لما فرغ من بيان أحكام القتل المتعلِّقة بالآدميين من كلِّ وجه شرع في بيان أحكامه المتعلِّقة بالآدمي من وجه دون وجه وهو الجنين، وهذا لأنَّ الجنين ما دام مُجنَّنًا في البطن ليست له ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الأم ولكنَّه منفرد بالحياة معد ليكون نفسًا له ذمَّة فباعتبار هذا الوجه يكون أهلًا لوجوب الحق له من عتق أو إرث أو نسب أو وصيَّة وباعتبار الوجه الأوَّل، وهو كونه جزء الأم لا يكون أهلًا لوجوب الحق عليه كذا في أصول الفقه لشمس الأئمة السرخسي -﵀- (^٩).
(غُرَّةُ (^١٠) المال: خياره كالفرس والبعير النجيب والعبد والأمة الفارهة. كذا في «المُغرب» (^١١).
وذكر في «مبسوط شيخ الإسلام» سُمِّيَ بدل الجنين غرة؛ لأنَّ الواجب عبد والعبد يسمى غرة. وقيل: لأنَّه أوَّل مقدار ظهر في باب الدية، وغُرَّة الشيء أوَّله كما سمي أول الشَّهر غرة وسمِّي وجه الإنسان [غرة لأنَّه أوَّل] (^١٢) شيء يظهر منه الوجه (^١٣).
_________________
(١) الهداية شرح البداية (٤/ ١٨٨).
(٢) أي: الصبي والمجنون، وللشافعي قول آخر: أن العاقلة تحمل عمده وخطؤه سواء. يُنْظَر: الأم؛ للشافعي (٧/ ٣١١)، الحاوي الكبير (١٢/ ٣١٧).
(٣) الهداية شرح البداية (٤/ ١٨٨).
(٤) لما روى البخاري في صحيحه (٥/ ٢٠١٩) عن علي -﵁- قال: «ألم تعلم أنَّ القَلَمَ رفِعَ عن ثلَاثَةٍ عن الْمَجْنونِ حتى يفِيقَ وعَنْ الصَّبيِّ حتى يدْرِكَ وعَنْ النَّائمِ حتى يَسْتَيْقظَ».
(٥) يُنْظَر: تحفة الفقهاء (١/ ٣٥١)، العناية شرح الهداية (١٥/ ٣١٣)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢١٦)، القوانين الفقهية (٧٧)، شرح مختصر خليل (٢/ ٢٤٨)، التنبيه (٦٦)، حلية العلماء (٣/ ١٤٣)، روضة الطالبين (٢/ ٣٦٦)، الشرح الكبير؛ لابن قدامة (٣/ ١٣)، الإنصاف؛ للمرداوي (٣/ ٢٩٣).
(٦) الهداية شرح البداية (٤/ ١٨٨).
(٧) الهداية شرح البداية (٤/ ١٨٨).
(٨) يُنْظَر: الحاوي الكبير (١٣/ ٧٠)، الهداية شرح البداية (٤/ ١٨٨).
(٩) يُنْظَر: أصول السرخسي (٢/ ٣٣٣).
(١٠) بداية المبتدي (٢٤٧).
(١١) المغرب في ترتيب المعرب (٢/ ١٠٠).
(١٢) مكررة في (أ).
(١٣) قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن في الجنين غرة. الإجماع (١٢٠). وينظر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣١٥)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢١٨)، تكملة البحر الرائق (٨/ ٣٨٩).
[ ٢٤ / ٢٣٧ ]
(وَالقِيَاسُ: أَنْ لا يَجِبَ شَيْءٌ (^١) قال في «الذَّخيرة»: وهو قول زفر.
وفي «المبسوط» ثم القياس في الجنين أحد شيئين:
إمِّا أن لا يجب فيه شيء؛ لأنَّه لم تعرف حياته وفعل القتل لا يتحقق إلا في محل هو حي والضَّمان بالشك لا يتحقق، ولا يقال الظَّاهر أنه حي أو معد للحياة؛ لأنَّ الظَّاهر حجَّة لدفع الاستحقاق دون الاستحقاق به، ولهذا لا يجب في جنين البهيمة (^٢) إلا نقصان الأم إن تمكن فيها نقصان وإن لم يتمكن لا يجب شيء.
والقياس: أن يجب كمال الدية؛ لأنَّ الضَّارب منع حدوث صفة الحياة فيه فيكون كالمزهق للحياة، وفيما يلزمه من البدل كولد المغرور فإنَّه حرٌّ بالقيمة لهذا المعنى؛ أنَّه منع حدوث الرق فمنه (^٣) ثم الماء في الرَّحم ما لم يفسد فهو مُعتَّد للحياة فيجعل كالحي في إيجاب الضَّمان بإتلافه كما يجعل بيض الصيد في حق المحرم كالصَّيد في إيجاب الجزاء عليه بكسره ولكنَّا تركنا القياس بالسُّنَّةِ وهي حديث حمل بن مالك على ما يجيء (^٤).
وفي «الجامع الصَّغير» للإمام المحبوبي: حكي أن رجلًا سأل زفر عن هذه المسألة فقال زفر: فيه غرة عبد أو أمة فقال السَّائل: ولم والحال لا يخلو: إمَّا إن كان عُدِمَ الرُّوح بموته بضربةٍ أو ليس من ضربة بأن لم تُنفخ فيه الرُّوح فإن مات من ضربةٍ تجب دية كاملة، وإن كان عُدِمَ الروح لا من ضربة لا يجب شيء فسكت زفر، فقال له السائل: أعتقتك سائبة، فجاء زفر إلى أبي يوسف فسأله عنه فأجابه أبو يوسف بمثل ما أجاب زفر فحاجَّهُ بمثل ما حاجَّه السَّائل فقال: التعبد التعبد، أي: ثابت بالسُّنَّة من غير أن يدرك فيه بالعقل (^٥).