من فاته الحج بفوت الوقوف بعرفة، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل بلا دم، لا فوت لعمرة وهي طواف وسعي، وتصح في السنة،
_________________
(١) باب الفوات لما كان كل من الإحصار والفوات من العوارض إلا أن الإحصار وقع له ﵊ فقدم، ولأنه بالنسبة إلى الفوات بمنزلة المفرد من المركب، وذلك لأن الإحصار إحرام بلا أداء والفوات إحرام وأداء (من فاته الحج) فرضًا كان ولو منذورًا أو تطوعًا صحيحًا كان أو فاسدًا سواء طرأ إفساده أو انعقد فاسدًا، كما إذا أحرم مجامعًا (بفوت) وقت (الوقوف بعرفة) المتقدم (فيحل) من أحرامه (بعمرة) أي: بأفعالها، وفيه إيماء إلى أن ذلك واجب، وبه صرح في (البدائع) وإلى أن إحرام الحج باق وهذا عندهما، وقال الثاني: انقلب إحرامه عمرة بدليل أنه لو أقام محرمًا حتى حج مع الناس من قابل بذلك الإحرام لا يجزئه عن حجته، ولو بقي أصل الإحرام لأجزأه، ولهما أن الإحرام عقد لازم لا يقيل الانفساخ، وفي الانقلاب انفساخ والدليل على عدم انقلابه أن المكي إن فاته الحج يتحلل بالطواف كالآفاقي، ولو انقلب إحرامه إحرام عمرة للزمه الخروج للحل وإن فاته الحج. (و) لو جامع ليس (عليه) قضاء العمرة كذا في (البدائع)، وأنه لو مكث محرمًا حتى دخل أشهر (الحج من قابل) فتحلل بعمل العمرة ثم حج من عامه ذلك لا يكون متمتعًا، ولو انقلب لكان كذا في (المبسوط) وأجاب عما استدل به الثاني بأنه وإن بقي الأصل لكن تعين عليه الخروج بأفعال العمرة فلا يبطل هذا التعيين بتحول السنة، وأثر الخلاف يظهر فيما لو أحرم فائت الحج بأخرى صح عند الإمام ويرفضها لئلا يصير جامعًا بين إحرامي حج وعليه دم وحجتان وعمرة من قابل، وقال الثاني: يمضي فيهما إحرام الأولى وقال محمد: لا يصح إحرامه أصلًا (ولا فوت لعمرة) لأنها غير مؤقتة إجماعًا (وهي) لغة: الزيارة يقال: اعتمر فلان إذا زار وفي (المغرب) أصلها القصد إلى مكان عامر ثم غلب على القصد إلى مكان مخصوص، وعرفًا (طواف وسعي) غير أن ركنها الطواف فقط، وأما السعي فواجب فيها كالحلق ولم يذاكره لأنه مخرج منها، وكذا لم يذكر الإحرام لأنه شرط خارج على ماهيتها (وتصح) العمرة (في) كل (السنة) ولو أتى بالفاء تفريعًا على عدم فوتها لكان أولى، وقد صح أنه
[ ٢ / ١٦٠ ]
وتكره يوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق وهي سنة مؤكدة.
_________________
(١) ﵊ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة وهذا يقتضي أن أفضل أوقاتها أشهر الحج لكن جاء في الصحيح: (عمرة في رمضان تعدل حجة) ومن ثم تردد بعض أهل العلم في أي الوقتين أفضل؟ (وتكره) كراهة تحريم (يوم عرفة/ ويوم النحر وأيام التشريق) لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: حلت العمرة في السنة كلها إلا أربعة أيام يوم عرفة ويوم النحر ويومان بعده) وعن الثاني عدم كراهتها في يوم عرفة قبل الزوال والأظهر من المذهب الإطلاق وفي (الخانية): وتكره العمرة في خمسة أيام لغير القارن انتهى. قال في (البحر): وهو تقييد حسن وينبغي أن يكون راجعًا إلى يوم عرفة لا في الخمسة وأن يلحق المتمتع بالقارن انتهى. وأقول: هذا ظاهر في أنه فهم أن معنى ما في (الخانية) من استثناء القارن أنه لا بد له من العمرة ليبني عليها أفعال الحج ومن ثم خصه بيوم عرفة وهو غفلة عن كلامهم فقد قال في (السراج): تكره العمرة في هذه الأيام أي: يكره إنشاؤها بالإحرام أما إذا أداها بإحرام سابق كما إذا كان قارنًا ففاته الحج وأدى العمرة في هذه الأيام لا يكره، وعلى هذا فالاستثناء الواقع في (الخانية) منقطع ولا اختصاص ليوم عرفة. (وهي) أي: العمرة يعني الإتيان بها مرة في العمر (فسنة مؤكدة) في الصحيح لنص محمد في كتاب الحج على أنها تطوع وقيل: واجبة وفي (حل النوازل): إنه الصحيح قال في (التحفة): والواجب والسنة المؤكدة متقاربان وفي (البدائع) قال أصحابنا: إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا الإطلاق لا ينافي الوجوب ولا ينافيه ما أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة؟ فقال ﵊: (لا وإن تعتمر خير لك) لأن الظاهر أنه عنى بالوجوب هنا الفرض نعم هو حجة على من قال: بأنها فرض كفاية كالموصلي من أصحابنا كما في (الدراية) وسكت المصنف عن سنتها وأدائها اكتفاء بما بينه في الحج لاشتراكهما في ذلك، وقدمنا أن الجماع قبل طواف الأكثر يفسدها وليس لها طواف صدر خلافًا لابن زياد والله والهادي للصواب والرشاد بمنه وكرمه.
[ ٢ / ١٦١ ]