لما كان موجَب القتل الخطأ وما في معناه الدية على العاقلة لم يكن بُدّ من معرفتها ومعرفة أحكامها فذكرها في هذا الكتاب (^٦).
وقد ذكر في الكتاب معنى المعاقل لغة وشرعًا وما يتبعه فاكتفينا به.
المعاقل جمع معقُلة بضم القاف.
وقوله: وكل دية مبتدأ.
وقوله: على العاقلة خبره.
وكل دية وجبت بنفس القتل أي ابتداء.
_________________
(١) (وَلَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ لِامْرَأَةٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهَا الْقَسَامَةُ تُكَرَّرُ عَلَيْهَا الْأَيْمَانُ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهَا فِي النَّسَبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا). ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٢٠).
(٢) في (ج): السراية؛ وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ساقطة من (ب) و(ج)؛ وإثباتها من (أ) هو الصواب.
(٤) في (ب): التداخل؛ وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) الكتاب لغة: إما مصدر من كتبه كتبا وكتابا وكتبة وكتابة بمعنى الجمع سمي به المفعول للمبالغة، أو فعال بُني للمفعول كاللباس للملبوس وعلى التقديرين يكون بمعنى المجموع. واصطلاحا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعا. ينظر: أنيس الفقهاء (٥)، الصحاح (١/ ٢٠٨).
(٦) مختصر القدوري (١٩٤). وسبق ترجمته ص ١١١، والتنبيه على أن المقصود بالكتاب (مختصر القدوري).
[ ٢٥ / ٨٩ ]
وقوله: ابتداء احتراز عما تجب الدية على العاقلة (^١) في القتل العمد بسبب الصلح أو بسبب الأبوة، فهي في مال القاتل لا على العاقلة.
وقد ذكرناه أي الدية بتأويل العقل في [حديث] (^٢) حمل بن مالك (^٣).
حمل ههنا اسم ولد الضانية (^٤).
وهو ما روى في حديثه أن النبي - ﷺقال لأولياء الضارية (^٥): «قوموا فدوه» (^٦)؛ قال أخوها عمران بن عويمر الأسلمي (^٧): أفدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه بطل؛ فقال غ: «أسجع كسجع الكُهّان (^٨)»، بضم الكاف وتشديد الهاء جمع الكاهن؛ أو قال: «دعني وأراجيز العرب، قوموا فدوه».
وكذا الذي تولى شبه العمد وهو الذي ضربه بالسوط الصغير حتى قتله.
[وقال] (^٩): يقال: اجحف به أي أهلكه واستأصله.
لأنه إنما قصر أي لأن القاتل إنما قصر حالة الرمي في التثبت والتوقف.
وتلك أي وتلك القوة.
الديوان الجريدة مِن دون الكتب إذا جمعها لأنها قطع من القراطيس مجموعة.
ويروى أن عمر﵁أول من دون الدواوين أي رتب الجرائد للولاة والقضاة.
ويقال فلان من أهل الديوان أي ممن أثبت اسمه في الجريدة.
العطاء اسم ما يعطى والجمع أعطية وأعطيات.
وفي شرح القدوري (^١٠): في العاقلة الدية في أعطياتهم ثلاث سنين؛ فإن لم يكونوا أهل عطاء وكانت لهم أرزاق جعلت الدية في أرزاقهم؛ قال: والفرق بينهما أن العطية ما يفرض للمقاتلة، والرزق ما يجعل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلة؛ كذا في المغرب (^١١).
_________________
(١) في (ب): القاتل، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) هو: حمل بن مالك بن النابغة الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، يكنى أبا نضلة لهُ صُحبَةٌ وهو مدني نزل البصرة وله بها دار. روى عن: النبي - ﷺفي دية الجنين. روى عنه: عبد الله بن عباس. ينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٧/ ٣٤٩)، الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ١٠٨).
(٤) في (ج): المضاربة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ج): المضاربة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير)، باب الألف، باب في الدية، (١/ ١٩٣ رقم الحديث: ٥١٤).
(٧) هو: عمران بن عويمر، وقيل: ابن عويمر الهذلي السجاع، له ذكر في حديث أسامة الهذلي. ينظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (٤/ ٢١١١)، الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٥٨٧).
(٨) صحيح مسلم (٣/ ١٣٠٩) كتاب القسامة-باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد رقم (١٦٨٢) بلفظ سجع مثل سجع الأعراب.
(٩) ساقطة من (أ)، وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ينظر: تكملة فتح القدير (١٠/ ٤٠٠).
(١١) ينظر: المغرب (ص: ٣٢٠).
[ ٢٥ / ٩٠ ]
وليس ذلك بنسخ بل هو تقرير معنى، وهذا جواب عن قوله ولا نسخ بعده.
وذكره في المبسوط على وجه السؤال والجواب؛ فقال: فإن قيل: كيف يظن بهم الإجماع على [خلاف] (^١) ما قضى به رسول الله - ﷺ -.
قلنا: هذا إجماع على وفاق ما قضى به - ﷺ -[معنى] (^٢)، فإنهم علموا أن رسول الله - ﷺ - قضى على العشيرة باعتبار النصرة، فقد كانت قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته، فلما دوّن عمر﵁الدواوين صارت القوة والنصرة بالديوان، فقد كان المرء قبيلته عن ديوانه على ما روي أن يوم الجمل (^٣) وصفين (^٤) جعل بإزاء كل قبيلة من كان من أهل تلك القبيلة ليكونوا هم الذين يقاتلون قومهم (^٥)؛ [ولهذا قضوا بالدية على أهل الديوان، أن الحِلف - بكسر الحاء- العهد يكون بين القوم] (^٦)، ومنه قولهم: تحالفوا على التناصر؛ والمراد به ههنا ولاء الموالاة.
_________________
(١) ساقطة من (ب)، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ج)، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) موقعة الجمل: كانت وقعة الجمل في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين. وبلغ الخبر عائشة … - وهي حاجة - ومعها طلحة والزبير. فخرجوا إلى البصرة يريدون الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة. وأرسل عليٌّ عمارَ بن ياسر وابنه الحسن بن علي إلى الكوفة يستنفرون الناس ليكونوا مع علي فاستنفروهم فنفروا. وخرج علي من المدينة في ستمائة رجل. فالتقى - هو والحسن - بذي قار ثم التقوا - هم وطلحة والزبير - قرب البصرة وكان في العسكرين ناس من الخوارج. فخافوا من تمالؤ العسكرين عليهم. فتحيلوا حتى أثاروا الحرب بينهما من غير رأي. فكانت وقعة الجمل المشهورة لأن عائشة كانت في هودج على جمل، وعقر الجمل ذلك اليوم. ينظر: مختصر سيرة الرسول - ﷺ - (صـ: ٣١٢).
