لما فرغ من بيان أحكام جناية العبيد شرع في بيان أحكام الجناية على العبيد، وإنما قدم جناية [العبيد] (^٢) على الجناية عليهم؛ لأن الفاعل قبل المفعول (^٣) وجودًا فكذا ترتيبًا.
وفي الأَمَة إذا زادت قيمتها (^٤) على الدية (^٥) خمسة آلاف إلا عشرة هذا أظهر الروايتين.
وفي رواية الحسن (^٦) عن أبي حنيفة:
أنه يجب خمسة آلاف درهم (^٧) إلا خمسة دراهم، كذا في المبسوط (^٨) والذخيرة (^٩).
وقال أبو يوسف (^١٠) والشافعي (^١١) رحمهما الله: تجب قيمته بالغة ما بلغت (^١٢)؛ وهذا القول من أبي يوسف قوله الآخر، وكان يقول أولًا مثل قولهما؛ وهذا الاختلاف بناء على أن الواجب بقتل العبد خطأ ضمان المال أم ضمان النفس.
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ب)؛ وما أثبت من (ج) يبين موضوع هذا الفصل.
(٢) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) الفاعل هو: مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ الْفِعْلُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وَيَكُونُ مُظْهَرًا نَحْوَ نَصَرَ زَيْدٌ، (وَمُضْمَرًا) نَحْوَ نَصَرَتْ، وَزَيْدٌ نَصَرَ، والمفعول به: مَا أَحْدَثَهُ الْفَاعِلُ، أَوْ فَعَلَ بِهِ، أَوْ فِيهِ، أَوْ لَهُ، أَوْ مَعَهُ، كَقَوْلِك: قُمْت قِيَامًا، وَضَرَبْتُ زَيْدًا، وَخَرَجْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَّيْت أَمَامَ الْمَسْجِدِ، وَضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا، وَكُنْت وَزَيْدًا. ينظر: المغرب (٥٢٠).
(٤) القيمة: واحدة القيم؛ وقومت السلعة واستقمته: ثمنته، وقيمة الشيء قدره؛ وقيمة المتاع ثمنه. ينظر: القاموس المحيط (١/ ١١٥٢)، المعجم الوسيط (٢/ ٧٦٨).
(٥) سبق ص ١٠٩.
(٦) هو الحسن بن زياد اللؤلؤي، ولي القضاء ثم استُعفِيَ عنه وكان يكسو مماليكه كما يكسو نفسه. وكان يختلف إلى أبي يوسف وإلى زفر، قال يحيى بن آدم: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد، صنَّف كتاب "المقالات". وله كتاب "المجرد لأبي حنيفة"، كتاب "أدب القاضي"، كتاب "الخصال"، كتاب "معاني الإيمان"، كتاب "النفقات"، كتاب "الخراج"، كتاب "الفرائض"، كتاب "الوصايا". توفي سنة أربع ومائتين. ينظر: تاج التراجم (ص: ١٥٠)، الجواهر المضية (١/ ١٩٣).
(٧) الدِرْهَمُ فارسيّ معرّب، وكسر الهاء لغة، وربَّما قالوا دِرْهامٌ، وجمع الدِرْهَمِ دَراهِمُ، وجمع الدِرْهامِ دَراهيمُ، ورجل مدرهم: أي كثير الدراهم. ينظر: الصحاح (٥/ ١٩١٨ - ١٩١٩)، لسان العرب (١٢/ ١٩٩).
(٨) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٢٨).
(٩) ذخيرة الفتاوى. سبق في ص (١١١).
(١٠) أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم. سبق في ص ١٢٣.
(١١) ينظر: الأم (٦/ ٢٦ - ٢٧)، المجموع شرح المهذب (١٩/ ١٣٥) تكملة المطيعي- مكتبة الإرشاد-جدة-حققه وعلق عليه وأكمله محمد نجيب المطيعي، والمجموع من أجمع الكتب في فقه الشافعية، شرح به الإمام النووي كتاب "المهذب"، لأبي اسحق الشيرازي (٤٧٦ هـ) وكتاب المهذب جليل القدر وكتاب المجموع أهم شروحه، وقد وصل النووي حتى (الربا) - المجلد التاسع (الجزء التاسع) - فلم يكمله ثم أكمل السبكي مجلدين (العاشر والحادي عشر)، ثم أكمله المطيعي حتى نهايته (من الثاني عشر إلى ثلاث وعشرين).
(١٢) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٦١)، الاختيار لتعليل المختار (٥/ ٥٢)، المبسوط (٢٧/ ٢٩)، الهداية (٤/ ٤٩١). واستدلوا بما روي عن عمر وعلي وابن عمر أنهم أوجبوا في قتل العبد قيمته بالغة ما بلغت- وسيأتي ذكره بعد خمس صفحات.
[ ٢٥ / ٣٥ ]
فأبو يوسف والشافعي رحمهما الله رجحا جانب المالية (^١) فقالا لو جعلنا الواجب بمقابلة المال كان [فيه] (^٢) تحقيق المماثلة؛ لأن المال وإن كثر لا يماثل النفس؛ واعتبار المماثلة في ضمان العدوان واجب، فلذلك وجبت قيمته بالغة ما بلغت كما في الغصب.
وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله رجحا جانب النفسية وقالا: النفس أعظم خطرًا من المال، فكان إلحاق الضمان بمقابلته أولى؛ ثم ضمان الحر لا يزاد على عشرة آلاف درهم فضمان العبد وهو دون الحر أَوْلى.
ثم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يكون ذلك على عاقلة القاتل؛ لأنه ضمان النفس.
وعلى قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله لا يكون على العاقلة لأنه ضمان المال؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان (^٣) (^٤): لهما أن الضمان بدل المالية ولهذا (^٥) يجب للمولى؛ يعني لو كان بدل الدم لكان للعبد؛ إذ هو في حق الدم مبقى على أصل الحرية.
فإن قيل (^٦) وجوب الدية للمولى لا يدل على كونه بدل المالية؛ ألا ترى أن القصاص يجب للمولى لو قتل عبده عمدًا، وهو ليس بمقابلة المالية بالاتفاق.
قلنا استيفاء القصاص يبتني على الولاية (^٧)؛ قال رسول الله - ﷺ -: «السلطان ولي من لا ولي له» (^٨) والمولى ولي العبد فيجب القصاص له؛ فأما استحقاق المال لا يبتني على الولاية بل على الإرث إذا وجد سببه ولا يجري الإرث بين المولى وعبده؛ فعلم أنه إنما يستحقه لجبران فوات ماله كما في سائر الأموال.
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٢٥٧)، الهداية (٤/ ٤٩١)، تبيين الحقائق (٦/ ١٦١)، وينظر: حاشيتا قليوبي وعميرة (٤/ ١٣٠).
(٢) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) هو الحسن بن منصور. سبق ترجمته ص ١٤٨.
(٤) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٦١)، العناية (١٠/ ٣٥٤)، البناية (١٣/ ٢٩٩).
