ ٣٨٧): صحيح.
(١٠) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٧٣ ]
ومن أوصى لولد فلان فالوصية بينهم للذكر والأنثى [سواء] (^١) حتى لو كان لفلان بنات لا غير دخلن تحت الوصية لأن الوصية حصلت باسم الولد واسم الولد يطلق على الإناث حالة الانفراد كما يطلق على الذكور، يقال: هذه المرأة ولد فلان؛ بخلاف ما لو أوصى لبني فلان ولفلان بنات لا غير فإنه لا شيء لهن لأن اسم البنين لا يقع على الإناث حالة الانفراد كذا في الذخيرة (^٢)، وذكر الإمام المحبوبي: في الجامع الصغير في تقرير مسألة الوصية لما في البطن.
وقال: لو أوصى لأولاد فلان ولم يكن لفلان ولد وإنما ولد له ولد بعد الوصية قبل موت الموصي فالوصية صحيحة.
ثم قال في الذخيرة في هذه المسألة: يكون ثلث ماله بينهم بالسوية لا يفضل الذكور على الإناث لأن الموصي (^٣) لم يفضل الذكور على الإناث؛ ولا يدخل أولاد الأولاد تحت هذه الوصية حال قيام أولاد الصلب فأولاد البنين وأولاد البنات في ذلك على السواء؛ لأن الموصي أوصى لولد فلان وولد فلان على الحقيقة من يولد من فلان، والذي يولد من ابنه أو بنته لم يولد من فلان؛ فكان حقيقة هذا الاسم لولد صلبه، فما دام لفلان ولد الصلب لا يدخل ولد الابن تحت الوصية كالحربي إذا أخذ أمانًا لولده فإنه إذا كان له ولد الصلب لا يدخل ولد ابنه (^٤) في الأمان فكذا هذا؛ وهذا إذا كان فلان أبًا خاصًّا فأما إذا كان هذا أب فخذ فأولاد الأولاد يدخلون تحت الوصية مقام (^٥) ولد الصلب؛
لأن في الأب (^٦) الخاص لا يراد بهذا أولاد الأولاد لأنه قد يخلو بنوه وبناته عن الأولاد إذا كان هو أبًا خاصًّا؛ وأما إذا كان فلان فخذًا فلا يخلو بنوه وبناته عن الأولاد؛ [ثم في مسألتنا إن لم يكن لفلان إلا ولد واحد كان الثلث كله له بخلاف ما] (^٧) لو أوصى لأولاد فلان وله ولد واحد فإنه يستحق النصف؛ ووجه الفرق بينهما أن الأولاد جمع وأقل الجمع في باب الوصية والميراث اثنان؛ فكان للواحد النصف كما لو أوصى لأقربائه وله عم واحد كان له النصف؛ وأما الولد فليس باسم جمع وإنما هو اسم جنس ومطلق اسم الجنس يطلق على أدنى ما يطلق عليه الاسم؛ كما لو حلف لا يشرب الماء أو لا يتزوج النساء حيث يحنث بشرب قطرة ونكاح واحدة.
_________________
(١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٥١٠).
(٣) في (أ): الموصَى؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ب): الابنة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (أ) و(ب): حال قيام؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٦) في (ج): الولد؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٧٤ ]
وإذا أوصى لأولاد فلان وليس لفلان أولاد لصلبه يدخل تحت الوصية أولاد البنين؛ وهل يدخل فيه أولاد البنات؛ ففيه روايتان.
ومن أوصى لورثة فلان إلى آخره (^١) ثم في هذه المسألة لو مات الموصي قبل أن يموت الموصى لورثته فالوصية باطلة؛ وإن [مات] (^٢) الموصى لورثته قبل موت الموصي فهو بين ورثته على عدد رءوسهم، يعني إذا ضم إليهم غيرهم بأن أوصى لفلان ولورثة فلان فإنهم يقاسمون الموصى له [بالثلث] (^٣) برءوسهم فما أصابهم من ذلك قسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان فإن الذكر والأنثى فيه سواء على ما ذكر الفرق في الكتاب كذا في الإيضاح (^٤).
