واعتباره بالنساء وطلاق الحرة ثلاث، والأمة ثنتان.
باب الطلاق
الصريح هو كأنت طالق ومطلقة
_________________
(١) أمرها بيده يطلقها كيف يشاء صح وكان الأمر في يده بخلاف ما لو قال له: زوجني أمتك على ان أمرها بيدك فزوجها منه حيث لا يكون في يده كما في (الخانية) وفيها لو قال العبد إذا تزوجتها فأمرها في يدك أبدًا كان الأمر في يده ولا يمكنه إخراجه أبدًا وسيأتي نظيره في المحلل (واعتباره) أي: اعتبار عدده له (بالنساء وطلاق الحرة ثلاثًا) حرًا كان زوجها أو عبدًا. (و) طلاق (الأمة انثتان) حرًا كان زوجها أيضًا أو عبدًا لما أخرجه الترمذي وغيره (طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان) ولا خلاف في كونه مفردًا مضافًا فيعم كل أمة من غير نظر إلى حرية الزوج أو رقبته / ولا خلاف في اعتبار العدة بحال النساء والله الموفق بمنه وكرمه وجوده وإحسانه لإتمامه. باب الطلاق الصريح لما فرغ من بيان أصل الطلاق ووصفه شرع في بيان تنويعه كذا في (العناية) يعني تنويع ما به الإيقاع غلى الصريح والكناية فبدأ أولًا ببيان الصريح ثم اعقبه بالكناية وفي ٠الفتح) ما تقدم كان ذكر الطلاق نفسه وأقسامه الأولية السني والبدعي وإعطاء لبعض الأحكام تلك الكليات، وهذا الباب لبيان أحكام وجزئيات تلك الكليات فإن المورد فيه خصوص ألفاظ كانت طالق ومطلقة، وطلاق لإعطاء أحكامها هكذا أو مضافة غلى بعض المرأة وإعطاء أحكام الكلي وتصويره قبل الجزئي منزل منزلة تفصيل يعقب إجمالًا، (الصريح هو) لغة: إما من صرح خلص من تعلقات الغير وزنًا ومعنى فهو صريح وكل خالص صريح وهو الذي لا يفتقر إلى إضمار أو تأويل، أو من صرحه أظهره، وفقها: ما استعمل في الطلاق دون غيره وفي (التحرير) هو ما يثبت حكمه الشرعي بلا نية هو (كأنت طالق ومطلقة) بتشديد اللام ولو كان لها زوج طلقها قبل فقال: أردت ذلك الطلاق صدق ديانة باتفاق الروايات وقضاء في رواية ابي سليمان وهو حسن كذا في (الفتح)، وهو الصحيح كما في (الخانية)، ثم قال في (الفتح): وينبغي على قياس ما في العتق لو سماها طالقًا ثم
[ ٢ / ٣٢١ ]
وطلقتك،
_________________
(١) ناداها به لا تطلق أما بتحقيقها فيعطى حكم الكناية (وطلقتك) عدل عن قول القدوري فالصريح قوله أنت طالق إلخ لأن ظاهر الحمل يفيد أن لا صريح سوى ذلك وليس مرادًا، فمن أتى بالكاف المشعرة بعدم الحصر إيذانًا بأن منه غير هذه الألفاظ فيذكر منه مطلق التطليق بالمصدر، وعلى هذا فلا يصح ضبط الصريح بأنه ما اجتمع ف ط ل ق بصيغة التفعيل لا الأفعال إلا أن يقال: الوقوع بالمصدر لتأوله بطالق كذا في (الفتح). وأقول: عبارة القدروي فالصريح قوله أنت طالق غلى آخره وقوله أنت الطلاق إلى آخره وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكر، وقوله في (البحر): أن منه شئت ورضيت طلاقك ووهبته لك وكذا أودعتك ورهنتك وخذي طلاقك في الأصح ولا يفتقر إلى قولها أخذت كما في (البزازية) ظاهر في أنه فهم أن الصريح يكون بغير الثلاثة والمصدر وليس كذلك إذ الوقوع فيما ادعاه إنما هو بالمصدر على أنه في (تصحيح القدوري) نقل عن قاضي خان وهبتك طلاقك الصحيح فيه الوقوع انتهى، ففي أودعتك ووهبتك بالأولى، وسيأتي أن رهنتك كناية وفي (المحيط) لو قال: رهنتك طلاقك قالوا: لا يقع لأن الرهن لا يفيد زوال الملك وعلل في (الصيرفية) الوقوع بأن الرهن والإيداع لا يكونان إلا في الموجود، وفي أعرتك صار الأمر بيدها كقولي أنا طالق وكذا إذا بدل الطاء تاء والقاف عينًا أو غينًا أو كافًا أو لامًا ولم يصدق أنه لم يرد الطلاق إلا إذا أشهد على ذلك قبل التكلم سواء كان عالمًا أو جاهلًا وعليه الفتوى، وقوله أنت أطلق من فلانة كناية كما في (الولوالجية) فإن كان جوابًا لقولها إن فلانًا طلق امرأته وقع ولا يدين كما في (الخلاصة) لأن دلالة الحال قائمة مقام النية حتى لو لم تكن قائمة لم يقع غلا بالنية وأما طلقك الله ففي (النوازل) أنه يقع وبه جزم في (المحيط) معللًا بأنه لا يطلقها الله إلا وهي طالق وشرط النية في موضع آخر. قال في (الفتح): وهو الحق، وفيه لو قال: أطلقك لم يقع إلا إذا غلب استعماله في الحال وفي (الصيرفية) لو كان جوابًا لسؤالها الطلاق وقع عند مشايخ سمرقند كأنه لأن سؤالها إياه معينة للحال لكن ينبغي أن لا يختلف في عدم الوقوع فيما إذا قرنه بحرف التنفيس إلا إذا نواه فتكون السين لمجرد التأكيد نحو (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ([الضحى: ٥] واختلف في قوله طلاقك على واجب أو لازم أو ثابت أو فرض فرجح بعضهم عدم الوقوع في الكل وفي (البزازية) هو المختار وفي (الواقعات) الأصح الوقوع وفي (فتاوى الخاصي) أنه المختار، قال في (الفتح): وقد تعورف في عرفنا الحلف بالطلاق يلزمني لا أفعل كذا يريد إن فعلته لزم الطلاق ووقع
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وتقع واحدة رجعية، وإن نوى الأكثر أو الإبانة،
