(وَإِنْ سَقَطَ المِيْزَابُ نُظِرَ (^٢) إلى آخره، فحاصل مسألة الميزاب على أربعة أوجه على القسمة العقليَّة وذلك لأنَّه: إمَّا إن علم إِنْ أصابه الطَّرف الدَّاخل الذي يلي الحائط أو علم أنَّه أصابه الطَّرف الخارج من الحائط أو (أَصَابَهُ الطَّرَفَانِ جَمِيعًا) أو (لَمْ يُعْلَمْ بِهِ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ (^٣) من الدَّاخل والخارج والأجوبة مذكورة في الكتاب (^٤).
وعدم الضَّمان فيما أصابه الطَّرف الدَّاخل دون الخارج؛ لأنَّه غير متعد فيه لمَّا أنَّه وضعه في ملكه وإن كان مسببًا للإتلاف لكن المسبب للإتلاف إذا لم يكن متعديًا لا يكون ضامنًا.
بخلاف ما إذا أصابه الطَّرف الخارج؛ لأنَّه مسبب وهو متعدٍّ في التَّسبيب؛ لأنَّه شغل هذا طريق المسلمين بصنعه فكان بمنزلة ما لو بنى حائطا مائلًا إلى الطِّريق فسقط على إنسان فمات وهناك يضمن كذلك ههنا؛ (لأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ حَقِيقَةً (^٥).
وإنَّما قَيَّد به؛ لأنَّه لو كان قاتلًا حقيقة يستوي فيه الملك وغيره في وجوب الكفَّارة في الخطأ وحرمان الإرث كما في الرمي.
فإن قلت: لمَّا لم يكن قاتلًا حقيقة وجب أن لا يضمن، أو لما وجب الضَّمان لوجود القتل منه حكمًا ينبغي أن تجب الكفارة وحرمان الإرث كما هو مذهب الشَّافعي -﵀- (^٦) فما وجه الفرق لعلمائنا بين وجوب الضَّمان ههنا وعدم وجوب الكفَّارة وعدم حرمان الإرث؟
_________________
(١) يُنْظَر: الفتاوى الهندية (٦/ ٤٣).
(٢) بداية المبتدي (٢٤٨).
(٣) بداية المبتدي (٢٤٨).
(٤) يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(٥) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(٦) قال الامام الشيرازي: واختلف أصحابنا فيمن قتل مورثه فمنهم من قال: إن كان القتل مضمونا لم يرثه؛ لأنه قتل بغير حق، وإن لم يكن مضمونا ورثه؛ لأنه قتل بحق فلا يحرم به الإرث؛ ومنهم من قال: إن كان متهما كالمخطئ، أو كان حاكما، فقتله في الزنا بالبينة لم يرثه؛ لأنه متهم في قتله لاستعجال الميراث، وإن كان غير متهم بأن قتله بإقراره بالزنا ورثه؛ لأنه غير متهم لاستعجال الميراث، ومنهم من قال: لا يرث القاتل بحال وهو الصحيح، لما روى ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ-: قال: «لا يرث القاتل شيئا». المهذب (٢/ ٢٤). وينظر: الحاوي الكبير (٨/ ٨٦)، التنبيه (١٥١)، روضة الطالبين (٦/ ٣١).
[ ٢٤ / ٢٥٣ ]
قلت: أمَّا وجوب الضَّمان فلوجود التَّسبيب منه على القتل بطريق التعدِّي حيث أحدث في الطَّريق ما يتضرَّر به المارَّة فلما تسبَّب اهلاكه بطريق التعدِّي وجب الضَّمان لصيانة دم المتلف عن الهدر.
