لما ذكر باب جناية المملوك والجناية عليه قدَّم من هو أكمل في استحقاق اسم المملوكية وهو العبد، ثم ذكر فصل من هو أحط رتبة في اسم المملوكية وهو المدبَّر وأم الولد، غير أن أم الولد أحط رتبة أيضًا من المدبر في ذلك الاسم حتى إن القاضي لو قضى بجواز بيعها لا ينفذ بخلاف المدبر.
وهي أنثى أيضًا فالأنوثة والانحطاط في اسم المملوكية أوجبا تأخير ذكرها عن ذكر المدبر، لما روي عن أبي عبيدة وهو أبو عبيدة بن الجراح (^٦) - ﵁ - … قضى بجناية المدبر على مولاه (^٧)؛ وكان أميرًا بالشام (^٨) وكان بمحضر من الصحابة ن فكان إجماعًا، كذا في الإيضاح (^٩).
_________________
(١) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٣)، البناية (١٣/ ٣١٠).
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٣)، البناية (١٣/ ٣١٠).
(٤) سبق ص ١٣٤.
(٥) سبق ص ١٣٢.
(٦) هذا الصحابيُّ شَهِد المشاهد كلَّها مع رسول الله - ﷺ - فشهد بدرًا وأُحدًا والخندق، وغيرها من معاركِ المسلمين الفاصلة، وكان من السابقين إلى الإسلام، فقد هاجَر الهِجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، وقد أبْلى في معركةِ أُحد بلاءً عظيمًا، فقد نزَع الحلقتَيْن اللتين دخلتَا من المِغفر في وجْه رسول الله - ﷺ - بأسنانه، حتى انتُزعتْ ثنيَّتاه، وهو أمينُ هذه الأمَّة، وهو أحدُ العشرة المبشَّرين بالجنة، إنَّه فارس الإسلام، أبو عبيدة عامر بن عبدالله بن الجرَّاح، القرشي، الفهري المكي، وصَفَه أهلُ السِّير بأنَّه كان رجلًا طويلًا نحيفًا، معروقَ الوجه، خفيفَ اللحية، أثرمَ الثنيَّتين، وقد اشتهر بحُسْن خُلقه، وتواضعه وحِلمه. ينظر: حلية الأولياء (١/ ١٠٢)، سير أعلام النبلاء (١/ ١٧).
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه)، كتاب الديات باب جناية المدبر على من تكون؟ (٥/ ٣٩٦ رقم الحديث: ٢٧٣٢٦). ينظر: نصب الراية (٤/ ٣٨٩)، الدراية (٢/ ٢٨٤).
(٨) سبق ص ٥٤
(٩) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٣)، البناية (١٣/ ٣١١).
[ ٢٥ / ٥١ ]
وجنايات المدبر وإن توالت لا توجب إلا قيمة واحدة؛ لأن القيمة في المدبر تنزل منزلة عين العبد، ثم العبد إذا جنى جنايات وجب دفعه بالجنايات ولا يجب أكثر من ذلك فكذا هاهنا، كذا في الإيضاح (^١).
ويتضاربون بالحصص فيها؛ أي في القيمة، وتعتبر قيمته لكل واحد في حال الجناية عليه.
ومن صورته ما ذكره في المبسوط وقال: وإذا قتل المدبر رجلًا خطأ وقيمته ألف درهم ثم زادت قيمته إلى ألفين ثم قتل آخر خطأ [ثم أصابه عَيب فرجعت قيمته إلى خمسمائة ثم قتل آخر خطأ] (^٢) فعلى مولاه ألفا درهم (^٣)؛ لأنه جنى على الثاني وقيمته ألفان ولو لم يكن منه إلا تلك الجناية لكان المولى ضامنًا قيمته ألفين ثم ألفًا من هذا لِوَلي القتيل الأوسط (^٤) خاصة؛ لأن ولي الأول إنما يثبت حقه في قيمته يومَ جنى على وليه وهو ألف درهم فلا حق له في الألف الثانية، فيسلم ذلك لولي القتيل الأوسط وخمسمائة من الألف الأولى بين ولي القتيل الأول وبين الأوسط [المقتول] (^٥)؛ لأنه لا حق في هذه الخمسمائة لولي القتيل الثالث، وإنما حقه في قيمته يومَ جنى على وليه، فتقسم هذه الخمسمائة بين الأوسطِ والأوّلِ يضرب فيها الأول بعشرة آلاف والأوسط بتسعة آلاف؛ لأنّه وصل إليه من حقه ألف والخمسمائة الباقية بينهم جميعًا، يضرب فيها الآخر [بعشرة آلاف] (^٦) لأنه ما وصل إليه شيء من حقه.
ويضرب الأول بعشرة آلاف إلا ما أخذ لأنه وصل إليه من حقه مقدار المأخوذ فلا يضرب به.
وكذلك الأوسط لا يضرب بما أخذ في المرتين وإنما يضرب بما بقي من حقه فتقسم الخمسمائة بينهم على ذلك.
