(وَفِي جَنِينِ الأَمَةِ إِذَا كَانَ ذَكَرًا: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ (^٣) فلابدَّ من زيادة قيد ههنا وهو أن يقال: وفي جنين الأمة التي لم تحمله من مولاها ولا من المغرور (إِذَا كَانَ ذَكَرًا: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ (^٤) إلى آخره، وأمَّا إذا حملته من مولاها أو من المغرور كان ذلك الحمل حرًا فتجب الغرة ذكرًا كان أو أنثى.
وقوله: (إِذَا كَانَ ذَكَرًا: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَو كَانَ حَيًّا. وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَو كَانَ أُنْثَى (^٥).
بيان هذا أنَّه يُقوَّم الجنين بعد انفصاله ميتًا على لونه وهيأته لو كان حيًّا فينظر كم قيمته بهذا المكان، فإذا ظهر قيمة الكل بعد هذا إن كان ذكرًا يوجب نصف عشر قيمته، وإن كان أنثى يجب عشر قيمته.
ولو ضاع الجنين ولم يُمكِنَّا تقويمه باعتبار لونه وهيأته عن تقدير أنَّه حي ووقع التنازع في قيمته بين الضَّارب ومولى الأمة المضروبة كان القول قول الضَّارب لإمكان الزيادة كمن قتل عبدًا خطأ لم يشاهده القاضي قبل قتله حتى عجز عن تقويمه باعتبار حاله وهيأته لو كان حيًا ووقعت المنازعة بين صاحب العبيد والقاتل يجعل القول قول القاتل مع اليمين كذا هي.
فإن قيل: ربَّما لا يمكن الوجوب على ذكورة الجنين وأنوثته فماذا يجب قلنا: نأخذ بالمُتيقَّن كمن قتل عبدًا خطأ والمقتول خنثى مشكل فإنَّه يجب المُتيقَّن كذا ههنا، كذا في «الذَّخيرة» (^٦).
_________________
(١) يُنْظَر: الحاوي الكبير (١٥/ ١٤٩)، المجموع (٩/ ١١٩).
(٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٩، ٩٠)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٢٢)، نتائج الأفكار (١٠/ ٣٣١، ٣٣٢).
(٣) بداية المبتدي (٢٤٧)، وهو لفظ الامام القدوري. يُنْظَر: مختصر القدوري (٢٩٣).
(٤) بداية المبتدي (٢٤٧)، وهو لفظ الامام القدوري. يُنْظَر: مختصر القدوري (٢٩٣).
(٥) بداية المبتدي (٢٤٧)، وهو لفظ الامام القدوري. يُنْظَر: مختصر القدوري (٢٩٣).
(٦) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٢٢، ٣٢٣)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٤).
[ ٢٤ / ٢٤٤ ]
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ -﵀-: فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ؛ لأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وَجْهٍ (^١).
وفي المبسوط (^٢): ومذهب الشَّافعي لا يستقر على شيء في الجنين فإنَّه يجعله في حكم الكفَّارة كالنُّفوس، ثم يقول: البدل الواجب فيه معتبر بأمه لا بنفسه حتى يكون الواجب عشر بدل الأم.
وعندنا هو معتبر بنفسه وإنَّما يتبين ذلك في جنين الأمة والواجب عندنا نصف قيمته إن كان ذكرًا وعن قيمته إن كان أنثى.
وعند الشَّافعي -﵀- الواجب عشر قيمة الأم ذكرًا كان أو أنثى (^٣).
(لأَنَّ ضَمَانَ الطَّرَفِ لا يَجِبُ إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِ النُّقْصَانِ (^٤) حتى أنَّه لو لم يظهر فيه النقصان لا يجب على ما ذكرنا قبل هذا ما ذكره في «المبسوط» حيث قال: والدَّليل على أن الواجب في الجنين هو بدل النَّفس لا بدل الجزء لما أنَّ بدل الجزء لا يجب بدون بقاء النقصان حتى لو قلع سنًّا فنبت مكانه آخر لم يجب شيء وههنا يجب بدل الجنين وإن لم يكن في الأمِّ نقصان دل أنَّ وجوبه باعتبار معنى النَّفسيَّة (^٥).