_________________
(١) فيجب أن يجري عليهم لأنه صار بمنزلة قوله إن فعلت فأنت كذا، وكذا تعارف أهل الأرياف بقوله على الطلاق لا أفعل كذا انتهى، ويؤيده ما سيأتي في قوله كل حل على أنه حرام أو أنت علي حرام أو حلال الله علي حرام حيث قال المتأخرون: وقع بائن بلا نية لغلبة الاستعمال بالعرف، ولو قال: علي الطلاق أو الطلاق يلزمني أو الحرام ولم يقل لا أفعل كذا لم أجده في كلامهم وفي (الفتح) لو قال: طلاقك علي لا يقع وفي (تصريح القدوري) ومن الألفاظ المستعملة في مصرنا وريفنا الطلاق يلزمني والحرام يلزمني وعلي الطلاق وعلي الحرام. قال في (المختارات): وإن لم / يكن له امرأة يكون يمينًا فتجب الكفارة بالحنث وهكذا ذكر الشهيد في (واقعاته) وبه كان يفتي الإمام الأوزجندي وكان نجم الدين النسفي يقول: غن الكلام يبطل ولا يجعل هذا يمينًا انتهى. قيد بخطابها لما في أيمان (البزازية) قال لها: لا تخرجي من الدار غلا بإذني فإني حلفت بالطلاق فخرجت لا يقع لعدم ذكر حلفه بطلاقها ويحتمل الحلف بطلاق غيرها والقول له انتهى. ولو قال: فلانة طالق ولم ينسبها أو نسبها إلى ابنها أو أمها أو أختها أو ولدها وامرأته بذلك الاسم والنسب فقال: عنيت غيرها لم يصدق قضاء ولو سماها بغير اسمها لم تطلق إلا بالنية، وعلى هذا لو حلف لدائنه فقال: إن خرجت من البلد قبل أن أعطيك فامرأته فلانة كذا واسم امرأته فلانة غيرها لا تطلق إذا خرجت قبله ولم يقيد لام طالق بالكسر إيماء غلى أنه لو فتحها وقع أيضًا ولو كان تركيًا فقال: أردت به الطحال لأنه لغتي لم يصدق كما في (الخانية) وفيها لو حذف القاف فإن كسر اللام أو كان ذلك في مذاكرة الطلاق وقع بلا نية، وإلا توقف عليها ووجه الوقوع بأنه ترخيم قال في (الفتح): وهو غلط لأنه إنما يكون اختيارًا في هذا وفي غيره اضطرارًا في الشعر انتهى. وأقول: الترخيم لغة: يقال على مطلق الحذف كما نص عليه الجوهري وغيره وهو المراد هنا لو قال: يا طال بكسر اللام وقع بلا نية كذا في ٠الخانية٩ أيضًا أقول: وينبغي أن يكون الضم كذلك إذ هو لغة من ينتظر بخلاف (الفتح) فإنه يتوقف على النية وفي (البحر) لو حذف اللام أو الطاء معها لم يقع، (ويقع) بما ذكر من الألفاظ الثلاثة (واحدة رجعية وإن نوى الأكثر أو الإبانة) لا بالصريح مطلقًا لما سيأتي من أنه لو نوى بالمصدر منه الثلاثة صحت نيته، أما وقوع الواحدة ولو نوى الأكثر فهو ظاهر الرواية، وإليه رجع الإمام وكان الإمام يقول أولًا: بأنه يقع ما نوى وبه قالت الأئمة الثلاثة، لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه ووجه المرجوع إليه أن هذا الخبر أعني: أنت
[ ٢ / ٣٢٣ ]
أو لم ينو شيئًا،
_________________
(١) طالق نقله الشارع إلى إنشاء الواحدة لأنه لا يفهم منه لازمته أعني احتمال الصدق والكذب فجعله موقعًا به ما شاء استعماله في غير المنقول إليه، قيد بنيته لأنه لو قال: جعلتها بائنة أو ثلاثًا كانت كذلك عند الإمام، ومعنى جعل الواحدة ثلاثًا على قوله أنه ألحق بها اثنتين لا أنه جعل الواحدة ثلاثًا كذا في (البدائع)، ووافقه الثاني في البينونة دون الثلاث ونفاهما الثالث ولو راجعها ثم قال جعلتها بائنة لأنه لا يملك إبطال الرجعة وعلى هذا تفرع ما في (اليتيمة) لو طلقها واحدة ثم قال: جعلتها بائنة رأس الشهر إن لم يراجعها فهي بائنة لا إن راجعها بخلاف ما لو قال: جعلتها ثلاثًا رأس الشهر حيث يكون مطلقًا والفرق بين لمن تدبر، ولو علق طلاقها بدخول الدار ثم قال قبل الدخول: جعلتها بائنة ثلاثًا فهو لغو وأما وقوع الرجعي بها ولو نوى الإبانة بنيته إياها قصد بهذا اللفظ تنجيز ما علقه الشرع بانقضاء العدة فرد عليه قصده قيل: هذا مقيد لما إذا لم يعرض عارض كتسمية مال أو ذكر وصف على ما سيأتي. قال في (الفتح): وقد يقال: الصريح هو المقتصر عليه من ذلك فلا حاجة إلى القيد لكن جعل (البدائع) الصريح على قسمين: رجعي وبائن والثاني: ما كان بحروف الإبانة أو بحروف الطلاق قبل الدخول أو بعده مقرونًا بالثلاث نصًا أو إشارة أو موصوفًا بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها، والرجعي: بخلافه وهو الظاهر، للقطع بأنه قبل الدخول أو على مال أو نحو ذلك ليس كناية وإلا لاحتاج إلى النية أو دلالة الحال، فتعين أن لا يكون صريحًا إذ لا واسطة بينهما وفي (القنية) لو قال: على أن لا رجعة لي عليك فبائنة ولو قال: ولا رجعة لي عليك فرجعية، فإن قلت: لو قال وإن نوى غيرها لكان موفيًا بالمراد مع أخصريته؟ قلت: لو قاله لاقتضى إطلاقه وقوع الواحدة الرجعية فيما إذا نوى الطلاق عن وثاق وكان مكرهًا لصدق الغيرية بذلك والحكم أنه لا يقع شيء ويقبل منه ذلك قضاء أيضًا كما في ٠فتح القدير) وسياتي بقية تفاريعه، (أو لم ينو شيئًا) لأن المعنى لا يحتاج إلى النية يعني إذا لم ينو شيئًا اصلًا يقع ولم يقل أو لم ينوهما لئلا يرد عليه ما لو نوى غيرهما بأن نوى الطلاق عن وثاق فإنه يصدق ديانة أما عن العمل فلا إلا في رواية، ولو صرح بالمنوي ففي العمل لا يصدق قضاء وفي الوثاق بفتح الواو وكسرها بمعنى القيد يصدق لأنه يستعمل قليلًا وهذا الإطلاق قيده في (المحيط) بما إذا لم يقرنه / بالثلاث أما غذا قال أنت طالق من هذا القيد ثلاثًا لم يصدق في القضاء أنه لم ينو طلاقًا لأنه لا يتصور رفع القيد ثلاث مرات فانصرف إلى قيد النكاح كيلا يلغو انتهى، وهذا التعليل يفيد اتحاد الحكم فيما لو قال: مرتين.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
ولو قال: أنت الطلاق