(٤) موقعة صفين: سار علي﵁والتقى هو وأهل الشام بصفين لسبع بقين من المحرم - وصفين اسم موضع بين الشام والعراق - فكانت به الوقعة المشهورة. فلما اشتد البلاء على الفريقين وطال أياما، وكثر القتلى بينهم رفع أهل الشام المصاحف على رؤوس الرماح ونادوا " ندعوكم إلى كتاب الله " فسر الناس وأنابوا إلى الحكومة. فحكم أهل الشام عمرو بن العاص، وحكم علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري. وكتبوا بينهم العهود بالرضى بما يحكم به الحكمان. فلما حل الموعد في رمضان توافوا بأذرح، بدومة الجندل. فلم يتفق الحكمان على شيء. وانصرف علي إلى العراق، ومعاوية إلى الشام. ينظر: مختصر سيرة النبي - ﷺللإمام محمد بن عبد الوهاب (صـ: ٣١٣).
(٥) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٢٦).
(٦) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٩١ ]
[والولاء] (^١) أي ولاء العتاقة.
والعدّو هو أن يعدّ فيهم، يقال: فلان عديد بني فلان أي يعدّ فيهم.
منه أي من الإيجاب أي إيجابُ الدية في العطاء الذي هو الصلة أولى من الإيجاب في أصول أموالهم، والتقدير بثلاث سنين؛ لأن الدية في حقه فرضت في عطيته، [في كل عطية] (^٢) يخرج له ثلث الدية فيكون جميع الدية مفروضًا في ثلاث عطيات وثلاث عطيات مؤجلة بثلاث سنين فأخذت الدية أيضًا في ثلاث سنين ضرورة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^٣).
ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف (^٤) والعطاء يخرج في كل سنة مرة واحدة.
وفي المبسوط: ولا يستحقون العطاء عندنا إلا بآخر السنة، فلذلك قلنا: إذا خرج العطاء بعد القضاء بشهر أو أقل أخذ منه ثلث الدية، وإذا لم يقض عليهم بالدية حتى مضت سنون ثم قضى بها ولم يخرج للناس عطاء ثم أمر بأعطياتهم الماضية لم [يكن] (^٥) فيها من الدية شيء؛ لأن وجوب هذه الأعطية باعتبار مدة مضت قبل قضاء القاضي، وقد بينا أن وجوب الدية بقضاء القاضي، فمحل الأداء الأعطيات التي تجب بعد القضاء، فلهذا لا يستوفى من الأعطيات الماضية شيء من الدية، ويستقبل لصاحب الدية الأعطية المستقبلة بعد القضاء.
وذكر قبل هذا في المبسوط: وإذا قتل الرجل خطأ فلم يرفع إلى القاضي حتّى مضت سنون ثم رفع إليه، فإنه يقضى بالدية على عاقلته في ثلاث سنين من يوم يقضى؛ لأن ثبوت الأجل (^٦) ينبني على وجوب المال؛ والمال إنما يجب بقضاء القاضي؛ فأما قبل القضاء المال ليس بواجب؛ لأن ضمان المتلفات يكون بالمثل بالنص، ومثل النفس النفس، إلا أنه إذا رفع إلى القاضي وتحقق العجز عن استيفاء النفس لما فيه من معنى العقوبة تحول الحق [بقضائه] (^٧) إلى المال كما في ولد المغرور؛ فإن قيمته إنما تجب على المغرور بقضاء القاضي، وإن كان رد عَينهِ متعذرًا قبل القضاء ولكن في الحكم جعل الواجب رد العين إلا أن يحوله القاضي إلى القيمة بقضائه لتحقق العجز عن رد العين؛ ولهذا لو هلك الولد قبل القضاء لم يضمن شيئًا فاعتبر قيمته يوم القضاء لهذا، وهو نظير الأجل في حق العِنِّين (^٨) فإنه لا يعتبر ما مضى من المدة قبل الخصومة، وإنما يكون ابتداء التأجيل من وقت قضاء القاضي، فكذلك ههنا ابتداء التأجيل يكون من وقت قضاء القاضي.
_________________
(١) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (أ)، وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٣٩٥، ٣٩٦)، البناية (١٣/ ٣٦٦).
(٤) في (أ): للتحقيق، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (أ): الأصل، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) والعنة صفة العنين: وهو الذي لا يقدر على إتيان المرأة، وهو من لا يقدر على الجماع لمرض أو كبر سن أو يصل إلى الثيب دون البكر. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ٤٧)، التعريفات (ص/ ١٥٨).
[ ٢٥ / ٩٢ ]
وقوله: لما ذكرنا؛ أراد به قوله لأن الوجوب بالقضاء.
ولنا أن القياس يأباه؛ أي يأبى القياس إيجاب المال بمقابلة النفس.
والشرع ورد به أي ورد بإيجاب المال إذا كان القتل خطأ كما في ولد المغرور، فإن قيمته إنما تجب بقضاء القاضي، وإن كان رد عينه متعذرًا قبل القضاء إلى آخر ما ذكرنا قبيل هذا، ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته؛ لأن نصرته بهم، ولأن حالهم في المعنى (^١) حال الذين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ -، وقد بينا أنه قضى بالعقل على الأقارب، كذا في المبسوط (^٢).
وهذه إشارة إلى أنه يزاد على أربعة من جميع الدية؛ لأنه قد (^٣) نفى الزّيادةَ على أربعة دراهم في حق السنَة الواحدة لا في ثلاث سنين، فكان المأخوذ من كل واحد في ثلاث سنين أكثر من أربعة دراهم لا محالة؛ لأنه لما أخذ من كل واحد في كل سنة أربعة كان المأخوذ من كل واحد في ثلاث سنين اثني عشر درهمًا في مجموع الدية.
فقد نص محمد: على أنه لا يزاد إلى آخره (^٤)؛ يريد بهذا ما استفيد من الحكم من إشارة المختصر (^٥) (^٦).