وقال الشافعي: في بعض كتبه أن الوصية لهم جميعًا.
وذكر في شروح الجامع الكبير زفر مكان الشافعي هنا في قوله: إن الوصية جائزة ويدخل فيها الفريقان؛ لأن كلًا منهم يسمى مولى؛ فصار كالإخوة يعني أنه إذا أوصى لإخوة فلان فإنه يصح ويدخل فيه الأخ لأب وأم والأخ لأم والأخ لأب لأن الكل يسمى أخًا لفلان، فكذا ينبغي أن يدخل هنا المولى الأعلى والمولى الأسفل لأن كلًا منهما يسمى مولى وهذه رواية عن أبي حنيفة:.
والجواب عن هذا على ظاهر الرواية هو: أن اسم الأخ يطلق على كل واحد بمعنى واحد وهو الحامل على الشخصين إلا أن محل الاشتمال مرة يكون هو الصلب ومرة يكون هو الرحم؛ فإذا اختلف محل الاشتمال [لا معنى الاشتمال] (^٥) والشيء لا يختلف باختلاف محله فبقي الاسم متناولًا الكل بمعنى واحد فكان عامًّا فيجري على عمومه؛ وفيما نحن فيه المعنى مختلف لأن المولى الأعلى مُنْعِم والأسفل مُنْعَم عليه فصار بمعنى الفاعل مرة وبمعنى المفعول مرة أخرى فصار مشتركًا لا عامًا؛ لأن العام ما يشتمل جمعًا بمعنى واحد وبطل التعيين لأن مقاصد الناس مختلفة؛ من الناس من يقصد الأعلى مجازاةً وشكرًا لإنعامه؛ ومن الناس من يقصد الأسفل زيادةً للإنعام في حقه؛ فلما كان كذلك وجب التوقف حتى يقوم الدليل ولم يوجد لأن أحدًا منا لا يطلع على مقصود الموصي ومرادِهِ كذا في الجامع الكبير (^٦) للإمام المعروف بصدر حميد:.
_________________
(١) (وَمَنْ أَوْصَى لِوَرَثَةِ فُلَانٍ فَالْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). ينظر: الهداية (٤/ ٥٣٢)، العناية (١٠/ ٤٨٢)، البناية (١٣/ ٤٧٦).
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: البناية (١٣/ ٤٧٦).
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٤٧٧).
[ ٢٥ / ١٧٥ ]
ثم قوله: إن الجهة مختلفة احتراز عن لفظ الأخوة التي ذكرنا.
وقوله: في موضع الإثبات احتراز عما إذا حلف لا يكلم موالي فلان حيث يتناول الأعلى والأسفل؛ لأنه مقام النفي ولا تنافي (^١) فيه لأن النفي يعمه، ويتناول المتضاد والمختلف والوصية إثبات وذلك لا يعم.
ألا ترى أنه لو قال ما رأيت رجلًا حُمل على كل ما يتناوله الاسم؛ ولو قال رأيت رجلًا اقتضى أنه رأى واحدًا غير معين كذا في شرح الأقطع (^٢).
قوله: فصار مشتركًا فلا ينتظمها لفظ واحد.
فإن قلت: سلَّمنا أن المولى اسم مشترك وإثبات الحكم بالمشترك غير باطل.
ألا ترى أن الله تعالى أثبت الحكم بالمشتركات في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٣)، وذلك لأن السامع ربما يرجح أحد المرادين على الآخر بنوع دليل ظهر له كما رجحنا الحيض على الطهر في اسم القرء [بنوع] (^٤) رجحان ظهر لنا، فكيف قال في الكتاب مع هذا فالوصية باطلة.
قلنا: لما لم يكن ههنا ترجيح أحد المرادين على الآخر لتعارض موجبهما على السواء لما في الوصية للأعلى معنى المجازاة وقضاء حق النعمة؛ وفي الوصية للأسفل تربية الضعيف (^٥) والزيادة في الإنعام عليه صار من قبيل المجمل لكن سماه مشتركًا لصدور إجماله من الاسم المشترك الذي لا يتمكن ترجيح أحد النوعين على الآخر ولا فائدة في إجمال العبد؛ بخلاف ما أنزل الله تعالى من المجمل والمتشابه في القرآن فإن فيه فائدة سوى العمل بمعناه وهي اعتقاد حقية المراد به والاعتقاد بالحق أنه حق رأس العمل وجواز الصلاة ينظمه.