_________________
(١) قال في (البحر): وفي قولهم لو قرن بالعمل وقع قضاء دلالة على أنه لو قال: على الطلاق من دراعي كما يحلف به العوام أن يقع قضاء بالأولى ثم قال: والحاصل أن قولهم الصريح لا يحتاج إلى النية إنما هو في القضاء أما في الديانة فمحتاج إليها لكن وقوعه في القضاء بلا نية بشرط أن يقصدها بالخطاب بليل ما قالوه لو كرر مسائل الطلاق بحضرة زوجته ويقول: أنت طالق ولا ينوي لا تطلق، وفي متعلم يكتب ناقلًا من كتاب رجل قال: ثم يقف ويكتب امرأتي طالق وكلما كتب قرن الكتابة بالتلفظ يقصد الحكاية لا يقع عليه وفي (القنية) امرأة كتبت أنت طالق ثم قالت لزوجها: اقرأ علي هذا فقرأ لا تطلق، وما في (الفتح) ولا بد من القصد بالخطاب بلفظ الطلاق عالمًا بمعناه أو بالنسبة غلى الغائبة كما يفيده. فروع: وذكر ما ذكرناه فليس بصحيح نه صرح بالوقوع قضاء فيمن سبق لسانه وإن كان شرطًا للوقوع ديانة لا قضاء فكذلك لأنه يقتضي الوقوع قضاء فيما لو كرر مسائل الطلاق بحضرتها وفي المتعلم فالحق ما اقتصرنا عليه انتهى، وأقولل: هذا وهم بل هو صحيح وذلك أنه أراد أنه شرط للوقوع قضاء وديانة فخرج ما لا يقع به لا قضاء ولا ديانة كمن كرر مسائل الطلاق وما يقع فيه قضاء فقط كمن سبق لسانه، وبه عرف أنه لا يرد عليه من سبق لسانه لأنه لا يقع فيه ديانة كما أفصح عنه في (الفتح) في آخر كلامه حيث قال: وقد يشير إليه أي: إلى الوقوع قضاء فقط في (الخلاصة) بعد ذكر ما لو سبق لسانه ولو كان بالعتاق يدين انتهى، يعني ولا فرق بين الطلاق والعتاق وبهذا يبطل قوله في (البحر) أن الوقوع في القضاء بشرط أن يقصد خطابها لظهور أن من أراد أن يقول: اسقني فسبق لسانه بالطلاق ولم يقصد خطابها بع فعم الهازل يقع عليه قضاء وديانة لأنه مكابر فاستحق التغليظ. وفي (البزازية) لقنته الطلاق بالعربية وهو لا يعلم أو العتاق أو التدبير أو لقنها الزوج الإبراء عن المهر ونفقة العدة بالعربية وهي لا تعلم، قال الفقيه أبو الليث: لا يقع ديانة، وقال المشايخ أوزجند: لا يقع اصلًا صيانة لأملاك الناس عن الإبطال بالتلبيس وكما إذا باع أو اشترى بالعربية وهو لا يعلم، والبعض فرقوا بين البيع والشراء والطلاق والعتاق والخلع والهبة باعتبار أن للرضا أثر في وجود البيع لا الطلاق، والهبة تمامها بالقبض وهو لا يكون إلا بالتسليم وكذا لو لقنت الخلع وهي لا تعلم وقيل: يصح الخلع بقبولها والمختار ما ذكرنا وكذا لو لقن المديون الدائن الإبراء عن الدين بلسان لا يعرفه الدائن لا يبرأ فيما عليه الفتوى نص عليه في (هبة النوازل) انتهى، ولا خلاف أنه لو أراد شيئًا فجرى على لسانه النذر يلزمه أو الكفر لا يلزمه، (ولو قال: أنت الطلاق)
[ ٢ / ٣٢٥ ]
أو أنت طالق الطلاق، أو أنت طالق طلاقًا تقع واحدة رجعية بلا نية، أو نوى واحدة، أو ثنتين وإن نوى ثلاثًا فثلاث،
_________________
(١) أو طلاق (أو) قال: (أنت طالق الطلاق، أو أنت طالق طلاقًا يقع عليه) بهذه الأفاظ (واحدة رجعية بلا نية، أو نوى واحدة، أو اثنتين) قيده في (النهاية) بما إذا لم ينوهما بالتوزيع أما إذا نواهما به بأن نوى بالمصدر واحدة أخرى وقعتا رجعيتين وهو يروى عن الثاني وبه قال أبو جعفر، ومقتضى الإطلاق عدم الصحة وبه قال قفخر الإسلام لأن طالقًا نعت وطلاقًا مصدر فلا يقع إلا واحدة وكذا في أنت طالق الطلاق. قال في (الفتح): ويؤيده أن طلاقًا نصب ولا يرفع بعد صلاحية اللفظ لتعذره وصحة الإرادة به ليست إلا بإهدار لزوم صحة الإعراب في الإيقاع من العالم والجاهل انتهى، وسيأتي أنه المرجح في المذهب (وإن نوى ثلاثًا فثلاث) أما بالأولى فلأن المصدر حيث استعمل في الطلاق كان الغالب إرادة الاسم به كرجل عدل ومن ثم كان صريحًا فيه ويحتمل أن يراد أنت ذات طلاق أو أنه جعلها عينه ادعاء مبالغة وبتقديرها تصح الثلاث ولما كان هذا من محتملات اللفظ توقف على النية، وبهذا اندفع ما أورد من أنه إذا أريد به الاسم يلزم أن لا تصح نية الثلاث والجواب بما أشرنا إليه أوجه مما قيل أنه وإن أريد به الاسم لم يخرج عن كونه مصدرًا لأن الإرادة باللفظ ليست إلا باعتبار معناه فإذا فرض أن معناه الذي أريد به ليس إلا ما يصلح إرادته معه فكيف يراد به ذلك الذي لا يصلح كذا في (الفتح) ملخصًا. واعلم أن نية الثلاث إنما صحت باعتبار أنها جنس / واحد بخلاف الاثنتين في الحرة فإنها عدد محض وألفاظ الوحدان لا يراعى فيها العدد المحض بل التوحيد وهو بالفردية الحقيقة والجنسية والمثنى بمعزل عنهما وأفاد في ٠البحر) أنه لو كان طلقها واحدة فنوى الاثنتين لم يقع إلا واحدة كما في ٠الخانية) لو طلق الحرة ةاحدة ثم قال: أنت بائن ناويًا الاثنتين لم يقع إلا واحدة وعلله في (البدائع) بأن الباقي ليس كل جنس طلاقها وما في (الجوهرة) أنه إذا تقدم على الحرة واحدة فإنه يقع اثنتان إذا نواهما يعني مع الأولى فسهو ظاهر انتهى. وأقول: فيه نظر لأنه إذا نوى الاثنتين مع الأولى فقد نوى الثلاث وإذا لم يبق في ملكه الاثنتان وقعتا وقصر الطحاوي نية الثلاث على المعرف أما المنكر فتقع به واحدة لا أصل له في الرواية المهورة بل لا فرق بينهما كما قال الخصاف، وأما الباقي فظاهر لأن ذكر النعت وحده يقع به مع المصدر المؤكد له أولى غير أن وقوع الثلاث بطالق طلاق إن لم يكن بالمصددر ويلغو طالق في حق الإيقاع كما إذا ذكر معه العدد وإن الواقع إنما هو بالعدد وإلا فمشكل فإنه حينئذ يقع به واحدة وإن نوى
