لما لم تكن الشهادة في الوصية أمرًا مختصًا بالوصية أخر ذكرها لعدم عراقتها فيها؛ وههنا خمس مسائل الغريمان لهما على الميت دين والغريمان للميت عليهما دين والموصى [لهما والموصى] (^٥) إليهما والوارثان.
قوله لأنهما متهمان والشهادة ترد بالتُّهمة ويقول شريح: لا أجيز شهادةَ خصم ولا مريب والمراد من المريب المتهم.
إلا أن يدعيه المشهود (^٦) له أي حينئذ تجوز الشهادة استحسانًا.
قوله وهذا استحسان إشارة إلى حكم المستثنى (^٧) وهو جواز الشهادة عند الدعوى.
وهو في القياس كالأول (^٨) أي حكم المستثنى الذي هو ادعاء المشهود له الوصاية كحكم المستثنى منه الذي هو إنكار المشهود له الوصاية أي أن الشهادة باطلة في الصورتين أعني صورة إنكار المشهود (^٩) له الوصايةَ وصورة دعوى المشهود له الوصايةَ.
_________________
(١) في (ج): فلهذا الذي أوصى؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): الموصي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) وَلَنَا أَنَّ بِالْإِيصَاءِ تَنْتَقِلُ وِلَايَةُ الْأَبِ إلَيْهِ فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ قَائِمَةً مَعْنًى فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَالْأَبِ نَفْسِهِ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٤٤)، العناية (١٠/ ٥١١)، البناية (١٣/ ٥٢٢، ٥٢٣).
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ج): الشهود؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (ج): إشارة إلى ما بينا؛ وما أثبت من (أ) و(ب) به زيادة معنى.
(٨) في (ب): وهو القياس كالأول؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): الشهود؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١٥ ]
وفي الاستحسان (^١) تجوز الشهادة في صورة الدعوى ولا تجوز في صورة الإنكار ولكن إذا أنكر المشهود له الوصاية قال في المبسوط أدخلت معهما آخر؛ لأن في ضمن شهادتهما إقرارًا منهما بوصي آخر معهما للميت وإقرارهما حجة عليهما فلا يتمكنان من التصرف بعد ذلك بمنزلة ما لو مات أحد الأوصياء الثلاثة؛ وكذا لو صدقهما وقال لا أقبل الوصية كان له ذلك لأنه لم يسبق منه القبول ولكن يتعذر على الوصيين التصرف بدون رأي الثالث فيُدخل القاضي معهما وَصيًا ثالثًا؛ وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي ابتداءً إلى آخره (^٢).
فإن قيل إذا كان للميت وصيان فالقاضي لا يحتاج إلى أن ينصب عن الميت وصيًّا آخر؛ فإن لم يكن له ذلك من غير شهادة فكذلك عند أداء الشهادة إذا تمكنت التهمة فيه.
قلنا: القاضي وإن كان لا يحتاج إلى نصب الوصي لكن الموصَى إليهما متى شهدا بذلك كان من زعمهما أنه لا تدبير لنا في هذا المال إلا بالثالث؛ فأشبه من هذا الوجه ما لم يكن ثمة وصي وهناك تقبل الشهادة فكذلك ههنا كذا ذكره الإمام المحبوبي: في باب القضاء بالشهادة من قضاء الجامع الصغير (^٣).
فإن قلت ما الفرق بين هذا أعني قبول الشهادة على وجه الاستحسان في أن الرجلين إذا شهدا أن أباهما أوصى إلى هذا (^٤) وبينما لو شهدا أن أباهما وكل هذا الرجل (^٥) بقبض ديونه بالكوفة لا تقبل سواء يدَّعِي الوكيل ذلك أو يجحد.
قلتُ إنما قبلت شهادتهما في الوصايا لخلوها عن التهمة فإنهما لو سألا القاضي أن يجعل هذا الرّجل وصيًّا وهو راغب فيها (^٦) أجابهما إلى ذلك؛ بخلاف الوكالة فإنهما لو سألا القاضي أن يوكل هذا الرجل عن أبيهما لم يفعل لأنه ليس للقاضي (^٧) ولايةً في مال أبيهما كذا في المبسوط (^٨).
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨٠).
(٢) وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ نَصْبِ الْوَصِيِّ ابْتِدَاءً أَوْ ضَمَّ آخَرَ إلَيْهِمَا بِرِضَاهُ بِدُونِ شَهَادَتِهِمَا فَيَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِمَا مُؤْنَةُ التَّعْيِينِ عَنْهُ.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٥١٢).
(٤) في (ج): هذين؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): وكل الرجلين؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب) و(ج): فيه؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٧) في (ب): لأن للقاضي؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
(٨) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨١).