فإن قلت: لا نسلم بأنه لا فائدة في إجمال العبد فإن العبد إذا أجمل فيما يجب عليه يصح ويجبر على البيان، حتى أن رجلًا لو أقر بشيء لفلان فقال: لفلان عليَّ شيء فإنه صحيح وإن كان مجملًا فيجبره القاضي على البيان.
قلتُ: ذاك ليس بنظير مسألتنا؛ فإن ذلك في الواجب الذي لا يمكن الرجوع عنه بعد الإقرار؛ والذي نحن فيه من المندوب والمستحب الذي لو أوصى به ثم رجع يصح ولا يجبره القاضي على البيان؛ ولأن كلامنا فيما إذا أوصى بثلث ماله لموالي فلان ومات قبل البيان وبعد الموت (^٦) لا يمكن الرجوع إليه بالاستيفاء (^٧) فتبطل الوصية وذلك لعدم إمكان ترجيح أحد المرادين على الآخر [حتى] (^٨).
_________________
(١) في (ب) و(ج): ولا يتأتى؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٢) ينظر: البرهان في أصول الفقه (١/ ٧٤).
(٣) سورة البقرة: ٢٢٨.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (أ): الصديق؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): المقر؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (أ) و(ب): بالاستفسار؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٧٦ ]
قلنا: إن الوصية في هذه الصورة باطلة إلا أن يبين ذلك في حياته.
فإن قلت: لا نسلم بأن ترجيح أحد المرادين على الآخر غير ممكن (^١) فإن رجحان صرف الوصية إلى المولى الأعلى (^٢) الذي أعتقه ثابت لما أن شكر الإنعام واجب؛ وفضل الإنعام في حق المنعَم عليه مندوب فكان صرف الوصية إلى الواجب أولى من صرفها إلى المندوب كما هو المروي عن أبي يوسف: لهذا المعنى.
قلتُ: هو كذلك إلا أن هذا الوجوب لا يدخل في الحكم، فإن القاضي لا يجبره على شكره بالإيصاء لا محالة، فكان وجوده كعدمه فلم يعتبر الوجوب لذلك؛ ولأن صرف الوصية إلى المولى الأسفل ثابت بوجه آخر وهو أن المعروف فيما بين الناس الوصية بثلث المال للفقراء ابتغاء لمرضاة الله تعالى واتباعًا للزكاة في حق المصارف؛ والغالب في المولى [الأسفل الفقر وفي المولى] (^٣) الأعلى الغنى، …
والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (^٤) فكان الصرف إلى الأسفل أولى من هذا الوجه.
وهذا أيضًا مروي عن أبي يوسف: في رواية لهذا المعنى، ولما كان كذلك قد تعارض المرادان على السواء فلم يمكن الترجيح فبطلت الوصية لذلك، هذا كله مما أشار إليه في الذخيرة (^٥) والجامع الكبير (^٦) للإمام المعروف بصدر حميد:.
ويدخل في هذه الوصية أي: في الوصية لمواليه؛ فلابد من تحقق (^٧) الاسم قبله أي لابد من تحقق اسم المولى قبل الموت.
وفي الجامع الكبير للإمام المعروف بصدر حميد: وإنما لم يكن للمُدَبَّرين وأمهات الأولاد شيء من الثلث لأن الموت يوجد وهؤلاء ممالكيه، [وإنما يثبت العتق بعد الموت والعتق يقع على المملوك، والوصية تقع عند الموت فيكون هؤلاء وقت وقوع الوصية ممالكيه] (^٨) لا مواليه.
وعن أبي يوسف: أنهم يدخلون في الوصية لأنه بالتدبير والاستيلاد استحق ولاءهم.