(٥) في (أ): وهذا؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) سبق ص ٨٧ حيث ذكر عناية الشارح بالاعتراضات ومناقشتها وردها ويكون ذلك بصيغة الافتراض.
(٧) الولاية: ابْنُ سِيدَهْ: وَليَ الشيءَ ووَليَ عَلَيْهِ وِلايةً ووَلايةً، وَقِيلَ: الوِلاية الخُطة كالإِمارة، والوَلايةُ الْمَصْدَرُ، ابْنُ السِّكِّيتِ: الوِلاية بِالْكَسْرِ السُّلْطَانُ، والوَلاية والوِلاية النُّصرة، يُقَالُ: هم عليَّ وَلايةٌ [وِلايةٌ] أَي مُجْتَمِعُونَ فِي النُّصرة، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الوَلاية بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، والوِلاية بِالْكَسْرِ الِاسْمُ مِثْلَ الإِمارة والنِّقابة. ينظر: الصحاح (٦/ ٢٥٣٠)، المغرب (٤٩٦)، لسان العرب (١٥/ ٤٠٧).
(٨) أخرجه أبو داود في (سننه) كتاب النكاح باب في الولي (٢/ ٢٢٩ رقم الحديث: ٢٠٨٣)، وابن ماجه في (سننه) كتاب النكاح باب لا نكاح إلا بولي، (١/ ٦٠٥ رقم الحديث: ١٨٧٩)، والترمذي في (سننه) كتاب أبواب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (٣/ ٣٩٩ رقم الحديث: ١١٠٢)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وقال الألباني في (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) (٦/ ٢٤٣): "صحيح".
[ ٢٥ / ٣٦ ]
ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إنما صرح باسمهما مع تقدم اسمهما مرة صريحًا ولم يكن ذلك من دأبه لدفع الاشتباه عن اسم أبي يوسف والشافعي رحمهما الله لأنه وقع هاهنا في كل طرف اثنان بحسب اتفاق الحال.
قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^١) فوجه التمسك بهذه الآية على أن العبد داخل في حكم هذه هو أن الله تعالى ذكر حكمين في هذه الآية الكفارة والدية بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٢)، فبالاتفاق أن العبد داخل في حق وجوب الكفارة مثل دخول الحر فيه فيجب أن يكون في حق الدية كذلك؛ فإن نفس العبد تضمن بالكفارة كنفس الحر فكذلك بالدية بمقابلة النفس مقدرة بالنص لا يجوز الزيادة عليها بالرأي ولا يجوز إسقاطها بالرأي.
ولأن فيه معنى الآدمية حتى كان مكلفًا، أي بالإيمان والشرائع التي تجب عليه مثل الصلاة والصوم وغيرهما من شرائع المعاملات والعقوبات (^٣)، وفيه معنى المالية والآدمية أعلاهما، والدليل على أن صفة المالية في هذا المحل تابعة للنفس؛ لأن قوام المالية ببقاء النفسية؛ وهذا هو علامة التبع مع المتبوع، فلا يجوز إهدار الأصل بحال لمراعاة التبع؛ لأن في اعتبار الأصل اعتبار التبع، وليس في اعتبار التبع اعتبار الأصل.
فإذا جعلنا الضمان واجبًا باعتبار النفسية كنا قد اعتبرنا ما هو الأصل؛ وباعتباره يحصل اعتبار التبع فكان ذلك أولى من أن يجعل بمقابلة المالية ويهدر معنى النفسية.
والدليل على ما قلنا فصل القصاص؛ فإن القصاص يجب باعتبار معنى النفسية، ثم لا يجب على المولى إذا قتل عبده لأنه غير مفيد؛ لأن القصاص إنما يجب لمولاه استيفاء على سبيل الخلافة عنه، فلو [وجب] (^٤) وجب له على نفسه؛ ومن قال القصاص واجب باعتبار المالية فهو لغو من الكلام؛ لأن المال لا يضمن بالقصاص بحال فكيف يضمن المال به، والمقصود بالمال التمول والادخار لوقت الحاجة، وليس في القصاص شيء من ذلك.
وبهذا يتبين ترجح معنى النفسية على معنى المالية؛ لأن المتلَف (^٥) في حالة الخطأ ما هو المتلَف (^٦) في حالة العمد؛ فلما (^٧) جعل المضمون فيه (^٨) في حالة العمد معنى النفسية فكذلك في حالة الخطأ؛ ومن قال يجمع بينهما فذلك فضل من الكلام؛ لأنه لو كان هنا طريق إلى الجمع بينهما لكان ينبغي أن يضمن الدية مع كمال القيمة أو يستوفي في حالة العمد القصاص باعتبار النفسية والقيمة باعتبار المالية وأحد لا يقول بذلك، فعرفنا أنه لا وجه للجمع بينهما لما بين الوصفين من المغايرة على سبيل المضادة.
_________________
(١) سورة النساء: ٩٢
(٢) سورة النساء: ٩٢
(٣) في (ج): والتقربات؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): التلف؛ وما أثبت من (أ) و(ب) أصوب.
(٦) في (ج): التلف؛ وما أثبت من (أ) و(ب) وهو أصوب.
(٧) في (ب): فإنما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (أ) و(ب): منه؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٣٧ ]
وأما النقصان فنقول بدل النفس قد ينقص عن أعلى الديات باعتبار معنى موجب للنقصان في المحل.
ألا ترى أنه ينقص بالأنوثة وبالكفر على أصل الخصم وبالاجتنان (^١) في البطن بالاتفاق؛ فإن بدل الجنين دون بدل المنفصل (^٢) وإن كان الوجوب باعتبار النفسية هناك إذ لا مالية في الجنين سواء كان حرًّا أو مملوكًا؛ فكذلك يجوز أن ينقص عن أعلى الديات باعتبار صفة المملوكية، وهذا لأن تكميل الدية باعتبار كمال صفة المالكية.
ألا ترى أن بدل الأنثى على النصف من بدل الذَّكر لأن الذكر أهل لمالكية المال (^٣)
والنكاح (^٤)، والأنثى أهل لمالكية المال دون مالكية النكاح، فإنها مملوكة نكاحًا فينتصف بدلها لذلك.
_________________
(١) الجنين: ما استتر في بطن أمه؛ أي الولد ما دام في الرحم. ينظر: لسان العرب (١٣/ ٩٣)، المغرب (١/ ١٦٦)، التعريفات الفقهية (٧٣). اصطلاحًا: ذهب المالكية والظاهرية وبعض الحنفية إلى أن الحمل يسمى جنينا منذ التقاء الحيوان المنوي بالبويضة وحصول الإخصاب، سواء أكان نطفة أم علقة أم مضغة، ويطلق عليه هذا الاسم إلى أن يخرج من الرحم. ينظر: حاشية الشيخ علي الصعيدي على كفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٤٨، بداية المجتهد ٢/ ٤١٦، حاشية ابن عابدين ٢/ ٤١١ وذهب الشافعية والحنابلة وجمهور الحنفية إلى أنه يطلق على الحمل جنينا بعد أن يفارق المضغة والعلقة حتى يتبين منه شيء من خلق الآدمي، أو يشهد الثقات بأنه مبدأ آدمي. ينظر: الأم للشافعي (٥/ ١٤٣)، المغني لابن قدامة (٧/ ٧٩٩)، حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١١).
