من واقع تجربتي مع تحقيق كتاب النوادر، فيمكنني القول - وهو أمر معلوم - بأن لتحقيق المخطوط الفريد خصوصية عن تحقيق الكتاب متعدد المخطوطات، فإن مهمة المحقق للكتاب ذي المخطوط الفريد أدق وأصعب وقد أوقفتني تلك الرحلة الطيبة على مجموعة من النصائح لا ينبغي لطالب علم أن يغفل عنها عند تعامله مع المخطوط الفريد ومنها:
ينبغي على المحقق قبل شروعه في نسخ الكتاب أن يقرأ النص قراءة إجمالية متأنية يتعرف بها على اللغة العلمية للكتاب ومصطلحه ومنهج صاحبه فيه وأهم مزايا المخطوط وعيوبه، وقد أثمرت القراءة الأولية لمخطوط النوادر عما يلي:
يوجد في الكتاب المخطوط الكثير من الهوامش وباستقراء المخطوط وعباراته، اتضح للعبد الفقير أن كل تلك الهوامش هي من صلب عبارات الكتاب، لا زيادة من الناسخ؛ لهذا قمت بإثباتها في محلها من النص مباشرة
[ ٥٢ ]
دون تنبيه على ورودها بالهامش، إذ لا حاجة لذلك طالما صح أنها جزء من المتن الأصلي، لا إضافة من الناسخ أو تعليق له.
على الرغم من وضوح الخط في كثير من مواطن الكتاب إلا أن كثيرا من ألفاظ الكتاب - أيضا - تحتاج إلى تدقيق حتى تقرأ على نحو صحيح ومفهوم، إما لاحتمال الكلمة أكثر من شكل أو لعدم نقط بعض الحروف.
- من أكبر المشكلات التي يلاقيها الباحث عند التعامل مع المخطوط الفريد، مشكلة ضبط النص وخاصة إذا اعتراه تصحيف أو تحريف، وكان من أكبر الصعوبات في هذا الكتاب أن المخطوطة الوحيدة له احتوت على أكثر من مائة وستين تصحيفا وتحريفا وسقطا، وهو ما أجهدني كثيرا في ضبط النص، بل كان فيه بعض المواطن استغرق ضبطها من العبد الفقير أياما، وكان في الكتاب تحريفات كثيرة متكررة منها مثلا كلمة «ادعى» حرفها الناسخ - بغير قصد إن شاء الله - في عدة مواطن إلى «فالدعا» ومن جملة الأخطاء المكررة - أيضا - أن الناسخ ﵀ لم يكن يجزم الفعل الآتي بعد لم الجازمة إن كان معتل الوسط، كـ لم يفت، ولم يقل، فكان يكتبها لم يفوت ولم يقول، وهذا في كثير من مواطن الكتاب، وقد اجتهدت وسعي في علاج كل هذا وغيره مما هو مبسوط وسيقف عليه القاريء في العمل.
من أهم أدوات تحقيق المخطوط الفقهي الفريد أن يطيل المحقق النظر في كتب الفقه الناقلة عن ذلك المخطوط فهي خير معين في تصحيح النسبة، وفي ضبط النص، وفي فهم مراد الإمام، ومن رام تحقق مخطوط فرد بغر صبر وطول تتبع لكتب المذهب الفقهي المؤلف فيه الكتاب وجرد لها
[ ٥٣ ]
كتابا كتابا في المواطن التي يظن بها النقل عن الكتاب، فهيهات له أن يستوي عمله على عوده أو يضبط نصه أو يقطع بصحة النسبة للمصنف، والاستثناء يثبت الأصل ويوجب العمل والجهد، وقد ساعد هذا الصبر على ضبط نص الكتاب في أكثر من موطن، فقد كنت أقف فيه على ضبط لتصحيف أو كلمة محرفة اعترت النص، من هذا مثلا ما جاء في المخطوط: «وقال أبو يوسف في رجل باع من رجل ثوبا ونقرة فضة بخمسين درهما على أن في النقرة ثلاثين درهما فإذا فيها خمسون درهما قال: يأخذ الثوب، ويقطع له من النقرة وزن ثلاثين درهما. ولو كان مكان النقرة قلب فضة، فإن علم بوزنه قبل أن يفترقا، فالمشتري بالخيار إن شاء أعطاه عشرين درهما أخرى، وصار له القلب كله مع الثوب، وإن [كان] قد افترقا كان شريكه في القلب، فللمشتري ثلاثة أخماسه، وللبائع خمساه».
وقد وقفت على نفس النقل في المحيط البرهاني وفي آخره: «وإن [كانا] قد افترقا كان شريكه في القلب … إلخ» وما جاء في المحيط البرهاني هو الصواب وكلمة كانا اعتراها تحريف واضح فالكلام عن البائع والمشتري، وهما مثنى، وغير هذا الكثير مما سيقف عليه القاريء في العمل.