ألا ترى أن المُدَبَّر إذا كان بين شريكين أعتقه أحدهما وضمن نصيب شريكه كان ولاؤه بينهما فدل على أن بنفس التدبير قد استحق ولاءهم فكانوا من جملة مواليه؛ ولكن ما ذكره محمد: أصح لأنهم لا ينسبون إليه بالولاء بنفس الاستحقاق بل بالإحياء الحاصل بالعتق وذلك يكون بعد موته كذا ذكره الإمام شمس الأئمة في الجامع الكبير (^٩).
_________________
(١) في (ج): ممكن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى لسياق ما قبله.
(٢) في (ب): على؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٤٨٣).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٤٨٣).
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٤٨٣).
(٧) في (أ): تحقيق؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ينظر: العناية (١٠/ ٤٨٣).
[ ٢٥ / ١٧٧ ]
ويدخل فيه عبد أي بالإجماع؛ لأن العتق يثبت قُبيل الموت عند تحقق عجزه لأنه كما أشرف على الموت وعجز عن الصرف (^١) فقد تحقق شرط الحنث، فعتق قبل موته ويكون من مواليه عند (^٢) الموت بخلاف المدبر وأم الولد فإنه يعتق بعد الموت، ويدخل فيه معتقوه وأولادهم؛ أما المعتوقون فظاهر لأن اسم الموالي للمعتقين حقيقة وكذلك أولاد الموالي فإن نسبتهم إليه بالولاء
للعتق الذي باشره في آبائهم لا لعتق آخر وجد من غيره، والفروع أجزاء الأصول فكان الاسم حقيقة في الأجزاء كما هو حقيقة في الأصول؛ وهذا بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان وفلان أب الأولاد لم يدخل أولاد الأولاد مع الأولاد؛ لأن نسبتهم إليه بالولادة وقد وجد في النافلة ولادة أخرى سوى ما كان في ولد الصلب فكان الاسم مجازًا في حقهم.
ألا ترى أنه يستقيم نفيه عنهم فيقال إنهم ليسوا ببنيه بل هم بنوا بنيه وههنا لا يستقيم نفي اسم المولى (^٣) عن أولاد الموالي (^٤) فكان الاسم لهم حقيقة.
وقوله والإعتاق لازم كالجواب لسؤال من سأل وقال: لما كانت جهة المولى مختلفة لم رجحت مولى العتاقة على مولى الموالاة مع أن اسم المولى حقيقة؛ فأجاب عن رجحانه في الكتاب باللزوم في العتاق.
وذكر شمس الأئمة: هذه المسألة في الجامع الكبير ولم يذكر الاختلاف فيها بل (^٥) ذكر فيها القياس والاستحسان وقال: فإن كان له موال أعتقهم أو أولاد موالي [أو موالي موال] (^٦) مع موالي الموالاة فلا شيء لموالي الموالاة من الثلث استحسانًا؛ لأنه ولاء ضعيف مختلف فيه بين العلماء وسببه عقد محتمل للفسخ بخلاف ولاء العتق فإنه بمنزلة النسب لا يحتمل الفسخ بعد ثبوته، والمزاحمة لا تتحقق بين الضعيف والقوي؛ وكان [ينبغي] (^٧) في القياس أن يكون الذين أسلموا على يديه ووالوه مثل موالي العتاقة لأن ولاءه على الفريقين بمباشرته سبب الولاء من عقد أو عتق فكان الاسم للفريقين حقيقة.
_________________
(١) في (أ) و(ج): الضرب؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): بعد؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٣) في (ب) و(ج): الموالي؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٤) في (ج): المولى؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (أ): لما؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٧٨ ]
وبخلاف ما إذا لم يكن له موالي أي موالي عتاقة.
ولا أولاد الموالي أي ولا أولاد موالي العتاقة يعني حينئذٍ يصرف الثلث إلى موالي الموالاة.
وفي الجامع الكبير وإن لم يكن له إلا موالي الموالاة كان الثلث لهم لأن الأحق إذا لم يوجد وجب العمل بما دونه.
ولو كان له أي للموصي معتق واحد أو ولد واحد لمعتقه وموالي المولى فالنصف لمعتقه والباقي للورثة.