وذكر في المبسوط ما يؤيد منصوصَ محمد، فقال: وقد ظن بعض أصحابنا أن التقدير بثلاثة دراهم أو أربعة دراهم فيما يؤخذ منهم في كل سنة وذلك غلط، فقد فسّر ههنا وقال: حتى يصيب الرّجل في عطائه من الدية كلّها أربعة دراهم أو ثلاثة، فعرفنا أنّه لا يؤخذ في كلّ سنة من كل واحد منهم إلا درهم أو درهم وثلث، وإن لم يكن يتسع القبيلة بذلك (^٧) ضم إليهم أقرب القبائل إليهم.
قالوا: وهذا الجواب إنما يستقيم في حقّ العربي؛ لأنّ العرب حفظوا أنسابهم، فأمكننا إيجاب العقل على (^٨) أقرب القبائل من حيث النسب، أما الأعجمي فلا يستقيم في حقه؛ لأن العجم قد ضيّعوا أنسابهم فلا يمكننا إيجاب العقل على أقرب القبائل من القاتل نسبًا؛ فبعد ذلك اختلف المشائخ (^٩)؛ قال بعضهم: يعتبر المَحَال والقُرَى الأقرب فالأقرب، وقال بعضهم: يجب الباقي في مال الجاني، وهذا الّذي ذكرنا كلّه فيما إذا كان للجاني عاقلة، أمّا إذا لم يكن له عاقلة فعقله على بيت المال.
_________________
(١) في (ج): العين، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٣٢).
(٣) في (ب) و(ج): قيد، وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٤) وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ: عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. ينظر: الهداية (٤/ ٥٠٧)، العناية (١٠/ ٣٩٨)، البناية (١٣/ ٣٦٩).
(٥) مختصر القدوري؛ سبق في ص ١١١.
(٦) ينظر: العناية (١٠/ ٣٩٨)، البناية (١٣/ ٣٦٩).
(٧) في (ب): فإن لم يكن متسع القبيلة لذلك، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (أ): مِن، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٩) يراد به من لم يدرك الإمام أبا حنيفة: من علماء مذهبه، وقد يراد به علماء ما وراء النهر من بخارى وسمرقند وغيرهما. ينظر: المذهب الحنفي لأحمد النقيب (١/ ٣١٣ - ٣١٤).
[ ٢٥ / ٩٣ ]
وروي عن أبي حنيفة: أنّه يكون في مال الجاني، كذا في الذخيرة (^١).
وأدخل القاتل مع العاقلة فيكون فيما يؤدّى كأحدهم: اعلم أنّ القاتل إنّما يكون كأحد العواقل في أداء نصيبه من الدية إذا كان القاتل من أهل العطاء في الدّيوان، وأما إذا لم يكن هو من أهل العطاء فلا يجب عليه شيء من الدّية عندنا أيضًا؛ لأن الدية تؤخذ من الأعطيات، وهو هكذا منصوص في المبسوط (^٢)، ويجيء بعد هذا محالًا إليه ولو كان الخاطئ مغرورًا (^٣) فالبريء عنه أولى؛ ولأن الوجوب عليهم باعتبار النصرة، ولا شك أنه ينصر نفسه كما ينصر غيره بل أشد منه، وعلى هذا لو كان القاتل صبيًّا أو امرأة.
وفي فتاوى القاضي الإمام (^٤): …
إذا قتلت امرأة رجلًا خطأ [حتى] (^٥) وجبت الدّية على عاقلتها، فهل يجب عليها شيء من تلك الدّية؛ اختلف المشائخ فيه والصحيح أن القاتل يشارك العاقلة سواء كان القاتل امرأةً أو صبيًّا أو مجنونًا، وكذلك أبُ القاتل وابنه من جملة العواقل، والزوج لا يكون عاقلة المرأة وكذا المرأة لا تكون عاقلة الزّوج، كذا في المغني (^٦).
ثم قوله: ههنا لا يجب على المرأة شيء من الدّية وإن كانت هي القاتلة، مخالف لتلك المسألة التي ذكرنا (^٧) قبيل كتاب المعاقل فيما إذا وجد القتيل في دار امرأة حيث أدخلها المتأخرون هناك في تحمل الدية مع العاقلة، والفرض لهما من العطاء للمعونة.
هذا جواب إشكال وهو أن يقال وقد فرض الإمام [لنساء] (^٨) الغزاة (^٩) وذرياتهم من العطاء [والعطاء] (^١٠) إنما يدفع لنصرة أهل الإسلام كما في حق الغزاة، ثم الغزاة يكونون عواقل لغيرهم (^١١) فكذا النساء.
_________________
(١) ينظر: البناية (١٣/ ٣٧٠).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٣١).
(٣) في (أ) و(ب): معذورًا، وما أثبت من (ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): قاضي الإمام، وما أثبت من (ب) و(ج) قريب منه.
(٥) ساقطة من (أ)، وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٣٧٣).
(٧) في (ب): ذكرها، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٩) الغزو: القصد إلى العدو؛ غزوت العدو: قصدته للقتال. ينظر: طلبة الطلبة (ص/ ٧٩)، المغرب (ص/ ٣٣٩).
(١٠) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (ب): كغيرهم، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٩٤ ]
فأجاب عنه بهذا وقال: إنما يدفع (^١) العطاء للنساء والصبيان في الديوان باعتبار المعونة لا باعتبار النصرة، أي باعتبار معونة الإمام الصبي والمرأة لا باعتبار نصرتهما غيرهما.
والحاصل أن الاستنصار بالديوان أظهر فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والنسب والولاء وقرب السكنى.
وعن هذا قال في المبسوط: ولو أن أخوين لأب وأم ديوان أحدهما بالكوفة وديوان الآخر بالبصرة (^٢)، لم يعقل أحدهما عن صاحبه، وإنما يعقل عن كل واحد منهما أهل ديوانه.
وقوله وغيره وهو العد والحلف، وأهل البادية أقرب إليه أي أقرب قرابة، وقيل هو صحيح.
وقوله: هو راجع إلى قوله لم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة.
وقوله: من أهل المصر، بيان لقوله أهل الديوان أي أهل الديوان الذين هم من أهل المصر.
وقيل تأويله إذا كان قريبًا لهم أي ذا قرابة لهم.
