لما فرغ (^٤) من بيان أحكام جناية المالك وهو الحر والجناية عليه شرع في بيان أحكام جناية المملوك وهو العبد؛ وأخَّره لانحطاط رتبته عن الحر.
_________________
(١) باب: في اللغة: ما يدخل منه ويخرج حسًا، واصطلاحًا: اسم لجملة من العلم يشتمل على فصول ومسائل غالبًا. ينظر الأفنان الندية (١/ ١٢٧).
(٢) الجناية في الأصل: مصدر جنى يجني جناية؛ من جنى الثمار وأخذها من على شجرة؛ وتطلق على كل ما يجنيه الإنسان من شرور وآثام. وعرفها الحنفية بأنها: اسم لفعل محرم حل بمال أو نفس. وعرفها المالكية بأنها: فعل الجاني الموجب للقصاص أو هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره مما يضر حالا أو مآلا. وعرفها الشافعية بأنها: الجناية على الأبدان، وعرفها الحنابلة بأنها: كل فعل أو عدوان على نفس أو مال. ينظر: المصباح المنير (١/ ١١٢)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٢٧)، الشرح الكبير للإمام الدردير (٤/ ٢١٤) ومواهب الجليل للحطاب (٦/ ٢٧٦)، الأم للإمام الشافعي (٦/ ١) وتحفة المحتاج لابن حجر (٤/ ١)، المغني لابن قدامة ومعه الشرح الكبير (٩/ ٣١٨).
(٣) مملوك: وهو اسم مفعول من ملكت الشيء إذا دخل في ملكك والمراد الأرقاء؛ وكل عبد مملوك وليس كل مملوك عبدًا، لأنه قد يملك المال والمتاع فهو مملوك وليس بعبد، والعبد هو المملوك من نوع ما يعقل. المطلع على ألفاظ المقنع (١/ ٤٣٠) - معجم الفروق اللغوية، باب الفرق بين العترة والآل (١/ ٣٥٠).
(٤) أي صاحب الهداية
[ ٢٥ / ١ ]
وإذا جنى العبد جناية خطأ (^١) قيل لمولاه إما أن تدفعه بها أو تفديه.
ثم اعلم أن التقييد بالخطأ [هنا إنما يفيد في جناية العبد في النفس لأنه إذا كان عمدًا يجب القصاص (^٢)؛ وأما فيما دون النفس فلا يفيد التقييد بالخطأ] (^٣) في هذا الحكم؛ لأن خطأ العبد وعمده فيما دون النفس على السواء؛ فإنه يوجب المال في الحالين؛ لأن القصاص لا يجري بين العبيد والعبيد (^٤) ولا بين العبيد والأحرار (^٥) فيما دون النفس.
_________________
(١) القول الأول في أقسام الجناية على النفس: أنها قسمان: عمد وخطأ؛ وإليه ذهب مالك المدونة (٦/ ٣٠٦)، والقول الثاني: أنها ثلاثة أقسام؛ وإليه ذهب الشافعية (الأم ٦/ ٦) والحنابلة (الكافي ٤/ ٣) وأبوحنيفة في رواية (المبسوط ٢٦/ ٥٩) وبعض المالكية (تفسير القرطبي ٥/ ٣٢٩)، والقول الثالث: أنه أربعة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ وما أجري مجرى الخطأ؛ وهو لبعض الحنفية (بدائع الصنائع ٧/ ٢٣٣) وبعض الحنابلة (المقنع ٣/ ٣٣٠)، القول الرابع: أنها خمسة أقسام: فأضافوا القتل بالتسبب؛ وذهب إليه أكثر الحنفية وهو المختار للمتأخرين منهم (أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢٢٣).
(٢) القصاص يطلق على معان؛ منها: المماثلة، يقال اقتص ولي المقتول من القاتل: استوفى قصاصه؛ أي اقتص له منه بجرحه مثل جرحه إياه أو قتله به. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ٣٢٧). وفي الاصطلاح: أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل. ينظر: التعريفات (ص/ ١٤٦).
(٣) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في المذهب الحنفي: لا يجري القصاص في الأطراف بين العبدين؛ ويقول ابن عابدين في حاشيته ٥/ ٣٥٦ (ولا بين العبدين للتفاوت في القيمة وإن تساويا فيها فذلك بالحرز والظن وليس بيقين فصار شبهة فامتنع القصاص بخلاف طرف الحرين لأن استواءهما متيقن بتقويم الشرع). واحتجوا (بما روي أن غلامًا لقوم فقراء قطع أذن غلام لقوم أغنياء فلم يقتص منهم رسول الله - ﷺ - ولم يجعل له شيئًا) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨) وأبوداود (٤/ ٧١٢) وأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فينعدم التماثل بالتفاوت في القيمة؛ ولأن التساوي في الأطراف معتبر في جريان القصاص وأطراف العبيد لا تتساوى. ينظر: المبسوط (٢٦/ ١١٧)، رد المحتار (١٠/ ٢٠٢)، المغني (١١/ ٤٧٦). وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى جريان القصاص في الأطراف بين العبدين. قال ابن قدامة: «كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس، جرى القصاص بينهما في الأطراف، فيطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم …». واستدلوا بالعمومات وبما روي عن عمر أنه قال: (ويقاد المملوك من المملوك في كل عمد يبلغ نفسه فما دونها) أخرجه عبدالرزاق (١٠/ ٧) والبيهقي ٨/ ٣٨) ينظر: المدونة (٤/ ٦٠٥)، الأم (٦/ ٧٣)، المغني (١١/ ٥٠١).
(٥) لا يجري القصاص بين الحر والعبد في الأطراف عند الحنفية. ينظر: الأصل (٤/ ٤٩٠)، الهداية (٤/ ٥١٠)، وعند المالكية والشافعية والحنابلة: يقطع الناقص بالكامل كالعبد بالحر؛ ولا يقطع الكامل بالناقص كالحر بالعبد. ينظر: حاشية الدسوقي (٦/ ١٩٧)، الإقناع (٤/ ١٢٧).
[ ٢٥ / ٢ ]
ثم إنما يقال لمولى العبد بهذا بعد الاستيفاء (^١) (^٢)؛ لأنه لا يقضى على المولى بشيءٍ من ذلك حتى يبرأ المجني عليه اعتبارًا لجناية العبد بجناية … الحر.
وقد بينا أنه يستأنى (^٣) في جناية الحر؛ لأن موجبها يختلف بالسراية (^٤) وعدم السراية فلا يصير ذلك مَعْلومًا قبل الاستيفاء (^٥)، والقضاء بالمجهول غير ممكن؛ كذا في المبسوط (^٦) (^٧).
وفائدة الاختلاف في اتباع (^٨) الجاني بعد العتق؛ يعني أن المجني عليه عند الشافعي (^٩): يتبع العبد الجاني بعد عتقه (^١٠).
_________________
(١) في (ج): الاستثناء؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) الاستيفاء: طلب الوفاء بالأمر ومنه استيفاء العضو بالمسح، واستيفاء القصاص: أن يفعل المجني عليه أو وليه بالجاني مثل ما فعل أو عوضه. ينظر: معجم لغة الفقهاء (٦٧)؛ المطلع على ألفاظ المقنع (٤٣٧).
(٣) يستأنى: أي ينتظر؛ وهو استفعال من الإنى بكسر الهمزة وفتح النون وتسكينها أيضًا وهو أحد الآناء وهي الساعات؛ واستأنى: تأنى؛ ويقال استأنى في الأمر وبه ترفق ينظر: طلبة الطلبة (١٤٧)، المعجم الوسيط (١/ ٣١).
(٤) السراية: هي «النفوذ» في المضاف إليه، ثم تسري إلى باقيه كما في العتق بالاتفاق، وكذا في الطلاق على الأصح. والسراية في اللغة: اسم للسير في الليل؛ يقال: سريت بالليل وسريت الليل سريا إذا قطعته بالسير، والاسم سِراية. وقد تستعمل في المعاني تشبيها لها بالأجسام؛ ويقال في الإنسان: سرى فيه عرق السوء. ومن هذا القبيل قول الفقهاء: سرى الجرح من العضو إلى النفس أي دام ألمه حتى حدث منه الموت، وقولهم: قطع كفه فسرى إلى ساعده، أي تعدى أثر الجرح إليه، كما يقال: سرى التحريم من الأصل إلى فروعه. ينظر: المنثور في القواعد الفقهية (٢/ ٢٠٠)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (١/ ٢٧٥).
(٥) في (ج): الإعتاق؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٢٧).
(٧) المبسوط لشمس الأئمة محمد بن أحمد السرخسي ت ٤٩٠ هـ وقيل ٤٨٣ - استوعب فيه المؤلف جميع أبواب الفقه بأسلوب سهل وهذا الكتاب شرح لكتاب الكافي للحاكم المروزي. الأنساب للسمعاني (٣/ ص ٢٤٤).
(٨) في (ب): إيقاع؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب ويجتمع مع النبي - ﷺفي عبد مناف بن قصي؛ ينسب إلى الصحابي شافع بن السائب ط؛ أبو عبد الله الشافعي الإمام فقيه الملة؛ ولقبه أهل بغداد بناصر الحديث وهو نقل هذا القول فقال: "سميت ببغداد ناصر الحديث"؛ ت ٢٠٤ هـ. ينظر: تذكرة الحفاظ (١/ ٣٦١ - ٣٦٣).
(١٠) ينظر: الأم - كتاب جراح العمد (٦/ ٢٩).
[ ٢٥ / ٣ ]
وفي الإيضاح (^١) أن موجب جناية العبد صيرورته جزاء جنايته عندنا قَلَّت الجناية أم كثرت وللمولى أن يختار الفداء (^٢).
وعند الشافعي الجناية في رقبته يباع فيها إلا أن يفديه المولى (^٣).
وفي الأسرار (^٤) جناية العبد على الآدمي إذا أوجبت المال صار العبد للمجني عليه جزاءً بجنايته والوجوب على المولى دون العبد؛ فيقال للمولى عليك تسليم العبد بالجناية إلى ولي الجناية إلا أن يختار الفداء بالأرش (^٥) فيخير المولى بين الدفع بالجناية أو الفداء بالأرش (^٦).
وقال الشافعي: حكم جنايته على الآدمي كحكم جنايته على البهيمة وإتلاف (^٧) المال؛ يقال للمولى إما أن تؤدي أو يباع عليك العبد (^٨)؛ فيكون الوجوب على العبد في الأصل.
_________________
(١) الإيضاح في الفروع للإمام أبي الفضل عبدالرحمن بن محمد الكرماني الحنفي ت ٥٤٣. ينظر: كشف الظنون (١/ ٦٥)، خزانة التراث-مركز الملك فيصل (٧٥/ ٢٨٢).
(٢) ينظر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٧٦).
(٣) ينظر: الأم (٣/ ١٨٨ - ١٨٩)، الحاوي الكبير (٧/ ٤٦).
(٤) الأسرار في الأصول والفروع للشيخ العلامة أبي زيد الدبوسي الحنفي ت ٤٣٢ هـ، الجواهر المضيئة (٤/ ٤٧).
(٥) الأرش: يطلق على عدة معان: المعنى الأول: التحريش والإفساد والإغراء، المعنى الثاني: يطلق الأرش على ما ليس له قدر من الدية في الجراحات فما يأخذه المجني عليه جناية ليس لها قدر معلوم من الدية يسمى أرشا وهذا الأرش جابر للمجني عليه بسبب الجناية، المعنى الثالث: يطلق الأرش على الخدش، والمأروش المخدوش، المعنى الرابع: ما يأخذه المشتري من البائع إذا اطلع على عيب في المبيع. ينظر: تهذيب اللغة ١١/ ٤٠٧، مقاييس اللغة ١/ ٧٩، لسان العرب ٦/ ٢٦٣. تعريف المذهب الحنفي للأرش: "أن يقوم المبيع وهو سالم من العيب ثم يقوم وبه هذا العيب، ثم يعرف التفاوت بين القيمتين فيرجع المشتري على البائع بحصته من الثمن" ينظر: البحر الرائق ٦/ ٥٢، بدائع الصنائع ٥/ ٢٩١ تعريف المالكية " أن تُقَوم السلعة صحيحة غير معيبة، ثم تقوم على أنها معيبة ثم يرجع المشتري بما بين قيمة السلعة صحيحة ومعيبة" ينظر: حاشية الدسوقي ٣/ ١١٤، مواهب الجليل ٤/ ٤٤٤. تعريف الشافعية: "جزء من ثمن المبيع نسته إليه نسبة ما ينقص العيب من قيمة المبيع لو كان سليما إلى تمام القيمة" ينظر: الأم ٣/ ٦٩، مغني المحتاج ٢/ ٥٤. تعريف الحنابلة: "قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن" ينظر: شرح منتهى الإرادات ٢/ ١٧٧، الإنصاف ٤/ ٤١٢.
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٢٧٦)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٤/ ٣٠٥).
(٧) التلف: الهلاك والعطب في كل شيء؛ والمتالف المهالك. ينظر: لسان العرب (٩/ ١٨).
(٨) ينظر: كشف الأسرار (٤/ ٣٠٥).
[ ٢٥ / ٤ ]
فتجب في ذمته (^١) أي في ذمة العبد؛ لأن ضمان الجناية [في حق من لا عاقلة له بمنزلة ضمان المال فيكون واجبًا في ذمته؛ ثم الدين في ذمة العبد] (^٢) يكون شاغلًا لمالية رقبته فيباع فيه إلا أن يقضي المولى ديته كما في الدين وهو [ظاهر] (^٣) على ما قلنا.
وفي بعض النسخ كما في الذمي (^٤) يعني: إذا قتل الذمي
رجلًا خطأ (^٥) تجب ديته في ذمته لا على عاقلته كما في إتلاف المال.
وقوله بعد هذا بخلاف الذمي يدل على صحة هذه النسخة.
وحجتنا في ذلك أن المستحق بالجناية على النفوس نفس الجاني إذا أمكن.
ألا ترى أن في جناية العمد المستحق نفس الجاني قصاصًا حرًا كان أو عبدًا فكذلك في الخطأ؛ إلا أن استحقاق النفس نوعان أحدهما بطريق الإتلاف عقوبة؛ والآخر بطريق التملك على وجه الجبران.
والحر من أهل أن تستحق نفسه بطريق العقوبة لا بطريق التملك (^٦)؛ والعبد من أهل أن تستحق نفسه بالطريقين جميعًا؛ فيكون العبد مساويًا للحر في حالة العمد ويكون مفارقًا له في حالة الخطأ؛ لأن عذر الخطأ لا يمنع استحقاق نفسه تملكًا والسبب يوجب الحكم في محله؛ وفي حق الحر لم يصادف محله وفي حق العبد السبب قد صادف محله فيكون مفيدًا حكمه؛ وهو أن نفسه صارت مستحقة للمجني عليه تملكًا لتحقيق (^٧) معنى الصيانة عن الهدر (^٨).
_________________
(١) الذمة: الذمة العهد والأمان؛ وأهل الذمة أهل العقد؛ والجزية ما يؤخذ من أهل الذمة وسموا بذلك لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم، وفي كلام الفقهاء: الوجوب عليه بعهده وقبوله. الصحاح (٥/ ١٩٢٦) (٦/ ٢٣٠٣)، لسان العرب (١٢/ ٢٢١)، طلبة الطلبة (٦٥).