(٢) في (ب): المفصل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) المال: مشتق من (مَوَل) فعينه واو، ويطلق في اللغة على كل ما يملكه الإنسان من الأشياء، وبعضهم يطلقه على الذهب والفضة خاصة، وكانت العرب تطلقه غالبا على الإبل خاصة أو على النعم. ينظر: القاموس المحيط ص (٩٥٤)، والمصباح المنير ص (٢٢٤). وفي كلام الحنفية: المراد بالمال: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة. ينظر: حاشية رد المحتار ٤/ ٥٠١، البحر الرائق (٥/ ٢٧٧). وعند المالكية: كل ما تمتد إليه الأطماع ويصلح عادة وشرعا للانتفاع به. ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٦٠٧). وعند الشافعية: قال السيوطي: قال الشافعي ط: لا يقع اسم مال إلا على ما له قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلت وما لا يطرحه الناس مثل الفلس وما أشبه ذلك. ينظر: الأشباه والنظائر (٣٢٧). وعند الحنابلة: وهو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة. ينظر: الإقناع للحجاوي (٢/ ١٥٦).
(٤) النكاح: أصل النكاح الوطء وقد يكون العقد وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب للوطء المباح. ينظر: لسان العرب (٢/ ٦٢٦). وعند الحنفية: عقد وضع لتملك المتعة بالأنثى قصدا. ينظر: شرح فتح القدير (٣/ ٩٩). وعند المالكية: عقد لحل تمتع بأنثى غير محرم وغير مجوسية وغير أمة كتابية بصيغة لقادر محتاج أو راج نسلا. ينظر: بلغة السالك (١/ ٣٤٧). وعند الشافعية: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج. ينظر: حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/ ٢٠٦). وعند الحنابلة: عقد يعتبر فيه لفظ إنكاح أو تزويج في الجملة. ينظر: الروض المربع (٢/ ٧٦٣).
[ ٢٥ / ٣٨ ]
والجنين ليس بأهل للمالكيتين في الحال ولكن فيه عرضية (^١) الأهلية؛ لذلك إذا انفصل حيًّا فباعتباره ينتقص بدله غاية النقصان.
فإن قيل لو كان التعليل بمعنى المالكية والمملوكية صحيحًا لنقصت دية العبد عن دية المرأة لأنها تملكه.
قلنا من حيث إن العبد نفس يدخل تحت حمل أمانة الله تعالى لم يصرف مالًا وبقي على حكم الحرية وصحة النكاح يبتني على هذا الوصف؛ لأن عقد التناكح لا يجري بين الأموال؛ وهو من هذا الوجه يملك الحرة نكاحًا فتصير المرأة تبعًا له في حق النفسية وما يبتني عليها، وقد ذكرنا أنه عند التعارض بين النفسية والمالية الاعتبار لجانب النفسية لرجحان النفسية على المالية على ما ذكرنا؛ فلما كان العبد (^٢) هو المالك للحرة فيما يرجع إلى النفسية كانت دية المرأة أنقص من دية العبد التي تبلغ دية الحر، ولأن قيمة العبد إذا كانت أقل من خمسة آلاف تجب دون دية المرأة لأنها تملكه؛ وإذا كانت القيمة أكثر من ديتها يجب أكثر لأنه يملكها نكاحًا قولًا بالشبهين.
فإن قلت ما جوابنا عمَّا احتج به الخصم بأن عمر (^٣) وعليًّا (^٤) وابن … عمر (^٥) ن أوجبوا في قتل العبد (^٦) قيمته بالغة ما بلغت (^٧).
_________________
(١) العرضي ما يقابل الذاتي؛ يقال مسألة عرضية غير داخلة في ذات الشيء وجوهره. ينظر: المعجم الوسيط (٢/ ٥٩٤).
(٢) في (أ): القتل؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) عمر بن الخطاب﵁خليفة (رسول اللَّه غ) الثاني بإجماع المسلمين، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل، أحد السابقين الأولين، وكان إسلامه عزًا ظهر به الإسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد أصهار رسول اللَّه غ. ينظر: سير أعلام النبلاء- مجلد سير الخلفاء الراشدين- ص ٦٩ - ١٤٥.
(٤) علي بن أبي طالب ط، يكنى أبا الحسن، قال عروة: أسلم علي وهو ابن ثمان، صحب رسول الله منذ أن بُعِث إلى أن توفي غ، هاجر بعد النبي بوقت قصير لأنه تركه في بيته ليلة الهجرة وأمره أن يؤدي ودائع الناس، كان من السابقين الأولين، شهد بدرا وما بعدها، وكان يكنى أبا تراب أيضا. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ١٠٨٩)، والطبقات الكبرى ٣/ ١٩، الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٤٦٤.
(٥) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوى، أسلم مع أبيه وهاجر وعرض على … النبي - ﷺببدر فاستصغره ثم بأحد فكذلك ثم بالخندق فأجازه، وعن أبي سلمة كان عمر في زمان له فيه نظراء وكان ابن عمر في زمان ليس فيه نظير، كان له مهراس فيه ماء فيصلى ما قدر له ثم يصير الى الفراش فيغفى اغفاء الطائر ثم يقوم فيتوضأ ثم يصلي فيرجع إلى فراشه فيغفى إغفاء الطائر ثم يثب فيتوضأ ثم يصلي يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسا. ينظر: الإصابة لابن حجر (٤/ ١٨١ - ١٨٢).
(٦) في (ج): العمد؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) أخرجه البيهقي (٨/ ٣٧) كتاب الجنايات-باب العبد يقتل فيه قيمته بالغة ما بلغت. وقال: إسناده صحيح. ينظر: التلخيص الحبير (٤/ ١٠١)، وأيضًا التلخيص- كتاب الديات (٤/ ٦٨) رقم ١٩٦٧ (٦٩).
[ ٢٥ / ٣٩ ]
والدليل أيضًا (^١) في أن الواجب في قتل
العبد (^٢) ضمان المال لا النفس أن الضمان يجب للمولى [باعتبار] (^٣) ملكه، وملكه في عبده ملك مال، فالضمان الواجب له يكون ضمان المال أيضًا؛ ولأنه يرجع إلى تقويم المقوِّمين أيضًا في الأسواق فنوجب به جنس نقد السوق وهو يختص بضمان المال.
وأما في الدية التي بمقابلة النفس إنما يجب الإبل ونحوها ولا مدخل للإبل هاهنا، ولأن قيمة العبد تختلف باختلاف أوصاف المتلف في الحسن والجمال وسلامة الأطراف، وتنتقص قيمته بذهاب أطرافه كما في المال، فلو كانت قيمته بمقابلة النفس لما انتقصت قيمته بنقصان أطرافه كما لا تنتقص الدية بنقصان أطراف الحر.