[ ٢ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) الثلاثة، ويجب أن يكون طالق الطلاق مثله وإن لم يذكر إلا في المنكر قيدنا نية الاثنتين بمجموعهما كذا في (الفتح). تتميم: في (مغنى الليث) كتب الرشيد إلى أبي يوسف ليسأله عن قول القائل: فإن ترفقني يا هند فالرفق أيمن وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم ماذا يلزمه إذا رفع الثلاث أو نصبها؟ قال أبو يوسف: فقلت هذه مسألة نحوية فقهية ولا آمن الخطأ فيها إن قلت فيها برأيي فأتيت الكسائي وهو في فراشه فسألته فقال: إن رفع ثلاثًا وقعت واحدة لأنه قال أنت طالق ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث وإن نصبها طلقت ثلاثًا لأن معناه أنت طالق ثلاثًا وما بينهما جملة معترضة فكتبت بذلك غلى الرشيد فأرسل إلي جوائز فوجهتها إلى الكسائي، قال ابن هشام: والصواب أن كلًا من الرفع والنصب محتمل لوقوع الثلاث والواحدة أما الرفع: فلأن ال في الطلاق إما لمجاز الجنس كما تقول: زيد الرجل أي: هو الرجل المعتد به، وإما للعهد الذكري أي: وهذا الطلاق المذكور عزيمة ثلاث ولا تكون للجنس الحقيقي لئلا يلزم الإخبار عن العام بالخاص، كما يقال: الحيوان إنسان وذلك باطل إذ ليس كل حيوان إنسانًا ولا كل طلاق عزيمة وثلاث فعلى العهدية يقع الثلاث وعلى الجنسية يقع واحدة، وأما النصب: فلأنه محتمل لأن يكون على المفعول المطلق فيقتضي وقوع الثلاث إذ المعنى فأنت طالق ثلاثًا ثم اعترض بينهما بقوله والطلاق عزيمة ولأن يكون حالًا من الضمير المستتر في عزيمة فلا يلزم وقوعها لأن المعنى والطلاق عزيمة غذا كان ثلاثًا فإنما ما نواه كذا فيه تأمل هذا ما يقتضيه معنى هذا اللفظ وأما الذي أراده الشاعر فهو الثلاث لقوله بعد: فبيني بها إن كنت غير رفيقة وما لامرئ بعد الثلاث مقدم انتهى ملخصًا، وفيه أبحاث الأول: أن من شرط الاجتهاد معرفة العربية وأساليبها لأنه يقع في الأدلة السمعية واتصاف ابي يوسف به يبعد أن يحتاج مع إمامته وجلالته في مثل هذا التركيب غلى غيره والذي نقل أهل الدار خلاف هذا ففي (المبسوط) ذكر ابن سماعة أن الكسائي بعث إلى محمد بفتوى فرفعها إلي فإذا فيها ما مر وأنه أجاب بما سبق كذا في (الفتح) قلت: وهو المروي في (تاريخ الخطيب البغدادي)
[ ٢ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) كما ذكره الحافظ السيوطي في (حاشية المغني)، الثاني: نازعه ابن الصائغ في منع كونها للجنس الحقيقي وكان وجهه أنه لا يلزم ما ادعاه إذ المعنى كل طلاق يملكه عليها تام الثلاثة ثلاث، الثالث: أنه سوى بين احتمالي الرفع مع أن الظاهر كما قال البهاء السبكي في (شرح التلخيص) وقوع الثلاث لكون النكرة أعيدت معرفة فتكون هي الأولى كما قرره علماء البيان وعليه جرى في (فتح القدير)، ثم قال: فجواب محمد بناء على ما هو الظاهر كما يجب في مثله من حمل اللفظ على الظاهر وعدم الالتفات إلى الاحتمال، وأنت خبير بأن هذا إنما يتم لو كان جوابه مطابقًا لما ادعاه لكنه مخالف كما قد علمته إلا أن يكون قوله فجواب محمد حينئذ مقصور على النصب كما سيأتي، الرابع: أن يكون النصب على المفعولية المطلقة يقتضي وقوع الثلاث إنما يتم أن لو كانت اللام للعهد أما إذا كانت للجنس وثلاثًا مفعول مطلق للثاني فلا قاله الشمني، الخامس: أنه يجوز أن يكون/ النصب على التمييز من الأول كما قال القرافي في (قواعده). ثم قال: فإن قلت: يمكن أن يكون منصوبًا على الحال من الثاني أيضًا أي: الطلاق معزوم عليه في حال كونه ثلاثًا أو تمييزًا له فلم خصيتموه بالأول؟ قلت: لأنه منكر يحتمل بسبب تنكيره جميع مراتب الجنس وأعداده وأنواعه من غير تنصيص على شيء من ذلك لأجل التنكير فاحتاج للتمييز ليحصل المراد من ذلك المنكر المجهول، وأما الثاني فمعرفة استغنى بتعريفه واستغراقه الناشئ عن اللام التفريق عن البيان فهذا هو المرجح انتهى. السادس: أن عدم وقوعها بتقدير أن يكون حالًا من المستتر في عزيمة ممنوع بل يحتمل وقوع الثلاث أيضًا بجعل ال فيه للعهد الذكري كأنه قال: والطلاق الذي ذكرت ليس بلغو ولا لعب بل معزوم عليه حال كونه ثلاثًا ولا يقدر حينئذ إذا كان بل إذا كان قاله الدماميني وأجاب الشمني بأنه إنما نفى لزوم الثلاث وهو صادق، السابع: أنه سوى بين الاحتمالين مع أن الظاهر هو الأول ولقلة الفائدة في إرادة أن الطلاق عزيمة إن كان ثلاثًا كذا في (فتح القدير) وقول الشارح في وجه الرفع الطلاق مبتدأ وثلاث خبره وعزيمة إن رفعها خبر وإن نصبها حال معناه
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وإن أضاف الطلاق إلى جملتها، أو إلى ما يعبر به عنها كالرقبة، والعنق، والروح،
