لما ذكر حكم المدبر في الجناية ذكر في هذا الباب ما يَرِدُ عليه وما يرد منه وذكر حكم من يلحق به، والفرق أن الغصب قاطع للسراية إلى آخره (^٣).
وذكرالإمام قاضي خان: في الجامع الصغير (^٤) هذه المسألة (^٥) ثم قال: علل بعضهم بأن الغصب من أسباب الملك لما عرف من مذهبنا أن المضمونات تملك عند أداء الضمان (^٦)، فإذا تخلل الغصب بين الجناية و[السراية] (^٧) تنقطع السراية كما [لو] (^٨) تخلل بينهما بيع؛ فإذا انقطعت السراية صار كأنه غصب عبدًا أقطع ومات عنده لا من القطع.
وأما إذا قطع المولى يده عند (^٩) الغاصب صار مستردًا للعبد (^١٠) ضرورة الاستيلاء عليه عند القطع (^١١).
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٧١).
(٢) سبق ص ١٤٣
(٣) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَصْبَ قَاطِعٌ لِلسَّرَايَةِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ أَقْطَعَ. ينظر: الهداية (٤/ ٤٩٤)، العناية (١٠/ ٣٦٦)، البناية (١٣/ ٣١٦).
(٤) لعل الشارح وغيره ممن يذكر اسم (الجامع الصغير) لقاضي خان؛ يقصدون اختصار الاسم ولا يجدون إشكالًا في ذلك لشهرة الكتاب ولكن ما ورد في مصادر الفقه الحنفي الأخرى ممن أتى بعد قاضي خان وفيمن نقل عنه يؤكد أن أصل اسم كتابه (شرح الجامع الصغير). وذكر ابن نجيم عنوان أول كتاب من مصادره في كتابه (البحر الرائق) شرح الجامع الصغير لقاضي خان. (البحر الرائق ١/ ٢). وقال ابن عابدين: وجزم به الإمام قاضي خان في شرح الجامع الصغير. (حاشية رد المحتار ٣/ ١١٥). وقال أصحاب الفتاوى الهندية: كذا في شرح الجامع الصغير لقاضي خان. (الفتاوى الهندية ١/ ٥٢٤).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٦)، البناية (١٣/ ٣١٦).
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٣١٦)، حاشية الشلبي (٦/ ١٦٦).
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): يد عبد؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) في (أ): للعيب؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (ب): القاطع؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٥٤ ]
ألا ترى أن المشتري لو قطع يد المبيع قبل القبض يصير قابضًا، وبعد الاسترداد لم يوجد ما يقطع السراية فيبرأ الغاصب عن الضمان؛ ثم قال: إلا أن هذا يخالف مذهبنا فإن الغصب لا يقطع السراية ما لم يملك البدل على (^١) الغاصب بقضاء أو رضا لأن السراية إنما تنقطع به باعتبار تبدل الملك، وإنما يتبدل الملك به إذا هلك البدل على الغاصب، أما قبله فلا نص عليه في آخر رهن الجامع والباب الثاني من جناياته، إلا أنه إنما ضمن الغاصب هنا قيمة العبد أقطع؛ لأن السراية وإن لم تنقطع فالغصب وَرَدَ على مال متقوّم فانعقد سبب الضمان، فلا يبرأ عنه الغاصب إلا إذا ارتفع الغصب ولم يرتفع؛ لأن الشيء إنما يرتفع بما هو فوقه أو مثله، ويد الغاصب ثابتة على المغصوب حقيقة وحكمًا، ويد المولى باعتبار السراية تثبت عليه حكمًا لا حقيقة لأن بعد الغصب (^٢) لم تثبت يده على العبد حقيقة، والثابت حكمًا دون الثابت حقيقة وحكمًا (^٣)، ولم يرتفع الغصب باتصال السراية إلى فعل المولى فتقرر عليه الضمان؛ بخلاف ما لو جنى عليه بعد الغصب.
ولم يوجد القاطع (^٤) أي قاطع السراية.