ولأنه لو قطع يد عبد والعبد يساوي ثلاثين ألفًا ضمن خمسة عشر ألفًا نصف القيمة بالغة ما بلغت زائدة على الدية، فلما وجب هكذا في نقصان الطرف ينبغي ألّا ينتقص عنه بإتلاف الكل وإلا يلزم القبح؛ وهو أن يجب بقطع طرفه خمسة عشر ألفًا وبقتله عشرة آلاف إلا عشرة.
ولأن الراهن إذا قتل المرهون يضمن قيمته لحق المرتهن، ولا حق للمرتهن إلا في المالية؛ ولهذا لا يجب عليه القصاص [بحال لأن القصاص] (^٤) بدل عن النفسية؛ فلو كانت القيمة كذلك لما وجبت على الراهن إذ لا وجوب عليه إلا المال.
قلتُ: أما الجواب عن الأثر فنعارضه بقول ابن مسعود (^٥) ط: «لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم» (^٦)؛ وهذا كالمروي عن رسول الله - ﷺ -؛ لأن المقادير لا تعرف بالقياس وإنما طريق معرفتها التوقيف والسماع من صاحب الوحي (^٧)، فكان في هذا دليل الرفع والسماع من رسول الله - ﷺ -؛ لأن فيه ذكر المقدار وهو مما لا يهتدي إليه العقل.
_________________
(١) في (أ): أيضًا له؛ وما أثبت من (ب) و(ج) قريب من معناه.
(٢) في (أ): العمد؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) هذا الصحابي كان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ولازم النبي غ، وكان صاحب نعليه وطهوره وسواكه ووساده وسره، وحدث عن النبي - ﷺبالكثير، وبعد الهجرة (آخى النبي - ﷺبينه وبين سعد بن معاذ)، إنه الإمام الحبر فقيه الأمة عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي المكي المهاجري أبو عبد الرحمن، حليف بني زهرة، كان﵁رجلًا نحيفًا قصيرًا، شديد الأدمة، قال عنه الذهبي: كان معدودًا في أذكياء العلماء. ينظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧)، تاريخ البخاري الصغير (١/ ٨٥).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) العقول، باب دية المملوك (١٠/ ٩ رقم: ١٨١٧٢)، وابن أبي شيبة في (مصنفه) كتاب الديات باب من قال: لا يبلغ به دية الحر، (٥/ ٣٨٧ رقم: ٢٧٢١٥)، ونصه: «لا يبلغ بدية العبد دية الحر في الخطأ»، قال الزيلعي في (نصب الراية) (٤/ ٣٨٩): روي عن ابن عباس أنه ينقص في العبد عشرة إذا بلغت قيمته عشرة آلاف، قلت: غريب، وقال ابن حجر في (الدراية في أحاديث الهداية) (٢/ ٢٨٣، ٢٨٤): لم أجده، وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن النخعي والشعبي قالا: لا يبلغ بدية العبد دية الحر، انتهى.
(٧) جاء في أصول السرخسي: ولا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الصحابة حجة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه وذلك نحو المقادير التي لا تعرف بالرأي) أصول السرخسي (٢/ ١٠٨ - ١١٠). وقال أبو الحسن الكرخي: فلما لم يكن لنا سبيل لإثبات هذه المقادير من طريق الاجتهاد والمقاييس، وكان طريقه التوقيف أو الاتفاق، ثم وجدنا الصحابي قد قطع بذلك وأثبته، دلَّ ذلك من أمره على أنه قاله توقيفًا؛ لأنه لا يجوز أن يظن بهم أنهم قالوه تخمينًا وتظننًا، فصار ما كان هذا وصفه من المقادير إنما يلزم قبول قول الصحابي الواحد فيه ويجب اتباعه من حيث كان توقيفًا". الفصول في الأصول (٣/ ٣٦٤).
[ ٢٥ / ٤٠ ]
ومن هذا الطريق رجحنا المروي عن ابن مسعود﵁على ما رواه الخصم؛ لأنه ليس فيه ذكر المقدار بل فيه قياس سائر الأموال من تبليغ قيمته إلى ما بلغت؛ فكان ذلك الأثر محمولًا على أنهم قالوه من رأيهم، وقياسهم على سائر الحيوانات من الفرس والبقر، أو يحمل ذلك على ما إذا كانت قيمته فيما دون دية (^١) الحر والحكم فيه كذلك.
وإنما (^٢) وجوبه للمولى لأن المولى يخلفه خلافة الوارث المورث، ولأنه ملك (^٣) لماليَّة (^٤) قوامها باعتبار هذا المحل؛ فما يجب بمقابلة المحل في حقه يجعل كالواجب بمقابلة المالية.
وأما الرجوع إلى تقويم المقوِّمين فلإظهار المالية التي يظهر النقصان باعتبارها، مع أن الرجوع إلى تقويم المقومين قد يكون فيما يجب بمقابلة النفسية كحكومة العدل (^٥) (^٦).
وأما الجواب عن قوله: إنه لو قطع يد عبد والعبد يساوي ثلاثين ألفًا ضمن خمسة عشر ألفًا فقد قيل: إن ذلك قول أبي يوسف: في دية العبد أنها تجب بقدر القيمة وإن كثرت، وعن هذا قال محمد (^٧): في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله وهو قبيح جدًا؛ فلهذا قال: لا يزاد عن نصف بدل نفسه فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة.
وقد قيل إن جانب المالية في الأطراف أغلب في الأحرار.
ألا ترى أن الاثنين لا يؤاخذان بواحد في حق الأطراف؛ وبالرق ازداد معنى المالية حتى لم يجز القصاص في أطراف العبيد لهذا، ولأن مجاوزة قدر قيمة الأطراف عن قدر الدية غير ممتنعة في نفسها.
ألا ترى أن إنسانًا لو جدع أنف غيره الحر (^٨) خطأ وجبت دية النفس، ثم فقأ عينه وجبت دية أخرى.
_________________
(١) في (ج): رقبة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ب): وأما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (أ) و(ج): مالك؛ وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٤) في (أ): بمالكية؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ب): القتل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) حكومة العدل: هي أن تقرب هذه الجناية إلى أقرب الجنايات التي لها أرش مقدر فينظر ذوا عدل من أطباء الجراحات كم مقدار هذه ههنا في قلة الجراحات وكثرتها بالحزر والظن فيأخذ القاضي بقولهما ويحكم من الأرش بمقداره من أرش الجراحة المقدرة. ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ٣٢٥)، رد المحتار (٦/ ٥٨١).
(٧) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٢).
(٨) في (ب): غير الحر؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٤١ ]
وكذلك في جميع أطرافه من اليدين والرجلين والأذنين وغيرها؛ فيزيد ما يجب بمقابلة الأطراف عن الدية بأضعاف أضعافها لو صورنا المسألة [في إتلاف أطراف] (^١) الحر خطأ، ولما لم يمتنع ذلك في الحر فلَأن لا يمتنع في العبد بالطريق الأولى.