وأمَّا وجوب الكفارة وحرمان الإرث فجزاء قتل محظور ولا يوجد ذلك في التسبب؛ لأنَّه لا يمكن أن يجعل قاتلًا بإحداث ذلك ولا مقتول عند إحداثه ولا يمكن أن يجعل قاتلًا عند الإصابة فلعلَّ المحدث ميت عند الإصابة فكيف يكون الميِّت قاتلًا، والدَّليل عليه أن القاتل لا يكون إلا بفعل القتل والقتل نوعان: عمد وخطأ، والقتل العمد بهذا الطَّريق لا يتحقَّق.
فكذلك الخطأ وحرمان الإرث باعتبار توهم القصد إلى استعجال الميراث وذلك في العمد لا يشكل.
وفي الخطأ يحتمل أن يكون أظهر الخطأ من نفسه وهو قاصد إلى ذلك وهذا لا يتحقَّق في هذه المواضع وعلى هذا الأصل قال علماؤنا: الكفارة وحرمان الإرث لا تثبت في حق الصبي والمجنون بالقتل؛ لأنَّه جزاء قتل محظور وفعل الصبي لا يوصف بذلك؛ والجزاء شرعا مبني على الخطاب كذا في «المبسوط» (^١).
(كَمَا إِذَا جَرَحَهُ سَبْعٌ وَإِنْسَانٌ (^٢) أو جَرح هو نفسه وإنسان آخر أو جرحه عبدُه وإنسان آخر يضمن الإنسان الآخر النصف.
وعلى هذا أيضًا لو جلس غيره على ثوبه وهو لا يعلم في حال جلوسه ثم قام فَتَخَرَّق (^٣) الثَّوب من قيامه وثِقَلِ الجالس.
أو وضع إنسان قدمه على مؤخر نعله في حال مشيته فرفع هو قدمه حتى تخرق النعل من فعله وثقل قدم آخر حيث يضمن الأجنبي النِّصف.
وكذلك قالوا: في رجل في يده ثوب لرجل آخر فجذبه صاحب الثَّوب من يده فتخرق الثوب ضمن الممسك نصف الخرق.
وقالوا: في صبي في يد أبيه جذبه رجل من يده والأب مستمسكه حتَّى مات فديته على الذي جذبه ويرثه أبوه لأنَّ الأب يمسكه بحق والجاذب متعدٍّ (^٤).
وفرَّع عليه في «المنتقى» في مسألة الثَّوب لو جذب الذي ليس له الثَّوب فتخرق الثَّوب فهو ضامن لجميعه؛ لأنَّه لم يكن له مده.
ولو تجاذب رجلان صبيًِّا وأحدهما يدَّعي أنَّه ابنه والآخر يدَّعي أنَّه عبده فمات فالدية على الذي يدَّعي أنَّه عبده؛ لأنَّ المتنازعين في الصبي إذا زعم أحدهما أنَّه ابنه وزعم الآخر أنَّه عبده فمدَّعي البُنُوَّة أولى فصار إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق فيضمن (^٥).
_________________
(١) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٦).
(٢) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩١).
(٣) خرقت الثوب: إذا شققته. يُنْظَر: العين (٤/ ١٤٩).
(٤) يُنْظَر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٧٤)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٢٩)، مجمع الضمانات (٣٥٦)، الفتاوى الهندية (٦/ ٨٨).
(٥) يُنْظَر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٧٤)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٢٨)، مجمع الضمانات (٣٠٤).
[ ٢٤ / ٢٥٤ ]
(وَلَو لَمْ يُعْلَمْ أَيُّ طَرَفٍ أَصَابَهُ (^١) جعل كأنَّه أصابه الطَّرفان كما لو جرحه إنسان وسَبُع ومات ضمن الرَّجل نصف الدية؛ لأنَّا نعلم أنه قتيل الجراحة، إلَّا أَنَّا لا ندري أنَّه قتيل أي جراحة، فجعلناه قتيل الجراحتين. كذا في «الذَّخيرة» و«الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي (^٢).