_________________
(١) أن الثلاث خبر ثان كما قال الزجاج وابن يعيش وجواز أن يكون بدلًا وأن يكون نصب عزيمة مع رفع الثلاث على احتمال فعل كأنه قال: والطلاق ثلاث أعزم عليه عزيمة ويجوز أن يكون التقدير والطلاق غذا كان عزيمة ثلاث كذا في (حاشية المغني) للسيوطي ولم يذكر كثير نصبها وعليه فالخبر محذوف أي: واقع. واعلم أن هذه التكلفات إنما يحتاج إليها بناء على ما قدمناه من أن طلاقًا من الصريح أما على أنه كناية كما قال الشافعية فالعبرة بما نواه سواء رفع أو نصب ثم في (شرح الشواهد) للجلال الجليل أيضًا الرفق ضد العنف يقال: رفق بفتح الفاء يرفق بضمها والخرق بالضم وسكون الراء الإثم من خرق بالكسر يخرق به (الفتح) خرقًا بفتح الخاء والراء وهو ضد الرفق وفي (القاموس) إن ماضيه بالكسر كفرح وبالضم ككرم وأيمن من اليمن وهو البركة وأشأم من الشؤم وهو ضد اليمن وذكر ابن يعيش أن في البيت الثاني حذف الفاء والمبتدأ أي: فهو أعق وإن تعليله واللام مقدرة أي: لأجل كونك غير رفيقة والمقدم مصدر ميمي من قدم بمعنى تقدم أي: ليس لأحد تقدم غلى العشرة والأفة بعد تمام الثلاث إذ بها تمام الفرقة، وهذا الجمع المحرر من خواص هذا الكتاب فنرجو أن يكون مقبولًا عند العزيز الوهاب، (وإن أضاف) أي: نسب (الطلاق إلى جملتها) كأنت طالق. قال في (العناية): هذا وإن عرف مما مر إلا أنه ذكره تمهيدًا لقوله (أو إلى ما يعبر به عن الجملة) يعني إلى الجزء الذي يعبر به عن الإنسان من حيث هو إنسان كذا في ٠الحواشي السعدية) وبه بندفع ما في (الفتح) من أن الإضافة في أنت طالق ورقبتك طالق إلى ما يعبر به عن الجملة وأن التحقيق أن ما يعبر به عن الجملة إما بالوضع أو التجوز لأنه بتسليمه يلزم عليه استعمال اللفظ أعني ما يعبر به عن الجملة في حقيقته وهو أنت طالق ومجازه وهو رقبتك طالق وأن الجملة الأولى حشو محض فتدبره، وبهذا التقرير علمت أن الإضافة إلى الجملة مقصورة على أنت طالق وأن ما عداه من أمثلة ما يعبر به عن الجملة فقول الشارح من الإضافة إلى الجملة أيضًا الروح والجسد والبدن ممنوع، أما الروح فلأنها جزء من الإنسان وكذا الجسد أيضًا باعتبار الروح وأما البدن فلأن الرأس والأطراف غير داخلين فيه بخلاف الجسد كذا فرق بينهما في (إيضاح الإصلاح) (كالرقبة والعنق) قال تعالى: (فتحرير رقبة ([النساء: ٩٢] أي: ذات وقال: (فظلت أعناقهم ([الشعراء: ٤] أي: ذواتهم (والروح)
[ ٢ / ٣٢٩ ]
والبدن، والجسد، والفرج، والوجه،
_________________
(١) والنفس يقال: هلكت روحه وقال تعالى: (النفس بالنفس ([المائدة: ٤٥] (والبدن والجسد والفرج) ومنه ما روي: (لعن الله الفروج على السروج) لكنه غريب جدًا وفي بضعك ما يقع وما في بعض النسخ من أنه يقع قال شمس الأئمة: تصحيف، وإنما هو بعضك وفي (الخلاصة) استك كفرجك بخلاف الدبر قال الإتقاني: وعندي فيه نظر لأن الاست بمعنى الدبر ورده في (فتح القدير) بأن البضع أيضًا بمعنى الفرج ويقع في الفرج دونه لجواز تعارف أحدهما في الكل دون الآخر (والوجه) والرأس قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ([الرحمن: ٢٧] أي: ذاته ويقال: أمري حسن ما دام رأسك سالمًا كذا في (الشرح) وعدل عن استدلال كثير بقوله يا وجه العرب ويا رأس القوم لأنه فاسد إذ معنى الأول أنك في العرب بمنزلة الوجه والثاني أن القوم كالجسد وفلان الرأس منه لا أنه عبر عن جملة العرب بالوجه وناداهم به وبفلان عن القوم كلهم قال في (الفتح): وهو مبني / على أن الاستعارة مكنية لكن يجوز أن تكون حقيقية بأن يكون شبه الرجل بالرأس لشرفه على سائر الأعضاء لكونه مجمع الحواس وبالوجه لظهوره وشهرته فأطلق عليه رأس القوم ووجه العرب أي: اشرفهم انتهى، وسكت عن الدم مع أنهم صححوا الكفالة به لما في (الخلاصة) الأصح أنه لا يقع به والعتق كالطلاق فكأنه تعورف إطلاقه على الكل في الكفالة كما يقال: دمه هدر دون غيره لكن صحح في ٠الجوهرة) الوقوع، والقلب والعين. وقد قال في (الظهيرية): لو أضاف إلى قلبها لا رواية لهذا في (الكتاب) وجزم الشارح بأنه لا يقع به إلا أن يتعارف إطلاقه في الكل وفي كفالة (فتح القدير) لم يذكر محمد ما إذا كفل بعينه قال البلخي: لا تصح كما في الطلاق إلا أن ينوي به البدن، والذي يجب أن يصح في الكفالة والطلاق إذ العين مما يعبر بها عن الكل يقال: عين القوم وهو عين في الناس ولعله لم يكن معروفًا في زمانهم، أما في زماننا فلا شك في ذلك، قيد بالإضافة إلى ما يعبر به عن الجملة لأنه لو قال: الرأس أو الوجه منط طالق أو وضع يده على أحدهما أو قال: هذا العضو طالق لم يقع في الأصح كذا في ٠الشرح) وفي ٠الخانية) لو قال: هذا الرأس طالق وأشار إلى رأس امرأته فالصحيح أنه يقع كما لو قال: رأسك هذا طالق ولهذا لو قال لغيره: بعت منك هذا الرأس بألف درهم وأشار غلى رأس عبده فقال المشتري: قبلت جاز البيع، وعليه فالإضافة إلى ما يعبر به عن الكل ليست مقصورة على الإتيان بضمير المخاطبة بل قد يكون بالإشارة إليه أيضًا وكأن هذا هو السر في عدم إتيان المصنف بضمير المخاطبة، ولو نوى اقتصار الطلاق على ذلك العضو قال الحلواني: لم يبعد أن يصدق، قال في (الفتح):
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أو إلى جزء شائع منها كنصفها، أو ثلثها تطلق، وإلى اليد والرجل والدبر لا،
