_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٣).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٣)، البناية (١٣/ ٤٩٣).
(٣) يتفق الحنفية والحنابلة وأكثر الشافعية على صحة الوصية إذا صدرت من مسلم لذمي، أو من ذمي لمسلم، واحتج لذلك بقول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ولأن الكفر لا ينافي أهلية التملك، فكما يصح بيع الكافر وهبته فكذلك الوصية. -ورأى بعض الشافعية أنها إنما تصح للذمي إذا كان معينا، كما لو قال: أوصيت لفلان. أما لو قال: أوصيت لليهود أو للنصارى أو حتى لو قال: أوصيت لفلان الكافر فلا تصح؛ لأنه جعل الكفر حاملا على الوصية. -أما المالكية فيوافقون من سواهم على صحة وصية الذمي لمسلم. -أما وصية المسلم لذمي فيرى ابن القاسم وأشهب الجواز إذا كانت على وجه الصلة، بأن كانت لأجل قرابة، وإلا كرهت. إذ لا يوصي للكافر ويدع المسلم إلا مسلم مريض الإيمان. وصرح الحنفية كما في الطحاوي على الدر، وغيره، بأن الكافر إذا أوصى لكافر من ملة أخرى جاز، اعتبارا للإرث، إذ الكفر كله ملة واحدة. ينظر: الطحطاوي ٤/ ٣٣٦، والبدائع ٧/ ٣٣٥، والدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ٤٢٦، ونهاية المحتاج ٦/ ٤٨، وكشاف القناع ٤/ ٢٩٦
[ ٢٥ / ١٨٩ ]
ذكر وصية الكافر بعد ذكر وصية المسلم لأن الكفار ملحقون بالمسلمين في أحكام المعاملات بطريق التبعية فكان ذكر التبع بعد ذكر المتبوع من المناسبة.
وأما عندهما (^١) فلأن هذه معصية (^٢) فلا تصح عندهما فثبت بهذه الجملة أنها تورث بالاتفاق ولكن على اختلاف التخريج (^٣)؛ فعند أبي حنيفة: لعدم لزوم الوقف؛ وعندهما لكون الفعل معصية، ولا يقال: البيعة في حقهم كالمسجد في حقنا والمسلم إذا جعل داره مسجدًا في صحته وسلم إلى المتولي لا يورث فينبغي أن تكون البيعة كذلك؛ لأنا نقول: المسجد تحرر عن حقوق العباد وصار لله تعالى خالصًا فلا يورث ولا كذلك البيعة؛ لأن البيعة عندهم لمنافع الخلق فإنها يسكن فيها أساقفتهم ويدفن فيها موتاهم كذا في الجامع الصغير (^٤) لقاضي خان: وغيره.
وإن أوصى بداره كنيسة لقوم غير مسمين جازت الوصية عند أبي … حنيفة:؛ فالحاصل أن أبا حنيفة: فرق بين جعل الذمي داره بيعة أو كنيسة وبين وصيته بأن يجعل داره بيعة أو كنيسة فلم يجز في الأول كما هو مذهبهما (^٥) وأجاز في الثاني من الثلث.
وله أن هذه قربة في معتقدهم ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون؛ قال مشائخنا ﵏: هذا الاختلاف فيما إذا أوصى ببناء بيعة أو كنيسة في القرى؛ فأما في المصر فلا يجوز بالاتفاق لأنهم لا يمكنون (^٦) من إحداث البيعة في الأمصار كذا في الجامع الصغير البرهاني (^٧) (^٨).
_________________
(١) سبق ص ١٧١.
(٢) الْمَعْصِيَةِ فِي اللُّغَةِ: الْخُرُوجُ مِنَ الطَّاعَةِ يُقَال عَصَاهُ مَعْصِيَةً وَعِصْيَانًا: خَرَجَ مِنْ طَاعَتِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ فَهُوَ عَاصٍ وَعَصَّاءٌ وَعَصِيٌّ، والمعصية مخالفة الأمر قصدًا .. وَفِي الاِصْطِلَاحِ: قَال الْبَزْدَوِيُّ: الْمَعْصِيَةُ اسْمٌ لِفِعْل حَرَامٍ مَقْصُودٍ بِعَيْنِهِ. ينظر: التعريفات (٢٢٢)، معجم لغة الفقهاء (٤٤١)، كشف الأسرار عن أصول البزدوي … ٣/ ٢٠٠.
(٣) في (ج): الترجيح؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٤١).
(٥) في (أ) و(ب): مذهبنا؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): لا يتمكنون؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) تبيين الحقائق (٦/ ٢٠٥)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٥١٩).
(٨) لعل المقصود: شرح برهان الدين البخاري على الجامع الصغير؛ وهو مخطوط. ينظر: الفوائد البهية (ص/ ٢٠٥)، البحر الرائق (٢/ ٣٣).
[ ٢٥ / ١٩٠ ]
امتنع ثبوت مقتضاه أي مقتضى الوصية بتأويل الإيصاء وهو زوال الملك، فبقي فيما هو قربة أي عندهم.
على مقتضاه أي مقتضى الوصية وهو زوال الملك فلذلك لا يورث؛ وهذا لأن الوصية وضعت (^١) لزوال الملك إلا أن لفظ الوصية تباعد عن إفادة مقتضاها وهو زوال الملك فيما إذا أوصى بما ليس بقربة في معتقدهم؛ فإذا أوصى بما هو قربة في معتقدهم عملت عملها.