كيف وأنه استولى أي كيف لا يكون مستردًّا والحال أنه استولى.
لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله أي في حال رقه.
وأما بأقواله فهو غير مؤاخذ بها في حال رقه أعني بالأقوال الأقوال التي توجب المال (^٥) لا الأقوال التي توجب القصاص والحدود، فإن العبد فيها بمنزلة الحر بخلاف الإقرار بالمال فإن المحجور عليه إذا أقر بالمال لغيره يؤاخذ به بعد الحرية ولا يؤاخذ به في حال الرِّقيَّة، فكان قوله لأن المحجور عليه مؤاخذ بأفعاله للاحتراز عن أقوال المحجور لا للاحتراز عن المأذون؛ فإن في المؤاخذة بالأفعال في حال الرق المأذون والمحجور سواء؛ لأنه ذكر في باب إقرار العبد بالدين من مأذون المبسوط في تعليل المسألة والعبد مؤاخذ بضمان الغصب في الحال مأذونًا كان أو محجورًا.
فعلى المولى قيمته بينهما أي بين ولي الجنايتين من غير أن يصير مختارًا للفداء لانعدام علم المولى وقت التدبير بجناية تحدث من المُدَبَّر في المستقبل، فصار هذا بمنزلة إعتاق العبد الجاني من غير علم بجنايته فإن فيه الأقل من قيمته ومن الأرش فكذا هنا.
_________________
(١) في (ج): عن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): الغاصب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٧)، البناية (١٣/ ٣١٧).
(٤) في (أ): القطع؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): الملك؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٥٥ ]
وقال محمد: يرجع بنصف قيمته فيسلم له أي للمولى (^١)، فلما سلم للمولى نصف القيمة الذي أخذه من الغاصب في المرة الأولى لا يرجع ثانيًا على الغاصب.
فإذا وجد شيئًا أي ولي الجناية الأولى إذا وجد شيئًا فارغًا من مزاحمة ولي الجناية الثانية من بدل العبد يأخذه.
وأما ما قاله محمد من الجمع بين البدل والمبدل فقلنا نعم كذلك في حق المولى والغاصب لأن ما أخذه المولى من الغاصب بدل المدفوع إلى ولي الجناية الأولى.
وأما في حق المجني عليه هو عوض ما لم يسلم لولي الجناية الأولى، فالاعتبار لمن (^٢) يستقر عنده وهو المجني عليه.
ومثله جائز كالذمي إذا باع خمرًا وقضى به دين المسلم يجوز للمسلم أخذه؛ لأن تلك الدراهم ثمن الخمر في حق الذمي وعوض عن الدين في حق المسلم فلذلك حل له أخذها، فعلم بهذا أن الشيء الواحد يجوز أن يكون بدلًا عن عين في حق إنسان ويكون بدلًا عن شيء آخر في حق غيره، غير أن استحقاق النصف انتصابه على الاستثناء (^٣) ذكر هذا لبيان الفرق فإنه يدفع هذا الذي أخذه من الغاصب إلى ولي الجناية الأولى [[بالاتفاق وكان لا يدفعه إليه عند محمد في المسألة الأولى لأدائه إلى الجمع بين البدل والمبدل.
وأما هاهنا [لو دفع] (^٤) إلى ولي الجناية الأولى]] (^٥) لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل؛ لأنه لما كانت الجناية الأولى عند المولى كان ما أخذه [المولى] (^٦) من الغاصب بدلًا عما دفع إلى ولي الجناية الثانية؛ لأن الموجود عند الغاصب الجناية الثانية دون الأولى، فلو دفع ذلك إلى ولي الجناية الأولى لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل فيدفع لأن حق ولي الجناية الأولى كان في [كل] (^٧) قيمة المدبر؛ لأن المدبر كان فارغًا وقت الجناية الأولى عن مزاحمة الثانية.
