وشرط الترك في مدَّة يقدر على نقضه فيها؛ لأنَّه ربما لا يتمكَّن من ذلك بنفسه لجهله أو لعدم الآلة فيحتاج إلى طلب الأجراء فصار مدَّة التمكُّن من إحضار الأجراء مستثنى في الشَّرع.
ولو أشهد على رجل في حائط مائل إلى دار رجل، فسأل صاحب الحائط من القاضي أن يؤجِّله يومين، أو ثلاثة، أو ما أشبه ذلك، ففعل القاضي ذلك [ثمَّ] (^٦) سقط الحائط وأتلف شيئًا، كان الضَّمان واجبًا على صاحب الحائط، لأنَّ التَّأجيل لم يصح؛ لأنَّ الحق لصاحب الدَّار، لا للقاضي، فصار وجود هذا التَّأجيل والعدم بمنزلة، ولو وجد التَّأجيل من صاحب الدَّار فوقع الحائط في مدَّة التأجيل وأفسد شيئًا لا يجب الضَّمان؛ لأنَّ التَّأجيل قد صحَّ لصدوره من صاحب الحق فلا يصير صاحب الحائط بترك التفريغ جانيًا.
ولو أشهد على رجل في حائط مائل له إلى الطَّريق الأعظم فطلب صاحب الحائط من القاضي أن يؤخِّره يومًا أو يومين أو ثلاثة ففعل القاضي ذلك ثم سقط الحائط المائل (^٧)، وأتلف شيئًا في المدَّة كان الضَّمان واجبًا؛ لأنَّ الحق لعامَّة المسلمين وتصرف القاضي فيما هو حق عامة المسلمين، أي: ينفذ فيما لهم فيه منفعة لا فيما لهم فيه مضرَّة، وفي هذا التَّأجيل ضرر لعامَّة المسلمين فلم يصح هذا التَّأجيل والتحق بالعدم كذا في «الذَّخيرة» (^٨).
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٦).
(٣) المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٩).
(٤) تحفة الفقهاء؛ لعلاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي (ت ٥٣٩ هـ).
(٥) يُنْظَر: تحفة الفقهاء (٣/ ١٢٨).
(٦) سقط في (ب).
(٧) وفي (ب) (المائل الحائط).
(٨) يُنْظَر: تحفة الفقهاء (٣/ ١٢٨، ١٢٩)، الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٦)، تبيين الحقائق (٦/ ١٤٨)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠٤).
[ ٢٤ / ٢٧٤ ]
(وَيَسْتَوِي أَنْ يُطَالِبَهُ بِنَقْضِهِ مُسْلِمٌ أَو ذِمِّيٌّ (^١).
وفي «شرح الأقطع»: وكذلك لو طالبت به امرأة أو صبي أو رجل غريب من بلد آخر؛ لأنَّ جميع هؤلاء لهم المرور في الطَّريق فصحت مطالبتهم لثبوت حقِّهم.
وفي «شرح الطَّحاوي» لو كان الحائط مائلًا إلى الطَّريق العام فإنَّ الخصومة فيه إلى واحد (^٢) من النَّاس مسلمًا كان أو ذميًّا بعد أن كان حرًّا بالغًا عاقلًا أو كان صغيرًا أذن له وليه بالخصومة فيه أو كان عبدًا أذن له مولاه بالخصومة فيه (^٣).
(وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى الرَّاهِنِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى) الهدم (بِوَاسِطَةِ الفِكَاكِ)؛ لأنَّه يتمكَّن من أن يقضي الدَّين ويسترد الحائط فهدمه (^٤) فيصح التقدم إليه (وَإِلَى الوَصِيِّ وَإِلَى أَبِ اليَتِيْمِ (^٥) أي: إلى أب الصبي هكذا ذكر في «المبسوط» (^٦).
وكان المراد من اليتيم: الصبي، لاستحالة اليتم مع وجود الأب (وَالضَّمَانُ فِي مَالِ اليَتِيمِ؛ لأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ كَفِعْلِهِ (^٧) أي: فعل الوصي والأب والأم كفعل الصبي (^٨).
وفي «المبسوط»: وإذا تقدم إلى أب الصبي أو الوصي في نقض الحائط فلم ينقضه حتى سقط فأصاب شيئًا فضمانه على الصبي؛ لأنَّ الأب والوصي يقومان مقامه ويملكان (^٩) هدم الحائط فصحَّ التقدم إليهما فيه ويكون ذلك كالتقدُّم إلى الصبي بعد بلوغه ثم فيما (^١٠) في تركه (^١١) الهدم يعملان للصبي وينظران له فلهذا كان الضَّمان عليه دونهما كذا في «المبسوط» (^١٢).