[ ٢٥ / ٢١٦ ]
وقوله وكذلك الابنان معطوف على المستثنى منه وهو قوله فالشهادة باطلة وله أن يثبت لهما ولاية الحفظ إلى آخره (^١)؛ وذكره في المبسوط (^٢).
وأما فيما ليس من الميراث فإن [شهادة] (^٣) الوصي للصغير لا تقبل على الغير لأنه هو القابض؛ ويجوز للكبير لأنه أجنبي في ذلك فإنه إنما صار خصمًا بقبول الوصاية فيما هو من جملة الميراث. فأما فيما للوارث الكبير على الأجنبي لا بطريق الإرث هو كأجنبي آخر.
وقوله وهذا قول أبي حنيفة ومحمد: فالإشارة بقوله وهذا راجعة إلى ما ذكرنا من جواز شهادتهما في [الدين وعدم جواز شهادتهما في] (^٤) الوصية.
وقال أبو يوسف: لا تقبل في الدين أيضًا كما لا تقبل في الوصية بألف؛ ثم إنما قيد عدم جواز شهادة كل فريق للآخر في الوصية بالألف المرسلة احترازًا عما لو شهد كل فريق للآخر في الوصية بعين على حدة فإن هناك تقبل شهادة كل فريق للآخر وهو ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله ولو شهدا أنه أوصى لهذين الرجلين بجاريته وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين بعبده جازت الشهادة بالاتفاق.
قوله وأبو حنيفة: فيما ذكر الخصاف (^٥) مع أبي يوسف أي لا تجوز شهادة كل فريق من الشاهدين في حق الآخر لا في حق الدين ولا في حق الوصية بألف درهم.
_________________
(١) وَلَهُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمَا وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَوِلَايَةُ بَيْعِ الْمَنْقُولِ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَارِثِ فَتَحَقَّقَتْ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ شَهَادَتِهَا فِي غَيْرِ التَّرِكَةِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ وَصِيِّ الْأَبِ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ فِي تَرِكَتِهِ لَا فِي غَيْرِهَا. ينظر: الهداية (٤/ ٥٤٤)، العناية (١٠/ ٥١٣)، البناية (١٣/ ٥٢٥).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨٢)، العناية (١٠/ ٥١٣)، البناية (١٣/ ٥٢٥).
(٣) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٥) هو: أحمد بن عمرو أبو بكر الخصاف، أحمد بن عمرو -وقيل: عمر- بن مهير، وقيل: مهران- أبو بكر الخصاف، الشيباني. كان فاضلًا فارضا حاسبا عارفا بالفقه، وصنف: كتاب "الحيل"، وكتاب "الوصايا"، وكتاب "الشروط" كبير وصغير، وكتاب "الرضاع"، وكتاب "المحاض والسجلات"، وكتاب "أدب القاضي"، وكتاب "النفقات على الأقارب"، وكتاب "إقرار الورثة بعضهم لبعض"، وكتاب "أحكام الوقف"، وكتاب "النفقات"، وكتاب "العصير وأحكامه"، وكتاب "ذرع الكعبة والمسجد الحرام والقبر المقدس"، وكتاب "الخراج"، وكتاب "المناسك". مات ببغداد سنة إحدى وستين ومائتين. ينظر: تاج التراجم (ص: ٩٧، ٩٨)، الأعلام للزركلي (١/ ١٨٥).
[ ٢٥ / ٢١٧ ]
وقوله وعن أبي يوسف: مثل قول محمد: أي تجوز شهادة كل فريق من الشاهدين في حق الآخر في حق الدين ولا تجوز في حق الوصية بألف درهم؛ وإنما خص قول محمد: ههنا مع أنه ذكر قبل هذا في هذا الحكم قول أبي حنيفة ومحمد: ليقرر قول محمد: في ذلك واضطراب قول أبي … حنيفة: فيه.
وذكر الإمام المحبوبي: بعد ذكر هذه الروايات بقوله وصار عن أبي حنيفة: روايتان وعن أبي يوسف: كذلك وعن محمد: رواية واحدة.
وجنس هذه المسائل على أربعة أوجه في الوجه الأول تقبل الشهادة بالإجماع وهو أن يشهد الرجلان بوصية عين لرجلين كالعبد وشهد الموصى لهما لهذين الشاهدين بوصية عين أخرى كالجارية لأنه لا شركة للشهود فيه فلا تتمكن التهمة.
وفي الوجه الثاني لا تقبل بالإجماع وهو أن يشهد الرجلان بالوصية بجزء شائع كالوصية بثلث ماله وشهد المشهود (^١) لهما للشاهدين بمثل ذلك لأنهما أوجبا شركةً لأنفسهما فيما شهدا به (^٢) للآخرين؛ وكذا لو شهد الرجلان لاثنين بالوصية بألف مرسلة وشهد المشهود لهما للشاهدين بألف مرسلة أيضًا.