وأما العبد المرهون إذا قتله الراهن فإن إيجاب الضمان هناك باعتبار معنى النفسية غير ممكن لما قررنا في المولى إذا قتل عبده، فجعلنا الواجب هناك باعتبار المالية التي هي التبع، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (^٢) والأسرار (^٣) وغيرهما.
وتعيين العشرة [باعتبار] (^٤) أثر عبدالله بن مسعود (^٥) ط؛ وفي نسخة بأثر عبد الله ابن عباس (^٦) (^٧) ط، والصحيح هو الأول لأنه موافق لرواية المبسوط والأسرار.
وفي يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا خمسة دراهم؛ أي لا يزاد على خمسة آلاف منقوصة بخمسة.
هذا الذي ذكره خلاف ظاهر الرواية؛ لأنه ذكر في المبسوط: فأما طرف المملوك فقد بيَّنا أن المعتبر قيمته المالية فقط.
ألا [ترى] (^٨) أنه لا يضمن بالقصاص (^٩) ولا بالكفارة؛ فلهذا كان الواجب فيه القيمة بالغة ما بلغت إلا أن محمدًا: قال في بعض الروايات: القول بهذا يؤدي إلى أن يجب بقطع طرف العبد فوق ما يجب بقتله؛ إلى أن قال: [فلهذا قال] (^١٠): لا يزاد على نصف بدل نفسه فيكون الواجب خمسة آلاف إلا خمسة.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٢).
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٢).
(٤) ساقطة من (أ) و(ج)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(٥) سبق تخريج الأثر ص ١٦٣
(٦) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٣٠)، العناية (١٠/ ٣٥٦).
(٧) وُلِدَ﵁بِشِعْبِ بني هاشم قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي - ﷺوهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة، كان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، زكي النفس، من رجال الكمال، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ - ﷺفَقَالَ: "اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ"، وقد صحب النبي - ﷺنحوًا من ثلاثين شهرًا، وروى عنه شيئًا كثيرًا، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه، وكثرة فهمه، وكمال عقله، وسعة فضله، ونبل أصله، وله قرابة مع النبي - ﷺفهو ابن عمه، إنه ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة والمفسر لكتاب الله. ينظر: البداية والنهاية (١٢/ ٨٦)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٤٥).
(٨) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): بالنقصان؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٤٢ ]
وكذلك ذكر في الأسرار ما ذكرنا (^١)؛ وهو أن جانب المالية في الطرف أغلب؛ لأن القيمة في العبد كالدية في الحر حتى يجب في موضحة (^٢) العبد نصف عشر قيمة العبد؛ لأنه يجب في الحر نصف عشر الدية؛ فإن كان له ورثة غير المولى فلا قصاص فيه وهذا بالإجماع (^٣).
وإلا اقتص منه؛ أي إن لم يكن له ورثة غير المولى يقتص منه في الوجه الأول؛ أي فيما إذا كان له ورثة غير المولى لاشتباه من له الحق وجهالة من له الحق وهو المتوفى يمتنع القصاص، كما لو باعه
المولى ثم مات عند المشتري كان على القاطع أرش اليد وتبطل السراية كذلك هاهنا.
ولا يمكن إفراد السراية عن الجناية؛ لأن قطع يد العبد لا يوجب القصاص فتبطل الجناية ضرورة، كذا ذكره الإمام قاضي خان (^٤):.
وفيه الكلام؛ أي الكلام فيما إذا كان للعبد ورثة سوى المولى.
ووصل شيخي (^٥): بخطه الضمير في وفيه إلى «وتعذر الاستيفاء»، لكن مآل ذلك إلى ما قلنا لأن المُلكين في الحالين؛ فإن المُلك للمولى وقت الجرح دون الموت، وللورثة وقت الموت دون الجرح، وعند الاجتماع لا يثبت الملك على الدوام في الحالين لكل واحد منهما [فلا يكون الاجتماع مفيدًا ولا يقال بإذن كل واحد منهما] (^٦) صاحبه؛ لأنا نقول إن الإذن والأمر إنما يصح إذا كان هو يملك ذلك في الحالين.
بخلاف العبد الموصى بخدمته لرجل وبرقبته لآخر لأن ملكهما الذي لهما فيه دائم فصارا بمنزلة الشريكين في العبد.
وفي الإيضاح: ولو كان العبد موصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر فقتل عمدًا لم ينفرد واحد من
الموصَى لهما بالقصاص؛ لأن الموصَى له بالخدمة لا ملك له في الرقبة (^٧)، والموصى له بالرقبة إذا استوفى القصاص سقط حق الموصى له بالخدمة لأن الرقبة فاتت (^٨) لا إلى بدل فلا يملك إبطال حقه عليه، ولكن إذا اجتمعا فقد رضي الموصى له بالخدمة بفوات حقه فيستوفيه الآخر.
لأنه المالك أي لأن سبب الولاية الملك على اعتبار إحدى الحالتين، وهي حالة الجرح قبل العتق من حالتي الجرح والموت.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٦)، البناية (١٣/ ٣٠٢).
(٢) موضحة: أوضحت الشجة بالرأس كشفت العظم فهي موضحة. ينظر: المصباح المنير (٢/ ٦٦٢).
(٣) سبق ص ١٣٨.
(٤) ينظر: البناية (١٣/ ٣٠٤).
(٥) محمد بن محمد البخاري. سبق في صفحة ٦١.
(٦) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٧)، البناية (١٣/ ٣٠٤).
(٨) في (ج): بانت؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٤٣ ]
والوراثة بالولاء على اعتبار الأخرى أي الحالة الأخرى وهي حالة الموت بعد العتق.
فيما يحتاط فيه أي في الذي لا يثبت بالشبهات، فإنه بهذا يحترز عمن قال لآخر: لك عليَّ ألف من قرض، فقال المقر له: لا بل من ثمن بيع، فإنه يقضى بالمال وإن اختلف السبب؛ لأن ذلك من الأموال، والأموال مما يقع (^١) البدل والإباحة فيها فلا يبالي (^٢) باختلاف السبب.
ولأن الإعتاق (^٣) قاطع للسراية حتى إن من جرح عبدَ إنسان ثم أعتقه مولاه ثم مات من تلك الجراحة تنقطع السراية فلا تلزمه الدية ولا القيمة وإنما يضمن النقصان، وهذا الحكم فيما إذا كان الجرح خطأ بالاتفاق.
وأما إذا كان عمدًا فعند محمد: كذلك لأن المعنى الموجب بأن العتق قاطع للسراية - وهو صَيرورة النهاية مخالفة للبداية - يفصل (^٤) بين العمد والخطأ لما أن الضمان في الخطأ قبل السراية للمولى وبعد السراية للعبد حتى تنفذ منه وصاياه وتقضى ديونه.