ثم سأل محمد: سؤالًا (^٢) فقال: كيف يكون هذا قربة من الذمي وأنه لا يثاب على ذلك؛ قلنا: الأحكام في حقهم إنما تبنى على ما يُظْهِرون لا على الحقيقة.
ألا ترى أنه إذا ذبح وسمى اسم الله تعالى تحل ذبيحته وإن كان ما يعتقده إلهًا ليس بإله على الحقيقة؛ ولو ذبح باسم المسيح لا تحل ذبيحته على ما قال علي ط: «إذا سمعتموهم سموا لغير الله فلا تأكلوا» (^٣)؛ كذا في زيادات صاحب الكتاب (^٤).
وقوله: وهو ما ذكرناه وهو الذي ذكره بالوصية ببناء البيعة والكنيسة.
والجهة مَشُورة (^٥) أي صرف هذا المال الموصى به (^٦) إلى استضاءَة المسجد وغيرها خرج منه على طريق المشورة لا على طريق الإلزام.
وذكر الإمام قاضي خان: وإذا أوصى بما هو طاعة عندنا معصية عندهم كالوصية ببناء المسجد أو بالإسراج فيه فإن سمى لقوم بأعيانهم صحت ويكون تمليكًا منهم وتبطل الجهة التي عينها إن شاءوا [فعلوا ذلك وإن شاءوا] (^٧) تركوا؛ وإن كانوا لا يحصون لا يصح لأنه لا يمكن (^٨) تصحيحه تمليكًا وأنها ليست بقربة في اعتقادهم حتى يكون تمليكًا من الله تعالى في اعتقادهم فلا يصح.
أو يغزى الترك من الروم (^٩) أي كفرة من الدَيلم.
أو [إن أوصى] (^١٠) بأن يشترى العبد من ثلث ماله ويعتق في سبيل الله فإنها صحيحة بالاتفاق لأن هذه وصية بما هو قربة فتكون صحيحة.
_________________
(١) في (ب): وقعت؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب) و(ج): على نفسه سؤالًا؛ وما أثبت من (أ) قريب منه.
(٣) لم أجد لهذا الأثر ذكرا في كتب السنة، وله ذكر في كتب الفقه الحنفي. ينظر: المبسوط (١١/ ٢٤٦).
(٤) ينظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص (٧/ ٢٤٢).
(٥) في (ج): مشهورة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (أ): له؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): لأنه يمكن؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (أ): وهو من اللزوم؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٩١ ]
غاية ما في الباب أنه لا يؤجر بهذه الوصية ولا يستحق الثواب بها؛ ولكن استحقاق الثواب ليس بشرط لصحة الوصية، بل شرط صحة الوصية جعله الله تعالى بجهة القربة.
ألا ترى أن المسلم إذا أوصى بشيء هو قربة ولم تحضره النية صحت الوصية وإن كان لا يستحق الثواب كذا ذكره صاحب الكتاب.
وفي المرتدة الأصح أنه تصح وصاياها وذكر صاحب الكتاب في الزيادات على خلاف هذا؛ وقال: قال بعضهم (^١): لا تكون بمنزلة الذمية وهو الصحيح حتى لا يصح منها وصية؛ والفرق بينها وبين الذمية أن الذمية تُقَرُّ على اعتقادها وأما المرتدة فلا تقر على اعتقادها.
وإذا دخل الحربي بأمان فأوصى لمسلم أو ذمي بماله كله جاز؛ قيل هذا إذا لم يكن ورثته معه في دار الإسلام؛ أما إذا كانت الورثة معه يتوقف على إجازتهم؛ وأشار إلى هذا في الكتاب بقوله: وليس لورثته حق مرعي لكونهم في دار الحرب فذلك صحيح من غير اعتبار الثلث.
لما بينا أراد به قوله لأن امتناع الوصية بما زاد على الثلث لحق الورثة إلى آخره (^٢).
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يجوز لأنه من أهل الحرب.
وفي المبسوط وذكر في الأمالي (^٣) أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لا تصح الوصية من المسلم والذمي للمستأمن؛ لأنه وإن كان في دارنا صورة فهو من أهل دار الحرب حكمًا حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب، ووصية من هو من أهل دار الإسلام لمن هو من أهل دار الحرب باطلة؛ لأن لتباين الدارين تأثيرًا في وضع (^٤) العصمة والموالاة.
ولو أوصى لحربي في دار الإسلام وقوله في دار الإسلام ظَرف لأَوصَى لا لِقوله حربي أي لو أوصى الذمي في دار الإسلام لحربي في دار الحرب لم يجز لتباين الدارين بينهما حقيقة وحكمًا كذا لفظ المبسوط (^٥)؛ ولأن الذمي لو أوصى لحربي في دار الإسلام يجوز على ما ذكر قبل هذا بقوله: وكذا لو أوصى له أي (^٦) للمستأمَن مسلم أو ذمي بوصية جاز.
والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) في (أ): وقال بعضهم؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَلِهَذَا تَنْفُذُ بِإِجَازَتِهِمْ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٣٧)، العناية (١٠/ ٤٩٥)، البناية (١٣/ ٤٩٨).
(٣) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٩٣).
(٤) في (ب): قطع؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٥) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٩٣).
(٦) في (ب): أو؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٩٢ ]
* * *