وفي الوجه الثالث لا تقبل أيضًا وهو أن يشهد الرجلان أن الميت أوصى لهذين الرجلين بعين [كالعبد] (^٣) وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين الأوَّلين بثلث ماله لأن الشهادة مُثْبِتَة (^٤) للشركة.
وفي الوجه الرابع اختلفوا فيه وهو الشهادة بالدين وهو الذي نحن فيه؛ وجه القبول أن الدين يجب في الذمة والذمة قابلة لحقوق شتى ولا شركة؛ وعدم القبول باعتبار تهمة الشركة وهذا لأن كل فريق إنما يشهد للفريق الآخر بالدين في ذمّة الميّت ولو شهدا بذلك في حياته كانت الشهادة مقبولة فكذا إذا شهدا بعد موته؛ وهذا لأن الدين بالموت لا يتحول من الذمة إلى التركة.
ألا ترى أن التركة لو هلكت لا يسقط شيء من الدين وأن للوارث أن يستخلص التركة لنفسه بقضاء الدين (^٥) من محل آخر فلا تتمكن الشركة بينهم هنا بخلاف الوصية بالثلث فإن حق الموصى له يثبت في عين التركة حتى لايبقى بعد هلاك التركة؛ ولو أراد الوارث أن يستخلص التركة لنفسه ويقضي حق الموصى له من محل آخر لم يكن ذلك؛ ولهذا لو قبض أحد الفريقين شيئًا كان للآخر حق المشاركة فكان كل فريق مثبتًا لنفسه حق المشاركة فيما شهد فكانت الشركة بينهم ثابتة في التركة فلا تصح شهادتهما فيما تثبت فيه الشركة لهما ولا كذلك الدين.
_________________
(١) في (أ): الشهود؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): أنه؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): مشبهة؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ج): القاضي؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١٨ ]
وجه الرد أن الدين بالموت يتعلق بالتركة ولهذا لا يثبت (^١) الملك للوارث ولا ينفذ تصرفه فيه إذا كان الدين محيطًا بها؛ فشهادة كل فريق تلاقي محلًا مشتركًا فصار نظير مسألة الوصية بالثلث هذا كله من المبسوط (^٢) وشروح الجامع الصغير (^٣) (^٤).
وذكر في أدب القاضي [للصدر الشهيد] (^٥) في باب (^٦) شهادة الغرماء بعضهم لبعض قال ولو أن رجلًا مات وترك ورثة وترك مالًا وشهد رجلان لرجلين على الميت بدين ألف درهم وشهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين ألف درهم فالشهادة باطلة هكذا ذكر هنا؛ وذكر في الجامع الصغير والجامع الكبير أن الشهادة جائزة (^٧) (^٨).
وروى صاحب الكتاب رواية ثالثة عن الحسن بن زياد وعن (^٩) أبي … حنيفة: أنهم إن جاءوا جميعًا وشهدوا فالشهادة باطلة؛ وإن شهد اثنان لاثنين تقبل شهادتهما ثم ادعى الشاهدان بعد ذلك على الميت بألف درهم فشهد لهما الغريمان الأولان فشهادتهما جائزة فصار في المسألة ثلاث روايات.
وذكر وجه ما ذكر في أدب القاضي وهو وجه عدم قبول الشهادة؛ [ووجهما ذكر في الجامعين وهو وجه قبول الشهادة] (^١٠) كما ذكرنا وزاد فيه شيئًا وقال وجه رواية الجامعين أن الشهادة إنما قامت (^١١) على الميت بالدين والدين يثبت في ذمّة الميت ثم يتحول إلى التركة لا يجوز (^١٢) القرار (^١٣)
فإن الوارث (^١٤) لو أراد أن يقضي الدين من ماله ويستخلص التركة لنفسه له ذلك فيصير كأنهم شهدوا عليه (^١٥) في حياته.
_________________
(١) في (ج): ولهذا يثبت؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨٢).
(٣) في (ج): والجامع الصغير؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٨٢).
(٥) ساقطة من (ب)؛ وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): تقبل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٥١٣)، البناية (١٣/ ٥٢٥، ٥٢٦).
(٨) ينظر: العناية (١٠/ ٥١٣)، البناية (١٣/ ٥٢٥، ٥٢٦).
(٩) في (ج): عن؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (أ): فاتت؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٢) في (ج) و(ب): لا يتحول؛ وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(١٣) في (ب): الغرام؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٤) في (ب): الميت؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٥) في (أ): عليهم؛ وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٢١٩ ]
ووجه رواية الحسن أنهم إذا جاءوا معًا كان ذلك بمعنى المعاوضة فتتفاحش التهم.
والله أعلم بالصواب.
* * *