وكذلك في العمد لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح كان استيفاء القصاص للمولى [بجهة الملك، ولو اعتبرنا حالة الموت كان استيفاء القصاص للمولى] (^٥) بالوراثة بجهة الولاء، فكان اختلاف الجهة في العمد فيما إذا لم يكن له ولي غير المولى بمنزلة اختلاف المستوفي في الخطأ بل بالطريق الأولى لما أن سقوط القصاص [حق] (^٦) مما يثبت بالشبهة دون سقوط الدية، فلما قطع الإعتاق السرايةَ في الخطأ حتى لم تجب الدية والقيمة بالاتفاق، فلأن يقطع الإعتاق السراية في حق القصاص حتى لا يجب القصاص في العمد أولى لأن سقوط القصاص مما يثبت بالشبهات دون سقوط الدية لهما.
أنَّا تيقنا بثبوت الولاية؛ أي بثبوت ولاية استيفاء القصاص في العمد للمولى؛ وهذا لأن المقضي له - وهو المولى- معلوم، والحكم -وهو استيفاء القصاص- متحد بخلاف الفصل الأول، وهو ما إذا كان له ورثة غير المولى حيث لا يجب القصاص بالاتفاق؛ لأن المقضي له مجهول؛ لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح فالمقضي له المولى؛ ولو اعتبرنا حالة الموت فالمقضي له الورثة.
_________________
(١) في (ج): ينفع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٢) في (ج): فلا تنافي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٣) في (ج): الامتناع؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (ب) و(ج): لا يفرق؛ وما أثبت من (أ) قريب من معناه.
(٥) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٤٤ ]
ولا معتبر باختلاف السبب هنا أي في الفصل الثاني وهو ما إذا لم يكن للعبد ورثة سوى المولى في العمد؛ لأنه لو اختلف إنما يختلف السبب لأنا لو اعتبرنا حالة الجرح كان سبب استيفاء القصاص للمولى بسبب الملك، ولو اعتبرنا حالة الموت كان الاستيفاء له أيضًا لكن بسبب الولاء ولا اعتبار
له؛ لأن المقصود وهو الحكم الذي هو استيفاء القصاص متحد.
بخلاف تلك المسألة؛ أي مسألة الجارية التي قال رجل لآخر: بعتَني هذه الجارية بكذا؛ لأن ملك اليمين يغاير ملك النكاح (^١) حكمًا؛ وذلك لأن النكاح يثبت الحل مقصودًا والبيع لا يثبته، ولو أثبته لا يثبته مقصودًا فاختلف الحكم كما (^٢) اختلف السّبب؛ فلذلك لم يثبت الحل.
أو نقول: إن في تلك المسألة ما [تنازعا] (^٣) فيه من النكاح والبيع قد لغا لإنكار كل واحد منهما ما ادعاه صاحبه وحلفه على ذلك، ولا يثبت الحل إلا باتفاق هذين الشخصين على ما يوجب الحل ولم يتفقا (^٤) وانتفى ما ادعى كل واحد منهما بإنكار صاحبه وحلفه، ثم لو ثبت الحل بعد ذلك إنما يثبت بمجرد البدل والإحلال وذا لا يكفي لحل الوطء.
وأما في مسألتنا لم ينتفِ سبب ثبوت الحق للمولى؛ إذ لم يوجد ما ينفي ذلك من الإنكار والحلف عليه، لكن اشتبه أنه ملك يمين أم ولاء وأحدهما ثابت لا محالة، وذلك يكفي لاستيفاء القصاص.
وهكذا أيضًا فرق شيخ الإسلام جواهر زاده في العتاق بين مسألة القرض (^٥) وبين مسألة الجارية، فقال: إذا قال لك: عليّ ألف من قرض؛ فقال المقر له: لا، بل من ثمن بيع؛ فإنه يقضى بالمال لأنا نلغي القرض والبيع لإنكار كل واحد منهما ما ادَّعاه صاحبه (^٦)، بقي الإقرار بمطلق المال وذلك كافٍ لاستحقاق المال (^٧) فيكون بدلًا من المقر، والبدل يجري في المال كما في القضاء بالنكول (^٨).
_________________
(١) النكاح: سبق ص ١٦٠
(٢) في (ج): أي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ج) ففي مكانها (بياض)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (ب): ولم يتفاوتا؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) القرض: القطع، وهو ما تعطيه من المال لتقضاه، والقرض لا منفعة للمقرض فيه غير الأجر والشكر وعلى المقترض رده كما أخذه، والعرب تسمي القرض سلفًا. ينظر: الصحاح (٣/ ١١٠٢)، لسان العرب (٧/ ٢١٧) و(٩/ ١٥٩).
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٨).
(٧) في (ج): الملك؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) يقال نكل عن العدو: أي جبن عنه، ومراد الفقهاء من هذه اللفظة هو الامتناع عن آداء الشهادة أو حلف اليمين. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ٤٣)، لسان العرب (١١/ ٦٧٨)، معجم لغة الفقهاء (ص/ ٤٨٨).
[ ٢٥ / ٤٥ ]
بخلاف مسألة الجارية فإن حِلَّ الوَطء مما لا يثبت بالبدل، والإعتاق لا يقطع السراية لذاته، جوابًا عن قوله، ولأن الإعتاق قاطع للسراية يعني أن كون الإعتاق قاطعًا للسراية إنما هو في صورة الخطأ لا غير؛ لجهالة المقضي له والمقضي به؛ لأنا إن اعتبرنا حالة الحياة تجب القيمة للمولى.
وإن اعتبرنا حالة السراية تجب الدية للمقتول، وجهالة المستحق وهو المقضي له بانفراده تقطع السراية؛ وجهالة المقضي له والمقضي به أولى بخلاف العمد (^١)؛ لأن ثمة الواجب في الحالين واحد وهو القصاص، والمستحِق واحد وهو المقتول؛ لأن القصاص إنما يجب من حيث إنه آدمي، والعبد من حيث إنه آدمي يبقى على أصل الحرية إلا أن المولى يستوفي بحكم الخلافة عن العبد، وإذا لم يكن وارث سوى المولى كان المولى متعينًا للخلافة (^٢)؛ كذا ذكره الإمام قاضي خان: (^٣).
وحصل من هذا كله أن صور من قطع يد عبد غيره فأعتقه المولى ثم مات منه لم تخل عن أربعة أوجه؛ لأن قطع يد العبد في الابتداء لا يخلو إما إن كان عمدًا أو خطأ ثم كل وجه على وجهين.
إما إن كان للعبد وارث سوى المولى أو لم يكن؛ فإن كان له وارث سوى المولى والقطع عمد يقطع الإعتاق (^٤) السراية بالإجماع، فلا يجب القصاص لجهالة المقضي له والمقضي به، وإن لم يكن لا يقطعها (^٥) عندهما (^٦) خلافًا لمحمد (^٧).
وإما إذا كان القطع خطأ فالإعتاق يقطع السراية بالإجماع سواء أكان له وارث أم لا، فلا تجب القيمة أو الدية بل يجب نقصان القيمة بالقطع.