وصار نظير مسألة الغيبة المنقطعة يعني أن للولي الأبعد أن يزوج إذا كان الأقرب غائبًا (^٣) لا سيّما في المعاني العاصمة كحد السّرقة والقذف (^٤) والقصاص ووجوب الدية، وإن لم يكن لهم عاقلة معروفة فالدية في ماله في ثلاث سنين، هذا الذي ذكره في حق الذمي، وأما إذا لم يكن للمسلم عاقلة فالدية في بيت المال؛ لأنه ذكر بعد هذا في الكتاب، قال أصحابنا: إن القاتل إذا لم يكن له عاقلة فالدية في بيت المال، وهو محمول على المسلم لئلا تتناقض الروايتان مع أني وجدت صريحًا بهذا الوجه في الذخيرة (^٥)؛ فقال فيها: وإن كان أهل الذمة لا يدينون التعاقل فيما بينهم فإنه تجب الدية في مال الجاني؛ وإذا دانوا التعاقل - إلا أنه لا عاقلة للجاني- كان في مال الجاني ولا يجب في مال بيت المال؛ ثم قال: فرق بين الذمي والمسلم؛ فإن الجاني إذا كان مسلمًا ولا عاقلة له فعقله في مال بيت المال في ظاهر الرواية ولا يجب في مال الجاني، والفرق أن العقل إنما يجب على غير الجاني باعتبار النصرة، ومتى لم يكن للمسلم ديوان ولا قرابة بأن كان لقيطًا (^٦) فجماعة المسلمين أهل نصرته، فأمكننا إيجاب عقله في بيت مال المسلمين باعتبار النصرة.
_________________
(١) في (أ): يرجع، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) البصرة: ثاني أكبر المدن العراقية بعد العاصمة بغداد وتبعد عنها أكثر من خمسمائة كيلو متر، وهي ميناء العراق الرئيسي على الطرف الشمالي من شط العرب. ينظر: معجم ما استعجم (١/ ٢٥٤).
(٣) في (أ): عائدًا، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) القذف بالحجارة: الرمي بها؛ والقذف: الرمي بالزنا أو ما كان في معناه. ينظر: مختار الصحاح (ص/ ٢٤٩)، لسان العرب (٩/ ٢٧٧).
(٥) ينظر: العناية (١٠/ ٤٠٩)، البناية (١٣/ ٣٨٣).
(٦) اللقيط: المنبوذ يلتقط لأنه يلقط، وهو الصبي المنبوذ يجده إنسان؛ وهو الطفل الذي يوجد مرميًا على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمه. ينظر: لسان العرب (٧/ ٢٩٢ - ٣٩٣)، طلبة الطلبة (٩٢)، المغرب (٤٢٦).
[ ٢٥ / ٩٥ ]
بخلاف الذمي فإن جماعة المسلمين ليسوا أهل نصرته فالولاية بيننا وبينهم منقطعة فتعذر إيجاب العقل في بيت المال باعتبار النصرة فوجب في ماله.
وتمكنه من هذا العقل (^١) ليس بنصرتهم أي ليس بسبب نصرة أهل الإسلام إياه، ولا يعقل كافر عن مسلم ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر؛ لأن التعاقل ينبني على الموالاة والتناصر؛ وذلك ينعدم عند اختلاف الملة (^٢)، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (^٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (^٤)؛ فلما قطع الموالاة بين من هاجر وبين لم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة كان ذلك دليل انقطاع الموالاة بين الكفار والمسلمين، وحكم الميراث والنفقة (^٥) يؤيد (^٦) ما ذكرنا؛
كذا في المبسوط (^٧).
وحُوّل ديوانه أي بعد العقل (^٨).
وعاقلته أهل الكوفة؛ الواو للحال لكن حصّة القاتل توجد من عطائه بالنصرة وإن كان بعد القضاء في الكوفة بخلاف ما إذا قَلَّت العاقلة بعد القضاء عليهم بأن مات بعضهم.
وقوله بخلاف ما إذا قَلَّت متعلق بقوله بخلاف ما بعد القضاء أي لا يقضى بالدية على عاقلته من أهل البصرة إذا كان القاضي قضى بديته على عاقلته من أهل الكوفة.
بخلاف ما إذا قلّت العاقلة حيث يضم إليهم أقرب القبائل في النّسب وإن كان بعد القضاء مع أن فيه أيضًا نقل الدية من الموجودين وقت القضاء [إلى أقرب القبائل، فأجاب عنه بقوله إن في ضم أقرب القبائل إليهم] (^٩) تقرير للحكم الأول لا إبطال له، لكن يقضى ذلك أي الإبل من مال العطاء [بأن يشتري الإبل من مال العطاء] (^١٠).
ولا يعقل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، [والدليل] (^١١) على أنها لا تتحمل ما دون نصف العشر أن القصاص لا يجب في عمده ولا يتعذر (^١٢) في أرشه فصار كضمان الأموال، كذا في شرح الأقطع (^١٣).
_________________
(١) في (ب): القتل، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (أ): المسألة، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) سورة الأنفال: ٧٣.
(٤) سورة الأنفال: ٧٢.
(٥) في (ج): المنفعة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) في (ب): يؤثر، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٣٣).
(٨) في (ب): القتل، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) ساقطة من (أ)، وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٢) في (ب) و(ج): يتقرر، وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(١٣) ينظر: العناية (١٠/ ٤٠٥، ٤٠٦)، تكملة فتح القدير (١٠/ ٤٠٦).
[ ٢٥ / ٩٦ ]
فما (^١) دونه أي فما دون أرش الموضحة وما دونه حكومة عدل.
ولا تعقل العاقلة جناية العبد هذا من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل بأن يجني العبد على الحر، وأما لو جنى الحر على العبد فقتله خطأ كان على عاقلته؛ لأنه بدل النفس، وبهذا اللفظ يجيء بُعيد هذا في هذا الكتاب.
والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة أي شيء إلا أن في الإقرار تجب الدية في ثلاث سنين، وفي الصلح عن العمد يجب المال حالًا إلا إذا شرط الأجل في الصلح فيكون مؤجّلًا، كذا في فتاوى قاضي خان: (^٢) (^٣).