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) الذمي: الكافر الذي يقيم في دولة الإسلام بعقد يصير به من مواطنيها ويؤدي الجزية حفاظًا على الروح والمال والعرض. ينظر: المصباح المنير (ص/ ١١١)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ١٩١).
(٥) لا خلاف بين الفقهاء في تعريف القتل الخطأ وحكمه وهو نوعان: الأول: الخطأ في القصد وهو أن يرمي شخصًا يظنه صيدًا أو حربيًا فإذا هو مسلم، والثاني: الخطأ في الفعل وهو أن يرمي غرضًا فيصيب آدميًا. ينظر: الاختيار (٢/ ٥٠٣).
(٦) في (ج): الملك؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب منه.
(٧) في (ج): لتحقق؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) الهدر: يقال ذهب دم فلان هدرًا؛ أي باطلًا. ينظر: شمس العلوم (١٠/ ٦٨٨٧).
[ ٢٥ / ٥ ]
والطريق الثاني أن موجب جناية الخطأ يتباعد عن الجاني لكونه معذورًا في ذلك؛ وكون الخطأ موضوعًا شرعًا، ويتعلق بأقرب الناس إليه لإظهار صيانة المحل المحترم والتخفيف على المخطئ.
ألا ترى أن في حق الحر يجب على عاقلته (^١) لهذا المعنى؛ فكذلك في حق العبد إلا أن (^٢) عاقلة العبد مولاه؛ لأن الحر يستنصر بعاقلته ويزداد قوةً وجرأةً بهم كما أن المملوك يستنصر بمولاه فيجب ضمان جنايته على المولى؛ إلا أن للمولى أن يقول إنما لحقني هذا البلاء بسبب ملكي فيه ولي أن أتخلص عنه بنقل ملكي فيه إلى المجني عليه فأدفعه بالجناية؛ فإذا دفعه كان المجني عليه هو المالك فلا يجب عليه شيء آخر بالجناية عليه.
وإذا لم يدفعه كانت الدية (^٣) عليه بخلاف ضمان المال فإنه يجب في ذمة المتلف ولا يخاطب به غيره كما في حق الحر؛ كذا في المبسوط (^٤).
وقوله إلا أنه يخير [أي يخير] (^٥) المولى في أصل المسألة؛ وهو ما إذا جنى العبد خطأ وهذا استثناء من قوله: والمولى عاقلته (^٦)؛ يعني بالنظر إلى أن المولى عاقلته ينبغي أن لا يثبت الخيار للمولى بين الدفع والفداء كما لا يثبت هذا الخيار لسائر العواقل؛ وفرق بين المولى وبين سائر العواقل بهذا.
_________________
(١) العاقِلة بكسر القاف والعاقلة صفة موصوف محذوف أي الجماعة العاقلة مؤنث عاقل وهو دافع الدية. ينظر: لسان العرب (١٥/ ٣٨٣)، المعجم الوسيط (٢/ ٦١٧). مذاهب الفقهاء: المذهب الأول: العاقلة هم عصبة الجاني؛ وهو مذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وقول عند المالكية. ينظر: أسنى المطالب (٨/ ٢٠٣)، مغني المحتاج (٥/ ٣٥٨)، المغني والشرح الكبير (١١/ ٤٩١)، حاشية الدسوقي (٦/ ٢٥٠). المذهب الثاني: العاقلة هم أهل الديوان وهو مذهب الحنفية والقول الآخر عند المالكية واختلفوا إن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته وأقاربه وكل من يتناصر هو بهم. ينظر: البناية (١٣/ ٣٦٤)، تكملة فتح القدير لقاضي زاده (١٠/ ٤٢٤). وقال المالكية: إن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته عصبته فإن لم يكن له عصبة فتؤدى الدية من بيت المال. ينظر: الذخيرة (١٠/ ١١٤)، حاشية الدسوقي (٦/ ٢٥٠).
(٢) في (ج): لأن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) وديت القتيل أديه دية إذا أعطيته ديته، وقد وديت المقتول أي أديت ديته من حد ضرب، فالدية اسم للمال ومصدر، شرعًا: اسم للمال الذي هو بدل النفس. ينظر: المغرب (ص/ ٤٨٠)، تكملة البحر الرائق للطوري (٨/ ٣٧٢).
(٤) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٢٧).
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ج): على عاقلته؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٦ ]
وقال إنما يخير المولى هاهنا؛ لأن التخيير للتخفيف والتخفيف مطلوب في الموضعين غير أن أثر التخفيف تحقق (^١) في سائر العواقل بوجه آخر وهو التوزيع والقسمة عليهم على وجه لا يورث الإجحاف (^٢)؛ لأن بهم كثرة فكان تخفيفًا؛ وأما هاهنا فالمولى واحد فإثبات التخفيف فيه إنما يحصل بإثبات الخيار له.
غير أن الواجب الأصلي هو الدفع في الصحيح؛ هذا احتراز عن رواية أخرى ذكرها الإمام التمرتاشي (^٣) (^٤):؛ والصحيح أن الأصل هو الدية والأرش لكن للمولى أن يدفع هذا الواجب بدفع الجاني.
وذكر في الأسرار: وقد ذكر بعض مشائخنا أن الواجب الأصلي هو الأرش على المولى وله المخلص بالدفع، ثم قال والرواية بخلاف هذا في غير موضع (^٥).
وقد نص محمد بن الحسن (^٦): أن الواجب هو العبد (^٧)؛ ولأن المولى ليس بجانٍ ولا عاقلة هو للعبد؛ لأن ولاية القرابة منقطعة بالرق والمولى ما اشتراه ليواليه ويعقل عنه بل ليستخدمه.
ولهذا يسقط الموجب بموت العبد؛ أي إذا هلك العبد قبل الاختيار بريء المولى من مطالبة المجني عليه حقه من الدفع والفداء؛ ولو لم يكن الموجب الأصلي هو الدفع أو أحد شيئين من (^٨) الدفع والفداء بالأرش لكان إذا هلك العبد قبل الاختيار أن يتعين الأرش وليس كذلك دل أن الموجَب الأصلي هو الدفع؛ وله التخليص باختيار الفداء ثم بعد ذلك أيًا منهما اختاره يكون ذلك حالًا ولا يكون مؤجلًا على ما ذكر في الكتاب (^٩) كذا في الذخيرة (^١٠) (^١١).
_________________
(١) في (ب) و(ج): ظهر؛ وما أثبت من (أ) قريب منه.
(٢) أجحف السيل بالشيء: ذهب به، وأجحف بعبده: كلفه ما لا يطيق؛ ثم استعير الإجحاف في النقص الفاحش. ينظر: المصباح المنير (١/ ٩١).
(٣) هو: أحمد بن إسماعيل بن محمد إيدغمش التمرتاشي الخوارزمي، الحنفي ظهير الدين، أبو محمد مفتي خوارزم. توفي في حدود سنة ٦٠٠ هـ. من مؤلفاته: «شرح الجامع الصغير»، وكتاب «التراويح». ينظر: الجواهر المضية (١/ ٦١)، الأعلام للزركلي (١/ ٩٧).
(٤) ينظر: العناية شرح الهداية (١٠/ ٣٤٠).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٠).
(٦) محمد بن الحسن الشيباني من صغار تلاميذ أبي حنيفة ولكنه أكثرهم خدمة للمذهب وكان من بحور العلم والفقه. ينظر: الفوائد البهية (١٦٣).
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٠).
(٨) في (أ): بين؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) هو مختصر القدوري في فروع الحنفية للإمام أبي الحسين: أحمد بن محمد القدوري البغدادي الحنفي. المتوفى: سنة ٤٢٨ ثمان وعشرين وأربعمائة. وهو: الذي يطلق عليه لفظ: (الكتاب) في المذهب. ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (٢/ ١٦٣١).
(١٠) ذخيرة الفتاوى المشهورة بالذخيرة البرهانية للإمام برهان الدين محمود بن أحمد البخاري ت ٦١٦ هـ -اختصرها من كتابه المشهور بالمحيط البرهاني. ينظر: كشف الظنون (١/ ٨٢٣).
(١١) ينظر العناية (١٠/ ٣٤١).
[ ٢٥ / ٧ ]
فإن قلت: قوله ولهذا يسقط الموجب بموت العبد لإيضاح أصالة الدفع دون الفداء؛ وهذا الحكم ثابت أيضًا فيما إذا أتلف العبد مال إنسان ثم مات يسقط الموجب بموته ولا يطالب المولى بضمان ما أتلف مع أن في إتلاف المال لم يشرع الدفع أصلًا، والرواية في الجامع الصغير (^١) (^٢) للإمام … التمرتاشي: صريحًا، وفي مبسوط شيخ الإسلام (^٣): إشارة؛
قلتُ: حق صاحب الحق في الصورتين تعلق برقبة العبد؛ وإذا مات العبد فقد فات المحل الذي تعلق به حقهما فسقط الحق لذلك؛ وحاصله (^٤) أن في صورة إتلاف المال الدفع حاصل أيضًا؛ لأن الغرماء هم الذين يتولون بيع العبد فكان العبد مدفوعًا إليهم.
وذكر في آخر هذا الباب من المبسوط في هذه المسألة: وسواء مات العبد بآفة سماوية أو بعثه المولى في حاجته فعطب (^٥) فيها أو استخدمه فلا ضمان عليه فيما لحقه بذلك؛ لأن للمولى حق الاستخدام في العبد الجاني ما لم يدفعه فلا يكون فعله ذلك تعديًا (^٦) كما في مال الزكاة (^٧)؛ فإن موجب مال الزكاة وهو وجوب الزكاة بعد حولان الحول يسقط عن صاحبه بهلاك ذلك المال وإن كان لصاحبه [حق] (^٨) نقل (^٩) آداء الزكاة من مال آخر بخلاف موت الجاني الحر؛ أي أن موجب جناية الحر لا يسقط عن العاقلة بموت الجاني فصار كالعبد في صدقة الفطر؛ أي فصار موت الجاني الحر في عدم سقوط الموجب كموت العبد في حق صدقة الفطر؛ فإن صدقة الفطر إذا وجبت على المولى لا تسقط بموت العبد فكذلك في موت الجاني الحر؛ فلأن التأجيل في الأعيان باطل (^١٠)؛ لأن التأجيل شرع للتحصيل ترفهًا وتحصيل الحاصل باطل.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٠).
(٢) الجامع الصغير للإمام المجتهد محمد بن الحسن الشيباني، وهو كتاب قديم مبارك مشتمل على ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة، والمشايخ يعظمونه حتى قالوا: لا يصلح المرء للفتوى، ولا للقضاء إلا إذا علم مسائله. كشف الظنون عن أسامي ينظر: الكتب والفنون (١/ ٥٦٣).
(٣) الأصل في الفروع للإمام المجتهد محمد بن الحسن الشيباني الحنفي؛ المتوفى: سنة تسع وثمانين ومائة، وهو المبسوط سماه به، لأنه صنفه أولًا وأملاه على أصحابه، رواه عن الجوزجاني وغيره. ينظر: كشف الظنون (١/ ٨١).
(٤) في (ج): ولصاحبه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) العطب: الهلاك يكون في الناس وغيرهم، عطب بالكسر عطبًا وأعطبه: أهلكه، والمعاطب: المهالك. ينظر: لسان العرب (١/ ٦١٠)، الصحاح (١/ ١٨٤).
(٦) في (أ): بعده؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) الزكاة: في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكٍ مخصوص، والزكاة هي النماء يقال زكى الزرع يزكو أي نما وهي الطهارة أيضًا وسميت الزكاة زكاة لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهر بها المرء بالمغفرة. ينظر: طلبة الطلبة (١٦)، التعريفات (١١٤)، المغرب (٢٠٩).
(٨) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): قبل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) بطل: بَطَل الشيءُ يَبْطُل بُطْلًا وبُطُولًا وبُطْلانًا: ذَهَبَ ضَياعًا وخُسْرًا، فَهُوَ بَاطِل، وأَبْطَله هُوَ. وَيُقَالُ: ذَهَبَ دَمُه بُطْلًا أَي هَدَرًا. وبَطِل فِي حَدِيثِهِ بَطَالَة وأَبْطَلَ: هَزَل، وَالِاسْمُ البَطل. والبَاطِل: نَقِيضُ الْحَقِّ، وَالْجِمْعُ أَبَاطِيل، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كأَنه جَمْعُ إِبْطَال أَو إِبْطِيل؛ هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. ينظر: لسان العرب (١١/ ٥٦). وَهُوَ فِي الاِصْطِلَاحِ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ. فَفِي الْعِبَادَاتِ: الْبُطْلَانُ: عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعِبَادَةِ حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ. كَمَا لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ. ينظر: كشف الأسرار ١/ ٢٥٨. وَالْبُطْلَانُ فِي الْمُعَامَلَاتِ يَخْتَلِفُ فِيهَا تَعْرِيفُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ تَقَعَ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ وَلَا بِوَصْفِهِ، وَيَنْشَأُ عَنِ الْبُطْلَانِ تَخَلُّفُ الأْحْكَامِ كُلِّهَا عَنِ التَّصَرُّفَاتِ، وَخُرُوجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَسْبَابًا مُفِيدَةً لِتِلْكَ الأْحْكَامِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَبُطْلَانُ الْمُعَامَلَةِ لَا يُوَصِّل إِلَى الْمَقْصُودِ الدُّنْيَوِيِّ أَصْلًا؛ لأِنَّ آثَارَهَا لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. ينظر: كشف الأسرار ١/ ٢٥٨، ٢٥٩ والمستصفى للغزالي ٢/ ٢٥، ودرر الحكام الكتاب الأول ص ٩٤ مادة: ١١٠، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٩٧ ومنح الجليل ٢/ ٥٥٠. وَتَعْرِيفُ الْبُطْلَانِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ تَعْرِيفُ الْفَسَادِ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ: أَنْ تَقَعَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ أَوْ بِهِمَا، والْفَسَادُ مُرَادِفٌ لِلْبُطْلَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) فَكُلٌّ مِنَ الْبَاطِل وَالْفَاسِدِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْل الَّذِي يُخَالِفُ وُقُوعُهُ الشَّرْعَ، وَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الآْثَارُ، وَلَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي بَعْضِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يَأْتِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْبُطْلَانِ وَالْفَسَادِ، كَالْحَجِّ وَالْعَارِيَّةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ. ينظر: جمع الجوامع ١/ ١٠٥، والمنثور في القواعد للزركشي ٣/ ٧، وأشباه السيوطي ص ٣١٢، والقواعد والفوائد الأصولية ص ١١٠
[ ٢٥ / ٨ ]
وعند اختياره أي اختيار المولى الدفع الواجب وهو العبد عيّن؛ فلهذا وجب حالًا كالمبدَل.
فإن قلت عدم صحة الأجل في المبدل لا يوجب عدم صحته في البدل (^١) وذلك لأن البدل والمبدَل قد يتغايران في الأحكام.
ألا ترى أن القِصَاص لا يتعلق به حق الموصَى له وإذا صار مالًا بمعنى من المعاني يتعلق به حقه والمال هناك بدل من القصاص.
وكذلك الوضوء والتيمم يختلفان في حق النية وآداء الصلاة (^٢)، وقضاؤها يختلفان في حق اقتداء المسافر بالمقيم، ولم ينظر في هذه المسائل وصف المبدل في حق البدل (^٣) فينبغي أن يجب هناك كذلك.