وفي المسألة الأولى أيضًا كان كذلك وهو أن حق ولي الجناية [الأولى] (^٨) كان في كل القيمة إلا أن (^٩) المأخوذ من الغاصب بدل عن المدفوع (^١٠) إلى ولي الجناية الأولى؛ [لأن الجناية الأولى] (^١١) كانت عند الغاصب فلو (^١٢) دفع إليه نصف القيمة الذي أخذ من الغاصب أدى إلى الجمع بين البدل والمبدل فلا يدفع لمكان التعذر ولكن قد ذكرنا جوابه (^١٣) عن هذا.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٨)، البناية (١٣/ ٣١٨).
(٢) في (ج): بالاعتبار لم؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج): الاستيفاء؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (أ) و(ب)؛ وإثباتها من (ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): لا أن؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) في (ج): الدفع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٢) في (ج): فلما؛ وما أثبت من (أ) و(ب) لعله الأصوب.
(١٣) في (ب) و(ج): جوابهما؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٥٦ ]
ثم وضع [المسألة] (^١) في العبد أي ثم وضع محمد: هذه المسألة في الجامع الصغير في العبد بعدما وضعها في حق المدبر؛ لأن كلتا المسألتين مذكورتان في الجامع الصغير، هذا كله مما أشار إليه في الجامع الصغير (^٢) (^٣).
ويرجع به أي بذلك النصف الذي أعطى إلى ولي الجناية الأولى.
ثم قيل هذه المسألة على الاختلاف أي الدفع إلى ولي الجناية الأولى.
ومن غصب صبيًّا حرًّا فذكر الغصب في حق الحر وقع مجازًا لأن الغصب إنما يتحقق في الأموال لا في الأحرار، ولكن أراد به الذهاب بالصبي بغير إذن وليه، وجه الاستحسان [أنه لا يضمن بالغصب ولكنه يضمن بالإتلاف لأن التلف حصل بما يضاف إلى الغاصب؛ فإنه لولا نقله وغصبه لما] (^٤) أصابته هذه الأشياء ظاهرًا وكان في معنى الحفر فتضمن العاقلة باعتبار أن النقل بسبب [منه] (^٥).
فإن قلت: ما جوابنا عن مسألة المكاتب فإنه لا ضمان هناك بالاتفاق مع وجود مثل هذا النقل وإن كان المكاتب صغيرًا، وما حكم من غصب الكبير ونقله إلى مثل هذه الأمكنة فمات بإصابة مثل هذه العوارض (^٦).
قلتُ: جوابنا عن المكاتب هو أن المكاتب في يد نفسه صغيرًا كان أو كبيرًا بخلاف الصغير الحر.
ألا ترى أن المكاتب الصغير لا يزوجه أحد [والحر الصغير يزوجه وليه؛ فعرفنا أن المكاتب الصغير بمنزلة الحر الكبير والحر الكبير في يد نفسه لا في يد الغاصب] (^٧) فكذا المكاتب وإن كان صغيرًا؛ هكذا ذكر المسألة القاضي الإمام [علي] (^٨) السغدي (^٩): في شرح الزيادات (^١٠).
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ج)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(٢) في (أ): في شروح الجامع الصغير؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٥٢)، العناية (١٠/ ٣٧٠)، البناية (١٣/ ٣٢١).
(٤) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) عرض له أمر: أي ظهر، وعرضت الناقة أي أصابها كسر وآفة، وقوله عرضة فعلة من عرض يعرض وكل مانع منعك من شغل وغيره من الأمراض. ينظر: الصحاح (٣/ ١٠٨٢)، لسان العرب (٧/ ١٧٩).
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) هو: علي بن الحسين بن محمد السغدي القاضي أبو الحسين الملقب شيخ الإسلام، والسغد - بضم السين المهملة وسكون الغين المعجمة وفى آخرها دال مهملة-: ناحية كثيرة المياه والأشجار من نواحي سمرقند، قال السمعاني: سكن بخارى وكان إمامًا فاضلًا فقيهًا مناظرًا وسمع الحديث، روى عنه شمس الأئمة السرخسي السير الكبير، وتوفي ببخارى سنة إحدى وستين وأربعمائة، من تصانيفه النتف في الفتاوى وشرح السير الكبير. ينظر: الجواهر المضية (١/ ٣٦١)، الأعلام للزركلي (٤/ ٢٧٩).