ثم ذُكر بعد هذا فيها رجل أقرّ عند القاضي أنه قتل فلانًا خطأ، فأقام ولي القتيل أيضًا بينة أن المدعى عليه قتله وهو المقرّ؛ تقبل هذه البينة لأن البينة تثبت ما ليس بثابت بإقرار المدّعى عليه، ويؤيد بهذه المسألة ما قاله شيخ الإسلام: أن البينة على القتل تقبل عند حضرة الجاني لأنه هو القاتل والعاقلة يتحملون عنه، وحضرة الكفيل لا تشترط بوجوب المال على الأصيل إذا قامت البيّنة على الأصيل، فإنه يجعل القاتل هنا خصمًا مع إقراره، ولم يذكر حضرة العاقلة فلأن يكون خصمًا حالة الإنكار أولى، ودلت المسألة على أن الدية تجب أولًا على القاتل (^٤)، ثم يقضى على العاقلة بطريق التحمل؛ لأن الدية لو وجبت [ابتداءً] (^٥) على العاقلة كان إقرار القاتل إقرارًا على العاقلة قضي عليه بالدية في ماله في ثلاث سنين من يوم يقضى؛ لأن ما يثبت بالاعتراف لا يتحمله العاقلة … لقوله غ: «ولا اعترافًا» (^٦)؛ وهذا لأن إقراره في حقه محمول على الصدق، وفي حق عاقلته محمول على الكذب لكونه متهمًا في حقهم، ثم موجَب الجناية في الأصل على الجاني ثم تتحمله العاقلة عنه للتخفيف عليه، فإذا لم يثبت السّبب في حق العاقلة بقي الواجب عليه باعتبار الأصل، والتأجيل فيه من وقت القضاء لا من وقت الإقرار؛ لأن الثابت بالإقرار بالقتل لا يكون أقوى من الثابت بالمعاينة، وفي القتل المعاين الدية إنما تجب بقضاء القاضي فهنا أولى، كذا في المبسوط (^٧).
_________________
(١) في (ج): فيما، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) فتاوى قاضي خان: وهو: للإمام فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني المتوفى: سنة ٥٩٢. ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٢٢٧).
(٣) ينظر: العناية (١٠/ ٤٠٧).
(٤) في (ج): العاقلة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى للسياق بعده.
(٥) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) كتاب جماع أبواب الديات فيما دون النفس باب منقال: لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا (٨/ ١٨٢ رقم الحديث: ١٦٣٦١). وجاء في نصب الراية: روى هذا الحديث ابن عباس، موقوفا، ومرفوعا، فالموقوف من رواية محمد بن الحسن ; والمرفوع غريب; وليس في الحديث: أرش الموضحة، ولكن أخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن النخعي قال: (لا تعقل العاقلة ما دون الموضحة، ولا يعقل العمد، ولا الصلح، ولا الاعتراف) انتهى. وأخرج عبد الرزاق في " مصنفه " عن الشعبي، قال: (أربعة ليس فيهن عقل على العاقلة، وإنما هي في ماله خاصة: العمد، والاعتراف، والصلح، والمملوك) انتهى. وأخرج عن الزهري، قال: (العمد، وشبه العمد، والاعتراف، والصلح، لا تحمله عنه العاقلة، هو عليه في ماله) انتهى (٤٨٨)، وسنن الدارقطني» كتاب الحدود والديات -باب الحدود والديات (٣/ ٩٩)، وقال الألباني في (إرواء الغليل) (٧/ ٣٣٦): "حسن".
(٧) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٣١).
[ ٢٥ / ٩٧ ]
ولم يكن عليه شيء في ماله أي لم يكن على المقرّ أيضًا شيء من الدّية، يعني كما لا يجب على العاقلة لما أن تصادقهما ليس بحجة عليهم، كذلك لا يجب على المقرّ القاتل أيضًا لتقرر وجوب الدية على العاقلة بتصادقهما وأحد المتصادقين ولّي القتيل، فمن زعم أن الدية إنما وجبت على العاقلة لا على المقر فإقراره حجة على نفسه.
بخلاف الأول أراد به قوله والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة، فيفهم من هذا أنه يلزم موجَب الإقرار في مال المقرّ، وإنّما وجبت الدّية هناك في مال المقرّ؛ لأنّ هناك لم يوجد تصادقهما بقضاء الدية على العاقلة فتجب في مال المقر ضرورة.
وذكر في المبسوط في شرح قوله: ولم يكن عليه شيء، أي ولم يكن على المقر شيء في ماله؛ لأنهما تصادقا على أن الواجب بقضاء القاضي تقرر على العاقلة، وبعدما تقرر على العاقلة لا يبقى عليه وتصادقهما حجة في حقهما بخلاف الأول، فإن هناك السّبب الموجب للدّية على العاقلة وهو قضاء القاضي لم يوجد أصلًا، فيقضى بها في مال المقرّ، إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته من ذلك؛ لأنه في مقدار حصّته يكون مقرًّا على نفسِه وفي حصةِ عواقلِه مقرًّا عليهم فيؤخذ بما أقر به على نفسه، ومن هذا تبيّن أن القاتل إنما يكون أحدَ العواقل عندنا إذا كان له عطاء في الدّيوان، فأمّا إذا لم يكن فليس عليه من الدّية شيء؛ لأنّ الدّية تؤخذ من الأعطيات، فإن قيل: لما كان أصل الوجوب عليه وقد تحوّل بزعمه إلى عاقلته بقضاء القاضي، فإذا نوى (^١) على العاقلة بجحودهم عاد الدَّين إلى ذمة المحيل.
قلنا: هذا يستقيم فيما إذا كان أصله دينًا لدفع التَوى عن مال المسلم، وهذا أصله لم يكن دينًا وإنّما كان بطريق الصلة لصيانة دم المقتول عن الهدر؛ فبعدما تقرر على العاقلة بقضاء القاضي لا يتحوّل إليه بحال سواء استوفى من العاقلة أو لم يستوف، كذا في المبسوط (^٢).
قال أصحابنا: إنّ القاتل إذا لم يكن له عاقلة فالدّية في بيت المال.
وقد ذكرنا قبيل هذا: هذا الإطلاق محمول على ما إذا كان القاتل مسلمًا، فأما إذا كان القاتل ذميًّا ولا عاقلة له فالدية في ماله لا في بيت المال، وكذا ما يلزمه من الغَرامة لا يلزم (^٣) بيتَ المال.
وفي فتاوى قاضي خان: روى محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵏ أن من لا عاقلة له إذا قتل رجلًا خطأ فإنّ دية القتيل تكون في … مال الجاني.
_________________
(١) في (ب): قودي، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٣١).