قلتُ نعم كذلك إلا أن الأجل في الديون عارض حتى لا يثبت إلا بالشرط على ما ذكر في فصل الضمان من كفالة الكتاب.
ولما لم يثبت شرط التأجيل في الفداء ثبت حالًا؛ ولكن ذكر النظر إلى المبدل كان لبيان رجحان جانب الحلول على جانب الأجل؛ وذلك لأن الفداء لما وجب بمقابلة الجناية في النفس أو في العضو أشبه الدية والأرش وهما يثبتان مؤجلان وإن لم يثبت (^٤) شرط التأجيل على ما مر؛ فكان ينبغي أن يجب الفداء مؤجلًا أيضًا بالقياس عليهما وإن لم يذكر شرط التأجيل؛ لكن لما اختار المولى الفداء كان الفداء دينًا في ذمته كسائر الديون فيجب أن يكون حالًا كما في … سائر الديون.
ولما تعارض جانب الأجل والحلول في الفداء بهذا الطريق رجح جانب الحلول بأنه فرع لأصل هو حال فيجب أن يكون حالًا لئلا يفارق الخلف (^٥) الأصل.
أما مخالفتهما في تلك المسائل لمعانٍ ذكرناها في مواضعها وهي أن القصاص غير صالح [لحق (^٦) الموصَى له بالمال فلا يتعلق حقه به، والتراب غير مطهر بطبعه فلم يكن بد من إلحاق النية به ليكون مطهرًا بها بخلاف الماء.
وصلاة المسافر في القضاء غير قابلة للتغيير ففي الاقتداء بالمقيم في القضاء يلزم بناء القوي على الضعيف في حق القعدة الأولى فلا يجوز اقتداؤه بالمقيم في القضاء لذلك.
_________________
(١) في (ج): البدل مكان المبدل والعكس؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): وقضاؤها يختلفان في حق النية وآداء الصلاة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): البدل مكان المبدل والعكس؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (ج): وإن ثبت؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ج): الحلول؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٩ ]
فإذا خلى بينه وبين الرقبة سقط أي سقط حق مطالبة ولي الجناية من المولى كالوارث إذا خلى بين الغرماء وبين التركة لفوات حقه.
على ما بيناه إشارة إلى قوله غير أن الواجب الأصلي هو الدفع إلى آخره (^١).
وإن مات أي العبد الجاني بعدما اختار الفداء لم يبرأ؛ أي سواء اختار المولى الفداء قولًا أو فعلًا لم يبرأ المولى عن الفداء.
فإن قلتَ ما الفرق بين هذا وبين كفارة اليمين فإن [أحد] (^٢) الأنواع الثلاثة من الإطعام والإلباس والإعتاق في كفارة اليمين لا يتعين إلا بالفعل ولا يتعين بالقول مع أن الجانب هناك مختار بين تلك الثلاثة؛ وههنا مولى العبد الجاني مختار أيضًا بين الدفع والفداء فيتعين أحدهما بالقول.
قلتُ الفرق بينهما هو أن في حقوق الله تعالى المقصود (^٣) هو الفعل والمحل تابع؛ وفي حقوق العباد المقصود هو تعيين المحل حتى يتمكن صاحب الحق من الاستيفاء؛ والتعيين يحصل بالقول كما يحصل بالفعل فكان القول محققًا غرض صاحب الحق.
فإن عاد وجنى كان حكم الجناية الثانية حكم الأولى؛ أي يقال للمولى ادفعه بالجناية الثانية أيضًا أو افده كما هو الحكم في الجناية الأولى.
معناه بعد الفداء إنما فسر المسألة بهذا لأنه إذا لم يفد الجناية الأولى ثم جنى أخرى كانت المسألة [عين المسألة] (^٤) الثانية وهي قوله وإن جنى جنايتين قيل للمولى إما أن تدفعه إلى آخره (^٥).
لأن تعلق الأولى أي الجناية الأولى برقبته لا يمنع تعلق الثانية.
فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين الرهن (^٦) فإن تعلق حق المرتهن بالرهن منع تعلق حق الثاني به حتى إن الراهن لو مات بعد الرهن وعليه ديون أخرى سوى دين المرتهن لحقته قبل الرهن أو بعده لا تتعلق سائر الديون بالرهن، فقد منع هناك تعلق الدين الأول برقبته تعلق الدين الثاني بها؛ ولم يمنع ههنا تعلق حق المجني عليه الأول حق المجني عليه الثاني برقبة العبد الجاني.
_________________
(١) غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ هُوَ الدَّفْعُ فِي الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْمُوجِبُ بِمَوْتِ الْعَبْدِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقُّ النَّقْلِ إلَى الْفِدَاءِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ. ينظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (٤/ ٤٨٥)، العناية (١٠/ ٣٤٠)، البناية (١٣/ ٢٧٩).
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (أ): في المقصود؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب لاستقامة المعنى بدون (في).
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) (وَإِنْ جَنَى جِنَايَتَيْنِ قِيلَ لِلْمَوْلَى إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَتَيْنِ يَقْتَسِمَانِهِ عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا وَإِمَّا أَنْ تَفْدِيهِ بِأَرْشِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا). ينظر: الهداية (٤/ ٤٨٥)، العناية (١٠/ ٣٤٢)، البناية (١٣/ ٢٨١).
(٦) الرهن لغة: الراء والهاء والنون أصل يدل على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره؛ ويأتي بمعنى الحبس، شرعًا: هو حبس الشيء بحق يمكن استيفاؤه منه كالدين. ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٢٦٤) لسان العرب (١٣/ ١٨٨).
[ ٢٥ / ١٠ ]
قلتُ الفرق بينهما من حيث إن الرهن إيفاء حكمي والارتهان استيفاء حكمي فيعتبران بالإيفاء والاستيفاء الحقيقين؛ ففي الإيفاء والاستيفاء الحقيقيين لا يبقى تعلق لسائر الديون فكذا في الحكم؛ وأما ههنا فمجرد التعلق لا الإيفاء ولا الاستيفاء لا حقيقة ولا حكمًا فلا يتنافيان في التعلق برقبة العبد الجاني.
ومعنى قوله على قدر حقيهما (^١): على قدر جنايتهما (^٢)؛ لأن المستحق إنما يستحقه عوضًا عما فات عليه فلا بد من أن يقسم على قدر المعوّض كذا في الإيضاح (^٣).
لما ذكرنا وهو قوله: لأن تعلق الأولى برقبته لا يمنع تعلق الثاني.
لأن أرش العين أي العين الواحدة.
والحق يجب للمقتول ثم للوارث خلافة عنه؛ هذا جواب إشكال وهو أن يقال الحق وإن كان متحدًا بالنظر إلى السبب فهو متعدد بالنظر إلى المستحقين؛ فينبغي أن يكون حكم هذه المسألة مثل المسألة الأولى بأن يتمكن المولى من أن يفدي (^٤) من أحدهما ويدفع إلى الآخر.
فأجاب عنه بهذا وقال لا نُسَلِّم بأن المستحق متعدد بل المستحق متحد أيضًا كالسبب لأن الأصل في الاستحقاق الميت وهو واحد والوارثان خليفة عنه فكان الاعتبار لاتحاد الأصل.
فإن قلت فاعتبار جانب الوارث أولى ههنا من اعتبار جانب الميت وذلك لأن الملك يثبت للوارث حقيقة وحكمًا؛ ويثبت الملك للميت حكمًا لا حقيقة لأنه ليس من أهل الملك حقيقة؛ ولما كان كذلك والوارث اثنان وجب أن يتمكن المولى من أن يفدي من أحدهما ويدفع إلى الآخر كما لو اختلفت الجنايتان ترجيحًا لجانب المالك حقيقة وحكمًا على المالك حكمًا لا حقيقة.
قلتُ هذا الذي ذكرته هو وجه إحدى روايتي كتاب الدرر (^٥) وأما في عامة (^٦) الروايات فيصير المولى مختارًا للفداء في حق الوارثين جميعًا إذا اختار الفداء في حق أحدهما؛ فوجه ذلك هو أن ملك الميت أصل وملك الوارث بناءً عليه ولا شك أن اعتبار الأصل أولى من اعتبار الفرع فاعتبرنا جانب الميت وباعتبار جانب الميت كان المستحق واحدًا، فلذلك لم يتمكن المولى من الدفع إلى الآخر بعدما اختار الفداء في حق أحدهما إلى هذا أشار في الذخيرة (^٧).
_________________
(١) في (أ): حقيقتهما؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب. كما في بداية المبتدي (١/ ٢٥٢).
(٢) وجاء في (أ) و(ج): على قدر رأس جنايتهما؛ والصواب: على قدر أرش جنايتهما.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٢).
(٤) في (أ): بين أن يفدي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) كتاب الدرر: هو كتاب جليل القدر عظيم النفع في الفقه الحنفي لمحمد بن فراموز الشهير بمُنْلا خُسْرو ت ٨٨٥ هـ - ينظر: الفوائد البهية (١٨٤).
(٦) في (ب): سائر؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٣).
[ ٢٥ / ١١ ]
فإن أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية ضمن الأقل إلى آخره (^١).
وحاصل هذا فيما ذكره في الذخيرة بقوله: والأصل في جنس هذه المسائل أن المولى متى أحدث في العبد تصرفًا يعجزه عن الدفع وهو عالم بالجناية يصير مختارًا للفداء.
وإذا أحدث تصرفًا لا يعجزه عن الدفع لا يصير مختارًا وإن كان عالمًا بالجناية، لأن في الوجه الأول اختار إمساك العبد فيتعين دفع الفداء، لأن المخير بين شيئين في الإزالة إذا اختار إمساك أحدهما يلزمه إزالة الآخر عن ملكه؛ كمن أعتق أحد عبديه ثم باع أحدهما فإنه يتعين الآخر للعتق.
وفي الوجه الثاني ما اختار إمساك العبد لأن الدفع بعدما باشر من التصرف ممكن فيبقى على خياره؛ فإذا ثبت هذا الأصل فنقول الإعتاق تصرف يعجزه عن الدفع لأن إعتاقه نافذ؛ لأن تعلق حق الغير بالعبد لا يمنع نفاذ العتق فيه وبعد نفاذ العتق لا يمكنه الدفع؛ فإذا أعتق مع العلم بالجناية فقد اختار (^٢) إمساك العبد فيتعين الفداء بخلاف الإقرار على رواية الأصل.
يعني إذا أقر الرجل الذي في يده العبد الجاني بأن هذا العبد لفلان؛ أي: لا يصير مختارًا للفداء لما ذكر في الكتاب؛ هذا الذي ذكره من الحكم بأنه لا يصير مختارًا للفداء فيما إذا أثبت (^٣) بالبينة أنه لفلان، وأما إذا لم يثبت بالبينة فلا؛ لأنه ذكر في المبسوط ولو أن عبدًا في يدي رجل جنى جناية، فقال: ولي الجناية هو عبدك، وقال الرجل هو وديعة (^٤) عندي لفلان أو عارية (^٥) أو إجارة (^٦) أو رهن؛ فإن أقام على ذلك بَيِّنَة أخرت الأمر فيه حتى يقدم الغائب؛ فإن لم يقم بينة خوطب بالدفع أو الفداء (^٧).
_________________
(١) (فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ). ينظر: الهداية (٤/ ٤٨٦)، العناية (١٠/ ٣٤٣)، البناية (١٣/ ٢٨٢).
(٢) في (ج): فنفذ اختيار؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج): ثبت؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٤) الوديعة لغة: مأخوذة من ودع الشيء إذا تركه، واصطلاحًا: تسليط الغير على حفظ المال. ينظر: المغرب (٢/ ٣٤٦)، أنيس الفقهاء (ص/ ٢٤٨).
(٥) العارية بتشديد الياء تمليك منفعة بلا بدل، وهي نوعان حقيقية ومجازية؛ فالحقيقية: هي إعارة الأعيان التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها كالثوب والدابة؛ والمجازية: وهي إعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك كالدراهم ينظر: التعريفات (ص/ ١٤٦)، أنيس الفقهاء (ص/ ٩٤).
(٦) الإجارة: عقد على المنافع بعوض. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ٢٦١)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٢١).
(٧) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٤١).
[ ٢٥ / ١٢ ]
وقال زفر (^١) هو مختار للدية بمجرد قوله: إنه لفلان؛ لأنه زعم أنه لا سبيل له على دفعه فيجعل به مفوتًا للدفع مختارًا للفداء كما لو أعتقه (^٢).
ولكنا نقول هو بكلامه هذا يزعم أنه ليس بخصم في هذه الجناية أصلًا واختياره ينبني على كونه خصمًا، فإذا أثبت بالبينة أنه ليس بخصم فيه صار إثبات ذلك بالبينة كالإثبات بالمعاينة.
وإن لم يقم بينة على ذلك فهو الخصم باعتبار ظهور يده فيه، وهو متمكن من دفعه؛ فيخاطب بالدفع أو الفداء ولا معنى لجعله مختارًا للدية مع تمكنه من الدفع بالجناية.
فإن فداه ثم قدم الغائب أخذ عبده بغير شيء؛ لأن ذا اليد كان أقر بالملك له وقد اتصل تصديقه بذلك الإقرار وقد كان ذو اليد متبرعًا في هذا الفداء فإنه ما كان مجبرًا عليه فلا يرجع بشيء منه على المقر له.
وإن كان دفعه فالغائب بالخيار إن شاء أمضى ذلك وإن شاء أخذ العبد ودفع الأرش؛ لأن تصديقه اتصل بذلك الإقرار فيثبت الملك له ويتبين [أنه] (^٣) كان له الخيار.
لجواز أن الأمر كما قال؛ أي لجواز أن يكون العبد عبد المقَر له فيخاطب المقَر له بالدفع إلى ولي الجناية.
وألحقه الكرخي (^٤): بالبيع (^٥).
وذكر في الإيضاح وقد أطلق أبو الحسن (^٦) (^٧) أنه يصير مختارًا (^٨) وهو رواية خارجة عن الأصول (^٩)؛ وإطلاق الجواب وهو قوله ضمن الأقل من قيمته ومن أرشها إلى آخره (^١٠).
_________________
(١) زفر بن الهذيل بن قيس العنبري فقيه من أصحاب الإمام أبي حنيفة أقام بالبصرة وولي قضاءها وكان كثيرًا ما يتناظر مع أبي يوسف، ت سنة ١٥٨ هـ ينظر: تحفة الفقهاء (٣/ ٢٨)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٨).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٤١).
(٣) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) الكرخي: أبو الحسن عبيدالله بن الحسين بن دلال بن دلهم الكرخي، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بعد أبي خازم وأبي سعيد البردعي ت ٣٤٠ هـ. ينظر: الجواهر المضيئة (١/ ٣٣٧).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٣)، البناية (١٣/ ٢٨٤).
(٦) في نسخة (ج): الحسن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) هو أبو الحسن الكرخي، وقد سبق ترجمته في الهامش (٢) السابق.
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٣)، البناية (١٣/ ٢٨٤).
(٩) كتب الأصول وهي الكتب الستة المعروفة بكتب ظاهر الرواية. سبق ص ٨١.
(١٠) (فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ أَرْشِهَا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَرْشُ). ينظر: الهداية (٤/ ٤٨٦)، العناية (١٠/ ٣٤٣)، البناية (١٣/ ٢٨٢).