_________________
(١) وينبغي أن يكون ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، أما في القضاء إذا كان التعبير به عرفا مشهورا لا يصدق وسيأتي ما يؤيده، (أو) أضافه (إلى جزء شائع منها كنصفها وثلثها) لأنه محل لسائر التصرفات فيكون محلا للطلاق إلا أنه لا يتجزأ فيثبت في الكل. قال في (البحر): والتقييد بالشائع ليس بالاحتراز عن المعين لما في (الخلاصة) لو قال: نصفك الأعلى طالق واحدة ونصفك الأسفل اثنتين وقعت المسألة ببخارى فأفتى بعضهم بوقوع الواحدة لأن الرأس في النصف الأعلى وبعضهم اعتبر الإضافتين لأن الفرج في الأسفل، وبه علم أنه لو اقتصر على أحدهما وقعت واحدة اتفاق وأقول: بل هو احتراز عن المعين الذي لا يعبر به عن الكل كما سيأتي والوقوع بالنصف الأعلى أو بهما ليس إلا باعتبار أن في كل منهما ما يعبر به عن الكل كما أفصح عنه التعليل، ثم ظاهر قوله وبعضهم اعتبر الإضافتين يعني فأوقع الثلاث واحدة بالأول واثنتين بالثاني وبه عرف أن قوله: لو اقتصر على أحدهما وقعت واحدة اتفاقا ممنوع في الثاني كما هو الظاهر، (تطلق) ظاهر الكلام أن المضاف إلى الجزء المعبر به عن الكل. (وإلى) الجزء الشائع صريح إذا لم يشرط في الوقوع به النية وهذا يؤيد ما مر من أنه لا يصدق قضاء لو نوى غيره إذا كان التعبير به عرفا مشتهرا وأن إضافة (اليد والرجل والدبر) مما لا يعبر به عن الجملة، كالشعر والأنف والساق والفخذ والظهر والبطن واللسان والأذن والفم والصدر والذقن والسن والريق والحمل والقلب، (لا) أي: لا تطلق لأن هذه أتباع وذكر التبع لا يكون ذكرا للأصل بخلاف ما مر وأورد أنه جاء إطلاق اليد على الكل في قوله - ﷺ -: (على اليد ما أخذت حتى ترد) وأجيب بأن المراد صاحبها، وعندنا أنه إذا قال عنيت بها صاحبتها فهو على ما قال بخلاف السن ونحوه كذا قالوا. وفيه بحث من جهتين الأول: أن هذا التقرير ممكن في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ [النساء: ٩٢] ونحوه أي: فتحرير صاحب رقبة، الثاني أن تأنيث الفعل في الحديث يأباه ويمكن أن يجاب عن الأول بأنه لا محوج إليه والشرط موجود لأن الأخذ ينسب إلى اليد أيضا ولا كلام أنه في الآية لشيوع إطلاق الرقبة على الذات بخلافه في الحديث، وعن الثاني أجاب في (الحواشي السعدية) بأن التأنيث بناء على اكتسابه إياه من المضاف إليه والشرط موجود لأن الأخذ ينسب إلى اليد أيضا ولا كلام أنه إذا تعارف قوم التعبير بها عن الكل وقع بالإضافة إليها والعتاق
[ ٢ / ٣٣١ ]
ونصف التطليقة، أو ثلثها طلقة، وثلاثة أنصاف تطليقتين ثلاث،
_________________
(١) والظهار والإيلاء وكل سبب من أسباب الحرمة والعفو عن القصاص كالطلاق وما كان من أسباب الحل لا تصح إضافته إلى الجزء المعين الذي لا يعبر به عن الكل بلا خلاف ونصف الطلقة بالرفع على الابتداء وهو الظاهر لبعده عن التكلف البعيد والنصب على أنه صفة لمصدر محذوف يعني أنت طالق تطليقا نصف التطليقة/ هذا من حيث التركيب. (و) أما من حيث الإيقاع فهو أن يقول: أنت طالق (نصف التطليقة) وكذا قوله: (أو ثلثها) وعلى الثاني فقوله: (طلقة) خبر لمحذوف لأن ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله صونا لكلام العاقل عن الإلغاء ولذا جعل الشارع العفو عن بعض القصاص عفوا عن كل وخصوا النصف الثاني بالتمثيل لزيادة الإيضاح وإلا فكل جزء شائع كذلك ولذا يتكرر عليه لو قال: نصف تطليقة وثمن تطليقة بخلاف ما إذا قال: وسدسها وثمنها حيث يقع واحدة فقط لأن النكرة إذا أعيدت كذلك كانت غيرا وإن أعيدت معرفة كانت عينا إلا إذا زادت الأجزاء فتقع أخرى وهكذا وهو المختار كما في (المحيط) وغيره وفي (المبسوط) الأصح في اتحاد المرجع وإن زادت الأجزاء واحدة أن تقع واحدة فقط وفي (الظهيرية) أنت طالق ثلاثا إلا نصف تطليقة قيل: على قول أبي يوسف يقع اثنتان لأنها لا تجزأ في الاستثناء أيضا وعلى قول محمد تقع الثلاث لأن النصف في الطلاق يتجزأ في الإيقاع لا في الاستثناء ولو قال: تطليقة إلا نصفها تقع واحدة وهذا إشارة إلى ما قال محمد انتهى، يعني أن وقوع الواحدة في الفرع الثاني اتفاق وهو شاهد لمحمد وقد يمنع بأن وقوع الواحدة على قول الثاني لا من حيث تجزؤ النصف بل لا يتجزأ أيضا لكنه استثناء الكل من الكل فلغا. (وثلاثة أنصاف) طلقتين ثلاث لأن نصف التطليقتين واحدة فثلاثة أنصاف (تطليقتين ثلاث) تطليقات ضرورة قيل: ينبغي أن يقع اثنتان لأن التطليقتين إذا نصفتا كانت أربعة أنصاف فثلاثة منها طلقة ونصف فتكمل تطليقتين وأجيب بأن هذا التوهم منشؤه اشتباه قلنا: نصفها طلقتين وكلا من طلقتين والثاني هو الموجب للأربعة أنصاف واللفظ وإن كان يحتمله ولذا لو نواه دين لكنه خلاف الظاهر، ولقائل أن يقول هذا الكلام إما أن يكون حقيقة فيما أراد أو مجازا لا سبيل إلى الأول لأن اللفظ لا يستعمل فيما وضع له ولا إلى الثاني لعدم تصور الحقيقة وعدم الاتصال والجواب أنه مجاز وتصور الحقيقة ليس بشرط عند أبي حنفية والاتصال موجود لأنه من باب ذكر الجزء وإرادة الكل كذا في (العناية) وفيه بحث لأن تصور الحقيقة إذا لم يكن شرطا عنده فينبغي أن تكون المسألة خلافية ولم ينقلوه، وأيضا كون العلاقة
[ ٢ / ٣٣٢ ]
ومن واحدة، أو ما بين واحدة إلى ثنتين واحدة، وإلى ثلاث ثنتان