(فَالضَّمَانُ عَلَى البَائِعِ (^٣)؛ (لأَنَّ فِعْلَهُ وَهُوَ الوَضْعُ لَم يَنْفَسِخْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ وَهُوَ المُوْجِبُ (^٤) وكذلك في الجناح وجدت الجناية من البائع في شغل هواء المسلمين بالجناح وبالبيع لم يُزل هذا الشُّغل فبقيت جنايته على حالها.
فإن قيل: المشتري جانٍ أيضًا بالامتناع من الرفع مع تمكنه منه شرعًا.
قلنا: المشتري غير مباشر ولا مسبب لانعدام الفعل وإنَّما صار تاركًا معروفًا فلا يضمن، كمن رأى أعمى يقع في البئر فلم يمنعه من الوقوع حتَّى مات، أو رأى إنسانًا يموت من الجوع ومعه طعام فلم يدفعه إليه حتَّى مات، أو وضع رجل حجرًا في الطريق فمرَّ به إنسان وأمكنه الرفع كان عليه أن يرفع، فإن لم يرفعه حتَّى عقل به إنسان ومات لا ضمان عليه لما أنَّه غير مباشر ولا مسبب (^٥).
فإن قلت: يشكل على هذا الحائط المائل إذا تقدم إنسان على صاحبه بالنقض فلم ينقض حتى باع الدَّار من غيره، ثم أصاب إنسانًا فإن البائع لا يضمن مع أنَّ البائع هناك جانٍ بترك النقض حيث ترك النقض بعد التقدم عليه.
قلت: وقع الفرق بينهما من حيث أنَّ التقدم في الحائط المائل شرط ليصير صاحب الحائط ضامنًا، والتقدم إلى البائع قبل البيع إنَّما يصح باعتبار الملك وقد زال ملكه بالبيع فيزول تمكُّنه من النقض أيضًا بالبيع؛ لأنَّ أحدًا لا يتمكَّن من نقض حائط الغير وإن كان مائلا فصار كأنَّه لم يتقدم إليه أحد بالنَّقض حتى باع، وههنا جناية البائع في إشراع الجناح من حيث إنَّه شغل هو طريق المسلمين بالإخراج لا باعتبار الملك، حتى لو حصل ممَّن كان ساكنًا في الدَّار بإجارة أو بإعارة أو غصب فسقط على إنسان يكون ضامنًا، وهذا الشغل باق بعد البيع فبقيت الجناية إلى هذا أشار الإمام المحبوبي في «الجامع الصَّغير» (^٦).
_________________
(١) بداية المبتدي (٢٤٨).
(٢) يُنْظَر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٢٠)، بداية المبتدي (٢٤٨)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٣٢).
(٣) بداية المبتدي (٢٤٨).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٢).
(٥) يُنْظَر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٧٦)، تبييين الحقائق (٣/ ٢٩٧)، درر الحكام (٦/ ١٠١).
(٦) يُنْظَر: الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٦)، الجوهرة النيرة (٢/ ٢٢٧)، درر الحكام (٦/ ١٥)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٩٦).
[ ٢٤ / ٢٥٥ ]
وحاصل مسألة الحائط المائل في الضَّمان تنبني على علَّةٍ ذات وصفين وهما: التقدم إلى صاحب الملك، وبقاء الملك، فيما باع انعدم أحد الوصفين فلم يكن موجبًا للضَّمان.
وذكر في «المبسوط» في مسألة إشراع الجناح: لأنَّ البائع كان جانيًا بوضع الجناح لا باعتبار الملك، وبالبيع لم ينفسخ حكم فعله؛ لأنَّه لم ينزع الموضع الذي شغله بما أحدثه فبقي ضامنًا على حاله.
ألا ترى أنَّه لو وضع الجناح في غير ملكه كان ضامنًا لما يتلف به فلمَّا كان عدم الملك لا يمنع انعقاد سبب الضَّمان.
فكذلك لا يمنع بقاؤه ولا شيء على المشتري لأنَّه ما أحدث في الطَّريق شيئًا (^١).