[ ٢٥ / ١٣ ]
وإطلاق البيع ينتظم البيع بشرط الخيار للمشتري؛ يعني إذا باع مولى العبد الجاني العبدَ بشرط الخيار للمشتري كان ذلك اختيارًا منه للفداء.
وقال في الإيضاح: أما على قولهما؛ فلأن الملك يثبت للمشتري.
وعلى قول أبي حنيفة (^١): ملك البائع يزول وإن لم يثبت للمشتري وفوات الدفع يكون بزوال ملك البائع.
بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع ونقضه وبخلاف العرض على البيع؛ أي لا يثبت بهذين الفعلين اختيار الفداء لأن الاختيار إنما يثبت إذا فات إمكان الدفع ولم يَفُتْ (^٢).
وقال زفر: يكون مختارًا للفداء بهذين الفعلين لأنه [دليل] (^٣) على استبقاء (^٤) الملك، ولهذا يسقط خيار الشرط منهما (^٥)؛ كذا في الإيضاح (^٦).
فإن قلتَ المشتري يشترط الخيار وإذا باع بشرط الخيار للبائع أو عرض (^٧) على البيع يصير مختارًا للبيع ومجيزًا له؛ وكذلك البائع يشترط الخيار لنفسه إذا عرض على البيع (^٨) يكون فاسخًا للبيع على ما مر؛ وكذا أشار إلى هذا في الإيضاح (^٩) أيضًا على ما ذكرنا.
فعلى هذا إذا باع بشرط الخيار للبائع أو عرض على البيع ينبغي أن يكون مختارًا للفداء.
قلتُ لو لم يكن مخيرًا هناك بهذا التصرف كان التصرف بالعرض واقعًا في ملك الغير على تقدير تعذر الفسخ، والتصرف في ملك الغير حرام؛ وكذلك البائع لو لم يجعل فاسخًا بهذا التصرف كان تصرفه واقعًا في الأجرة في ملك الغير على تقدير الإجارة.
أما ههنا لو لم يجعل مختارًا للفداء بهذا التصرف (^١٠) لا يتبين بالدفع أنه تصرف في ملك الغير فافترقا؛ ولأن المشتري أو البائع لو لم يجعل مخيرًا (^١١) أو فاسخًا لا يصح شراؤه وبيعه، لأنه يكون شراءً وبيعًا فيه غرر (^١٢)؛ وههنا لا يلزم الغرر (^١٣) في حق الدفع فيبقى مخيرًا بين الدفع والفداء لتمكنه من كل واحد منهما لعدم زوال ملكه.
_________________
(١) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الإمام فقيه الملة عالم العراق أبوحنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي الكوفي مولى بن يتيم الله بن ثعلبة، ولد: سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة. ورأى: أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة ولم يثبت له حرف عن أحد منهم. توفي: شهيدا مسقيا في سنة خمسين ومائة. ينظر: سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٩٠).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٧/ ٢٦٤).
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ) و(ب): استيفاء؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٥) في (أ) و(ج): بهذا؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٦) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٦٤).
(٧) في (ب): أو فرض؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ج): المبيع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٩) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٦٤).
(١٠) في (أ): بهذا الطريق؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (ج): مجيزًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٢) في (أ) و(ج): غرور؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(١٣) في (ج): الغرور؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٤ ]
بخلاف الكتابة الفاسدة (^١)؛ أي يصير مختارًا للفداء بمجرد عقد الكتابة الفاسدة بخلاف البيع الفاسد فإن هناك لا يكون مختارًا للفداء قبل التسليم إلى المشتري.
وذكر الفرق في الإيضاح وقال لأن موجب عقد الكتابة الفاسدة ثبت بنفس العقد وهو تعليق العتق بالآداء فكانت الكتابة نظير البيع الفاسد بعد القبض (^٢).
وصورة الكتابة [الفاسدة] (^٣) ما مر في المكاتب (^٤) بقوله: وإذا كاتب المسلم عبده على خمر أو خنزير أو على قيمته فالكتابة فاسدة.
وذكر في الإيضاح قبل هذا ولو أن المولى كاتب العبد الجاني (^٥) وهو يعلم ثم عجز فإن كان خوصم قبل أن يعجز فقضى القاضي بالدية ثم عجز لم يرتفع القضاء؛ لأن الوجوب (^٦) قد استحكم باتصال القضاء به.
وإن لم يخاصم فيه حتى عجز كان له أن يدفعه به؛ لأن الدفع لم يفت على سبيل الإحكام لاحتمال ارتفاع فوات الدفع بالعجز (^٧) (^٨).
وروي عن أبي يوسف (^٩): أنه يصير مختارًا بالكتابة؛ لأنه تعذر الدفع باعتبار زوال اليد؛ واليد إنما تعود بسبب جديد.
ولو ضربه فنقصه بأن أثر فيه حتى صار مهزولًا؛ أو قلَّتْ قيمته ببقاء أثر الضرب فهو مختار إذا كان عالمًا بالجناية.
وأما إذا ضربه وهو غير عالم بالجناية كان عليه الأقل من قيمته ومن أرش الجناية إلا أن يرضى ولي الدم أن يأخذه ناقصًا، ولا ضمان (^١٠) على المولى؛ لأنه لما رضي به ناقصًا صار كأن النقصان حصل بآفة سماوية.
_________________
(١) المكاتب: العبد الذي يكاتب على نفسه بثمنه، فإن سعى وأداه عتق، وأَجمع الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنّ المُكاتَب عَبْدٌ مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهم. ينظر: أنيس الفقهاء (١/ ٦١)، لسان العرب (١٠/ ١٢٤).
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٣، ٣٤٤).
(٣) ساقطة من (أ) و(ج)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(٤) في (ب): في الكتاب؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٥) في (ج): المسلم؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ج): الموجب؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (ج): بالخمر؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٦٥).
(٩) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي أبو يوسف، فقيه أصولي مجتهد محدث حافظ، تفقه على أبي حنيفة وسمع الحديث من عطاء بن السائب وطبقته، ولي القضاء لثلاثة خلفاء؛ ولقب بقاضي القضاة؛ ت ١٨٣ هـ. ينظر: الجواهر المضيئة (٢/ ٢٢٠)، المحيط البرهاني (٧/ ١٧٠).
(١٠) الضمان: ضمنت الشيء ضمانًا أي كفلت به، اصطلاحًا: ضم ذمة إلى ذمة الأصيل في المطالبة بالحق. ينظر: القاموس المحيط (١/ ١٢١٢)، طلبة الطلبة (١/ ١٣٩).
[ ٢٥ / ١٥ ]
ولو ضرب المولى عينه فابيضت وهو عالم به، ثم ذهب البياض قبل أن يخاصم فيه لا يكون مختارًا للفداء بل يدفع أو يفدي؛ لأن النقصان لما زال جعل كأن لم يكن.
ولو خوصم في حالة البياض فضمَّنه القاضي الدية؛ ثم زال البياض فالقضاء نافذ لا يرد لأن الخيار قد استحكم بانضمام القضاء إليه.
وكذا إذا كانت بكرًا فوطئها (^١) أي يصير مختارًا للفداء، وإن لم يكن معلقًا؛ وإنما قيد به لإثبات الفرق بين وطأ البكر ووطأ الثيب؛ لأن بوطئ الثيب لا يكون مختارًا للفداء ما لم يكن الوَطئ معلَّقًا (^٢) في ظاهر الرواية، فإذا علقت منه فحينئذ يكون اختيارًا للفداء.
وروي عن أبي يوسف: [أن مطلق] (^٣) الوطئ يكون اختيارًا لأن الحِل يختص (^٤) بالملك فكان دليلًا على إمساك العين.
فكان قوله في الكتاب بخلاف وطئ الثيب على ظاهر الرواية احترازًا عما روي عن أبي يوسف، وقول زفر مثل قول أبي يوسف هذا.
وقوله لما قلنا إشارة إلى قوله لأنه حبس جزء منه.
بخلاف التزويج أي لا يصير مختارًا للفداء بالتزويج لأن التزويج لا يعجزه عن الدفع كما لا يعجزه عن البيع.
وفي المسألة طعن عيسى (^٥)؛ ووجهه أن التزويج تعييب وبالتعييب يثبت اختيار الفداء كما لو ضرب على يديها وعينها.
قلنا التعييب تفويت جزء منها حقيقة وأما النكاح فليس بتفويت لجزئها حقيقة فإنها بعد النكاح قائمة برمتها؛ وإنما دخلها العيب حكمًا، وبه لا يثبت اختيار الفداء كما لو أقر عليها بالسرقة مع العلم بالجناية؛ فإن بسبب هذا الإقرار يدخلها نوع عيب ولكن لما كان حكميًا لم يثبت به اختيار الفداء؛ لأنه لا ينقص من غير إتلاف (^٦)؛ وإنما يجعل الوطئ في حكم جزء من العين إذا وقع في غير الملك وههنا قد وقع في الملك؛ فإن الملك يثبت مقتصرًا على عين الدفع.
_________________
(١) الوطء: وطئ الشيء برجله وطئا، ومنه وطء المرأة جامعها. ينظر: المغرب (ص: ٤٨٩).
(٢) في (ج): متعلقًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (ج): يحفظ؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) هو عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى؛ قاض من كبار فقهاء الحنفية. كان سريعا بإنفاذ الحكم؛ عفيفا، خدم المنصور العباسي مدة، وولي القضاء بالبصرة عشر سنين وتوفي بها. له كتب، منها: "إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأي"، و"الجامع" في الفقه، و"الحجة الصغيرة". ينظر: الأعلام للزركلي (٥/ ١٠٠)، تاج التراجم (ص: ٢٢٦).
(٦) في (أ) و(ب): إغلاق؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٦ ]
فإن قلت ما الفرق بين هذا وبين البيع بشرط الخيار في حق وطأ الثيب فإن الوطئ هناك كان فسخًا للبيع وهنا لا يكون اختيارًا للفداء ما لم يُعَلق.
قلتُ الفرق بينهما من حيث أن هناك لو لم يجعله فاسخًا العقد بالوطئ لكان إذا اختار العقد ملكها المشتري من وقت العقد، ولهذا استحق زوائدها فيتبين به أن الوطئ حصل في غير ملكه فللتحرز
عن هذا جعلناه فاسخًا، وهنا إذا دفعها (^١) بالجناية يملكها ولي الجناية من وقت الدفع، ولهذا لا يسلم له شيء من زوائدها فلا يتبين (^٢) به أن الوطئ كان في غير ملكه.
وبخلاف الاستخدام يعني لو استخدم العبد الجاني بعد العلم بالجناية لا يكون مختارًا للفداء حتى لو عطب في الخدمة لا ضمان عليه؛ وذلك لأن الاستخدام لا يختص بالملك فلم يدل على الاختيار.
وكذلك لو كان عليه دين فاستخدمه المولى لم يضمن (^٣) للغرماء ولا يصير مختارًا بالإجارة والرهن في الأظهر؛ هذا احتراز عما ذكر في بعض نسخ الأصل أنه يكون مختارًا في الرهن والإجارة؛ لأنه أثبت عليهما يدًا مستحقة فصار كالبيع.
وجه ظاهر الرواية أن الإجارة تنتقض بالعذر فيكون قيام حق ولي الجناية فيها عذرًا في نقض الإجارة؛ والراهن يتمكن من قضاء الدين واسترداد الرهن متى شاء؛ فلم يتحقق عجزه عن دفعها بهذين الفعلين فلا يجعل ذلك اختيارًا وكذا الإذن (^٤) في التجارة.
وإن ركبه دين أي لم يَصِرْ المولى مختارًا للفداء بالإذن في التجارة؛ لأن الدين لحقه من جهة المولى، ووجوب الدين في ذمَّة العبد [نقصان للعبد؛ لأن الغرماء يتبعون ولي الجناية إذا دفع العبد إليهم فيبيعونه بديونهم؛ لكن ذلك بسبب من جهة المولى وهو الإذن] (^٥) فكان له أن يمتنع من قبوله ناقصًا؛ هذا كله من المبسوط (^٦) والإيضاح (^٧) والذخيرة (^٨).
_________________
(١) في (ج): جعلناه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): يعلم؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): فيضمن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) الإذن لغة: الإطلاق والإباحة، وأذن له في الشرع: أباحه له، واصطلاحًا: الإطلاق في حق التجارة بإسقاط الحجر عنه. ينظر: القاموس المحيط (٤/ ١٩٧)، تبيين الحقائق (٥/ ٢٠٤).
(٥) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: المبسوط (٢٦/ ٢١).
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٤)، البناية (١٣/ ٢٨٦).
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٤)، البناية (١٣/ ٢٨٦).
[ ٢٥ / ١٧ ]
فهو مختار للفداء إن فعل ذلك أي إن فعل العبد تلك الأفعال وهي القتل والرَّمي والشج (^١) فمات [الفلان] (^٢) من ذلك الفعل عتق العبد وصار المولى بهذا التعليق (^٣) مختارًا للفداء عند تحقق الفعل؛ لكن يجب أن يكون القتل قتلًا يوجب الدية كالخطأ وشبه العمد (^٤) لا القصاص.
وذكر شيخ الإسلام (^٥) في صورة المسألة أن عتق العبد (^٦) بضرب لا يوجب القصاص.
وهكذا ذكر في المبسوط حيث قال فيه بعد ما ذكر المسألة كما ذكر في الكتاب؛ فإن كانت جناية العبد مما يتعلق به القصاص فلا شيء على المولى؛ لأن الواجب هو القصاص على العبد، وذلك لا يختلف بالرق والحرية فلا يصير المولى بالعتق مفوتًا حق ولي الجناية؛ فلذلك لا يلزمه شيء.
ثم مات من اليد فالعبد صلح بالجناية؛ وهذا [يشكل] (^٧) على أصل أبي حنيفة: وهو أن العفو عن قطع اليد عنده (^٨) لا يكون عفوًا عن السراية والجناية؛ فالصلح عن القطع على
العبد يجب أن لا يكون صلحًا عن الجناية أيضًا.
والجواب أن بالسراية يتبين بطلان الصلح عن القطع؛ لأن حقه في النفس دون اليد فيبطل الدفع أيضًا بناءً على قطع اليد؛ ولكن يثبت عند الإعتاق صلح جديد بينهما.
أما في جانب المولى فلا شك؛ لأنه رضى بدفع العبد بجناية القطع، فيكون أرضى (^٩) بدفعه بجناية العقل.
وكذا من جانب المجني عليه؛ لأنه لما أقدم على إعتاق العبد المدفوع مع علمه أن العتق مما لا ينفسخ ولو سرى يبطل الدفع ويجب عليه الرد ويعجز عن الرد بسبب العتق كان راضيًا بكونه بدل القطع وما يحدث منه دلالة؛ كذا ذكره الإمام المحبوبي: (^١٠) (^١١).
_________________
(١) الشجة: الجرح في الرأس أو الوجه دون غيرهما. ينظر: معجم لغة الفقهاء (ص/ ٢٢٩).
(٢) في (ج) بياض؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج): هو المعتق؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) القتل شبه العمد: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح؛ ولا ما أجري مجرى السلاح. ينظر: الأصل (٤/ ٤٣٧)، تكملة فتح القدير (١٠/ ٢٢٧).
(٥) شيخ الإسلام: يطلق على عدد من علماء المذهب وعند الإطلاق يراد به جواهر زاده ينظر: الجواهر المضيئة (٤/ ٤٠٣)، طبقات الحنفية (١/ ٢٠٥).