(وَلا مُعْتَبَرَ بِهِ (^٦) أي: بظهور النقصان (فَيُقَدَّرُ بِهَا (^٧) أي: ببدل النَّفس والأصل في النُّفوس نفوس الأحرار ففي نفس الحر في الجنين نصف عشر دية الذكر في الذكر وعشر دية الأنثى في الأنثى فيجب أن يكون في جنين الأمة كذلك إلا أنَّ القيمة في الرقيق قائمة مقام الدية في الحرِّ؛ فلذلك اعتبرت القيمة في جنين الرقيق كالاعتبار في جنين الحر في الدية (^٨).
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ -﵀-: يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ لَو انْتَقَصَتْ الأُمُّ (^٩) جعل هذه الرواية عن أبي يوسف غير ظاهر الرواية في «المبسوط» و«الإيضاح» و«الذَّخيرة» وغيرها؛ لأنَّه قال في «المبسوط»: ثم وجوب البدل في جنين الأمة قول أبي حنيفة ومحمّد وهو الظَّاهر من قول أبي يوسف وعنه في رواية أنَّه لا يجب إلا نقصان الأم إن تمكَّن فيها نقص وإن لم يتمكن لا يجب شيء كما في جنين البهيمة، وهكذا أيضًا في غير «المبسوط» (^١٠).
_________________
(١) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٨).
(٣) مذهب الشافعية: أن الجنين الرقيق -وهو لا يكون إلا في بطن الرقيقة- فيه عشر قيمة الأم إذا سقط ميتا بالجناية، ذكرا كان أم أنثى، قِنَّة كانت أمه أو مدبرة، كاتبة أو مستولدة. يُنْظَر: روضة الطالبين (٩/ ٣٧٢)، نهاية المحتاج (٧/ ٣٨٣).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٥) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٨).
(٦) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٧) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(٨) يُنْظَر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٢٧).
(٩) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٠).
(١٠) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٦/ ٨٩)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٢٣)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٢٥).
[ ٢٤ / ٢٤٥ ]
ثم ذكر في «المبسوط»: لكنَّا نقول وجوب بدل جنين الآدمية لتحقيق معنى الصيانة عن الهدر، وجنين الأمة في ذلك كجنين الحرَّة، وهذه المسألة في الحقيقة إنَّما تنبني على اختلافهم في ضمان الجناية على المماليك فإنَّ عند أبي يوسف -﵀- هو بمنزلة ضمان المال (^١) يجب بالغًا ما بلغ، وعند أبي حنيفة ومحمَّد رحمهما الله هو بدل عن النَّفس فلهذا لا يزاد على مقدار الدية بحال (^٢).
(فَنَظَرْنَا إِلَى حَالَتَي السَّبَبِ وَالتَّلَفِ (^٣) يعني: أوجبنا القيمة دون الدية اعتبارًا لحالة الضرب وأوجبنا قيمته حيًّا لا مشكوكًا في حياته اعتبارًا لحالة التَّلف.
ولا يقال أن هذا اعتبار لحالة الضَّرب فحسب؛ لأنَّ الواجب في تلك الحال قيمته حيًا أيضا؛ لأنَّا نقول: جاز أن لا يكون حيًا، فلا تجب قيمته حيًا هناك بل تجب الغرة (^٤).
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ -﵀-: تَجِبُ قِيمَتُهُ مَا بَينَ كَونِهِ مَضْرُوبًا إِلَى كَونِهِ غَيرَ مَضْرُوبٍ (^٥) أي: تفاوت ما بينهما حتى لو كانت قيمته غير مضروب ألف درهم وقيمته مضروبًا ثمانمائة يجب على الضَّارب مائتا درهم على ما ذكرنا قبل هذا من قول في مثل هذا في مسألة الرمي والجرح في باب اعتبار حالة القتل.