(وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ) أي: في المسجد (وَإِنْ كَانَ فِي غَيرِ الصَّلَاةِ ضَمِنَ (^٧) (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ -﵀- (^٨).
أطلق الجلوس في غير الصَّلاة كما ترى، ولم يقيد أنَّ الجلوس كان للانتظار في الصَّلاة، أو للحديث، أو للنَّوم، والصحيح من الرواية: أن يكون الجلوس مقيدًا لا مطلقًا؛ لأنَّ أستاذ العلماء الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي -﵀- ذكر في «الجامع الصَّغير»: والصَّحيح من الجواب على قول أبي حنيفة -﵀-: إذا كان الجالس منتظرًا للصَّلاة فإنَّه لا يكون ضامنًا لما يعطب به لقوله -﵇-: «(المُنْتَظِرُ للصَّلاةِ فِي الصَّلاةِ (^٩) مادام ينتظرها» (^١٠).
_________________
(١) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٢٤)، بدائع الصنائع (٧/ ٢٧٩)، تبيين الحقائق (٦/ ١٤٦)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠٢).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤).
(٤) كذا في (أ)، والصواب (انقلبت) لموافقتها سياق الكلام.
(٥) القذف لغة: الرمي بالشيء؛ كالسهم والحصى والكلام. قذف بالحجارة: رمي بها، وقذف المحصنة، رماها بالفاحشة. يُنْظَر: العين (٥/ ١٣٥)، تهذيب اللغة (٩/ ٧٥)، المحيط في اللغة (٥/ ٣٧٦)، لسان العرب (٩/ ٢٧٧). وفي الاصطلاح: رمي مخصوص، وهو الرمي بالزنا صريحًا. يُنْظَر: الاختيار تعليل المختار (٤/ ٩٨)، تبيين الحقائق (٣/ ١٩٩)، البحر الرائق (٥/ ٣١).
(٦) يُنْظَر: تبيين الحقائق (٦/ ١٤٦)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٢).
(٧) بداية المبتدي (٢٤٩).
(٨) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٥).
(٩) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٥).
(١٠) رواه أحمد (٥/ ٤٥١)، برقم (٢٣٨٣٧)، بلفظ «منِ انتَظَرَ صلَاةً فهُوَ في صلَاةٍ حتى يصلي». ورواه أبو داود (١/ ٢٧٤)، في (كتاب الصلاة)، في (باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة)، برقم (١٠٤٦)، بلفظ «من جلَسَ مَجْلسًا يَنْتَظرُ الصّلَاةَ فهُوَ في صلَاةٍ حتى يُصَلّيَ). ورواه الترمذي (٢/ ٣٦٢)، في (كتاب أبواب الصلاة)، في (باب ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة)، برقم (٤٩١)، بلفظ «من جلَسَ مجْلِسًا ينْتَظِرُ الصّلَاةَ فهُوَ في صلَاةٍ». قال أبو عِيسى: وهَذَا حدِيثٌ حسَنٌ صحِيحٌ.
[ ٢٤ / ٢٦٧ ]
وإنَّما الخلاف: فيما إذا جلس لعمل] (^١) لا يكون له اختصاص بالمسجد من درس الفقه أو الحديث أو قراءة القرآن (^٢).
وذكر في «الذَّخيرة» بعدما ذكر الخلاف بينهم، فيما إذا قعد الرجل في المسجد لحديثٍ، أو نام فيه، أو قام فيه لغير الصَّلاة، أو مرَّ فيه مارًا لحاجة من الحوائج، فعثر به إنسان [فمات] (^٣) قال أبو حنيفة -﵀-: بأنَّه ضامن، وقال أبو يوسف ومحمَّد -رحمهما الله-: بأنَّه لا ضمان عليه، فقال: وأمَّا إذا قعد للعبادة بأن كان ينتظر للصَّلاة أو قعد للتَّدريس وتعليم الفقه أو الاعتكاف أو قعد يذكر الله ويسبحه ويقرأ القرآن فعثر به إنسان فمات هل يضمن على قول أبي حنيفة، لا رواية لهذا في الكتاب.
واختلف المتأخِّرون قال بعضهم: يضمن عند أبي حنيفة وإليه ذهب أبو بكر الرَّازي.
وقال بعضهم: لا يضمن، وإليه ذهب أبو عبدالله الجرجاني (^٤)، فأمَّا إذا كان يصلِّي فعثر به إنسان فإنَّه لا ضمان عليه سواء يصلِّي الفرائض أو التطوع؛ لأنَّ التطوع يصير فرضًا بعد الشُّروع.
قال الفقيه أبو جعفر في كشف الغوامض (^٥):
[سمعت] (^٦) أبا بكر البلخي - ﵀-[إن جلس لقراءة القرآن أو معتكفا في المسجد لا يضمن عندهم جميعا.