(٦) في (ج): علق العتق؛ وفي (أ): عتق العتق؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) في (ج): يد عبده؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٩) في (ج): أوصى؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) المحبوبي: عبيد الله بن مسعود بن عبيد الله بن محمود صدر الشريعة المحبوبي، عالم محقق وحبر مدقق، له تصانيف مفيدة ومنها: شرح الوقاية ومختصر الوقاية. ينظر: تاج التراجم (ص/ ٢٠٣)، الأعلام (٤/ ١٩٨).
(١١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٤٦)، البناية (١٣/ ٢٨٨).
[ ٢٥ / ١٨ ]
لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده تصحيح الصلح؛ لأن الظاهر أن (^١) من يقدم على تصرف بقصد تصحيحه ولا صحة لهذا الصلح بدون أن يجعل صلحًا عن الجناية؛ لأنه لما رضي بكون العبد عوضًا عن القليل وهو اليد يكون أرضى بكونه عوضًا عن الكثير وهو السراية إلى النفس.
وذكر في بعض النسخ أي في بعض نسخ الجامع الصغير وبه صرح فخر الإسلام (^٢): في الجامع الصغير وقال وقد ذكر في بعض نسخ هذا الكتاب هذه المسألة على خلاف هذا الوضع؛ فوجه المخالفة بيَّنا لوضعين هو أن في الوضع الأول الجاني عبد فدفع العبد بدون ذكر لفظ الصلح؛ وفي الثاني الجاني حر والعبد بدل الصلح.
إلى آخر ما ذكرنا من الرواية؛ يعني وإن لم يعتقه رده إلى مولاه ثم يقال لأولياء الجناية إما أن تقتلوا وإما أن تعفوا؛ وهذا الوضع يَرِدُ إشكالًا فيما إذا عفي عن اليد.
والإشارة بقوله وهذا الوضع: إلى الوضع الثاني، وإنما خص هذا الوضع بوروده إشكالًا؛ لأن دفع العبد في هذا الوضع بطريق الصلح، والصلح متضمن للعفو لأنه ينبيء عن الحطيطة (^٣) فيكون هذا نظير العفو.
ولا كذلك الوضع (^٤) الأول لأن الدفع ثمة ليس بطريق الصلح بل بطريق الدفع؛ فلما لم يكن بطريق الصلح لم يكن فيه حط شيء فلا يرد إشكالًا على مسألة العفو حيث لا يجب القصاص هناك؛ لأنه قال هناك وهو عفو عن النفس؛ وههنا قال يجب لأنه قال وقيل للأولياء اقتلوه، أما إذا أعتقه (^٥) فالتخريج (^٦) ما ذكرناه وهو قوله لأن إقدامه على الإعتاق يدل على قصده إلى آخره (^٧).
_________________
(١) في (ج): لأن الصلح هو؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) فخر الإسلام: علي بن محمد بن الحسين أبو الحسن فخر الإسلام البزدوي، فقيه أصولي من أكابر الحنفية، من أهم مصنفاته: كنز الوصول المعروف بأصول البزدوي ينظر: كشف الظنون (١/ ١٤٥)، الأعلام (٤/ ٣٢٨).
(٣) الحطيطة: ما يحط من جملة الحساب في نقص منه، وتجمع حطائط، يقال حط عنه حطيطة وافية، والحطيطة ما انحط من الدين عن المدين. ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ٢٦٨)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٥٠٥).
(٤) في (ب): العفو؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): دفعه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): فالتحرز؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الْإِعْتَاقِ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَصْحِيحَ الصُّلْحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى تَصَرُّفٍ يَقْصِدُ تَصْحِيحَهُ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا وَأَنْ يُجْعَلَ صُلْحًا عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا.
[ ٢٥ / ١٩ ]
فأعتقه المولى ولم يعلم بالجناية قيد بعدم العلم ليبني عليه قوله فعليه قيمتان؛ لأنه لو أعتقه وهو عالم بجنايته كان عليه الدية إذا كانت الجناية في النفس لأولياء الجناية وقيمة العبد لصاحب الدين لأن الإعتاق بعد العلم بالجناية موجب للأرش دون القيمة على ما مر في الكتاب.
وذكر في المبسوط فيما إذا جنى العبد جنايتين على التفاوت بأن قتل رجلًا خطأ وفقأ عين آخر؛ إن أعتقه المولى وهو يعلم بالجنايتين فهو مختار للفداء [فكان عليه] (^١) خمسة عشر ألفًا في ماله؛ لأنه فوت محل الدفع بالإعتاق بعد العلم بالجناية؛ وذلك منه اختيار للفداء دلالة فهو كالتصريح بالاختيار، ويمكن الجمع بين الحقين إيفاءً (^٢) من الرقبة الواحدة بأن يدفع إلى ولي الجناية ثم يباع للغرماء (^٣).
والأصل في هذا هو أن العبد إذا قتل رجلًا خطأ وعلى العبد دين يخير المولى بين الدفع والفداء؛ فإن اختار الدفع يبيع (^٤) لأجل الغرماء في الدين؛ فإن فضل منه شيء كان لأصحاب الجناية، وإنما بدأنا بالدفع أولًا لأنا إذا دفعنا أولًا كان جمعًا بين الحقين؛ فإن [حق] (^٥) أولياء الجناية صار موفَّى بالدفع ثم يباع بعده لأرباب الدين، ومتى بدأ بالدين أولًا تعذر الدفع بالجناية؛ لأنه تجدد الملك للمشتري ولم يوجد في يده جناية.
فإن قيل (^٦): فما فائدة الدفع إذا بيع في الدين بعد ذلك.
قلنا فائدته أن يثبت له حق الاستخلاص بالفداء؛ فإن للناس أغراضًا في الإعتاق (^٧)، وإنما لم يَبطل الدين بحدوث الجناية؛ لأن موجَب
الجناية صيرورته حرًا (^٨) فإذا كان مشغولًا وجب دفعه مشغولًا؛ ثم إذا بيع وفضل من ثمنه شيء صرف إلى أولياء الجناية؛ لأنه بيع على ملكهم؛ وإن لم يفِ بالدين تأخر إلى حال الحرية كما لو بِيعَ على ملك المولى الأول.
_________________
(١) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ج): أيضًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٢).
(٤) في (ج): شرع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) سبق ذكر مزايا النهاية ص ٨٧ وأن من الأمور البارزة في هذا الكتاب عنايته بالاعتراضات ومناقشتها وردها، ويكون ذلك بصيغة الافتراض كقوله: (فإن قيل)، (يرد)، (ألا ترى)، وكثيرًا ما يناقشها بقوله: (وأجيب)، (ويرده).
(٧) في (ب): الأعيان؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): جزاء؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٠ ]
ولو دفعه المولى إلى أولياء الجناية لم يضمن لأصحاب الدين شيئًا استحسانًا (^١)؛ والقياس أن يضمن بالقيمة؛ لأن الدفع وإن كان واجبًا؛ ولكن الملك لم يكن ثابتًا؛ وإنما يثبت (^٢) بدفعه لهم فصار كما لو باعه منهم؛ وجه الاستحسان أن هذا حكم مستحق عليه.
ألا ترى أن القاضي يجبره على ذلك، فإذا فعل عين (^٣) ما هو مستحق عليه لم يضمن به شيئًا، ولو دفع إلى أصحاب الدين بدينهم كان مختارًا للجناية ولزمه الأرش إن كان عالمًا والقيمة إن لم يكن عالمًا؛ لأن ما فعل (^٤) غير مستحق عليه بل المستحق عليه الدفع إلى أولياء الجناية، ثم يباع في الدين على ملكهم؛ فكان دفعه بالدين تفويتًا للدفع إلى الأولياء فيضمن.
_________________
(١) الاستحسان لغة: على وزن استفعال؛ من الحسن؛ وهو عد الشيء حسنًا ويطلق على ما يميل إليه الإنسان من الصور والمعاني. ينظر: المعجم الوسيط (١٧٤) اصطلاحًا: قال أبو الحسن الكرخي: الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى منه، وقال بعضهم: الاستحسان هو القياس الخفي، وقال الحلواني الحنفي: الاستحسان ترك القياس لدليل أقوى منه من كتاب أو سنة أو إجماع، وجاء في المبسوط للسرخسي: أن الاستحسان في الحقيقة قياسان أحدهما ضعيف الأثر يسمى قياسًا والآخر خفي قوي الأثر يسمى استحسانًا. ينظر: (الإحكام للآمدي (٤/ ١٥٨)، أدلة التشريع للدكتور عبدالعزيز (١٥٨)، الوجيز في أصول افقه (٢٣٠)، المبسوط للسرخسي (٣/ ١٤٥). وقد جعل الكرخي استخدامات أئمة المذهب الحنفي لمصطلح الاستحسان على أربعة أنواع: أولها: ترك القياس العام لدليل خاص، مثل ترك قاعدة: أن ما لا ينقض الوضوء خارج الصلاة لا ينقضه داخلها أيضا، للأثر الذي روي بأن القهقهة في الصلاة تفسدها وتنقض الوضوء أيضا. وثانيها: ترك القياس العام لقول الصحابي، ومثال ذلك قول أبي حنيفة بجعل أجرة ردّ العبد الآبق أربعين درهما اتباعا لقول ابن عباس. وثالثها: ترك القياس العام للعرف، مثل القول بجواز بيع المعاطاة. ورابعها: اتباع معنى خفي، هو أخص بالمقصود وأمس من المعنى الجلي (ترك القياس الجلي لقياس خفي). شرح المعالم في أصول الفقه عبد الله بن محمد بن علي ابن التلمساني، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض (٢/ ٤٧١. (
(٢) في (ب): وإنما لم يكن؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): فإذا قبل غير؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (ج): ما قبل؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١ ]
ولو أن القاضي باعه في الدين ببينة قامت عنده، ثم حضر أصحاب الجناية ولا فضل في الثمن فقد سقط حق ولي الجناية؛ لأن القاضي لا يلزمه عهدة فيما يصنع وهو بمنزلة الأمين، ولو فسخ البيع ودفع بالجناية لاحتجنا إلى البيع فلا فسخ؛ بخلاف المولى إذا باع لأنه يجوز أن يجب عليه الضمان بفعله كذا في الإيضاح (^١).
بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي أي إذا أتلف الرجلُ الأجنبيُّ العبدَ المأذون (^٢) المديون لا يضمن للغرماء وإنما يضمن للمولى؛ ثم المولى يدفع تلك القيمة إلى الغرماء.
فلا يظهر في مقابلته الحَقُّ أي حق الدفع لأن حق الدفع دون الملك.
فيضمنهما؛ أي فيضمن المولى بالإعتاق لصاحب الدين وولي الجناية.
وإذا استدانت الأمة المأذون لها ثم ولدت (^٣) فإنه يباع الولد [معها] (^٤)؛ وإنما وضع المسألة هكذا أي: فيما إذا ولدت بعد الاستدانة لأنها إذا ولدت ثم لحقها الدين بعد ذلك لم يتعلق حق غرمائها بولدها.
وأما الأموال التي حصلت لها بطريق الهبة أو الصدقة أو بالتجارة فهي أحق بها من مولاها في أداء دينها بها؛ ويستوي في ذلك إن كانت اكتسبت قبل لحوق الدين أو بعد لحوق الدين لأن يدها في الكسب يد معتبرة حتى لو نازعها فيه إنسان كانت خصمًا له؛ فباعتبار بقاء يدها تبقى حاجتها فيه مقدمًا بخلاف ما إذا أخذ المولى منها قبل أن يلحقها الدين.
وهذا بخلاف ما إذا ولدت قبل أن يلحقها الدين؛ لأن ولدها ليس من كسبها ولكنه جزء متولد من عينها؛ فكما أن نفسها لا تكون من كسبها فكذلك ولدها إلا أن نفسها تباع في الدين لالتزام المولى ذلك بالإذن لها في التجارة، وذلك لا يوجد في حق الولد؛ ولو تعلق به حق الغرماء إنما يكون بطريق السراية ولا سراية بعد الانفصال؛ لأن الولد بعد الانفصال نفس على حِدَة.
وهذا بخلاف ما إذا كان الدين لحقها قبل أن تلد ثم ولدت؛ لأن حق الغرماء تعلق بها في حال (^٥) ما كان الولد جزءًا متصلًا بها فيسري إلى الولد بحكم الاتصال فيفصل على تلك الصفة.
_________________
(١) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٥٧، ١٥٨)، تكملة البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٨/ ٤٢٦).
(٢) المأذون: هو العبد الذي أذن له سيده بالتجارة؛ فهو مأذون له؛ والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفًا فيقولون العبد المأذون. ينظر: المصباح المنير (١/ ٩) مادة أذن.
(٣) أم الولد: كل مملوكة ثبت نسب ولدها من مالك لها أو من مالك لبعضها. ينظر: تحفة الفقهاء (٢/ ٢٧٣).
(٤) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): حق؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٢ ]
وهذا بخلاف الدفع بالجناية؛ فإن الجانية إذا ولدت لا حق لأولياء الجناية في ولدها؛ لأن حقهم هناك في بدل المتلف وهو أرش الجناية أو في نفسها جزاءً على الجناية؛ ولكن ذلك ليس بحق متأكد [بدليل] (^١) يمكن المولى من التصرف فيه كيف شاء بالبيع وغيره فلهذا لا يسري (^٢) إلى الولد؛ وهنا حق الغرماء متأكد في ذمتها يتعلق بماليتها بصفة التأكد بدليل أنه لا ينفذ تصرف المولى فيها بالبيع والهبة ما لم يصل إلى الغرماء حقهم فيسري هذا الحق المتأكد إلى الولد؛ كذا ذكره في باب الدين يلحق المأذون من مأذون المبسوط (^٣).
وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه أن الدين حق مستقر في الأمَة حتى صار المولى ممنوعًا من بيعها وهبتها (^٤) (^٥)؛ فكان كحق الكتابة والتدبير (^٦) لما كان حقًا مستقرًا في الرقبة سرى إلى الولد.
وكالأضحية إذا ولدت سرى إلى ولدها؛ لأنه ثبت للغير حق مستقر حتى صار صاحبها ممنوعًا من الانتفاع بها من حلبها وجز صوفها.
بخلاف القصاص فإنه لا يسري إلى الولد؛ لأن المستحق بالقصاص الروح لا الرقبة والولد يتولد من الرقبة لا من الروح.
أما الدين فإنه يتعلق برقبتها حتى صار المولى ممنوعًا من التصرف في رقبتها.
بخلاف الجناية فإنها لا تسري إلى الولد لأنه ليس لولي الجناية حق مستقر في العين حتى لم يصر المولى ممنوعًا من التصرف في العين بالبيع والهبة والاستخدام؛ فلذلك لم يسر إلى الولد كحق [الفقير] (^٧) [في] (^٨) قدر الزكاة بعد الحول؛ لأنه لما لم يمنع صاحب المال من التصرف لمْ يَسْرِ إلى الولد المتولد من مال الزكاة؛ إن الدين وصف حكمي فيها واجب في ذمتها متعلق برقبتها استيفاء.
فإن قلت لو كان الدين واجبًا في ذمتها متعلقًا برقبتها لما ضمن المولى قيمتها بالإعتاق.
