(وَمَنْ سَارَ عَلَى دَابَّتِهِ (^٢) إلى أن قال: (كَانَ ذَلِكَ عَلَى النَّاخِسِ دُونَ الرَّاكِبِ (^٣) يعني: إذا نخسها بغير إذن الرَّاكب.
فإن قلت: القياس يقتضي أن ينقلب الحكم، وهو أن يجب على الرَّاكب دون النَّاخس؛ لأنَّ الرَّاكب مباشر، والناسخ (^٤) مسبب، ألا ترى أن حرمان الإرث والوصيَّة ووجوب الكفارة أحكام مرتبة على المباشر، وذلك يثبت في حقِّ الرَّاكب دون غيره ممن باشر السَّبب من السَّوق والقَود، والإرسال، فلو لم ينقلب الحكم ينبغي أن لا يكون حكم المباشرة هنا أقل من التَّسبيب بأن يشتركا فيه.
ولا يتخلص عن هذا السؤال (^٥) بأن الرَّاكب غير متعدٍّ والناخس متعدٍّ لما أنَّه لا يشترط التعدي في حق المباشر في وجوب الضَّمان إنَّما ذلك في حقِّ المسبب، ألا ترى أنَّ النائم إذا انقلب على إنسان فقتله أو على مال إنسان فأتلفه يجب الضَّمان، والنَّائم لا يوصف بالتَّعدي وكذلك الرَّامي [في ملكه] (^٦) يجب عليه الضَّمان إذا أتلف برميه إنسانًا أو مالًا وهو متصرف في ملكه (^٧).
قلت: نعم كذلك إلا أن جواب هذا مندرج في تعليل الكتاب بقوله: (وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ وَالمَرْكَبَ مَدْفُوْعَانِ بِدَفْعِ النَّاخِسِ فَأُضِيْفَ فِعْلُ الدَّابَّةِ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِيَدِهِ (^٨)، وتفسير هذا الجواب ما أشار إليه في «الذَّخيرة» فقال: أنَّ الرَّاكب وإن كان مباشرًا إلا أنَّه مدفوع إلى ذلك غير مختار؛ لأنَّ الدَّابة هي التي وَثَبَت فصار فعل الرَّاكب منقولًا إلى الدَّابة، وإذا كان فعله منقولًا إليها لم يكن الرَّاكب مباشرًا؛ لأنَّ المباشر إذا كان مضطرًا في مباشرته لا تعتبر مباشرته أصلًا، فكان وجود الفعل منه بمنزلة وجود الفعل من الآلة التي هي الجماد، كما في الإكراه الكامل حيث ينتقل الفعل من المُكرَه إلى الذي أكرهه، ولا يكون للمكرَه فعل أصلًا، فكذلك هنا جعل فعل النَّاخس بمنزلة الدَّافع للدَّابة والرَّاكب معًا على ما فعلت الدَّابة، فلا يكون للرَّاكب فعل أصلًا، ولمَّا كان كذلك تعذر إيجاب الضَّمان هنا على الرَّاكب بالمباشرة وتعذر إيجابه بالتَّسبيب؛ لأنَّه لم يكن متعديًا في التسبيب، وأمَّا النَّاخس فمتعدٍّ في التَّسبيب فأوجب (^٩) الضَّمان عليه (^١٠).
_________________
(١) يُنْظَر: المغرب في ترتيب المعرب (٢/ ٢٩٣).
(٢) كذا في (أ) و(ب)، أما في متن البداية (دَابَّةٍ).
(٣) بداية المبتدي (٢٥١).
(٤) وفي (ب) (والناخس)، وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام.
(٥) وفي (ب) (للسؤال).
(٦) كذا في (أ) وهي مثبتة في هامش (ب).
(٧) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٥)، اللباب في شرح الكتاب (١٦٧).
(٨) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٢).
(٩) وفي (ب) (فأوجبنا).
(١٠) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٨٥)،
[ ٢٤ / ٣٠٣ ]
فإن قلت: قد ذكر قبل هذا [في الكتاب] (^١) (وَلا يَضْمَنُ) أي: الرَّاكب (مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا (^٢) ثم قال بعدَه: (وَقَالَ أَكْثَرُ المَشَايِخِ: إِنَّ السَّائِقَ لا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ [أَيْضًا] (^٣) (^٤)؛ لأنَّه لا يمكن التحرُّز عنه فلما كانت النَّفحة ممَّا لم يمكن التحرُّز عنها لِمَ وجب الضَّمان ههنا بسبب النَّفحة على النَّاخس؟
قلت: ذاك العذر إنَّما كان في السَّوق والنَّخس بالإذن وأمَّا إذا كان النَّخس بدون الإذن فلا (^٥).
وقال في المبسوط: وإذا نخس الرَّجل الدَّابة ولها سائق بغير إذن السَّائق، أي: نخس النَّاخس بغير إذن السَّائق، فنفحت رجلًا فقتلته فالضَّمان على النَّاخس وكذلك لو كان لها قائد؛ لأنَّ النَّاخس متعد في هب (^٦) التسبيب بغير أمر القائد والسَّائق وفي حق المتعدِّي لا فرق بين ما يمكن التحرًّز عنه وبين ما لا يمكن فلهذا لزمه ضمان ما نفحت بالرِّجْلِ أو الذنب.
