وأمَّا إذا كانت جناية الدَّابة في ملك غير صاحب الدَّابة فهذا على وجهين:
إمَّا إن دخلت في ملك الغير بغير إذن المالك من غير إدخال صاحبها بأن كانت منفلتة وفي هذا الوجه لا ضمان على صاحبها.
وأمّا إذا دخلت بإدخال صاحبها وفي هذا الوجه صاحب الدَّابة ضامن في الوجوه كلها سواء كانت واقفة أو سائرة وسواء كان صاحبها معها يسوقها أو يقودها أو كان راكبًا عليها أو لم يكن معها؛ لأنَّ صاحب الدَّابة في بعضها مباشر وفي بعضها مسبب متعدٍّ إذ ليس له إيقاف الدَّابة وتسييرها في ملك الغير بغير إذن المالك.
وأمَّا إذا كانت جناية الدَّابة في طريق المسلمين أوقفها صاحبها فصاحب الدَّابة ضامن لما تلف بفعل الدَّابة في الوجوه كلها؛ لأنَّ بإيقاف الدَّابة على الطَّريق صار سببًا (^٧) للتَّلف وهو متعدٍّ في هذا التَّسبيب إذ ليس له [شغل] (^٨) طريق المسلمين بإيقاف الدَّابة فيه؛ لأنَّ الطَّريق للسُّلوك والسير لا للإيقاف.
_________________
(١) سقط في (ب)، والكلام لا يستقيم بها.
(٢) وفي (ب) (السبب).
(٣) وفي (ب) (وطأت).
(٤) سقط في (ب).
(٥) وفي (ب) (ثقل).
(٦) زيادة في (ب).
(٧) وفي (ب) (مسببا).
(٨) سقط في (ب).
[ ٢٤ / ٢٨٣ ]
وإن كانت سائرة ولم يكن صاحبها معها بأن (^١) سارت بإرسال صاحبها وصاحبها ضامن مادام السير في وجهها ذلك لم تسر يمينًا ولا شمالًا؛ لأنَّ إرسال الدَّابة في طريق المسلمين بلا حافظ يحفظها سبب الإتلاف وهو متعدٍّ في هذا التَّسبيب.
وإن سارت لا بتسيير صاحبها بأن كانت منفلتة فلا ضمان على صاحبها في الوجوه كلها وإن كان صاحبها معها وهي تسير.
[وإن كان صاحبها] (^٢) راكبًا عليها فما وطئت بيدها أو (^٣) رجلها فصاحبها مباشر للتلف وفيما كدمت بفمها فصاحبها مسبِّب؛ لأنَّه يمكن حفظ الدَّابة عنه؛ لأنَّ الكدم يكون بين عينيه فيمكنه إبعاد الدَّابة عن المتلف إلى آخره كذا في «الذَّخيرة» و«الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي -﵀ - (^٤).
وذكر الإمام التمرتاشي -﵀-: ففيما إذا كانت الدَّابة في طريق العامة لو كانت الدَّابة سائرة وصاحبها معها قائدًا أو سائقًا أو راكبًا يكون ضامنًا جميع ما جنت إلا النفحة بالرجل أو الذنب (^٥). (^٦)
قلت: وبهذا كله يعلم أن ما ذكره في الكتاب مطلقًا بقوله: (الرَّاكِبُ ضَامِنٌ) إلى أن قال: (أَوْ كَدَمَتْ أَو خَبَطَتْ، وَكَذَا إِذَا صَدَمَتْ (^٧) محمول على ما إذا لم يكن الرَّاكب في ملكه؛ لأنَّ هذا الجواب إن استقام في قوله: (مَا أَصَابَت بِيَدِهَا أَو بِرِجْلِهَا (^٨) لا يستقيم في قوله: (أَوْ كَدَمَتْ أَو خَبَطَتْ أَوْ صَدَمَتْ) فيما إذا كان في ملكه فإنَّه لا يضمن في هذه الأشياء إذا كان الراكب مع دابته في ملكه على ما ذكرنا من رواية «الذَّخيرة» والمحبوبي (^٩).
(وَلا يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَو ذَنَبِهَا (^١٠) أي: ضربت وهذا الذي ذكره وهو أنَّ الرَّاكب لا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها مذهبنا (^١١).
_________________
(١) وفي (ب) (فإن).
(٢) سقط في (ب).
(٣) وفي (ب) (و).
(٤) يُنْظَر: المبسوط؛ للشيباني (٤/ ٥٥٢)، المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ١٨٩، ١٩٠)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٦٦، ٣٦٧)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٩، ٥٠).
(٥) وفي (ب) (والذنب).
(٦) يُنْظَر: تنقيح الفتاوى الحامدية (٧/ ٨٣).
(٧) بداية المبتدي (٢٥٠).
(٨) بداية المبتدي (٢٥٠).
(٩) يُنْظَر: المبسوط؛ للشيباني (٤/ ٥٥٢)، المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ١٨٩، ١٩٠)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٦٦، ٣٦٧)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٩، ٥٠).
(١٠) بداية المبتدي (٢٥٠).
(١١) يُنْظَر: مختصر القدوري (٢٩٠).
[ ٢٤ / ٢٨٤ ]
وقال ابن أبي ليلى -﵀-: هو ضامن لجميع ذلك، وقاس الذي يسير على الدَّابة بالذي وقف دابَّته في الطَّريق فنفحت برجلها أو بذنبها فكما أنَّ هناك يجب ضمان الدية على عاقلته فكذلك ههنا (^١).