_________________
(١) هنا ما ذكر ممنوع إذ لا يعقل كون ثلاثة أنصاف جزء الشيء إلا أن يراد باعتبار المجموع وعرف من كلامه وقوع الثلاث فيما إذا زاد على ثلاثة أنصاف بالأولى، أما إذا قال: نصفي طلقتين فاثنتان كنصف ثلاث تطليقات كما في (الذخيرة) قيد بالتطليقتين لأنه لو أفرد وقعت طلقتان، وقيل: ثلاث والأول أصح كما في (العناية) وهو المنقول في (الجامع الصغير) والحاصل أن المضاف مع المضاف إليه إما أن يتحد إفرادا أو تثنية أو جمعا أو لا، فإن اتحد كنصف تطليقة واحدة ونصفي تطليقتين ثنتان وثلاث أنصاف أو أربعة أنصاف تطليقات ثلاث، وإن لم يتحد كنصف تطليقتين واحدة وتطليقات ثلاث وأربعة تطليقة واحدة وتطليقتين أو ثلاث اثنتان (و) في أنت طالق (من واحدة أو) قال (ما بين واحدة إلى اثنتين) تقع (واحدة و) قال: من واحدة (إلى ثلاث) يقع (اثنتان) وهو قول الإمام، وقالا: في الأول اثنتان وفي الثاني ثلاث ولم يوقع زفر بالأولى شيئا وأوقع بالثانية واحدة وهو القياس أي: قضية الأصل لا الأصولي. قال في (الهداية):لأن الغاية لا تدخل تحت المضروب له الغاية انتهى. وقد نص غير واحد على أن قولهما استحسان لكن قولهم في وجه قول الإمام أن مثل هذا الكلام متى ذكر في العرف يراد به الأكثر من الأقل والأقل من الأكثر يعني إذا كان بينهما عدد يفيد أن قوله استحسان أيضا، ومن ثم قال في (الفتح): إن قول كل من الثلاث استحسان بالعرف إلا أنهما أطلقا فيه وأبو حنيفة يقول: إنما وقع كذلك فيما مرجعه الإباحة كخذ من مالي أو بع من عبيدي ما بين مائة إلى ألف وكل من الحامض إلى الحلو أما ما أصله الحظر حتى ما يباح إلا لحاجة فلا والطلاق منه فكان قرينة على عدم إرادة الكل، قيل: إن الأصمعي حاج زفر عند باب الرشيد فقال له الأصمعي: ما تقول في رجل قيل له: كم سنك؟ فقال: من ستين إلى سبعين أيكون سنه تسع سنين؟ ونسب ذلك إلى الإمام غير أنه قال له: كم سنة فقال: ما بين ستين إلى سبعين فقال الإمام: سنك إذًا تسع سنين/. قال في (الفتح): وهذا يفيد أنه يجب أن يجيب فيما بين واحدة إلى ثلاث ونحوه بذلك ثم يقال كم سنك فيجيب بلفظ ما بين أن يقال: خمسة وستون ونحوه مع ظهوره ورود الإلزام حينئذ إلا وقد أعد جوابه فلم يكن حيث ينقطع، على أنه روي أنه قال عند إلزام الأصمعي: استحسن في مثل هذا يعني إرادة الأكثر من الأقل والأقل من الأكثر، وقد جمعت مسائل الغاية في هذا المقام بلغنا الله منها المرام ففي أنت طالق إلى سنة وقع بعد السنة إلا أن ينوي الوقوع للحال، وأمرك بيدك إلى عشرة أيام
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وواحدة في ثنتين، واحدة إن لم ينو، أو نوى الضرب،
_________________
(١) كان الأمر بيدها من هذا الوقت إلى عشرة أيام بحفظ الساعات، ولو نوى إذا مضت عشرة أيام لا يصدق قضاء كذا في (الخلاصة). والعتق والكفالة إلى شهر كالطلاق وعن الثاني أنه كفيل في الحال والفتوى على أنه كفيل بعد شهر كذا في (البزازية) وفي (التتارخانية) وغيرها أنت علي كظهر أمي إلى شهر لا يكون مظاهرا قبل، وفي (جامع الفصولين) حلف ليقضين دينه إلى خمسة أيام لا يحنث ما لم تغرب الشمس من اليوم الخامس وكذا لا يكلمه إلى عشرة أيام دخل العاشر، وكذا إن تزوجت إلى عشر سنين دخلت العاشرة وفي (الخلاصة) من الأمر باليد البيع إلى شهر تأجيل للثمن إلى شهر والوكالة تقبل التأقيت حتى لو تصرف بعد مضي الوقت لا يصح، وفي (فتاوى) شمس الأئمة يصير وكيلا بعد الشهر، وفي رواية يصير وكيلا مطلقا، أجرتك إلى شهر تثبت الإجارة في الحال وتنتهي بمضي الشهر، والمزارعة كذلك والصلح إلى شهر لا يصح والقسمة والشركة كالإجارة والإبراء عن الدين إلى شهر كالطلاق إلا إذا قال: عنيت به التأخير فحينئذ يكون تأخيرا إلى شهر، والإقرار إلى شهر إن صدقه المقر له ثبت الأجل وإن كذبه فالقول قول ويجب حالا ويستحلف في الأجل، إذن العبد في التجارة لا يتوقف ويصير مأذونا مطلقا، والتحكيم والقضاء يقبلان التأقيت انتهي. وسيأتي أن العارية تتوقت وفي (الجوهرة) لو شرط الخيار في البيع إلى الليل أو إلى الغد أو إلى الظهر كان له الخيار وفي الغد كله والليل كله ووقت الظهر كله عند الإمام وقال: الخيار في الليل إلى غروب الشمس، وفي الظهر إلى الزوال وفي الغد إلى طلوع الفجر انتهى، قيد بقوله: إلى ثلاث لأنه لو قال: ما بين واحدة وثلاث وقعت واحدة عند الكل إلا أن يتعارف مع يقع في (الغاية) ولو قال: عشرة فاثنتان عنده وقيل تقع الثلاث بالإجماع. قال في (القنية): وهذا حسن من حيث المعنى، وفيها أنت طالق من ثلاث إلى واحدة يقع ثلاث قال بديع الدين: ينبغي أن يكون هذا بالاتفاق ثم ظهر أنه منصوص عليه في بعض الكتب وإن هذا قولهما وعندهما يقع اثنتان والله الموفق بمنه قال: أنت طالق (واحدة في اثنتين) يقع (واحدة) (وإن لم ينو) شيئا (أو نوى الضرب) أي: ضرب واحدة في اثنتين عالما يعرف الحساب، ولو قال: وإن نوى الضرب يعرف منه أن تقع الواحدة فيما إذا لم ينو شيئا بالأولى وقال زفر: يقع اثنتان فيما إذا نوى الضرب لأن عرفهم فيه تضعيف أحد العددين بقدر الآخر فقوله: واحدة في اثنتين كقوله مرتين ولنا أن عمل الضرب في تكثير الأجزاء لا في زيادة المضروب، إذ لو أفاده لما وجد في الدنيا فقير وتكثير أجزاء الطلقة لا يوجب تعددها كذا قالوا.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وإن نوى واحدة وثنتين فثلاث وثنتين في ثنتين ثنتان وإن نوى الضرب ومن هاهنا إلى الشام واحدة رجعية