(١٠) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١).
[ ٢٥ / ٥٧ ]
وأما حكم الحر الكبير فإنه إذا غصبه إنسان ونقله إلى مكان فأصابه شيء من هذه العوارض ينظر إن قيده الغاصب حتى أصابه ولم يمكنه التحرز عنه يضمن؛ لأن المغصوب عجز عن حفظ نفسه بما صنع فيه فيجب الضمان على الغاصب، وإن لم يمنعه من حفظ نفسه لا يضمن؛ لأن البالغ العاقل إذا لم يحفظ نفسه مع إمكانه كان التلف مضافًا إلى تقصيره لا إلى الغاصب فلا يضمن، كالماشي إذا علم بالبئر ومشى كذلك حتى وقع في البئر لم يضمن الحافر شيئًا.
بخلاف الصغير فإنه عاجز عن حفظ نفسه من أسباب التلف كالماشي على البئر إذا لم يعلم بالبئر، هذا كله مما ذكره الإمام المحبوبي: (^١).
وإذا أودع صبي عبدًا إلى آخره (^٢).
وذكر في شرح الطحاوي (^٣): ومن أودع عند صبي مالًا فهلك في يده لا ضمان عليه بالإجماع (^٤)، وإن استهلكه الصبي فإنّه يُنظر إن كان الصبي مأذونًا له في التجارة يضمن بالإجماع وإن كان محجورًا عليه ولكنه قبِل الوديعة بأمر وليه ضمن بالإجماع.
وإن قبل بغير إذن وليه فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا في الحال ولا بعد الإدراك.
وقال أبو يوسف: يضمن (^٥) في الحال (^٦).
وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير من غير أن يكون عنده وديعة ضمن في الحال. قوله: وهذا يدل على أن غير العاقل يضمن بالإجماع.
وفي هذا الذي ذكره يساعده فخر الإسلام
ذكره في الجامع الصغير (^٧).
وأما في غيره من شروح الجامع الصغير لصدر الإسلام (^٨) (^٩) وقاضي خان (^١٠) والتمرتاشي (^١١) فالحكم على خلاف هذا؛ حيث قالوا فيها هذا الخلاف فيما إذا كان الصبي عاقلًا، وإن لم يكن عاقلًا فلا يضمن في قولهم.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١).
(٢) (وَإِذَا أُودِعَ صَبِيٌّ عَبْدًا فَقَتَلَهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ أُودِعَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ). ينظر: الهداية (٤/ ٤٩٦)، العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢).
(٣) شرح الطحاوي له مكانة علمية شامخة في المذهب، وقد نال به الطحاوي شهرة واسعة، والطحاوي هو أحمد بن محمد بن سلامة؛ أبو جعفر الطحاوي، الفقيه الإمام الحافظ، من أهم مصنفاته: أحكام القرآن، شرح معاني الآثار، شرح مشكل الآثار. ينظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٣٩)، لسان الميزان (١/ ٣٠٦)، الجواهر المضيئة (١/ ٢٧١).
(٤) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢).
(٥) في (أ): يصير؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢).
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢).
(٨) هو: محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم أَبو اليسر صدر الإسلام البزدوي، فقيه بخاريّ ولي القضاء بسمرقند. انتهت إليه رياسة الحنفية فيما وراء النهر. له تصانيف منها (أصول الدين - ط) توفي في بخارى فى رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ٢٧٠)، الأعلام للزركلي (٧/ ٢٢).
(٩) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢، ٣٢٣).
(١٠) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢، ٣٢٣).
(١١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧١)، البناية (١٣/ ٣٢٢، ٣٢٣).