وقد مر في المأذون وإذا أعتق المولى العبدَ المأذون وعليه ديون كان (^٩) ضامنًا لقيمته للغرماء؛ فإتلاف المديون (^١٠) غير موجب للضمان لرب الدين كما لو أتلف إنسان مديون غيره لا يضمن لرب الدين دَيْنَه؛ بل يضمن لولي القتيل دِيَته إذا كان القتل خطأ على ما مر آنفًا في قوله بخلاف ما إذا أتلفه أجنبي.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): يسري؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٥/ ٥٥).
(٤) في (ج): نفعها؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) ينظر: المبسوط (٢٥/ ٥٥).
(٦) المدبر: عتق عبد عن دبر؛ وهو أن يعتق بعد موت صاحبه. ينظر: أنيس الفقهاء (١/ ٦٠)، طلبة الطلبة (ص/ ٧٢).
(٧) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (أ)؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): كان عليه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) في (ج): المأذون؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٣ ]
قلتُ وجوب ضمان قيمة العبد المديون على المولى إنما كان باعتبار تفويت ما تعلق به حقه مبيعًا واستيفاءً من ثمنه لا باعتبار وجوب الدين على المولى.
ألا ترى أن الغرماء يتبعون العبد بعد العتق بما بقي من ديونهم [لا المولى؛ ولو كان وجوب الدين على المولى لطالبوا المولى بجميع ديونهم] (^١) كما يطالب مولى العبد الجاني إذا أعتقه بعد العلم بجنايته بجميع الدية؛ لما أنَّ حقَّ ولي الجناية واجب على المولى بالدَّفع أو بالفداء.
وأما إذا قتل إنسان مديونَ غيره إنَّما لا يضمن لرب الدين دينَه فللزوم الأقوى بمقابلة الأضعف؛ لأن القاتل لو ضمنه إنما يضمنه بحكم الملك؛ … أي: يتملك الدين الذي في ذمة المديون في ضمن ضمانه لرب الدين مثلَه؛ … فهو لا يصح لأن ما يؤدِّيه عين وما يتملكه وصف في الذمة والعين أقوى من الوصف، والمماثلة مرعيَّة في ضمان العدوان فلا يجب الأقوى بمقابلة الأضعف.
وأما وجوب الدية عليه لولي القتيل فبالشرع صيانة للدم عن الهَدْر فمعنى التملك فيه غير منظور إليه.
والسراية في الأوصاف الشرعية أي: سراية الحكم وتجاوزه من الأم إلى الولد إنما يكون في [الأوصاف الشرعية لا في] (^٢) الأوصاف الحقيقية؛ فوجوب الدفع أثر الفعل الحقيقي فلذلك لم يَسرِ إلى الولد.
فإن قلتَ يشكل على هذا سراية وجوب الدفع إلى الأرش الذي أخذه المولى بسبب جناية جنى عليها حيث يدفع المولى ذلك الأرش معها إلى ولي الجناية الذي جنت الأمة في حقه؛ فلو كان عدم السراية إلى الولد باعتبار أن الدفع فعل حقيقي فلا يسري أثره لكان ينبغي أن لا يسري إلى الأرش أيضًا بالطريق الأولى لما أن الولد جزؤها وأرشها ليس بجزء منها؛ فلما لم يسر إلى جزئها باعتبار أنه أثر فعل حقيقي كان أولى أن لا يسري إلى ما هو ليس بجزء منها.
قلتُ لا كذلك بل يسري إلى الأرش ولا يسري إلى الولد لمعنى وهو أن حق ولي الجناية كان ثابتًا فيها بجميع أجزائها والأرش عوض عن الجزء الفائت فيها فيثبت حقه في عوض جزء منها أيضًا لما أن الجزء معتبر بالكل؛ فلما استحقها ولي الجناية عند الدفع كان مستحقًا لها بجميع أجزائها أصالة وعوضًا؛ وأرشها عوض جزئها فيستحقه أيضًا لذلك.
ألا ترى أنها لو قُتِلت وأخذ المولى قيمتها كان عليه دفع تلك القيمة إلى ولي الجناية فكذلك إذا أخذ عوضَ جزء منها؛ وأما الولد فليس بعوض منها ولا من جزئها فلا يستحقه ولي الجناية لذلك؛ إلى هذا أشار في باب جناية العبد من ديات المبسوط (^٣).
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٧).
[ ٢٥ / ٢٤ ]
لأنه لما زعم أن مولاه أعتقه فقد ادَّعى الدية على العاقلة وأبرأ العبد؛ أي من كل الدية لا من قسطه في الدية.
وأبرأ المولى أيضًا فلا يقبل زعمه على العاقلة فلذلك لم تثبت الدية له أصلًا.
وحاصل هذا أن المجني عليه لما زعم أن الجاني حر كان زاعمًا أن موجب جنايته على عاقلته وأن رقبته غير مستحقة له وزعمه معتبر؛ فلذلك لم يكن له سبيل على أخذ العبد بعد هذا الإقرار.
وكذلك لا شيء له على المولى أيضًا لأنه لم يدَّعِ على المولى بعد الجناية إعتاقًا حتي يصير المولى به مختارًا للفداء أو مستهلكًا حق المجني عليه بالإعتاق.
وكذلك لا شيء [له] (^١) على العاقلة بغير حجة وهو ظاهر.
ووضع المسألة في المبسوط فيما إذا جنى العبد جناية خطأ ثم أقرَّ المجني عليه أنه حر قبل الدفع إليه؛ وجعل في الكتاب الإقرار بالحرية قبل الجناية وهما لا يتفاوتان.
وأما لو أقر المجني عليه بعد الدفع إليه (^٢) به فهو حر لأنه ملكه بالدفع وقد أقر بحريته فيعتق لإقراره؛ إلى هذا المجموع أشار في المبسوط.
إلى حالة معهودة أي معلومة (^٣)، وصار كما إذا قال البالغ العاقل طلقت امرأتي وأنا صبي أو أقر رجل بأنه كان أقر وهو صبي لفلان بألف درهم؛ وقال المقَرُّ له بل أقررت بها لي بعد البلوغ فالقول قول المقِرِّ مع يمينه لأنه أضاف الإقرار إلى حالة معهودة تنافي الوجوب به.
فإن قول الصبي هدر في الإقرار والصبا حالة معهودة في كل أحد؛ فكان هو في المعنى منكرًا للمال لا مقِرًا به.
فإن قيل هو قد ادعى تاريخًا سابقًا في إقراره والمقَر له منكر لذلك التاريخ فينبغي أن يكون القول قوله.
قلنا المصير إلى هذا الترجيح بعد ثبوت أصل السبب ملزمًا؛ وإذا كان الإقرار في حالة الصبا غير ملزم أصلًا فلم يكن هو مدعيًا (^٤) للتاريخ بالإضافة إليه بل يكون منكرًا لأصل المال عليه (^٥)؛ كمن يقول لعبده أعتقتك قبل أن أُخْلق أو قبل أن تُخْلق؛ كذا في باب إضافة الإقرار إلى حالة الصغر من إقرار المبسوط (^٦).
لما ذكرنا أراد به قوله لأنه منكر للضمان إلا الجماع والغَلة (^٧) استحسانًا؛ بأن قال جامعتك وأنت أمتي [أو أخذت منك غلة عملك وأنت أمتي] (^٨)؛ فقالت بل كان ذلك بعد العتق؛ فإن القول قول المولى الذي هو المقر.
_________________
(١) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (أ): الدية؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٧).
(٤) في (ج): فلم يكن مدفوعًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): إليه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) لعله أقرب للصواب.
(٦) ينظر: المبسوط (١٨/ ٦٨).
(٧) الغلة: كل ما يحصل من ريع أرض أو كرائها أو أجرة غلام أو نحو ذلك. ينظر: المغرب (ص/ ٣٤٤).
(٨) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٥ ]
وقال محمد (^١): لا يضمن إلا شيئًا بعينه يؤمر برده عليها (^٢)؛ يعني لو كان أقر بأخذ شيء منها بعينه والمأخوذ قائم في يده واختلفا فيه على هذا الوجه أجمعوا (^٣) في ذلك على أنه يرد ذلك عليها.
وفي الشيء القائم إلى آخره (^٤) جواب عن هذه المسألة المجمع عليها؛ كما إذا قال فقأت عينك اليمنى وعيني اليمنى صحيحة ثم فقئت؛ يريد بهذا براءته عن ضمان العين قصاصًا وأرشًا؛ والمقر له يقول لا بل فقأتها وعينك اليمنى مفقوءة؛ يدعي وجوب نصف الدية عليه.
وحاصل هذا أن جنس العضو الذي أتلفه المتلف لو كان منه صحيحًا ثم سقط يسقط القصاص أيضًا؛ وهذا لأن حق المجني عليه [متحقق] (^٥) متعين في القصاص بطريق الأصالة على ما مر من أصل أصحابنا أن موجب العمد القود (^٦) على سبيل التعيين.
وله أن يعدل إلى المال وقبل أن يعدل الحق من القصاص إذا فات المحل بطل الحق؛ هكذا ذكر في الإيضاح (^٧).
_________________
(١) محمد بن الحسن سبق ترجمته ص ١١٠.
(٢) ينظر: الهداية (٤/ ٤٨٩)، تبيين الحقائق (٦/ ١٥٨)، العناية (١٠/ ٣٤٩)، البناية (١٣/ ٢٩٣).
(٣) الإجماع: في اللغة العزم والاتفاق، وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين في أمة محمد - ﷺفي عصر على أمر ديني، وهو على نوعين: ١) اجماع قولي: وهو أن يصرح كل مجتهد بالحكم، ٢) إجماع سكوتي: وهو أن ينطق بعض المجتهدين بالحكم ويسكت الباقون دون اعتراض عليه. ينظر: التعريفات (١٠)، معجم لغة الفقهاء (٤٤). ومن الكتب التي تعرض للإجماع: كتب ابن المنذر بداية من كتابه الذي أرده لهذه المسألة، وأسماه (الإجماع) ثم (الإقناع)، ثم (الإشراف) و(الأوسط) الذي طبع مؤخرا بدار الفلاح مصر بصورة شبه كاملة. فهو: كان يهتم بذكر إجماع العلماء، كذلك كتب ابن عد البر: كالتمهيد، والاستذكار، والثاني اختصار للأول، كما اعتنى النووي: بذكر الإجماع في كتبه، وهناك كتاب لابن حزم يسمى مراتب الإجماع، ولابن تيمية: نقد له.
(٤) وَفِي الشَّيْءِ الْقَائِمِ أَقَرَّ بِيَدِهَا حَيْثُ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا ثُمَّ ادَّعَى التَّمَلُّكَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْكِرَةٌ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ فَلِهَذَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ إلَيْهَا.
(٥) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٦) القود: قتل النفس بالنفس، والقود القصاص؛ أقدت القاتل بالقتيل أي قتلته به. ينظر: لسان العرب (١١/ ٣٤٢)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٣٤٠).
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٠).
[ ٢٥ / ٢٦ ]
ثم ذكر فيه في باب الجوارح الناقصة لو كانت يد القاطع صحيحة ثم شلت بعد القطع فلا حق للمقطوع في الأرش؛ لأن حقه ثبت ابتداء في يده من غير خيار؛ ولو ذهب الكل بآفة سقط حقه ولم ينتقل إلى الأرش فكذا إذا نقصت بآفة.
فإن قلت هذا الذي ذكرته حسن ولكن ذلك في غير العين من الأعضاء؛ أما في العين فلا قصاص سوى في إذهاب الضوء منها؛ فإنه لا يجب القصاص في فقأ (^١) العين وتقويرها (^٢)؛ لأنه ذكر في الكتاب في أوائل باب القصاص فيما دون النفس بقوله ومن ضرب عين رجل فقلعها لا قصاص عليه؛ وهكذا أيضًا ذكر في الإيضاح (^٣) والذخيرة (^٤).
وقال ولا قصاص في العين إذا قورت عمدًا أو انخسفت (^٥)؛ وإنما يجب القصاص إذا كانت قائمة وذهب ضوءها.
وقال في المنتقى (^٦) (^٧) قال أبو حنيفة [ومحمد] (^٨) ﵏ لا قصاص في قلع الحدقة (^٩) وإنما القصاص في العين إذا ضربها فذهب ضوؤها (^١٠).
قلتُ نعم كذلك إلا أنه ذكر في الذخيرة بعد ما ذكر هذه الروايات التي ذكرتها محيلًا إلى الأجناس أنه لو ضرب عين إنسان بإصبعه ضربة خفيفة فذهبت وقد تعمد ذلك ففيه القصاص (^١١)؛ فيجوز أن يحمل ما ذكره في الكتاب على تلك الرواية.
وذكر في الذخيرة أيضًا محيلًا إلى الأصل إذا فقئت العين عمدًا فذهب نورها (^١٢) ولم تنخسف ففيها القصاص؛ لأن اعتبار المساواة ممكن متى لم تنخسف العين بخلاف ما لو انخسفت العين (^١٣)؛ فكان ما ذكره في الكتاب محمولًا على فقأ عين ذهب نورها من غير انخساف على ما ذكر في الذخيرة والله أعلم.
_________________
(١) في (ج): حق؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) القور: جعل في وسطه خرقًا مستديرًا كما يقور الثوب أو البطيخ. ينظر: معجم الصحاح (ص/ ٨٩١).
(٣) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٠٨).
(٤) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٠٨).
(٥) في (ب): وانخسفت؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) المنتقى في فروع الحنفية للحاكم الشهيد أبي الفضل محمد بن محمد بن أحمد المروزي، وفيه (نوادر من المذهب). ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٨٥١)، الجواهر المضيئة (٢/ ١١٢).
(٧) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٠٨)، البناية (١٣/ ٢٩٤).
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) حدقة العين: سوادها الأعظم. ينظر: الصحاح (٤/ ١٤٥٦)، معجم لغة الفقهاء … (ص/ ١٧٦).
(١٠) في (ج): إذا جنى بما يذهب ضوءها؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(١١) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٤).
(١٢) في (ب): ضوءها؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(١٣) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٤).
[ ٢٥ / ٢٧ ]
لأن وطأ المولى أمته المديونة لا يوجب الفقر؛ لأن حق الغرماء لا يتعلق بمنافع بُضْعِهَا (^١) لأنها ليست بمال وكذلك أخذ الغلة؛ فإن المولى إذا ضرب على عبده غلة وهو مديون يصح؛ ولو أخذ لا يكون مضمونًا على المولى فكان منكرًا لا مقرًا كذا ذكره الإمام الكساني (^٢) (^٣):.
وإذا أمر العبد المحجور عليه صبيًا أي صبيًا حرًا؛ لأن هذا الحكم وهو وجوب الدية على عاقلة الصبي على تقدير القتل إنما يستقيم أن لو كان الصبي المأمور حرًا؛ إذ لو كان عبدًا كان مولاه
مخيرًا بين الدفع والفداء؛ ثم بعد الدفع أو الفداء يرجع مولى العبد القاتل على العبد المحجور الآمر بعد العتاق بقيمة عبده القاتل.
وحاصل هذا أن الآمر والمأمور بالقتل إما إن اتحد حالهما أو اختلف فكل منهما على وجوه؛ لأنه إن اتحد حالهما فلا يخلو إما أن كانا حُرَّين بالغين أو صبيين أو عبدين بالغين مأذونين أو محجورين (^٤) أو مكاتبين.