(٣) في (أ): يلزم، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ٩٨ ]
وذكر في كتاب الولاء من الأصل: أن بيت المال لا يعقل من له وارث معروف سواء كان مستحقًا للميراث بأن كان [حرًّا] (^١) مسلمًا، أو لم يكن مستحقًا بأن كان كافرًا أو عبدًا، فقال: لو أن حربيًّا مستأمنًا (^٢) اشترى عبدًا مسلمًا في دار الإسلام فأعتقه، ثم عاد المستأمن إلى دار الحرب، ثم أسر وأخرج إلى دار الإسلام، ثم مات معتقه؛ فميراثه يكون لبيت المال؛ لأنّ معتِقه رقيق في الحال.
_________________
(١) ساقطة من (ب)، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) المستأمن: هو الحربي المقيم إقامة مؤقتة في ديار الإسلام، فيعود حربيا لأصله بانتهاء مدة إقامته المقررة له في بلادنا، لكن يبلغ مأمنه لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾، أو بنبذ العهد، أي نقضه من جانب المسلمين؛ لوجود دلالة على الخيانة، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، وهي في أهل الهدنة أو الأمان، لا في أهل جزية، فلا ينبذ عقد الذمة؛ لأنه مؤبد، وعقد معاوضة فهو آكد من عقد الهدنة. وقد يصبح المستأمن حربيا بنقض الأمان من جانبه هو، أو بعودته لدار الحرب بنية الإقامة، لا التجارة أو التنزه أو لحاجة يقضيها، ثم يعود إلى دار الإسلام، فإذا رجع إليهم ولو لغير داره، انتهى أمانه. هذا، وكل ما ينتقض به عهد الذمي، ينتقض به أمان المستأمن، على حسب الاتجاهين السابقين؛ لأن عقد الذمة أمان مؤبد، وآكد من الأمان المؤقت، ولأن المستأمن كالذمي يلتزم بتطبيق أحكام الإسلام. ومن نقض أمانه بنقض العهد ينبذ إليه ويبلغ المأمن عند الجمهور، ويخير الإمام في شأنه كالأسير الحربي، من قتل ومن وفداء وغيره عند الحنابلة. ينظر: شرح السير الكبير ١/ ٢٠٧، والبدائع ٥/ ٢٨١، و٧/ ٣٢٦، الدر المختار ٣/ ٢٧٥، والمغني ٨/ ٤٠٠، المدونة ٣/ ٤٢، والفروق ٣/ ٧٤، والشرح الكبير للدسوقي ٢/ ١٧٢، وتحفة المحتاج ٨/ ٩٨، وفتح القدير ٤/ ٣٠٠، وتصحيح الفروع ٣/ ٦٦، وكشاف القناع ٣/ ١٠٠. ويصير الحربي مستأمنا بالحصول على أمان من كل مسلم بالغ عاقل عند الجمهور، أو حتى من مميز عند آخرين. وليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان؛ لأنه لا يؤمن أن يدخل جاسوسا، أو متلصصا، أو لشراء سلاح، فيضر بالمسلمين. ينظر: المغني ٨/ ٥٢٣، والمهذب ٢/ ٢٥٩
[ ٢٥ / ٩٩ ]
ولو جنى هذا المعتَق فعقل جنايته تكون عليه أي على نفسه ولا يكون على بيت المال؛ لأنّ له وارثًا معروفًا وهو المعتق وإن كان المعتق لا يستحق ميراثه لأجل الرّق وهو الصحيح.
وذكر فيها أيضًا في أوّل فصل المعاقل ذكر شمس الأئمة الحلواني: (^١) قال: هذا فصل أي حكم المعاقل اختلف فيه المتأخرون (^٢)، قال بعضهم: لا عاقلة للعجم، وهو قول الفقيه البلخي (^٣) وأبي جعفر الهندواني؛ لأن العجم لم يحفظوا أنسابهم ولا يتناصرون فيما بينهم وليس لهم ديوان، وتحمل الجناية عن الغير عرف بخلاف القياس في حقّ العرب فإنهم لم يضيّعوا أنسابهم ويتناصرون فيما بينهم فلا يلحق بهم العجم.
وقال بعضهم: للعجم عاقلة عند التناصر والمقاتلة مع البعض لأجل البعض نحو الأساكفة (^٤) والصفارين (^٥) بمرو (^٦) ودرب الخشابين (^٧) وكلاباد ببخارى (^٨)؛ فإذا قتل واحد خطأ ووجبت الدية فأهل محلة القاتل ورستَاقِه (^٩) عاقلته، وكذلك طلبة العلم، وهو اختيار شمس الأئمة الحلواني وكثير من المشائخ.
_________________
(١) هو: عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلواني الملقب شمس الأئمة من أهل بخارى إمام أصحاب أبي حنيفة بها في وقته، حدث عن أبي عبد الله غنجار البخاري، تفقه على القاضي أبي علي الحسين بن الخضر النسفي، روى عنه أصحابه مثل أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي شمس الأئمة وبه تفقه وعليه تخرج وانتفع، وأبي بكر محمد بن الحسن بن منصور النسفي وأبي الفضل بكر بن محمد بن علي الزرنجري وهو آخر من روى عنه وتفقه عليه أيضا عبد الكريم بن أبي حنيفة الأندقي، ومن تصانيفه: المبسوط، توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين وأربعمائة بكش وحمل إلى بخارى ودفن فيها. ينظر: الجواهر المضية (١/ ٣١٨)، تاج التراجم (ص: ١٨٩).
(٢) المتأخرون: سبق ص ٣٥.
(٣) هو: أبو بكر بن أحمد بن علي بن عبد العزيز البلخي الأصل السمرقندي عرف بالظهير تفقه على علي بن محمد الإسبيجابي بعد الخمسمائة ودرس بمراغه وقدم حلب أيام نور الدين محمود بن زنكي ثم توجه إلى دمشق ودرس بها بمسجد حانون وغيره، فقيه مفتي على مذهب أبي حنيفة، وله كتاب ألفه في شرح الجامع الصغير، ووقف كتبه على النورية بحلب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وفى هذه السنة مات بدمشق. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ٢٧١)، تاج التراجم (ص: ٣٣٣).
(٤) الأسكف، بالفتح على أفعل، والإسكاف بالكسر، والأسكوف بالضم، واقتصر عليهما الجوهري. والسكاف كشداد، والسيكف كصيقل، لغات أربعة: الخفاف وجمع الإسكاف: الأساكفة. أو الإسكاف عند العرب: كل صانع سوى الخفاف فإنه الأسكف كأحمد، وذلك إذا أرادوا معنى الإسكاف في الحضر، نقلها ابن الأعرابي وقال شمر: رجل إسكاف وأسكوف: للخفاف. أو الإسكاف: النجار؛ قاله أبو عمرو، والإسكاف: الصانع أيًّا كان. ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس (٢٣/ ٤٥٠)، المحكم والمحيط الأعظم (٦/ ٧٢٦).