[ ٢٥ / ٥٨ ]
وكذا إذا أتلفه غير الصَّبي في يد الصبي المودَع [حيث يضمن المتلف؛ ولو كان التسليط على الاستهلاك ثابتًا في حق الصبي المودع] (^١) لثبت في حق غيره أيضًا؛ لأن المال الذي سُلط على استهلاكه بمنزلة [المال] (^٢) المباح فكان لكل أحد ولاية الاستهلاك من غير ضمان.
ومن حجة أبي يوسف: ما ذكره في وديعة المبسوط فقال إن ضمان الاستهلاك ضمان فعل والصبي والبالغ فيه سواء، ولأن الإيداع من الصبي باطل لأنه استحفاظ من لا يحفظ فكأنه لم يودعه ولكنه جاء وأتلف ماله، واستحفاظ من لا يحفظ تضييع للمال فكأنه ألقاه على قارعة الطريق.
ولو فعل ذلك فأتلفه كان ضامنًا فهذا مثله حيث وضع المال في يد مانعه أي مانعه من الإيداع والإعارة في أنه لا ولاية له عليه، فإن الأصل أن كل يد مانعة على معنى أنها تمنع يد غيره عليه إلا إذا أقام يده مقام يده، وهاهنا لم يقم يده مقام يده لعدم الولاية له عليه، فكان التضييع من جهته بخلاف البالغ والمأذون له يعني لو أتلفا يضمنان بالإجماع؛ لأن لهما ولاية على نفسيهما فيصح الإيداع عندهما؛ وبعد صحة الإيداع لو أتلف المودَع الوديعة يضمن.
بخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدًا حيث يضمن المتلف (^٣) المودع.
لأن عصمته لِحَقهِ أي لحق العبد يعني لا باعتبار أن المالك يعصمه؛ لأن عصمة المالك (^٤) إنما تعتبر فيما له ولاية الاستهلاك حتى تمكن غيره من الاستهلاك بالتسليط.
وليس للمولى ولاية استهلاك عبده فلا يجوز له تمكين غيره من الاستهلاك، فلما لم يوجد التسلط (^٥) منه يضمن المستهلك سواء أكان المستهلك صغيرًا أم كبيرًا.
بخلاف سائر الأموال، فإن للمالك أن يستهلكها فيجوز له تمكين غيره من استهلاكها بالتسليط.
وذكر في الإيضاح: وهذا بخلاف قتل العبد لأنا إنما نعتبر فعله تمكينًا إذا كان هو متمكنًا من ذلك الفعل بملكه والمالك غير متمكن من القتل بملكه فلم يعتبر تمكينه.
فأما في غيره فهو متمكن من الإتلاف بالملك شرعًا وإنما لا يطلق له ذلك لكون الفعل سفهًا لا أنه غير مملوك له (^٦).
_________________
(١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (أ) و(ب): الصبي؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): المال؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): التسليط؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧٢).
[ ٢٥ / ٥٩ ]
وذكر في الأسرار في جواب هذا فقال: قلنا المولى بحكم يده ما كان يملك قتل العبد لكونه أجنبيًّا عنه في حق روحه وحياته والعبد فيه كالحر.
ثم قال: فإن قيل هذا الجواب يبطل بما لو كانت [الوديعة] (^١) شاة فخنقها (^٢) الصبي أو العبد فإنه لا يضمن، ورب الشاة ما كان يملك هذا بحكم ملكه (^٣).
قلنا: إنما يملك بحكم ملكه التصرف في حياتها فإنه يذبحها ولكن لا يملك الخنق؛ لأنه تضييع للمال لا لأنه إتلاف كما لو سيَّبَهَا (^٤) لم يصح.
وفي مسألة العبد لا يملك حياته ولا التصرف فيها بحكم أنه [تضييع ولكن بحكم أنه] (^٥) أجنبي عنه.
ألا ترى أنه لو أقرَّ عليه بالقصاص لا يصح إذ هو مبقى على أصل الحرية في حق الدم، فلما كان العبد في حق الدم بمنزلة الحر لم يصح الإيداع في حقه؛ لأن الحر لا يجوز أن يكون وديعة غيره فلذلك لم يتناوله الإيداع والتسليط.