وحاصله أنه إذا لم يكن له موال أعتقهم إنما له أولاد موال وموالي موالاة فالوصية لأولاد مواليه لما بينا أن اسم الموالي للأولاد حقيقة كما هو للآباء، فإذا صارت الحقيقة مراده يتنحى المجاز؛ ولو لم يكن له إلا موالي موال فالوصية لهم لأن الحقيقة غير مرادة باللفظ ههنا لكونه معدومًا؛ فإذا تعذر إعمال اللفظ في الحقيقة يعمل بمجازه فتصرف الوصية إلى موالي مواليه ولو كان بقي من مواليه أو من أولادهم (^١) اثنان فصاعدًا فالثلث كله لهما دون موالي الموالي لأن الوصية أخت الميراث؛ وفي الميراث للمثنى (^٢) حكم الجمع حتى إن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس مع أن المنصوص عليه اسم الإخوة فكذلك في الوصية للمثنى (^٣) حكم الجمع ولو لم يبق من المعتقين ولا من أولادهم إلا واحد كان نصف الثلث لذلك الواحد لأن الإيجاب كان باسم الجمع فلا يستحق الواحد كله وإنما يستحق النصف.
ألا ترى أنه لو كان معه آخر استحقا الجميع فيكون حظ كل واحد منهما النصف فإذا لم يكن إلا واحدًا استحق نصيبه وهو النصف والنصف الثاني (^٤) مردود على الورثة ولا يكون لموالي الموالي منه أصلًا؛ لأن اللفظ صار معمولًا به في حقيقته فيتنحى المجاز عنه أصلًا؛ وهو كما قال أبو حنيفة: فيما إذا أوصى بثلث ماله لبنيه وله ابن واحد وبنو البنين فللابن نصف الثلث ولا شيء لبني البنين فهذا مثله، كذا في الجامع الكبير (^٥) لشمس الأئمة:.
والباقي للورثة أي لا يكون لموالي الموالي لتعذر الجمع بين الحقيقة والمجاز.
ولا يدخل فيه أي فيما أوصى لمواليه، قوله: موالي أعتقهم هكذا وقع في النسخ ولكن الصواب في هذا أن يقال: موال أعتقهم ابنه أو أبوه كما هو المذكور في الإيضاح (^٦) والجامع الكبير (^٧)؛ لأن التعليل الذي علل به إنما يصح في الذين أعتقهم [ابنه أو أبوه لا في موالي أعتقهم] (^٨) الموصي لأن أولئك مواليه حقيقة.
_________________
(١) في (ب): من مواليه من أولادهم؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): للمستثنى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): للمستثنى؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ب): الباقي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) لا يختلف معناه.
(٥) ينظر: البناية (١٣/ ٤٧٦).
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٤٨٠).
(٧) ينظر: البناية (١٣/ ٤٨٠).
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٧٩ ]
وذكر الإمام المعروف بصدر حميد: في الجامع الكبير: ولو أن رجلًا أوصى بثلث ماله لمواليه وليس له موال أعتقهم ولا أولادهم ولا موالي الموالي لكن له موالي أبيه وموالي ابنه فلا شيء لهم من الوصية؛ لأن هذا الاسم لا يطلق عليه لا حقيقة ولا مجازًا؛ لأن الحقيقة هو أن يباشر إعتاق المملوك فيصير به مولى له؛ والمجاز أن يسبب لذلك بإعتاق مملوك ثم يعتق ذلك المعتق مملوكًا ولم يوجد في حق موالي الأب وموالي الابن فعل (^١) الإعتاق ولا سببه.
فقلنا (^٢): إنهم لا يدخلون في هذه الإضافة، ووارث الإنسان من موالي أبيه وموالي ابنه ما كان لأنه مولى له ولكن الشرع أقام عصبة المعتق مقام المعتق في حق الميراث لا لأن الولاء انتقل إليه (^٣)، وهذا لأن الولاء بمنزلة النسب لا يورث نص عليه صاحب الشرع فقال النبي - ﷺ -: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورَث» (^٤).