(٥) الصفارين: هي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي من أحسن أسواق دمشق، وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان﵁ودور قومه، وكانت تسمى الخضراء فهدمها بنو العباس، وصار مكانها سوقا. ينظر: رحلة ابن بطوطة (١/ ٣١١).
(٦) مرو: هي أشهر مدن خراسان وقصبتها، نصّ عليه الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور. ينظر: معجم البلدان (٥/ ١١٢، ١١٣).
(٧) هو سوق الخلعيين: هذه السوق فيما بين قيسارية الفاضل، وبين باب زويلة الكبير، وكان يعرف قديما بالخشابين، وعرف اليوم بالزقيق تصغير زقاق، وعرف أيضا بسوق الخلعيين. ينظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٣/ ١٨٨).
(٨) بخارى: بالضم: من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلّها، يعبر إليها من آمل الشط، وكانت قاعدة ملك السامانية. ينظر: معجم البلدان (١/ ٣٥٣).
(٩) الرستاق: الرستاق فارسي معرب؛ والصحيح: رزداق أو رسداق؛ والجمع الرساتيق؛ وهي البيوت المجتمعة في السواد. ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٨٤)، الصحاح (٤/ ١٤٨١)، لسان العرب (١٠/ ١١٦).
[ ٢٥ / ١٠٠ ]
وكان الشيخ الإمام ظهير الدين (^١) يأخذ
بقول الفقيه أبي جعفر بأن (^٢) العبرة للتناصر (^٣)؛ واجتماع الأساكفة وطلبة العلم ونحوهم لا يكون للتناصر فلا يلزمهم التحمل [عن غيرهم] (^٤).
وكذلك إن مات المكاتب عن وفاء إلى قوله ثم أديت الكتابة أي حينئذ يرجع قوم الأم على قوم الأب، والأصل الذي يُخَرَّج عليه حال القاتل إذا تبدل حكمًا فانتقل ولاء إلى ولاء.
هذا تفسير التبدل بسبب حادث لم تنتقل جنايته عن الأولى كالمولود بين حرة وعبد إذا جنى ثم أعتق الأب (^٥) لا تتحول الجناية عن عاقلة الأم؛ لأن ههنا تبدلت حاله بأن انتقل ولاؤه عن [موالي] (^٦) الأم إلى موالي الأب.
ومن نظيره أيضًا حربي أسلم ووالى مسلمًا ثم جنى جناية عقلت عنه … عاقلة الذي والاه، فإن ولاء الموالاة عندنا بمنزلة ولاء العتق فيحكم (^٧) عقل الجناية، ثم لا يكون له أن يتحوّل بولائه بعد الجناية؛ لأنها تأكدت بعقل الجناية عنه.
فإن عقلوا عنه ولم يُقض بها حتّى أُسر أبوه (^٨) من دار الحرب فاشتراه رجل فأعتقه جرّ ولاء ابنه؛ لأنّ ولاء العتق أقوى من ولاء الموالاة، فبعد ما ظهر لأبيه (^٩) ولاء عتق لا يبقى ولاء الموالاة في حقّه بل ينتفي حكمًا وتأكده لا يمنع ذلك بمنزلة الولاء الثابت بولاء (^١٠) أمه عليه، ثم لا ترجع عاقلة الذي كان والاه على عاقلة موالي الأب بشيء ولا تزول تلك الجناية عنهم وإن لم يكن قضى بها عليهم؛ لأن هذا ولاء حادث بسبب جديد وهو إعتاق الأب، فلا يظهر أثره في الجناية السّابقة؛ لأنّ الولاء الثاني لم يكن في وقت الجناية بخلاف ظهور الحالة الخفية (^١١) كما في ولد الملاعنة على ما يجيء.
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن عمر القاضي أبو بكر البخاري ظهير الدين له فوائد على الجامع الصغير للحسام الشهيد تسمى الفوائد الظهيرية مات سنة تسع عشرة وستمائة. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ٢٠).
(٢) في (أ): لأن، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) المسألة فيها ثلاثة أقوال: الأول: وهو موافق للفقيه أبي جعفر الهندواني وهو مذهب أبي بكر البلخي والأستاذ ظهير الدين المرغيناني: أنه لا عاقلة للعجم. ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٨٤)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٦٤٦). الثاني: وهو مذهب بعض الحنفية وبه قال الحلواني: أن للعجم عاقلة عند التناصر. ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٨٤)، درر الحكام (٢/ ١٢٦). الثالث: وهو مذهب الجمهور وابن عابدين من الحنفية: أنه لا عاقلة للأعجمي ويؤدى عنه من بيت المال. ينظر: قرة عين الأخيار (٧/ ٢٢٣)، شرح مختصر خليل (٨/ ١٠)، الأم (٦/ ١٢٦)، المغني لابن قدامة (٨/ ٣٩٨).
(٤) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ح) هو الصواب.
(٥) في (ب): العبد، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٦) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ب): في حق حكم، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): أبواه، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (أ) و(ج): لابنه، وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(١٠) في (أ) و(ج): لموالي، وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(١١) في (ج): الحقيقية، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٠١ ]
ومن نظيره أيضًا الغلام إذا حفر بئرًا قبل أن يعتق أبوه ثم أعتق أبوه ثم سقط في البئر رجل بعد ما أعتق أبوه، فإنّ القاضي يقضي بالدية على عاقلة الأم ولا يجعل على عاقلة الأب من ذلك شيئًا؛ لأنّ الحادث بعد الحفر ولاء العتاقة فيعتبر بالملك، والحفر لو وجد في ملك ثم حدث فيه ملك آخر للغير قبل الوقوع، فإنّ (^١) الجناية لا تتحوّل إلى الملك الحادث بل تبقى في الملك الذي وجد فيه الحفر، فإنّ العبد إذا حفر بئرًا في طريق المسلمين بغير إذن مولاه فَقَبْلَ أن يقع فيه إنسان باعه ثم وقع في ملك المشتري إنسان فمات، فالضّمان على البائع لا على المشتري؛ لأنّ ملك المشتري حادث بعد الحفر؛ فكذا الولاء الحادث بعد الحفر يعتبر به فلا تتحول الجناية كذا في المبسوطين (^٢).