ولو قتل المدبر رجلًا خطأ وقيمتُه ألف درهم فدفعه الولي بقضاء قاضٍ ثم رجعت قيمته إلى خمسمائة ثم قتل آخر فإن خمسمائة مما أخذ الأول للأول خاصة؛ لأن حق الثاني إنما يثبت في قيمته عند الجناية على وليه وهي خمسمائة، فبقيت الخمسمائة الأخرى سالمة للأول بلا منازعة والخمسمائة الباقية بينهما يضرب فيها الأول بعشرة آلاف إلا خمسمائة والآخر بعشرة آلاف، فيكون ذلك مقسومًا بينهما على تسعة وثلاثين سهمًا؛ لأنه يجعل كل خمسمائة منها سهمًا.
_________________
(١) ينظر: البناية (١٣/ ٣١٢).
(٢) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٧٢).
(٤) في (ب): الأول؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٥٢ ]
وإن جنى جناية أخرى وقد دفع المولى القيمة إلى ولي الأولى بقضاء فلا شيء عليه أي على الولي؛ لأنه ما لزمه أكثر من قيمة واحد بجناياته ولكن يتبع الثاني الأول فيأخذ منه نصف القيمة.
فالولي بالخيار أي فولي الجناية الثانية بالخيار إن شاء أتبع المولى أي بنصف القيمة في ذمته ثم يرجع المولى على الأول؛ لأنه تبين أنه استوفى منه زيادة عن مقدار حقه، وهو نظير الوصي إذا قضى دين أحد الغريمين من التركة ولم يعلم بالدَّيْن الآخر، أو قضى دين الغريم ثم حدث دَيْن آخر بسبب كان وجد من الميت في حياته.
وإن شاء أتبع ولي الجناية أي ولي الجناية الأولى وقالا (^١) لا شيء على المولى.
وحاصله أن عندهما لا يتفاوت دفع المولى قيمة المدبر إلى ولي الجناية [الأولى] (^٢) حين وجدت الجناية بقضاء القاضي أو بغير قضاء القاضي لا يتبع ولي الجناية الثانية المولى بنصف القيمة بل يتبع ولي الجناية الأولى به، هما يقولان أن المولى حين دفع القيمة إلى الأول فقد فعل بنفسه عين (^٣) ما يأمره (^٤) القاضي به لو دفع إليه فيكون القضاء [وغير القضاء] (^٥) فيه سواء، كما في الرجوع بالهبة وأخذ الدار بالشفعة (^٦) (^٧) بعد وجوبها؛ وهذا لأنه حين دفع ما كان لأحد في القيمة حق سوى الأول لأن السبب الموجب لحق الثاني وهو الجناية لم يوجد والحكم لا يسبق السبب؛ فلا يكون هو بهذا الدفع جانيًا في حق الثاني (^٨) فلا يضمن له شيئًا، وكيف يكون جانيًا في حقه ولو أراد أن
يمنع نصف القيمة من الأول ما كان يتمكن من ذلك.
وأبو حنيفة: يقول: إنما يجب على المولى باعتبار منع الرقبة (^٩) وإنما منعها بالتدبير السابق وذلك في حق أولياء الجنايتين (^١٠) سواء؛ فيجعل في حق أولياء الجنايتين كان دفع القيمة من المولى كان بعد وجود الجنايتين جميعًا، وهناك (^١١) إن دفع إلى أحدهما جميع القيمة بقضاء القاضي لم يضمن للثاني (^١٢) شيئًا، وإن كان دفع بغير قضاء قاض كان للثاني الخيار فهذا مثله.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٣٦٤)، البناية (١٣/ ٣١٣).
(٢) ساقطة من (أ)؛ وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): غير؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى لسياق ما بعده.
(٤) في (ب): يفعله؛ وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٥) ساقطة من (ج)؛ وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): بالشبهة؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) الشفعة لغة: هي مصدر بمعنى التملك مأخوذة من الشفع خلاف الوتر، يقال: كان وترًا فشفعه، واصطلاحًا: تملك البقعة جبرًا على المشتري بما قام عليه. ينظر: لسان العرب (٨/ ١٨٤)، تبيين الحقائق (٥/ ٢٣٩).
(٨) في (أ): الباقي؛ وما أثبت من (ب) و(ج) لا يختلف معناه.
(٩) ينظر: المبسوط (٢٧/ ٧١)، العناية (١٠/ ٣٦٥)، البناية (١٣/ ٣١٤).
(١٠) في (ج): الجانين؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١١) في (ب): وكذلك؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٢) في (أ): للباقي؛ وفي (ب): الثاني؛ وما أثبت من (ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٥٣ ]
والدليل على أن المعتبر هذا أن للثاني حق المشاركة مع الأول في تلك القيمة ولا يكون ذلك إلا باعتبار ما بينا؛ وهو أن يجعل كأنه جنى عليهما في حالة واحدة كذا في المبسوط (^١).
فجعلت كالمقارنة في حق التضمين عملًا بالشَّبهين يعني لما علمنا بشبه التأخر في ضمان الجناية حتى اعتبرنا قيمته يوم الجناية الثانية في حقهما وَجَبَ أن يعمل بشبه المقارنة في حق تضمين نصف المدفوع. والله أعلم.
* * *