وإن اختلف حالهما إما أن كان الآمر حرًّا كبيرًا والمأمور صبيًّا حرًّا أو عبدًا؛ أو كان الآمر عبدًا كبيرًا محجورًا أو [مأذونًا] (^٥) والمأمور صبيًا حرًّا أو عبدًا؛ فإن كانا حرين بالغين بأن يأمر حر بالغ حرًّا بالغًا آخر بقتل رجل فقتله خطأ فإنه لا يرجع على الآمر بحال؛ لأنه لم يصح الأمر ولا يأتمر المأمور بأمر مثله خصوصًا في القتل.
وكذلك الآمر إذا كان بأي وصف كان بعد أن كان المأمور الحر مختارًا غير مكره في القتل لا يرجع [على الآمر وكذلك لو كانا صبيين فقتل الصبي المأمور رجلًا عمدًا أو خطأ لا يرجع] (^٦) عاقلة الصبي القاتل على عاقلة الصبي الآمر لأن أمر الصبي باطل فيجعل وجوده كعدمه؛ ولهذا لا يصح إقرار الصبي ولا كفالته ولا يؤاخذ الصبي بضمان القول.
_________________
(١) بضم الباء وهو الفرج؛ والمباضعة المجامعة؛ وفي قولهم: ملك فلان بُضع فلانة إذا عقد عليها. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ٤٢)، المغرب (ص/ ٤٥).
(٢) هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني علاء الدين ملك العلماء. صاحب كتاب «بدائع الصنائع». تفقه على علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي. ينظر: تاج التراجم (ص/ ٣٩٤)، كشف الظنون (١/ ٣١٦).
(٣) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٥٩)، العناية (١٠/ ٣٥٠، ٣٥١)، البناية (١٣/ ٢٩٤).
(٤) محجور بحذف الصلة؛ والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفًا؛ والأصل محجور عليه لفهم المعنى، والحجر بمعنى المنع؛ وهو منع نفاذ التصرفات القولية بسبب الجنون أو الصغر أو السفه والإفلاس. ينظر: التعريفات (ص/ ٥٩)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٤٠٤)، المصباح المنير (١/ ٩).
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٨ ]
فعلى هذا لا يتفاوت أن يكون الآمر والمأمور بأي وصف كانا بعد أن كانا صبيين؛ سواء كانا حرين أو عبدين أو أحدهما حرًّا والآخر عبدًا؛ لا يرجع الصبي المأمور بالقتل إذا قتله على الصبي الآمر حتى لو كان الآمر عبدًا صغيرًا محجورًا أو مأذونًا والمأمور كبيرًا ومثله لم يرجع مولى الجاني على الآمر في الحال ولا بعد الإعتاق كما (^١) قلنا.
أما لو كان الآمر حرًّا كبيرًا والمأمور صغيرًا فقتل؛ فالدية على عاقلة الصبي، ثم يرجع بذلك عاقلة الصبي على عاقلة الآمر؛ لأنه استعمله في أمره ولحقه فيه ضمان فيضمن.
ألا ترى أنه لو دفع إليه سكينًا ليحفظه فوقع السكين من يده فجرحه؛ أو بعثه في حاجته فهلك فيه يضمن الدافع والباعث فكذلك هاهنا.
فإن قيل هذا ضمان لزمه بالقول وهو الأمر فلا تتحمله العاقلة؛ كما لو أقر بقتل أو شهد على رجل بقتل فقضى به وقتله الولي ثم رجع فالضمان في ماله دون العاقلة.
قلنا بل الضمان بالقول ولكن قول لا يحتمل الكذب وهو كالفعل المعايَن حكمًا فتضمن العاقلة، وإن كان قولًا في نفسه كرجل أشهد عليه في حائط مائل فلم يهدمه حتى سقط فقتل رجلًا كان الضمان على العاقلة وإن كانت الجناية لزمته بالقول وهو الإشهاد، ولما أن الإشهاد لا يحتمل الكذب كذلك هاهنا.
بخلاف الإقرار والشهادة (^٢) لأنه يحتمل الصدق والكذب.
ولو كانا عبدين بالغين فلا يخلو إما أن كانا محجورين أو مأذونين؛ فإن كان كلاهما محجورًا بأن أمر عبد محجور عبدًا محجورًا وهما كبيران أو الآمر كبير والمأمور صغير بقتل رجل فقتله يخير مولى المأمور بين الدفع والفداء في عبده؛ وأي ذلك فعل لا سبيل له على الآمر ومولاه حتى يعتق؛ فإذا عتق الآمر حينئذ يرجع مولى المأمور على الآمر فيأخذ منه قيمة عبده المأمور؛ لأنا جعلنا الأمر بالقتل كالإقرار بالغصب (^٣) [وفي الإقرار بالغصب] (^٤) لا يؤاخذ به في الحال، وإنما يؤاخذ به بعد العتاق فكذلك هاهنا.
_________________
(١) في (ب): لما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) الشهادة تطلق على الخبر القاطع والإخبار بما شاهده، وفي الشرع: هو الإخبار عن كون ما في يد غيره لغيره. ينظر: المصباح المنير (ص/ ١٦٩)، بدائع الصنائع (٩/ ٣).
(٣) الغصب: هو أخذ الشيء ظلمًا، واصطلاحًا: هو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك على وجه يزيل يده عنه. ينظر: لسان العرب (١/ ٦٤٨)، المبسوط للسرخسي (١١/ ٤٩).
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢٩ ]
وإن كان كلاهما مأذونين أو الآمر عبدًا مأذونًا والمأمور عبدًا محجورًا صغيرًا أو كبيرًا فقتله المأمور؛ يخير مولى الجاني بين الدفع والفداء؛ وأي ذلك فعل رجع في رقبة العبد الآمر بقيمة عبده يباع فيه أو يفدي؛ لأن الآمر بالأمر صار غاصبًا (^١) للمأمور فصار كإقراره بالغصب؛ والمأذون لو أقر بغصب مال لزمه في الحال فيباع فيه أو يفدي فكذا إذا أمر؛ هذا إذا كان المأمور عبدًا.
وأما إذا كان المأمور بقتل رجل صبيًّا حرًّا والآمر عبدًا مأذونًا أو محجورًا فقتل الصبيُّ المأمور بقتله ذلك الرجلَ، ضمن عاقلة الصبي الدية مؤجلة في ثلاث سنين، فلا رجوع لهم على العبد وإن كان مأذونًا له في التجارة؛ لأن هذا الضمان ليس بضمان الغصب لأن الحر لا يغصب، وإنما هذا ضمان جناية [وجناية] (^٢) العبد لا تلزمه بعد العتاق.
ألا ترى أنه لو باشر الجناية ثم أعتقه مولاه لا يطالب هو بحكم تلك الجناية.
كذا هنا بل بالطريق الأولى؛ لأنه لما لم يؤاخذ العبد بعد العتاق بموجب جناية باشرها في الرق (^٣) وجب أن لا يؤاخذ بموجب جناية أقر بها بعد العتاق بالطريق الأولى؛ وهو أنَّ أمره بالقتل كالإقرار بالجناية لأن كلًا منهما قَوْلي.
ولو أقر بالجناية لم يلزمه شيء أصلًا لا في الحال ولا بعد العتاق سواء كان عبدًا محجورًا أو مأذونًا؛ لأن الإذن بالتجارة إذن بما يختص بالتجارة، والإقرار بالجناية ليس من توابع التجارة، فكان إقرار المأذون والمحجور فيه سواء، ولو كانا مكاتبين بأن أمر المكاتب مكاتبًا آخر مثله صغيرًا أو كبيرًا فالجناية في عنق القاتل ولا غُرم على الآمر.
وكذا لو كان الآمر حرًّا أو عبدًا والمأمور مكاتبًا فالجناية في عنق المكاتب؛ لأن المكاتب بمنزلة الحر يدًا، فلا يصير مضمونًا بالغصب.
وأحكام صور اختلاف حال الآمر والمأمور اندرجت فيما ذكرنا؛ هذا كله من الجامع الصغير (^٤) للإمام التمرتاشي والإمام المحبوبي: (^٥).
_________________
(١) في (ج): عاصيًا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) لعله أصوب.
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) الرقيق لغة: هو الملك والعبودية وهو نقيض العتق أي الحرية، وشرعًا: هو الذل الذي ركبه الله على عباده جزاء استنكافهم عن طاعته؛ وأول ما يؤخذ المأسور يوصف بالرق ولا يوصف بالملك إلا بعد الإخراج إلى دار الإسلام. ينظر: تبيين الحقائق (٣/ ٧٢)، لسان العرب (١٠/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٤) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٥).
(٥) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٥).
[ ٢٥ / ٣٠ ]
وعمده وخطؤه سواء على ما بينا من قبل؛ أي قبيل فصل الجنين، ويرجعون على العبد الآمر بعد العتاق؛ ففي هذه الرواية نوع ضعف لما ذكرنا من رواية هذين الكتابين.
ودليلنا (^١) الظاهر في أنهم لا يرجعون على العبد بعد العتق؛ فكذلك رواية المغني (^٢) (^٣) أيضًا محيلًا إلى الزيادات (^٤) (^٥) توافق تلك الرواية (^٦).
فقال ولو أمر العبد المأذون صبيًّا حرًّا بالقتل، فدية المقتول على عاقلة الصبي، ولا يكون لعاقلة الصبي حق الرجوع على الآمر.
وكلامنا فيما إذا كان المأمور صبيًّا حرًّا على ما ذكرنا.
وكذلك إن أمر عبدًا معناه أن يكون الآمر عبدًا والمأمور (^٧) عبدًا محجورًا عليهما، إلى أن قال ولا رجوع له على الأول في الحال.
وهذا الذي ذكره من الحكم لا يقتضي أن يكون الآمر والمأمور كلاهما محجورًا عليهما لا محالة، بل يكتفي بأن يكون الآمر محجورًا عليه؛ لأنه إذا أمر العبد المحجور العبدَ المأذون وباقي المسألة بحالها فالحكم كذلك.
أما لو كان الآمر عبدًا مأذونًا والمأمور عبدًا محجورًا أو مأذونًا يرجع مولى [العبد] (^٨) القاتل بعد الدفع أو الفداء على رقبة [العبد] (^٩) الآمر في الحال بقيمة عبده؛ لأن الآمر بأمره صار غاصبًا للمأمور فصار كإقراره بالغصب؛ والعبد المأذون لو أقر بالغصب يؤاخذ به في حال رقه بخلاف المحجور على ما ذكرنا.
فإن قيل كيف يكون غاصبًا للعبد بالأمر وهو قوله والغصب لا يكون إلا بالنقل (^١٠) والتحويل.
_________________
(١) في (ج): ودليلهما؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٢) المغني: متن مفيد؛ وهو من أهم المتون المعتمدة في المذهب، وهو من أهم مصنفات الخبازي عمر بن محمد بن عمر جلال الدين أبو محمد، فقيه حنفي من أهل دمشق، تناول فيه عامة المباحث الأصولية التي اعتمد عليها أئمة الحنفية. ينظر: كشف الظنون (٢/ ٦٠٦)، الجواهر المضيئة (٢/ ٦٦٨).
(٣) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٥).
(٤) هو الزيادات في فروع الحنفية. للإمام: محمد بن الحسن الشيباني. المتوفى: سنة ١٨٩، تسع وثمانين ومائة. ينظر: كشف الظنون (٢/ ٩٦٢).
(٥) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٥).
(٦) في (ب): الروايات؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٧) في (أ): أو المأمور؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) في (أ): بالقتل؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٣١ ]
قلنا إن لم يوجد منه النقل فقد وجد الأمر بالنقل فأقيم مقام النقل كمن أمر عبدًا ليحمل له حملًا فحمله وهلك فيه ضمن الآمر (^١)، وإن لم يوجد منه النقل (^٢) لكن لما وجد منه الأمر بالنقل أقيم مقامه؛ كذلك هاهنا؛ كذا ذكره الإمام المحبوبي (^٣):.
لأنه غير مضطر في دفع الزيادة، أي لا ضرورة له في إعطاء الزيادة؛ لأنه يتخلص عن عهدة الضمان بإعطاء الأقل من الفداء أو قيمة العبد؛ لأنه إنما أتلف بأمره ما هو الأقل منهما.
وإن دفعه دفعه إليهم أثلاثًا؛ ثلثاه لولي الخطأ وثلثه لغير العافي من ولي العمد عند أبي حنيفة:؛ وقالا يدفعه أرباعًا إلى آخره (^٤)
وأصل هذا مما اتفقوا عليه هو أن قسمة العين إذا وجبت بسبب دين في الذمة كالغريمين في التركة ونحوها كانت القسمة بطريق العول (^٥) والمضاربة (^٦)؛ لأنه لا تغاير (^٧) في الذمة؛ فيثبت حق كل واحد منهما على وجه الكمال فيضرب بجميع حقه.
أما إذا وجبت قسمة العين ابتداءً لا بسبب دين في الذمة كما في مسألة بيع الفضولي (^٨)؛ وهي أن فضوليًّا لو باع عبدَ إنسانٍ وفضوليًّا آخر باع نصفَه فأجاز المولى البيعين كان العبد بين المشتريين أرباعًا فكانت القسمة بطريق المنازعة؛ لأن الحق الثابت في العين ابتداءً لا يثبت بصفة الكمال عند المزاحمة؛ لأن العين الواحد يضيق عن الحقين على وجه الكمال فكانت القسمة بطريق المنازعة.
_________________
(١) في (ج): المأمور؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): القتل؛ وفي (أ): الفعل؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: البناية (١٣/ ٢٩٥).
(٤) وَقَالَا: يَدْفَعُهُ أَرْبَاعًا: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِوَلِيَّيِ الْخَطَإِ، وَرُبْعُهُ لِوَلِيِّ الْعَمْدِ). ينظر: الهداية (٤/ ٤٩٠)، العناية (١٠/ ٣٥١)، البناية (١٣/ ٢٩٦).
(٥) العول في اللغة: الميل إلى الجور والرفع، وفي الشرع: زيادة السهام على الفريضة فتعول المسألة إلى سهام الفريضة فيدخل النقصان عليهم بقدر حصصهم، والعول الارتفاع؛ وهو أن يزيد سهامًا فيدخل النقصان على أهل الفرائض. ينظر: التعريفات (ص/ ١٥٩)، أنيس الفقهاء (ص/ ١١٣).
(٦) المضاربة لغة: مصدر ضارب؛ وأصل اشتقاقها من ضرب الأرض إذا سار فيها، وقيل: لأن كلًا منهما يضرب بسهم في الربح، واصطلاحًا: عقد شركة في الربح بمال من جانب وعمل من جانب. ينظر: لسان العرب (٧/ ٢١٧)، تبيين الحقائق (٥/ ٥٢).
(٧) في (أ): لا تضايق؛ وما أثبت من (ب) و(ج) أقرب.
(٨) الفُضولي: بالضم: المشتغل بما لا يعنيه؛ وفي الشرع من لم يكن وليًا ولا وصيًا ولا أصيلًا ولا وكيلًا. ينظر: المعجم الوسيط (٢/ ٦٩٣)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٣٤٧)، التعريفات (ص/ ١٦٧).
[ ٢٥ / ٣٢ ]
ولما ثبت هذا قال أبو يوسف ومحمد ﵏ في مسألتنا هذه: ثلاثة أرباع العبد المدفوع (^١) لولي الخطأ (^٢) وربعه (^٣) للساكت من ولي العمد؛ [لأن حق ولي العمد] (^٤) كان في جميع الرقبة.