ألا ترى أن الرجل قد يكون من قبيلة [وأبوه من قبيلة] (^٥) أخرى بأن كان الرجل وابنه عبدين فاشترى الأبَ رجل تميمي والابنَ رجل أسدي فأعتق الأسدي الابنَ والتميمي الأبَ ثم إن الابن (^٦) اشترى عبدًا وأعتقه ثم مات الابن ثم مات معتق الابن ولم يترك عصبة فإن ميراثه يكون للأب بحكم أنه قام مقام ابنه (^٧) في التعصيب، لا لأن الولاء انتقل إليه بموت الابن (^٨) لأنه لو انتقل ولاؤه إلى الأب [بعد موت الابن] (^٩) كان ولاؤه لبني تميم، فإن ولاء الأب لبني تميم؛ ولم يصر الولاء لبني تميم بالاتفاق حتى إن مولى الابن لو جنى لا يكون عقله على بني تميم بل يكون على بني أسدٍ، ولو انتقل ولاؤه لكان على بني تميم لأن ولاء الأب لهم؛ ثبت بهذا أن الولاء لم ينتقل إلى الأب، والأب إنما يرث لأنه قام مقام الابن في الميراث.
_________________
(١) في (ج): قبل؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): فعلمنا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٣) في (ب) و(ج): لأن الولاء انتقل إليه؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٤) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) كتاب الولاء باب من أعتق مملوكا له، (١٠/ ٤٩٤ رقم الحديث: ٢١٤٣٣)، والحاكم في (المستدرك) كتاب الفرائض (٤/ ٣٩٧ رقم الحديث: ٧٩٩٠)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". قال الألباني في (إرواء الغليل) (٦/ ١٠٩): صحيح.
(٥) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): الأب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٧) في (ب): يكون للأب لأنه قام مقامه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ج): لأن الولاء انتقل إليه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٩) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٨٠ ]
وحصل من هذا كله أن الذي ينسب إليه بالولاء على نوعين حقيقةٍ ومجازٍ، فالحقيقة على نوعين مولى بولاء غير قابل للفسخ وهم الموالي الذين أعتقهم وأولاد هذه الموالي، وهؤلاء هم المقدمون على غيرهم في صرف الوصية للموالي إليهم؛ ومولى بولاء قابل للفسخ وهو الموالي بولاء الموالاة وهؤلاء لا يزاحمون المقدمين لضعفهم وقوة الأولين على ما ذكرنا؛ وإن كان اسم الموالي حقيقة لهم أيضًا لأن ولاء الموصي على الفريقين بمباشرته سبب الولاء بنفسه بعتق في الأولين، وعقد في الآخرين؛ وأما المجاز فهو موالي الموالي لأنه لم يعتقهم حقيقة ولكن تسبب لإعتاق من يعتقهم فكانت نسبة ولائهم له مجازًا، فلا تصرف الوصية باسم الموالي إليهم عند وجود الحقيقة، وتصرف إليهم عند عدم الحقيقة؛ وأما موالي أبيه أو ابنه فلا ينسبون إليه بالولاء لا حقيقة ولا مجازًا؛ فلذلك لا تصرف الوصية إليهم أصلًا.
قوله: بخلاف معتق البعض [هكذا وقع في النسخ لكن هو ليس بصواب بل الصواب أن يقول بخلاف معتَق المعتق] (^١) كما هو المذكور في الإيضاح (^٢)؛ لأنه ثبت الفرق بهذا بين موالي المولى وبين موال أعتقهم أبوه أو ابنه على ما ذكرنا من النسخة الصحيحة فيه أيضًا؛ وذلك إنما يستقيم فيما إذا قال بخلاف معتق المعتق.
وأما معتق البعض فعند أبي حنيفة: لم ينسب إليه بالولاء بعد لأنه بمنزلة المكاتب؛ والمكاتب لا يدخل تحت اسم المولى عند قيام الكتابة؛ وعندهما لو نسب إليه إنما (^٣) ينسب إليه بالولاء حقيقة فلا يحتاج إلى ذكره.
والله أعلم.
* * *