وإن ظهرت حالة خفية مثل دعوة ولد الملاعنة حوّلت الجناية إلى الأخرى وقع القضاء بها أو لم يقع؛ يعني إذا قتل ابن الملاعنة رجلًا خطأ فعقلت عنه عاقلة الأم، ثم ادّعاه الأب، ثبت نسبه منه ورجعت عاقلة الأم بما أدت على عاقلة الأب في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب بها؛ لأن النسب كان ثابتًا بالفراش وقد انقطع النسب عنه بقضاء القاضي، ولكن بقي أصل النسب موقوفًا على حقه (^٣) حتى إن ادّعاه غيره لم يثبت منه، وإذا ادّعاه هو ثبت النسب منه مع كونه مناقضًا وإن كذبته الأم في ذلك، وإنما يثبت النسب منه من وقت العلوق (^٤) لا من وقت الدّعوة، فتبيّن به (^٥) أن عقل جنايته كانت على عاقلة أبيه، وعاقلة الأم ما كانوا متبرعين فيما أدّوا بل أجبروا عليه بقضاء القاضي فثبت لهم حق الرّجوع على عاقلة الأب.
ومن نظيره أيضًا ما إذا مات المكاتب عن ولد حرّ ووفاء فلم يؤدّوا مكاتبته [حتى] (^٦) جنى ابنه، وابنه من امرأة حرّة مولاة لبني تميم والمكاتب لرجل من همدان، فعقل عنه جنايته قوم أمّه ثم أديت الكتابة، فإن عاقلة الأم يرجعون بما أدوا على عاقلة الأب؛ لأن عتق المكاتب عند أداء البدل يستند إلى حال حياته؛ فتبين أنه كان للولد ولاء من جانب الأب حين جنى وأن موجب جنايته على مولى أبيه فلذلك يرجعون على موالي الأب.
_________________
(١) في (ب): عن، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٤٠٩، ٤١٠).
(٣) في (ب): غيره، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) العلقة طور من أطوار الجنين؛ وهي قطعة الدم التي يتكون منها. ينظر: المصباح المنير (٢/ ٤٢٥)، المعجم الوسيط (٢/ ٦٢٢).
(٥) في (ج): فلا يتبين به، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٠٢ ]
وكذلك رجل أمر صبيًا ليقتل رجلًا فقتله وضمنت عاقلة الصبي الدّية رجعت بها على عاقلة الآمر؛ لأنّ الآمر مسبب مُتعَدّ فإنّه استعمل الصبي في أمر لحقه فيه تبعة، فيثبت لعاقلته حق الرّجوع بما أدّوا على الآمر، غير أنّه إن كان الأمر ثبت بالبينة فرجوعهم على عاقلة الآمر؛ لأنّ التسبيب في الجناية لا يكون فوق المباشرة، وإن كان ثبت الأمر بإقراره فإنهم يرجعون عليه في ماله في ثلاث سنين من وقت قضاء القاضي على الآمر أو على (^١) عاقلته، ولو لم يختلف حال الجاني ولكن العاقلة تبدّلت، كان الاعتبار في ذلك لوقت القضاء.
ومن نظيره ما إذا كان القاتل من أهل الكوفة وله بها عطاء ولم يقض بالدّية على عاقلته حتّى حول ديوانه [إلى البصرة] (^٢) (^٣)، فإنّه يقضى بالدّية على عاقلته من أهل البصرة (^٤)، وعلى قول زفر يقضى على عاقلته من أهل الكوفة، وهو رواية عن أبي يوسف أيضًا وقد ذكر هذا في الكتاب.
وكذلك لو كان رجل مسكنه بالكوفة فقتل رجلًا خطأ، فلم يقض عليه حتى تحول عن الكوفة واستوطن البصرة، فإنه يقضى بالدّية على عاقلته بالبصرة، ولو كان قضى بها على عاقلته بالكوفة لم ينتقل عنهم؛ لأن من لا عطاء له إذا كان سكن [مصرًا] (^٥) فعاقلته أهل ديوان ذلك المصر بمنزلة من له عطاء.
وكذلك البدوي إذا التحق في الدّيوان بعد القتل قبل قضاء القاضي فإنّه يقضى بالدّية على أهل الدّيوان، وإن كان ذلك بعد القضاء على عاقلته بالبادية لا تتحول عنهم، وإن كانت العاقلة واحدة فلحقها زيادة أو نقصان اشتركوا في حكم الجناية قبل القضاء وبعده (^٦).
فمن نظيره ما إذا قلَّت العاقلة بعد القضاء عليهم وبعد أخذ البعض منهم ضم إليهم أقرب القبائل في النّسب حتى يعقلوا معهم (^٧) لدفع الإجحاف، ولا يشبه تكثير العاقلة بعد القضاء بتحويل الرجل بعطائه من ديوان إلى ديوان؛ لأنّ العاقلة الأخرى غير الأولى ولا يجوز ذلك بعد القضاء، وأمّا ههنا فالذين يضمون (^٨) إلى الأولين يكونون بمنزلة الأتباع للأولين فلا تتبدل العاقلة باعتبارهم إلا فيما سبق أداؤه؛ أي لا اشتراك فيه.
_________________
(١) في (أ): وعلى عاقلته، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (أ): النصرة، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ): النصرة، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (ب):، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ج): أو بعده، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) في (أ): منهم، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): يضمنون، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٠٣ ]
وفي المبسوط: وإن قلت العاقلة فكان نصيب الرجل أكثر من ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم ضمّ إليه أقرب القبائل إليهم في النسب من أهل الديوان حتى يصيب الرجل في عطائه ما وصفنا؛ وهذا لأنّ في إيجاب الزيادة عليهم إجحافًا بهم، فللتحرز عن ذلك يضم إليهم أقرب القبائل منهم، كما ضممنا (^١) العاقلة إلى القاتل للتّحرز عن الإجحاف بهم؛ ولأنه متى حزبهم أمر ولا يتمكنون من دفع ذلك عنهم بأنفسهم، وإنّما يستعينون بأقرب القبائل إليهم، فإذا كانوا في بعض الأحوال يستنصرون بهم عند الحاجة فكذلك يضمون إليهم في تحمل العقل (^٢) عند الحاجة، كذا في المبسوط (^٣).
والله أعلم بالصواب.
* * *