فإذا عفا أحدهما بطل حقه وفرع النصف فيتعلق حق ولي الخطأ بهذا النصف بلا منازعة؛ بقي النصف الآخر واستوت منازعة ولي الخطأ والساكت من ولي العمد في هذا النصف؛ فصار هذا النصف بينهما نصفين، فكانت القسمة بينهما بطريق المنازعة أرباعًا كما في مسألة الفضوليَّيْن.
ولأبي حنيفة: أن أصل حقهما ليس في عين العبد بل في الأرش الذي هو بدل المتلف [والقسمة في غير العين] (^٥) تكون بطريق العول والمضاربة؛ وهذا لأن [حق] (^٦) ولي الخطأ في عشرة آلاف، وحق شريك العافي في خمسة، فيضرب (^٧) كل واحد منهما بحصته (^٨)؛ كرجل عليه ثلاثة آلاف درهم؛ ألف لرجل وألفان لآخر، مات المَدِين وترك ألفًا، كانت التركة بين صاحبي الدين أثلاثًا بطريق العول والمضاربة؛ ثلثاها لصاحب الألفين وثلثها لصاحب الألف كذلك هاهنا بخلاف بيع الفضولي؛ لأن الملك يثبت للمشتري في العين ابتداءً؛ إلى هذا أشار الإمام قاضي خان (^٩) (^١٠)
_________________
(١) في (ج): المأذون؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): الجناية؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج): ودفعه؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (ب): فيصرف؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٨) الحصة: النصيب والتقاسم والجمع الحصص، وتحاص القوم تحاصا: اقتسموا حصصهم، وحاصه محاصة وحصاصا: قاسمه فأخذ كل واحد منهما حصته. ينظر: لسان العرب (٧/ ١٣).
(٩) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٢).
(١٠) هو الحسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الأُوْزجَنْدي الفرغاني المعروف بـ «قاضي خان»، فخرالدين. تفقه على أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر الصفّاري، وظهير الدين أبي الحسن علي بن عبد العزيز المرغيناني، وغيرهما. وله «الفتاوي» في أربعة أسفار وشرح «الجامع الصغير» وشرح «الزيادات» وشرح «أدب القاضي» للخصاف. توفي ليلة النصف من رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. ينظر: تاج التراجم (ص: ١٥١)، الجواهر المضية (١/ ٢٠٥).
[ ٢٥ / ٣٣ ]
والمحبوبي في الجامع الصغير (^١).
وإذا كان عبد بين رجلين فقتل مولى -أي قريبًا- لهما بأن قتل أخًا أو عمًّا لمولييه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ (^٢) أي الأقاربَ.
ويحتمل أنه أراد به عبدًا لهما أعتقاه فعفا أحد الموليين بطل حق الآخر في النفس والمال جميعًا.
وقال [أبو يوسف] (^٣) ومحمد ﵏: يقال للعافي ادفع نصف نصيبك إلى شريكك أو افده بربع (^٤) الدية.
قال أبو يوسف [ومحمد] (^٥) رحمهما الله: إن حق كل واحد من الموليين في نصف القصاص شائعًا (^٦) لأن ملك المولى لا يمنع استحقاق القصاص له؛ فإذا عفا أحدهما انقلب نصيب [الآخر] (^٧) - وهو النصف- مالًا غير أنه شائع في الكل؛ فيكون نصفه في نصيبه ونصفه في نصيب صاحبه، فما يكون في نصيبه سقط لضرورة أن المولى لا يستوجب على عبده دينًا؛ وما كان في نصيب صاحبه بقي وذلك نصف النصف وهو الربع؛ فلذلك يدفع نصف نصيبه وهو الربع أو يفديه بربع الدية.
ولأبي حنيفة: أن نصيب العافي قد سقط ونصيب الآخر - وهو النصف- يحتمل أن يكون كله في ملك شريكه فينقلب كل هذا النصف مالًا.
ويحتمل أن يكون كله في ملك نفسه فيبطل أصلًا؛ ويحتمل أن يكون نصفه في ملك نفسه ونصفه في نصيب العافي فينقلب نصف هذا النصف مالًا وهو الربع.
فلما احتمل هذا واحتمل ذاك لا ينقلب [مالًا] (^٨) بالشك؛ لأن المال لا يجب بالشك والاحتمال؛ أو نقول إن القصاص إذا صار مالًا صار بمعنى الخطأ، ولو كان القتل خطأ لا يجب شيء فهذا مثله؛ إلى هذا أشار في شروح الجامع الصغير (^٩) (^١٠).
وذكر في بعض النسخ؛ أي في بعض نسخ الجامع الصغير. والله أعلم (^١١).
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٢).
(٢) سورة مريم: ٥
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): بدفع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) شاع الشيء يشيع شيوعًا إذا تفرق وانتشر، شرعًا: حصة مقدرة غير معينة ولا مفرزة. ينظر: معجم لغة الفقهاء (ص/ ٤٣٠).
(٧) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) هو: شرح الجامع الصغير للإمام صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي، المتوفى سنة ٤٩٣. ينظر: كشف الظنون (١/ ٥٦٣).
(١٠) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٣)، البناية (١٣/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(١١) كانت مصادر الرق ومنابعه كثيرة عند ظهور الإسلام، بينما طرق التحرر ووسائله تكاد تكون معدومة، فقلب الإسلام في تشريعاته النظرة فأكثر من أسباب الحرية، وسَدَّ مسالك الاسترقاق، ووضع من الوصايا ما يسد تلك المسالك فقد حصر الإسلام مصادر الرق التي كانت قبل الرسالة المحمدية في مصدر واحد فقط قال الشيخ الشنقيطي: " وسبب الملك بالرق: هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله لتكون كلمة الله هي العليا على الكفار: جعلهم ملكًا لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من المصلحة للمسلمين " انتهى من " أضواء البيان " ٣/ ٣٨٧ وقد أمر الشارع بالعتق إذا أسلم ورغَّب فيه، وفتح له الأبواب الكثيرة. ٣٨٩ ولقد كان الأسر في الحروب من أظهر مظاهر الاسترقاق، وكل حرب لابد فيها من أسرى، وكان العرف السائد يومئذ أن الأسرى لا حرمة لهم ولا حق، وهم بين أمرين إما القتل وإما الرق، ولكن جاء الإسلام ليضيف خيارين آخرين: المن والفداء قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ محمد/ ٤ فالإسلام ليس متعطشا لدماء الأسرى، بل ولا متعطشا حتى لاسترقاقهم إن الحرية حق أصيل للإنسان، ولا يسلب امرؤ هذا الحق إلا لعارض نزل به، والإسلام - عندما قبل الرق في الحدود التي أوضحناها - فهو قيّد على إنسان استغلَّ حريته أسوأ استغلال فإذا سقط أسيرًا إثر حرب عدوان انهزم فيها، فإن إمساكه بمعروف مدة أسره تصرف سليم، ومع كل هذا فإن فرصة استعادة الحرية لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسع كما أن قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والإحسان والرحمة فمن وسائل التحرير: فرض نصيب في الزكاة لتحرير العبيد، وكفارات القتل الخطأ والظهار والأيمان والجماع في نهار رمضان، إضافة إلى مناشدة عامة في إثارة للعواطف من أجل العتق والتحرير ابتغاء وجه الله وهذه إشارات سريعة لبعض قواعد المعاملة المطلوبة عدلًا وإحسانًا مع هؤلاء ضمان الغذاء والكساء مثل أوليائهم:
(١٢) عَنْ أَبِي ذَرٍّ﵁قَالَ: قال رسول الله - ﷺ -: (هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ) رواه البخاري ٦٠٥٠
(١٣) حفظ كرامتهم: عن أبي هريرة﵁قال: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺيَقُولُ: (مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ) رواه البخاري (٦٨٥٨ وأعتق ابن عمر م مملوكًا له، ثم أخذ من الأرض عودًا أو شيئًا فقال: ما لي فيه من الأجر ما يساوي! هذا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ) رواه مسلم (١٦٥٧).
(١٤) العدل مع الرقيق والإحسان إليهم روى أن عثمان بن عفان﵁دَعَك أُذُن عَبْدٍ له على ذنب فعله، ثم قال له بعد ذلك: تقدم واقرص أذني، فامتنع العبد فألح عليه، فبدأ يقرص بخفة، فقال له: اقرص جيدًا، فإني لا أتحمل عذاب يوم القيامة، فقال العبد: وكذلك يا سيدي: اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضًا، وكان عبد الرحمن بن عوف﵁إذا مشى بين عبيده لا يميزه أحد منهم - لأنه لا يتقدمهم، ولا يلبس إلا من لباسهم ومر عمر بن الخطاب﵁يومًا فرأى العبيد وقوفًا لا يأكلون مع سادتهم، فغضب، وقال لمواليهم: ما لقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا الخدم فأكلوا معهم ودخل رجل على سلمان﵁فوجده يعجن - وكان أميرًا - فقال له: يا أبا عبد الله ما هذا؟! فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا أن نجمع عليه عملين.
(١٥) لا مانع أن يتقدم العبد على الحر في بعض الأشياء: فيما يفضله فيه من شئون الدين والدنيا، وقد صحت إمامته في الصلاة، وكان لعائشة أم المؤمنين عبد يؤمها في الصلاة، بل لقد أمر المسلمون بالسمع والطاعة إذا ملك أمورهم عبد.
(١٦) وله أن يشتري نفسه من سيده ويكون حرًا: فإذا حدث لأمر ما أن استرق ثم ظهر أنه أقلع عن غيه، ونسي ماضيه وأضحى إنسانًا بعيد الشر قريب الخير، فهل يجاب إلى طلبه بإطلاق سراحه؟ الإسلام يرى إجابته إلى طلبه، ومن الفقهاء من يوجب ذلك ومنهم من يستحبه، وهو ما يسمى عندنا مكاتبة العبد لسيده (بمعنى أن العبد يشتري نفسه من سيده مقابل مال يدفعه له على أقساط) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور/ ٣٣] هذا عدل الإسلام مع الرقيق وإحسانه إليهم، ومعاملته لهم، فكان من نتائج هذه الوصايا: أن أصبح الرقيق صديقا لمالكه في كثير من الأحيان، بل أحله بعضهم محل الابن، يقول سعد بن هاشم الخالدي في وصف غلام له: ما هو عبد لكنه ولد … خولنيه المهيمن الصمد شد أزري بحسن خدمته … فهو يدي والذراع والعضد وكان من نتيجة معاملة المسلمين للأرقاء هذه المعاملة، اندماج الأرقاء في الأسر الإسلامية إخوة متحابين، حتى كأنهم بعض أفرادها، يقول جوستاف لوبون في "حضارة العرب" (ص ٤٥٩ - ٤٦٠): "الذي أراه صادقًا هو أن الرق عند المسلمين خير منه عند غيرهم، وأن حال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، وأن الأرقاء في الشرق يكونون جزءًا من الأسرة … وأن الموالي الذين يرغبون في التحرر ينالونه بإبداء رغبتهم .. ومع هذا لا يلجأون إلى استعمال هذا الحق" انتهى « كيف معاملة غير المسلمين للرقيق؟ موقف اليهود من الرقيق: ينقسم البشر عند اليهود إلى قسمين: بنو إسرائيل قسم، وسائر البشر قسم آخر فأما بنو إسرائيل فيجوز استرقاق بعضهم حسب تعاليم معينة نص عليها العهد القديم وأما غيرهم، فهم أجناس منحطة عند اليهود، يمكن استعبادها عن طريق التسلط والقهر، لأنهم سلالات كتبت عليها الذلة باسم السماء من قديم، جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج (٢ - ١٢) ما نصه: إذا اشتريت عبدًا عبرانيًا فست سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حرًا مجانًا، إن دخل وحده، فوحده يخرج، إن كان بعل امرأة تخرج امرأته معه، إن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين وبنات فالمرأة وأولادها يكونون للسيد، وهو يخرج وحده، ولكن إذا قال العبد: أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حرًا، يقدمه سيده إلى الله، ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأب. موقف النصرانية من الرقيق: جاءت النصرانية فأقرت الرق الذي أقره اليهود من قبل، فليس في الإنجيل نص يحرمه أو يستنكره وفي المعجم الكبير للقرن التاسع عشر (لاروس): " لا يعجب الإنسان من بقاء الرق واستمراره بين المسيحيين إلى اليوم، فإن نواب الدين الرسميين يقرون صحته ويسلمون بمشروعيته. وفيه: " الخلاصة: أن الدين المسيحي ارتضى الاسترقاق تمامًا، إلى يومنا هذا، ويتعذر على الإنسان أن يثبت أنه سعى في إبطاله، وأقر القديسون أن الطبيعة جعلت بعض الناس أرقاء، فرجال الكنيسة لم يمنعوا الرق ولا عارضوه بل كانوا مؤيدين له، حتى جاء القديس الفيلسوف توماس الأكويني فضم رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين، فلم يعترض على الرق بل زكاه لأنه - على رأي أستاذه أرسطو - حالة من الحالات التي خلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية، وليس مما يناقض الإيمان أن يقنع الإنسان من الدنيا بأهون نصيب. "حقائق الإسلام" للعقاد ص ٢١٥ أوربا المعاصرة والرقيق: مكثت تجارة الرقيق في أيدي شركات إنجليزية حصلت على حق احتكار ذلك بترخيص من الحكومة البريطانية، ثم أطلقت أيدي جميع الرعايا البريطانيين في الاسترقاق، ويقدر بعض الخبراء مجموع ما استولى عليه البريطانيون من الرقيق واستعبدوه في المستعمرات من عام ١٦٨٠/ ١٧٨٦ م حوالي ٢١٣٠٠٠٠ شخصًا. فعندما اتصلت أوربا بإفريقيا السوداء كان هذا الاتصال مأساة إنسانية، تعرض فيها زنوج هذه القارة لبلاء عظيم طوال خمسة قرون، لقد نظمت دول أوربا وتفتقت عقليتها عن طرق خبيثة في اختطاف هؤلاء واستجلابهم إلى بلادهم ليكونوا وقود نهضتها، وليكلفوهم من الأعمال مالا يطيقون، وحينما اكتُشِفَتْ أمريكا زاد البلاء، وصاروا يخدمون في قارتين بدلًا من قارة واحدة، وكان لهم في ذلك قوانين يخجل منها العقلاء، فكان من قوانينهم السوداء في ذلك: من اعتدى على سيده قُتل، ومن هرب قطعت يداه ورجلاه وكوي بالحديد المحمى إذا أبق للمرة الثانية قُتل! وكيف سيهرب وقد قطعت يداه ورجلاه. ومن قوانينهم: يحرم التعليم على الرجل الأسود ويحرم على الملونين وظائف البيض. وفي قوانين أمريكا: إذا تجمع سبعة من العبيد عُدَّ ذلك جريمة، ويجوز للأبيض إذا مر بهم أن يبصق عليهم، ويجلدهم عشرين جلدة. ونص قانون آخر: العبيد لا نفس لهم ولا روح، وليست لهم فطانة ولا ذكاء ولا إرادة، وأن الحياة لا توجد إلا في أذرعهم فقط. والخلاصة في ذلك: أن الرقيق من جهة الواجبات والخدمة والاستخدام عاقل مسئول يعاقب عند التقصير، ومن جهة الحقوق شيء لا روح له ولا كيان بل أذرعة فقط، والله أعلم. ينظر كتاب: "شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب، "تلبيس مردود في قضايا خطيرة" للشيخ الدكتور صالح بن حميد إمام الحرم المكي.
[ ٢٥ / ٣٤ ]