_________________
(١) قال في (الفتح): وهذا لا معنى له بعد قولنا أن عرف الحساب في التركيب اللفظي كون أحد العددين مضعفا بعدد الأجزاء والعرف لا يمنع والغرض أنه تكلم بعرفهم وأراداه فصار كما لو أوقع بلغة أخرى فارسية أو غيرها وهو يدريها، وكذا الإلزام بأنه لو كان كذلك لم يبق في الدنيا فقير لأن ضرب درهمه في مائة ألف مثلا إن كان على معنى الإخبار كقوله عندي درهم في مائة فهو كذب، وإن كان على وجه الإنشاء كجعلته في مائة لا يمكن لأنه لا ينجعل بقوله ذلك، وليس الكلام في ذلك وعن هذا اختار قوله في (غاية البيان) أيضا وما أجاب به في (البحر) من أن اللفظ لما لم يكن صالحا لم يعتبر فيه العرف ولا النية كما لو نوى بقوله اسقني الماء الطلاق ممنوع بالفرق البين بينهما. (وإن نوى) بقوله في اثنتين (واحدة واثنتين فثلاث) إن كانت مدخولا بها وإلا فواحدة لأنه نوى ما لا يحتمله كلامه وفيه تشديد على نفسه، وذلك أن الواو للجمع والظرف بمعنى المظرف أما لو نوى معنى لفظة مع وقع الثلاث ولو غير مدخول بها لأن كلمة في تأتي بمعنى مع كما في قوله تعالى: ﴿فادخلي في عبادي﴾ [الفجر: ٣٠] عند بعض أهل التأويل / وهذا لأن أحد العددين لا يصلح ظرفا للآخر وبين الظرف والمظروف معنى المعية فاستعير له كذا في (العناية) لكن لا مانع من حمل الظرفية في الآية على بابها بل هو الظاهر وإليه يرشد قول العلامة: المراد ادخلي في عبادي وقيل: في أجساد عبادي ويؤيد قراءة في عبدي، قال في (الفتح): على أن تأويلها بمعنى مع ينبو عنه وادخلي جنتي فإن دخلها معهم ليس إلا إلى الجنة، فالأوجه أن يستشهد على ذلك بنحو قوله تعالى: ﴿ونتجاوز عن سيآتهم في أصحاب الجنة﴾ [الأحقاف: ١٦] وسكت عما إذا نوى الظرفية لأن حكمه كما إذا لم ينو شيئا، (و) قال: أنت طالق (اثنتين في اثنتين) فالواقع (اثنتان) يعني: إذا لم ينو شيئا أو نوى الضرب أو الظرف، (وإن نوى) معنى الواو أو مع فعلي ما مر. (و) لو قال: أنت طالق (من هنا إلى الشام) بسكون الهمزة تقع (واحدة رجعية) وقال زفر: بائنة لأنه وصفه بالطول وأورد عليه أنه لو وصفه به أو بالعرض صريحا تقع واحدة رجعية عنده وأجيب باحتمال كونه يفرق بين وصفه به صريحا فيوقع به الرجعي وكناية فيوقع به البائن لأن الكناية أقوى من الصريح لكونها دعوى الشيء ببينة، ألا ترى أن قولهم: فلان كثير الرماد أبلغ من جواد، وجوز في (الكافي) أن يكون عنه روايتان.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وبمكة، أو في مكة أو في الدار تنجيز، وإذا دخلت مكة تعليق.
_________________
(١) قال في (العناية): وهذا أقرب قلنا: بل وصفه بالقصر لأنه متى وقع في مكان وقع في كل الأماكن فتخصيصه بالشام تقصير بالنسبة إلى ما وراءه ثم هو لا يحتمل القصر حقيقة فكان قصر حكمه وهو بالرجعي وطوله بالبائن ولأنه لم يصفها بعظم ولا كبر بل مدها إلى مكان وهو لا يحتمله فلم يثبت به زيادة في شدة على أن التمرتاشي يقول: إنما قصد المرأة لا الطلاق ووجهه في (الفتح) بأنه حال ولا يصلح صاحب الحال في التركيب إلا الضمير في طالق حتى لو وصفها بكبر أو عظم أو طول بأن قال: كبيرة أو عظيمة أو طويلة كانت بائنا كما في (المحيط). (و) لو قال: أنت طالق (بمكة أو في مكة أو في الدار) أو في ثوب كذا وعليها غيره أو مريضة أو مصلية أو وأنت مريضة أو في الظل أو في الشمس فهو (تنجيز) لأن الطلاق لا يتصور أن يتعلق بمكان بعينه دون غيره بخلاف الزمان لأن بينه وبين الفعل مناسبة من حيث أنهما لا بقاء لهما ولا كذلك المكان، ولو عنى إذا أنت بمكة أو إذا لبست أو مرضت أو صليت ونحو ذلك صدق ديانة. (و) لو قال: (إذا دخلت مكة) فهو (تعليق) لوجود الشرط وكذا لو قال: في دخولك إياها أو في مرضك أو صلاتك لصحة استعارة الظرف لأداة الشرط المقاربة بين معنى الشرط والظرف من حيث أن المظروف لا يوجد بدون الشرط فيحمل عليه عند تعذر معناه، أعني: الظرف، وفي (المحيط) أنت طالق تطليقة حسنة في دخولك الدار إن رفع حسنة طلقت للحال وإن نصبها تعلقت والفرق أنه على الرفع يكون نعتا للمرأة فكان فاصلا وعلى النصب يكون نعتا للتطليقة فلم يكن فاصلا وفيه أيضا معزيا إلى (الجامع) ولو قال: أنت طالق فيها دخولك الدار طلقت للحال لأنه جعل الطلاق ظرفا للدخول وأنه لا يصلح ظرفا فبقي مرسلا انتهى. إن الضمير حينئذ يرفع للطلقة الواحدة وهو ظاهر في أنه لو قال: فيه فالحكم كذلك بل هو أظهر لرجوع الطلاق وفي (الخانية) لو قال: لدخولك الدار ولحيضك طلقت، ولو بالباء الموحدة لا تطلق حتى تدخلها وتحيض وفي (المحيط) أنت طالق في حيضك وهي حائض لم تطلق حتى تحيض أخرى ولو قال: في حيضة أو في حيضتك فحتى تحيض وتطهر ولو في ثلاثة أيام طلقت للحال لأن الوقت يصلح ظرفا لكونها طالقا ومتى طلقت في وقت طلقت في سائر الأوقات، ولو عنى في مجيء ثلاثة أيام لم تطلق حتى يجيء الثالث لأن المجيء فعل فلم يصلح ظرفا فصار شرطا ولا يحتسب باليوم الذي حلف فيه لأن الشروط تعتبر في المستقبل لا في الماضي جزء منه، ولو قال في مضي يوم طلقت في الغد من مثل تلك الساعة، ولو قال: في مجيء يوم طلقت يطلع الفجر من الغد والله الموفق بمنه وكرمه.
[ ٢ / ٣٣٦ ]