ولكنَّا نقول في الفرق بينهما: هو ممنوع من إيقاف الدَّابة على الطَّريق؛ لأنَّ ذلك يضر (^٢) بالمارة؛ ولأنَّ الطَّريق ما أعد لإيقاف الدَّابة فيها فيكون هو في شغل الطَّريق متعديًا والمتعدي في التَّسبيب يكون ضامنًا، ولهذا يستوي فيه بين ما يمكن التحرُّز وبين ما لا يمكن وهذا لأنَّه إن كان لا يمكنه التحرُّز عن النفحة بالرجل والذَّنب فقد يمكنه التحرُّز عن إيقاف الدَّابة بخلاف الأوَّل فإن السير على الدَّابة مباح له لأنَّ الطَّريق معد لذلك كذا في «المبسوط» (^٣).
وقوله: (لأَنَّهُ يُتَصَرَّفُ (^٤) فِي حَقِّهِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّاسِ (^٥) إلى آخره جواب لسؤال ذكر ههنا فذكر ذلك السؤال والجواب في «الذَّخيرة» و«الجامع الصَّغير» للمحبوبي (^٦).
وذكر المحبوبي بعدما ذكر أنَّ الدَّابة لو كانت في طريق المسلمين وكان صاحب الدَّابة قائدًا لها أو راكبًا يضمن ما أتلفت الدَّابة بالوطئ باليد والرجل أو الكدم؛ لأنَّه إذا وطئت فهو مباشر وإذا كدمت فهو مسبب لكنَّه متعدٍّ في هذا التَّسبيب على ما ذكرنا.
فقال: فإن قيل: هو غير متعد في هذا التَّسبيب فإنَّ له أن يمر في طريق المسلمين كما في ملكه، ولو مر عليها في ملكه فأتلفت شيئًا بهذه الوجوه لم يضمن شيئًا فيجب أن لا يضمن ههنا أيضًا.
قلت (^٧): الطَّريق يشبه ملكه من حيث إنَّ المرور مباح له فيه ويشبه ملك الغير من حيث إنَّه ليس له في طريق المسلمين ملك يطلق له التَّصرف فوفرنا على الشبهين حظهما فيما كان مسببًا للإتلاف، فقلنا: إذا كان شيئًا يمكنه حفظ الدَّابة والتحرز عنه يعتبر فيه متعديًا وذلك كالكدم والوطء باليد والرجل في حق القائد والرَّاكب؛ لأنَّ ذلك لا يكون بين عينيه فجعل في هذه الأشياء طريق المسلمين ملحقًا بملك الغير.
_________________
(١) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٥٦).
(٢) وفي (ب) (يضمن).
(٣) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ١٨٩).
(٤) وفي (ب) (ينصرف).
(٥) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٧، ١٩٨).
(٦) يُنْظَر: المبسوط؛ للشيباني (٤/ ٥٥٢)، المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ١٨٩، ١٩٠)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٦٦، ٣٦٧)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٩، ٥٠).
(٧) وفي (ب) (قلنا).
[ ٢٤ / ٢٨٥ ]
وقلنا: إذا كان شيئًا لا يمكن حفظ الدَّابة والتحرُّز عنه لا يعتبر فيه متعدِّيًا، وذلك كالنفحة بالرجل والضَّرب بالذَّنب لأنَّ كل ذلك يكون وراء الرَّاكب والقائد وجعل في حق النفحة والضرب بالذنب في حق الرَّاكب والقائد طريق المسلمين ملحقًا بملكه.
وأمَّا السَّائق هل يضمن؟ اختلف المشائخ [فيه] (^١) ولا يتقيد فيما لا يمكن الاحتراز عنه لما فيه من المنع من التصرف، يعني: أنَّا لو شرطنا عليه السلامة فيما لا يمكن التحرز عنه تعذر عليه استيفاء حقه؛ لأنَّه يمتنع من المشي والسير على الدَّابة مخافة أن يبتلى بما لا يمكن التحرز عنه.
فأمَّا ما يُستطاع الامتناع (^٢) [عنه] (^٣) لو شرط [عليه] (^٤) صفة السَّلامة من ذلك لا يمتنع عليه استيفاء حقه وإنَّما يلزمه به نوع احتياط في الاستيفاء كذا في «المبسوط» (^٥).
(واَلنَّفْحَةُ بِالرِّجْلِ وَالذَّنَبِ لَيْسَ يُمْكِنُهُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ السَّيْرِ عَلَى الدَّابَةِ (^٦)؛ لأنَّ وجه الراكب أمام الدَّابة لا خلفها.
(وَإِنْ أَوْقَفَهَا (^٧) كان حقه أن يقال: وإن وقفها، لأنَّ قولك: وقف وقفًا متعد ووقف وقوفًا لازم. وفي «المُغرب» ولا يقال: أوقفه إلا في لغة رديَّة (^٨).
والمردَف (^٩) (فِيْمَا ذَكَرْنَا كَالرَّاكِبِ) أي: في موجب الجناية؛ (لأَنَّ المَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ (^١٠) وهو معنى المباشرة، وتصرف الدَّابة في التسيير على ما أراد (^١١). (^١٢)