فإن كانا أمراه بذلك فلا ضمان عليه ولا عليهما؛ لأنَّه غير متعد هنا بل هو سائق الدَّابة (^٧) بإذن صاحبها وليس على السَّائق ضمان النفحة فأضيف فعل الدَّابة وهو الإتلاف إليه أي إلى النَّاخس (^٨).
(وَلِأَنَّ النَّاخِسَ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيْبِهِ (^٩) وإنَّما قلنا: أنَّ النَّاخس مسبب؛ لأنَّ من عادة الدَّابة النفحة والوثبة عند النَّخس.
(لِمَا بَيَّنَّاهُ) وهو قوله: (لأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي تَسْبِيْبِهِ).
(وَالوَاقِفُ فِي مِلْكِهِ وَالَّذِي يِسِيْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (^١٠) أي: يجب الضَّمان عن النَّاخس في كلِّ حال.
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) بداية المبتدي (٢٥٠).
(٣) سقط في (ب).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ١٩٨).
(٥) وبه قال محمد. وعن أبي يوسف -﵀-: أنه يجب الضمان على الناخس والراكب نصفين لأن التلف حصل بثقل الراكب ووطء الدابة، والثاني مضاف إلى الناخس فيجب الضمان عليهما، وإن نخسها بإذن الراكب كان ذلك بمنزلة فعل الراكب لو نخسها، ولا ضمان عليه في نفحتها. يُنْظَر: المبسوط؛ للشيباني (٤/ ٥٥٩)، تحفة الفقهاء (٣/ ١٢٦)، الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٢).
(٦) وفي (ب) (هذا)، وهي الصواب لموافقتها سياق الكلام.
(٧) وفي (ب) (للدابة).
(٨) يُنْظَر: المبسوط؛ للشيباني (٤/ ٥٦٠)، المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٢).
(٩) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٢).
(١٠) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٢).
[ ٢٤ / ٣٠٤ ]
وإنَّما قيد بالملك هنا في الوقوف والسير؛ لأنَّه إذا كان الرَّاكب واقفًا في بعض الطَّريق الذي لم يؤذن في الوقوف فيه فضرب الدَّابة إنسان بإذنه فنفحت إنسانًا فالدية على الضَّارب والراكب نصفين (^١) على عاقلتهما؛ لأنَّ الضَّارب سائق وكل راكب سائق فاستويا فضمنا ولا كفارة عليهما فإنَّ القتل حصل بالتسبيب، فإنَّ الرَّاكب أُنزل مباشرًا فيما (^٢) يحصل بالسير دون ما يحصل بالنفحة كذا في «الإيضاح» (^٣).
وقوله: (وَالثَّانِي (^٤) أي: وطئ الدَّابة وهذا؛ لأنَّ النَّاخس كالسائق للدَّابة والسَّائق مع الراكب ضامنا لما أوطأت الدَّابة لما أنَّ التَّلف حصل بسببهما وهو ثقل الراكب فوطئ (^٥) الدَّابة من النَّاخس كما أنَّ الثقل من الرَّاكب فلذلك كان النَّاخس والرَّاكب يضمنان روى هذه الرواية ابن سمَّاعة عن أبي يوسف - ﵀- كذا في «المبسوط» (^٦).
(وَلا ضَمَانَ [عَلَيْهِ]) (^٧) أي: على النَّاخس (لأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ (^٨) أي: لأنَّ الراكب أمر النَّاخس بالذي يملكه الراكب؛ فإنَّ الراكب يملك نخس مركوبه حتى لو وجدت نفحة من نخس الراكب وتلف بها شيء كان لا يجب الضَّمان على الراكب، فكذا على مأموره الذي فعله بأمره وبين (^٩) النَّاخس؛ لأنَّه لما كان نخسه بأمره انتقل فعل النَّاخس إلى الرَّاكب فالرَّاكب لا يضمن فيه، فكذا النَّاخس.
(إِلَيْهِمَا) أي: إلى الرَّاكب والنَّاخس، وفي بعض النسخ: إليها، أي: إلى النخسة.
(وَلا يَتَنَاوَلُهُ مِن حَيْثُ إِنَّهُ إِتْلَافٌ) أي: لا يتناول الإذن السوق من حيث أن السوق إتلاف لوجود انفصال السَّوق عن الإتلاف وكم من سوق يوجد ولا إتلاف فيه.
_________________
(١) وفي (ب) (نصفان).
(٢) وفي (ب) (فلا).
(٣) يُنْظَر: العناية شرح الهداية (١٥/ ٣٨٦)، البناية شرح الهداية (١٣/ ٢٧٢، ٢٧٣).
(٤) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٢).
(٥) وفي (ب) (ووطئ).
(٦) يُنْظَر: المبسوط؛ للسرخسي (٢٧/ ٢).
(٧) سقط في (ب).
(٨) الهداية شرح البداية (٤/ ٢٠٢).
(٩) وفي (ب) (وهو).
[ ٢٤ / ٣٠٥ ]