وذكر فخر الاسلام والصدر الشهيد (^٧) - رحمهما الله-: وفي الجامع الصغير] (^٨) إن جلس للحديث فعطب به إنسان (^٩) ضمن بالإجماع لأنَّه غير مباح له (^١٠).
_________________
(١) إلى هنا ينتهي السقط في (ب) في ثمانية ألواح تقريبا.
(٢) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٢٥)، تبيين الحقائق (٦/ ١٤٧)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠٢)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٥٩٦)، الفتاوى الهندية (٦/ ٤٤).
(٣) سقط في (ب).
(٤) هو: يوسف بن علي بن محمد الجرجاني، أبو عبدالله، فقيه، حنفي، تفقه على أبي الحسن الكرخي، كان عالما، تفقه على مذهب أبي حنيفة -﵁- وأصحابه، ومن تصانيفه: خزانة الأكمل في ست مجلدات. (ت ٥٢٢ هـ). يُنْظَر: الجواهر المضية (٢/ ٢٢٨)، تاج التراجم (١/ ٣١٨)، معجم المؤلفين (١٣/ ٣١٩).
(٥) كتاب كشف الغوامض، لأبي جعفر الهنداوني الفقيه ذكر فيه: بعض ما أورده مُحَمَّد الشَّيْبَانِيّ في: الجامع الصغير. (ت ٣٦٢ هـ). يُنْظَر: كشف الظنون (٢/ ١٤٩٣).
(٦) كذا في (ب) وهي مثبتة في هامش (أ).
(٧) أبو محمد عمر بن عبد العزيز بن مازة، برهان الأئمة، ذكره صاحب الهداية، تفقه على والده وله الفتاوى الصغرى والفتاوى الكبرى، ومن تصانيفه شرح الجامع الصغير المطول، أستاذ صاحب المحيط سمع منه، وتفقه عليه العلامة أبو محمد عمر بن محمد بن عمر العقيلي. (ت ٥٣٦ هـ) يُنْظَر: الجواهر المضية (١/ ٣٩١)، تاج التراجم (١/ ٢١٧).
(٨) زيادة في (ب).
(٩) وفي (ب) (رجل).
(١٠) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٢٤٧، ٢٤٨)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٢).
[ ٢٤ / ٢٦٨ ]
فعلى هذا ما ذكره في الكتاب بقوله: (وَلَو كَانَ جَالِسًا لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ أَو للتَّعْلِيمِ (^١) إلى قوله: (فَهُوَ عَلَى هَذَا الاخْتِلَافِ (^٢) مخالفًا لهذه الروايات المذكورة والله أعلم بصحته له (^٣).
(أَنَّ المَسْجِدَ بُنِيَ للصَّلَاةِ (^٤) إلى آخره.
فإن قلت: أن المسجد كما بني للصَّلاة، كذلك بني لذكر الله تعالى، وتسبيحه، والاعتكاف [فيه] (^٥)، قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ (^٦) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (^٨) عُلم (^٩) بهذه الآيات أنَّ المسجد (^١٠) كما بني لإقامة الصَّلاة، بني لإقامة هذه القُرب أيضًا، ثم لو عثر به إنسان في حال إقامة الصَّلاة [لا يضمن] (^١١) بالاتفاق، فيجب أن يكون كذلك فيما إذا قعد لإقامة هذه القرب أيضًا، لوجود موجب التَّسوية بينهما على ما ذكرنا (^١٢).
قلت: لا كلام في أنَّ كل واحد مأذون في ذكر اسم الله تعالى وتسبيحه، ومأجور فيهما في المساجد، لكن مع قيد السَّلامة، كما لو وقف في الطَّريق لإماطة الأذى عن الطَّريق ولدفع الظُّلم عن غيره فهو مثاب ومأجور مع هذين الفعلين على ما ذكرناه، ومع ذلك لو عطب به غيره [يضمن] (^١٣) فكان في الوقوف في الطَّريق مقيدًا بشرط السَّلامة فكذلك هنا.
_________________
(١) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٥).
(٢) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٥).
(٣) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٢٥)، الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٤، ١٩٥)، تبيين الحقائق (١٤٦، ١٤٧)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٢٤٧، ٢٤٨)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٤٢، ٢٤٣)، درر الحكام (٦/ ١٢ - ١٤)، مجمع الضمانات (٤١١).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٥).
(٥) سقط في (ب).
(٦) سورة النور آية (٣٦).
(٧) سورة البقرة من الآية (١١٤).
(٨) سورة البقرة من الآية (١٨٧).
(٩) كذا في (أ) وهي مثبتة في هامش (ب).
(١٠) وفي (ب) (المساجد).
(١١) سقط في (ب).
(١٢) يُنْظَر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٠١).
(١٣) زيادة في (ب).
[ ٢٤ / ٢٦٩ ]