وبخلاف ما إذا أتلفه غير الصبي لأنه سقطت العصمة (^٦) بالإضافة إلى الصبي دون غيره أي المالك بالإيداع عند الصبي إنما أسقط عصمة ماله عن الصبي لا عن غيره، وماله معصوم في حق غيره كما كان لأن التسليط إنما وجد في حق الصبي لا في حق غيره فصار مال الوديعة هنا بمنزلة من وجب عليه القصاص في حق دمه فإنه غير معصوم الدم في حق من له القصاص، ومعصوم [الدم] (^٧) في حق غيره كما كان، لما أن عدم عصمة دمه إنما يثبت في حق من له القصاص لا غير فكذا هنا.
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ج)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(٢) خَنَقَه يَخْنُقُه من باب قتل خنقًا؛ ومنه الخِنَاق بالكسر حبل يخنق به، وموضع الخنق في الحلق والعنق. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ٩٨)، لسان العرب (١٠/ ٩٢)، المصباح المنير (١/ ١٨٣).
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٧٢).
(٤) السائبة: هي المال الذي يسيبه: أي يهمله من غير أن يجعله ملكًا لأحد أو وقفًا على شيء من وجوه الخير. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ١٠٧).
(٥) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) العصمة: المنع، والعصمة أيضًا الحفظ؛ أي المنعة والحفظ من الضياع، والعصمة منع الله عبده من المعاصي مع التمكن منها وهي على نوعين: العصمة المؤثمة: التي تجعل من هتكها آثمًا، والعصمة المقومة: التي يجب في هتكها القصاص أو الدية؛ ومنه قولهم: المسلم معصوم الدم. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ٢١١)، لسان العرب (١٢/ ٤٠٤).
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٦٠ ]
فإن قيل: فصار حاصل تعليلهما دائرًا مع التسليط حيث وجد التسليط في حق الصبي دون غيره على ما ذكر، فيشكل على هذا ما لو استهلك الصبي الوديعة ثم جاء مستحق واستحقها وضمن الصبي لم يرجع الصبي على الآمر، ولو كان الإيداع منه تسليطًا لرجع بالضمان عليه كما لو قال له: أتلف هذا المال [فأتلفه] (^١) فإنه يرجع بما ضمن على الآمر.
قلنا: إنما فسرنا التسليط وحددناه بحد لا يَرِد عليه هذا السؤال وهو التمكن (^٢) منه بإثبات يده لا بأمر وطلب واستعمال، فكان نظير ما حددناه أن يقول لصبي أَبَحْتُ لك أن تأكل هذا المال فأكله ثم جاء مستحق وضمَّنه لم يرجع به على المبيح.
فكذلك إذا أثبت يده عليه لأنه مباح له بهذا ولا يكون محمولًا على التصرف، وأما إذا أمره بالإتلاف فقد استعمله بالحمل عليه.
ألا ترى أنه لو كان عبدًا صار غاصبًا بالاستعمال بأمره، وإذا صار مستعملًا صار ضامنًا له السلامة عن عهدة ما باشره باستعماله.
ألا ترى أنه لو قال لعبد: أبحت لك هذا الطعام فأكله العبد لم يصر هذا المبيح غاصبًا بخلاف ما لو استعمله بأمره؛ وهذا لأن فيما ذكرنا ثبت التسليط حكمًا لا صريحًا بالأمر وعن هذا وقع التفاوت.
ألا ترى أنه لو رأى عبده يتَّجر فسكت يصير العبد مأذونًا في التجارة، ولو ظهر أن العبد كان حرًا واستحقه (^٣) مستحق لم يرجع الغرماء على مولاه.
ومثله (^٤) لو قال: هذا عبدي أذنت له في التجارة فبايعوه ثم ظهر أنه كان حرًّا أو استحقه مستحق يرجع الغرماء على المولى؛ لأن الإذن في المبايعة مصرح به هاهنا ومسكوت عنه في الوجه الأول.