وأوقع العتق على أحدهما؛ أي أظهر العتق الذي قاله على وجه الإبهام بقوله: أحدكما حر، وإنما ذكر بلفظ أوقع ليدل به على أن العتق لم يُنَزَّل على واحد منهما معيَّنًا في حق الأرش وإن كان ظهر وقوع العتق على أحدهما في بعض الصور كما في الموت والقتل وغيرهما.
_________________
(١) في (ب) و(ج): فصل العمد؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٢) في (ب): للولاية؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٥٧)، البناية (١٣/ ٣٠٤).
(٤) في (ج): العمد؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ج): لانقطاعهما؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ضمير: عندهما؛ قالا؛ لهما: يرجع إلى الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن إذا لم يسبق مرجعه، وقد يراد به أبو يوسف وأبو حنيفة؛ أو أبو حنيفة ومحمد إذا سبق لثالثهما ذكر في مخالفة الحكم. ينظر: المذهب الحنفي لأحمد النقيب (١/ ٣٢٤)
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٠).
[ ٢٥ / ٤٦ ]
فإنه إذا قال لهما: أحدكما حر؛ ثم مات أحدهما أو قتل تعيَّن العتق في الآخر؛ لأن الذي مات خرج من أن يكون محلًا لإيقاع العتق عليه، والعتق المبهم في حق العين (^١) كالنازل عند البيان فلا بد من بقاء المحل لِيبقَى خياره في البيان، وعدم التعين في الثاني منهما كان لمزاحمة الآخر إياه، وقد زالت هذه المزاحمة بخروج أحدهما من أن يكون محلًا للعتق فلهذا يتعين في الآخر.
وكذلك لو باع [المولى] (^٢) أحدهما بيعًا صحيحًا أو فاسدًا أو عرض أحدهما على البيع تعين العتق في الآخر، وهذا لأن قوله: بعت هذا بكذا إقرار منه بأنه لا حظ لهذا العبد في ذلك العتق فيتعيّن الآخر للعتق لما أن البيع (^٣) اسم خاص لتمليك مال بمال.
فدليل البيان ممن له البيان كصريح البيان (^٤) (^٥)؛ لأن العتق غير نازل في المعيّن [يعني أن المولى أنزل العتق في المنكّر والمعيّن غير المنكَّر، فلذلك لا يكون العتق نازلًا في المعيّن] (^٦).
فإن قلت: يشكل على هذا ما لو اختار المولى عند الموت تعيين العتق في أحدهما عتق كله ولا يعتبر من ثلث ماله اعتبارًا لأصل الإيقاع الذي كان في الصحة، فلو كان العتق المبهم غير نازل حكمًا في المعين (^٧) ينبغي أن يعتبر تعيين العتق في أحدهما بعينه وقتَ الموت، وأن يصح من ثلث ماله (^٨) لا من كله.
قلتُ: وإنما كان هكذا لأن أصل الإيقاع كان منه في الصحة فقد تم الاستحقاق [به] (^٩) في حقه معتبرًا من جميع ماله؛ لأنه لا تنكير في جانبه فلا يتغير ذلك ببيانهِ عند الموت، وهو نظير ما لو طلق إحدى نسائه الأربع قبل الدخول من غير عينها كان له أن يتزوج الأخرى لأن إحداهن بانت (^١٠) (^١١) في حقه ولا تنكير في جانبه.
_________________
(١) في (ج): الغير؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (أ): بالبيع؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ب): كصريح إنسان؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ينظر: البناية (١٣/ ٣٠٧).
(٦) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (ج): المعني؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) في (ب): ملكه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (أ) و(ج)؛ وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(١٠) في (ب): ثابت؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) بان منه وعنه: بعد وانفصل، ويقال بانت المرأة عن زوجها؛ ومنه انفصلت بطلاق فهي بائن؛ والبائن: طلاق بائن لا رجعة فيه إلا بعقد جديد. ينظر: المعجم الوسيط (١/ ٧٩ - ٨٠)، لسان العرب (١٣/ ٦٤).
[ ٢٥ / ٤٧ ]
فإن قلت: ما وجه الفرق لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله بين جواز أخذ أرشهما المولى إذا شجا أوقطع أيديهما وليس له أن يجامعهما إذا كانتا أمتين (^١)؛ والمسألة بحالها مع أن هذه النكتة (^٢) (^٣) التي ذكرنا في الكتاب أن العتق غير نازل في المعيّن، والشجة تصادف المعين فبقيا مملوكين واردة فيه أيضًا لأن الوطء أيضًا يصادف المعين كالشجة.
قلتُ: وجه ذلك هو أن الوطء تصرف لا يحل إلا في الملك، فإقدامه عليه في أحدهما دليل تعيين الملك فيه، ومن ضرورته انتفاء ذلك العتق عنها فيتعين في الأخرى.
وقاسا بما لو قال لامرأتين له: إحداكما طالق ثلاثًا؛ ثم وطئ إحداهما تعين الطلاق في الأخرى؛ وهذا لأن فعل المسلم محمول على الحِل ما أمكن.
وأما في حق الأرش يفي كل واحد منهما لاختيار العتق المولى فيهما بعد الشجة وبعد قطع أيديهما لبقاء كل واحد منهما محلًا للعتق، وما بقي خيار المولى لا يكون العتق نازلًا في عين أحدهما، فإنما شج رأس كل واحد منهما أو قطع يده على حكم الرق فكان للمولى؛ لأن خيار التعيين للمولى فيهما باق كما كان قبل الشجة فيهما.
ولو قتلهما رجل؛ أي رجل واحد؛ تجب دية حر وقيمة عبد، هذا إذا كان القاتل واحدًا وقتلهما معًا واستوت قيمتهما (^٤).
أما إذا كان القاتل اثنين فيجيء بعده.
وأما إذا قتلهما الواحد على التعاقب فعليه قيمة الأول [للمولى] (^٥) ودية الآخر لورثته؛ لأن بقتل أحدهما تعين العتق في الآخر ضرورة فتبين أنه قتله … وهو حر.
وأما لو قتلهما معًا كان عليه قيمة عبد ودية حر إن استوت القيمتان، وإن اختلفت فعليه نصف قيمة كل واحد منهما ودية حر؛ لأنا نتيقن أنه قتل عبدًا وحرًا؛ وقتل الحر يوجب الدية، وليس أحدهما بأولى من الآخر فيلزمه نصف قيمة كل واحد منهما ونصف دية كل واحد منهما؛ لأن البيان (^٦) فات حين قتلا، وعند فوت البيان يشيع العتق فيهما.
_________________
(١) في (ج): إذا كانا اثنين؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): المسائل؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) النكتة من الكلام: وهي الجملة المنقحة المحذوفة الفضول، وهي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان؛ وسميت المسألة الدقيقة: نكتة؛ لتأثير الخواطر في استنباطها. ينظر: المغرب (ص/ ٤٧٣)، التعريفات: (ص/ ٢٤٦).
(٤) في (ب): فيهما؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): الضمان؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٤٨ ]
بخلاف ما إذا قتل كل واحد منهما رجل حيث تجب قيمة المملوكين، هذا إذا قتلاهما معًا أولا يدري أيهما قتل أولًا.