_________________
(١) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٦)، وهو لفظ الامام القدوري. يُنْظَر: مختصر القدوري (٢٩٢).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، ولعل الصواب (كل واحد)، لموافقتها سياق الكلام، وهكذا جاءت في البناية، والفتاوى الهندية.
(٣) يُنْظَر: البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٩)، الفتاوى الهندية (٦/ ٣٧).
(٤) وفي (ب) (فيهدمه)، وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام.
(٥) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٦).
(٦) المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ١٠).
(٧) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٦، ١٩٧).
(٨) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٥٥)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٥١).
(٩) وفي (ب) (ولمكان).
(١٠) وفي (ب) (هما) وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام، وهكذا جاءت في المبسوط.
(١١) وفي (ب) (ترك) وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام، وهكذا جاءت في المبسوط.
(١٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ١٠).
[ ٢٤ / ٢٧٥ ]
فإن قلت: لما صحَّ التقدُّم إلى الوصي لأجل الصبي وجب أن يلزم الضَّمان على تقدير السقوط والهلاك على الوصي إذا فرط في النقض بعد التقدم إليه لأنَّ التَّقصير جاء من قبله حيث فرط في النقض مع الإمكان [فكان] (^١) قاصدًا إلحاق الضَّرر بالصَّغير وهو لا يملك إلحاق الضَّرر بالصَّغير [فيجب] (^٢) في مال الوصي.
قلت: نعم كذلك إلا أنَّ الجواب عن هذا أنَّ في تفريط النقض نوع مضرة للصَّغير، ونوع مصلحة له، أمَّا نوع المضرَّة: فمن حيث إنَّه ربَّما يسقط على شيء فيجب ضمان ذلك في مال اليتيم فيتضرَّر به اليتيم أكثر مما يتضرَّر به لو نقضه وبناه.
وأمَّا نوع المصلحة: فمن حيث إنَّه متى نقض احتاج إلى أن يبني ثانيًا ومتى بنى ثانيًا يلحق الصبي في إصلاح ذلك مؤنة عظيمة، إلا أن جانب المصلحة راجح على جانب المضرة في التفريط، لأنَّ ما يلزمه في المؤنة في نقض الحائط وبنائه ثانيًا ضرر متيقَّن وما يلحق الصبي من الضَّمان بسبب سقوط الحائط مَوهُوم (^٣)؛ لأنَّه يحتمل أن لا يسقط ولو سقط يحتمل أن لا يهلك به شيء فلما كان كذلك صارت العبرة للمصلحة.
وهذا كما قالوا في الوصي: إذا باع دار (^٤) اليتيم ثم إنَّ المشتري بنى فيها بناءً عظيمًا ثم جاء مستحق واستحق الدَّار رجع المشتري على الوصي بالثَّمن وبقيمة البناء، ويكون ذلك في مال اليتيم وهذا الضَّرر إنَّما لحق الصبي من جهة الوصي؛ لأنَّه لو لا بيعه لما كان يجب قيمة البناء في مال اليتيم ولكن في بيع دار اليتيم إن كان على اليتيم ضرر موهوم؛ لأنَّه يحتمل أن لا يستحق يرجح جانب المصلحة على المضرة فإن قلت: لو كان التقدُّم على الوصي والأب بمنزلة التقدم على الصبي ينبغي أن لا يهدر دم القتيل فيما إذا سقط الحائط بعد بلوغ الصبي وقتل إنسانًا حيث يهدر دمه وإن كان ذلك بعد التقدُّم إلى الوصي وللأب.
قلت: إنَّما كان كذلك لأنَّ التقدُّم إلى الوصي وللأب (^٥) ليس بتقدم إلى الصَّغير حقيقة ولكن جعل كالتقدُّم إلى الصَّغير لقيام ولايتهما عليه فيما دامت (^٦) ولايتهما باقية عليه يبقى حكم ذلك التقدُّم في حقِّه وبالبلوغ زالت (^٧) ولايتهما عنه فبطل حكم ذلك التقدُّم في حقِّه وصار في حقِّ الصَّغير كأن التقدُّم لم يوجد أصلًا هذا كله مما أشار إليه في «الذَّخيرة» (^٨).
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) زيادة في (ب).
(٣) أي: مظنون. يُنْظَر: المصباح المنير (٢/ ٦٧٤).
(٤) كذا في (أ) وهي مثبتة في هامش (ب).
(٥) وفي (ب) (إلى الأب والوصي).
(٦) وفي (ب) (فما دام).
(٧) وفي (ب) (زال).
(٨) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٥٧).
[ ٢٤ / ٢٧٦ ]
(وَإِلَى المُكَاتَبِ (^١) أي: ويصح التقدُّم إلى المكاتب (^٢)، وهو معطوف على قوله: (وَيَصِحُّ التَّقَدُّمُ إِلَى الرَّاهِنِ (^٣).