فإن قيل لو كان الإيداع من الصبي تسليطًا له على الإتلاف لضمن الأب مال الوديعة بتسليمه إلى ابنه الصغير ليحفظها؛ لأن التسليم إليه تضييع على هذا التقدير والمودَع يضمن بالتضييع ومع ذلك لا يضمن هناك، عرفنا أنه ليس بتسليط على الإتلاف.
وكذا الأب إذا دفع مال الصبي إليه لا يضمن إذا تلف في يده ولو كان تضييعًا لذلك بالتسليط لضمن الأب.
قلنا: إنما لم يضمن الأب فيها لأن يد من في عيال (^٥) المودع إذا كان أهلًا لحفظ الوديعة كَيَدِ المودع.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): التمكين؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): أو استحقه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ب): وبمثله؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٥) في (ب): لأن يد من عيال؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٦١ ]
ألا ترى أنه يحفظ مال نفسه بيد مثله فكذلك يحفظ مال غيره بيده فكانت يد الصبي كيَدِ الأب من هذا الوجه، ولو هلكت الوديعة في يد الأب لم يضمن فكذا إذا كان في يده حكم، هذا كله حاصل ما ذكره في وديعة الأسرار (^١) والجامع الصغير (^٢) للإمام المحبوبي.
ومن حجتهما أيضًا ما ذكره في وديعة المبسوط فقال: وحجتهما ما قال في الكتاب لأنه صبي وقد سلطه رب الوديعة على ماله حين دفعه إليه (^٣).
وفي تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام؛ أحدهما أنه تسليط باعتبار العادة لأن عادة الصبيان إتلاف المال لقلة نظرهم في عواقب الأمور، فهو لما مكنه من ذلك مع علمه بحالِهِ يصير كالإذن له في الإتلاف.
وبقوله [احفظ] (^٤) لا يخرج من أن يكون إذنًا (^٥) لأنه (^٦) إنما خاطب بهذا من لا يحفظ فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار (^٧) وقال لا تأكل.
بخلاف العبد والأمة [لأنه] (^٨) ليس من عادة الصبيان قتلهما لأنهم يهابون القتل فلا يكون إيداعه تسليطًا على القتل.
وأما في الدابة فإنهم يركبون الدواب فثبت التسليط في الدابة بطريق العادة.
والأصح أن نقول: معنى التسليط تحويل يده في المال إليه فإن المالك باعتبار يده كان متمكنًا من استهلاكه، فإذا حول يده إليه صار ممكنًا له من استهلاكه بالغًا كان المودع أو صبيًا إلا أن بقوله احفظ قصَدَ أن يكون هذا التحويل مقصورًا على الحفظ دون غيره وهذا صحيح في حق البالغ باطل في حق الصبي؛ لأنه التزام بالقيد (^٩) والصبي ليس من أهله فيبقى التسليط على الاستهلاك بتحويل اليد مطلقًا.
بخلاف العبد والأمة فإن المالك باعتبار يده ما كان متمكنًا من قبل الآدمي فتحويل اليد إليه لا يكون تسليطًا على قتله، فلما بقي التسليط مطلقًا في حق الصبي لم يضمن هو بالإتلاف، والدليل عليه أن الصبي لو ضيع الوديعة لم يضمن؛ بأن رأى إنسانًا يأخذها أو دل على أخذها والبالغ يضمن بمثله.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (١١/ ١١٩).
(٢) ينظر: المبسوط (١١/ ١١٩).
(٣) ينظر: المبسوط (١١/ ١١٩).
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): آذنًا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٦) في (ج): له به؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (أ): الجمال؛ وما أثبت من (ب) و(ج) في معناه.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): بالعقد؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٦٢ ]
وهذا الفرق إنما نشأ من أن الاستحفاظ صح في حق البالغ دون الصبي. والله أعلم بالصواب.
* * *