أما إذا قتلهما رجلان؛ فإن كان قتلهما على التعاقب فعلى القاتل الأول قيمة الأول لمولاه، وعلى القاتل الثاني ديته لورثته لأن العتق تعين فيه.
وأما إذا قتلهما معًا فعلى كل واحد منهما قيمة عبد؛ لأن كل واحد من القاتلَين إنما قتل أحدهما بعينه، والعتق في حق العين كأنه غير نازل فكان كل واحد منهما مملوكًا عينًا؛ وإنما نزل العتق في المنكر ولا يتيقن أن كل واحد منهما قاتل لذلك المنكَّر وإنما يجب على كل واحد منهما القدر المتيقن [به وهو القيمة] (^١).
ولم يبين في الكتاب؛ أي في المبسوط أن ذلك للمولى أو لورثتهما.
وقيل هذا والأول سواء النصف للمولى من كل واحد منهما والنصف للورثة؛ لأن في حق المولى العتق ثابت في حق أحدهما فلا يستحق بدل نفسه فيوزَّع ذلك نصفين عليهما لهذا.
وإن لم يجن عليهما أحد ولكن المولى مات قبل أن يبين عَتقَ من كل واحد منهما نصفه (^٢) وسعى في نصف قيمته؛ لأن البيان فات بموت المولى فإن الوارث لا يخلفه في ذلك؛ لأنه لا يقف على مراده ولأن مجرد الخيار لا يُوَرَّث، ولما فات البيان شاع (^٣) العتق فيهما؛ إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، وبعدما عتق نصف كل واحد منهما يجب إخراج النصف الباقي إلى الحرية بالسعاية (^٤)، هذا كله في الباب الجامع لوجوه العتاق من عتاق المبسوط.
وقوله: ولأن القياس معطوف على قوله والفرق أن البيان إنشاء (^٥) فبقي مملوكًا في حقها؛ أي في حق الأطراف.
لسقوط اعتبارها؛ أي اعتبار المالية في حق الذات قصرًا عليه؛ أي لم يقتصر اعتبار المالية في حق الذات فحسب بل اعتبرت في حق الأطراف أيضًا، يعني أن انحصار اعتبار المالية في حق الذات لا غير ساقط.
ولهما (^٦) أن معنى المالية لما كان معتبرًا حتى كان الواجب من القيمة باعتبار المالية فيزيد بزيادتها وينقص بنقصانها وجب أن يترجح جانب المالية في أطراف العبيد ونقول فيه كما نقول في سائر الأموال.
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (أ): نصيبه؛ وما أثبت من (ب) و(ج) قريب من معناه.
(٣) في (ب): ساغ؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) السعاية: ما يستسعى فيه العبد من ثمن رقبته إذا أعتق بعضه، وهو أن يكلف من العمل ما يؤدي عن نفسه ما بقي. ينظر: العين (٢/ ٢٠٢)، مجمل اللغة لابن فارس (ص: ٤٦١)، المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٢٢٢).
(٥) في (ج): انتفا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) أي لأبي يوسف ومحمد. ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٢)، البناية (١٣/ ٣٠٩).
[ ٢٥ / ٤٩ ]
أو نقول العبد في الجناية عليه كالحر من وجه حتى يتعذر بدل طرفه ببدل نفسه، وبمنزلة الثياب (^١) والدواب من وجه حتى يكون الواجب من القيمة باعتبار المالية، فيخير المولى إن شاء مال إلى الشبه الأول واستوفى جميع القيمة وسلم الجثة (^٢)؛ لأن النفس صارت مستهلكة حكمًا بتفويت منفعة النفس؛ وإن شاء مال إلى الشبه الثاني وأخذ نقصان القيمة وأمسك الجثة كما في تخريق (^٣) ثوب إنسان خرقًا فاحشًا (^٤).
ثم من أحكام الأولى؛ أي الآدمية ألا ينقسم على الأجزاء؛ أي ألا يتوزع كمال بدل النفس على النفس والفائت (^٥) من الطرف، بل يكون بإزاء الفائت لا غيركما في فقء عيني الحر، يعني يجب ألا ينقسم الضمان على الأجزاء والنفس، ولا يقال بأن يأخذ النقصان ويمسك الجثة كما قالا بل تجب كل القيمة لا النقصان على تقدير الدفع، ولا يجب شيء على تقدير إمساك الجثة.
ومن أحكام الثانية أي المالية أن ينقسم ويتملك [الجثة] (^٦)؛ أي أن ينقسم موجب الجناية وهو الضمان على الأجزاء والجثة فيضمن نقصان القيمة وهو الذي وجب بمقابلة فوات الأجزاء، ويمسك المولى الجثة كما في تخريق الثوب.
فوفرنا على الشبهين حَظّهما (^٧)؛ يعني بالنظر إلى الآدمية ينبغي ألا يجب الضمان [متوزعًا] (^٨) بل بإزاء الفائت لا غير، وبالنظر إلى المالية ليس له أن يأخذ كل بدل العين مع إمساك الجثة كما ليس له ذلك في المال، بل قيل له من [شرط] (^٩) استيفائك هذا الضمان (^١٠) أَنْ تزيل الجثة عن ملكك ليكون قولًا بالشَّبهين؛ ففيما قالا إلغاء لجانب الآدمية أصلًا واعتبار لجانب المالية؛ لأن من حكم المال أن المالك بالخيار إن شاء سلم النفس وأخذ كمال القيمة، وإن شاء أمسكها ورجع بالنقصان كما في تخريق الثوب.
_________________
(١) في (ب): النبات؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) الجثة: شخص الإنسان قاعدًا أو نائمًا، والجثة: الجسد. ينظر: الصحاح (١/ ٢٧٧)، المعجم الوسيط (١/ ١٠٦).
(٣) الخرق: مصدر خرق الثوب والخف ونحوهما؛ ثم سمي به الثقبة، والخرق الشق في الحائط والثوب ونحوه؛ وخرقت الثوب إذا شققته. ينظر: المغرب (ص/ ١٤٣)، لسان العرب (١٠/ ٧٣).
(٤) كل شيء جاوز حده فهو فاحش، ورجل فاحش: سيء الكلام، وأمر فاحش: قبيح. ينظر: الصحاح (٣/ ١٠١٤)، المغرب (ص/ ٣٥٢).
(٥) في (ج): والمكاتب؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ج): حفظهما؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(١٠) في (أ): لا ضمان؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٥٠ ]
وفيما قاله الشافعي: إلغاء لجانب المالية [أصلًا] (^١) واعتبار لجانب الآدمية لا غير، فإنه يقول عند فقء عيني عبد بضمان كمال القيمة والجثة للمولى من غير خيار فكان كفقء عَيني الحر (^٢).
والقول الأوسط الأعدل ما قاله أبو حنيفة: لأن فيما تجاذب الطرفان كان القول بتوفير الشبهين أولى؛ إلى هذا أشار في الأسرار (^٣). والله أعلم.
* * *