وإذا كان المخطوط كثير التحريف والتصحيف كالمخطوط الذي بين أيدينا اليوم، فمتى وقف المحقق على نقل من المخطوط فيه زيادة ضبط للعبارة أو الكلمة عن المخطوط فيثبته المحقق؛ لأن علماء المذهب هم أضبط الناس لعبارات أئمتهم وأحرص الناس على دقتها، وهذا ما قررته في أكثر من موطن، فكنت أثبت النص وفق المنقول متى ظهر صوابه في كتب
[ ٥٤ ]
المذهب، وأشير في الهامش للكلمة التي اعتراها التحريف في المخطوط، وأعلل وجه إثباتها من الكتاب الناقل عن الإمام.
من مهمات محقق المخطوط الفريد أن يقوم الباحث بتتبع النقولات عن الإمام صاحب الكتاب الذي ليس له سوى نسخة خطية واحدة في كتب أهل العلم فلعله يجد نقولات أخرى غير مثبتة في النسخة الخطية التي بين يديه فيثبها، فيكون بهذا قد تم له حظه من خدمة الكتاب والوقوف على نصه كاملا، ولا يكتفي بالنسخة التي بين يديه فقط في إثبات النص، ولما أعملت هذا الضابط المهم، وفقني الله ﷾ للوقوف على عدد من النقولات عن الإمام معلى بن منصور في كتب الفقه الحنفي من كتابه النوادر ساقطة من النسخة الخطية التي بين أيدينا، أرفقها بملحق عقب الانتهاء من نص المخطوط، وقد تعلمنا - جميعا - هذا من أساتذة علم التحقيق الكبار، ففي تحقيق العلامة محمود شاكر لطبقات فحول الشعراء صنعة لطيفة ودربة منيفة يعرف أثرها من رام خدمة التراث العربي، فإن الرجل العظيم لما وقعت له مواطن سقط في المخطوط لم يكتف بإثبات ما فيه وكفى، بل تتبع الكتب التي نقلت عنه كالأغاني للأصفهاني وأثبت في الكتاب تلك النقولات، فتم له الكتاب كاملا.
منهج العمل في الكتاب:
١ - قمت بنسخ الكتاب من النسخة الخطية الوحيدة المتوفرة لدينا، وفق قواعد الإملاء الحديث.
٢ - عالجت ما وقفت عليه من تصحيفات وتحريفات في المخطوط - وهي كثيرة جدا للأسف الشديد - ووضعتها بين معقوفين [] فما كان منها
[ ٥٥ ]
جليا اكتفيت بإثباته في المتن والإشارة إلى اللفظة التي اعتراها الخطأ في الهامش، وما كان بحاجة لتعليل ذكرته، وقد يكون في المخطوط سقط في كلمة لا يستقيم المعنى بدونها فأضيفها وأثبتها بين معقوفين أيضا [] وأشير لذلك كله في الهامش، ولعل الناسخ كان أعجميا فأوتي من قبل هذا.
٣ - ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في المخطوط باختصار من كتب التراجم المعتمدة.
٤ - قمت بعزو الأقوال لمظانها في كتب المذهب المعتبرة وفي هذا السياق لا بد أن أشير إلى أنه عند تحقيق كتاب فقهي، فلابد من العزو والتخريج لنصوص الإمام، فلو كان متأخرا يتم العزو للكتاب المتقدمة التي نقل عنها، بحيث يتسنى للباحث الوقوف على الأدلة العلمية والنصوص المتقدمة التي اعتمد عليها في اختياراته، وعند تحقيق كتاب مصدري متقدم فلابد أن يقوم المحقق بتوثيق نصوص كتابه، وعزوها، لكتب الفقه المتأخرة التي نقلت عنه، ليقف الباحث على العملية العلمية التي دارت في ذهن الفقيه، وكيف استعمل النصوص المتقدمة في عملية الاستدلال والنظر، ولهذا الأمر فائدة كبيرة من جانب آخر؛ حيث أن توثيق النقول من الكتب المتأخرة واحد من أدوات التثبت من صحة النص المحقق لصاحبه، وعليه فقد قمت بعملية التخريج على النحو الآتي:
أولا: ما كان فيه نقل صريح عن الإمام في كتب المذهب من كتاب النوادر أثبته بلفظه وموطنه من الكتاب.
ثانيا: ما كان فيه نقل عن الإمام بالمعنى أو من النوادر الأخرى كنوادر
[ ٥٦ ]
ابن سماعة وابن هشام وغيرهما، أثبت ما ورد موافقا لمعناه، تأكيدا لصحة نقل المعلى.
ثالثا: ما لم يكن فيه نقل عن الإمام باللفظ أو بالمعنى عزوته إلى مواطنه من كتب الفقه الحنفي المعتبرة، ليلم القاريء بتعامل فقهاء الحنفية مع المسألة.
رابعا: أكتفي بذكر مصدر أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر في غالب مسائل الكتاب متى كانت الإحالة لكتاب أصلي عليه مدار المذهب، تجنبا للإطالة والتكرار بغير مزيد فائدة، ولا أخالف تلك القاعدة في العزو إلا إن كانت المسألة كثيرة التفصيل تحتاج لأكثر من مصدر، كأن يحتوي مصدر على روايات المذهب في المسألة، ومصدر آخر على الاستدلال بها ولها.
خامسا: لم أتدخل بالتعليق على النص إلا في محل مشكل أو مبهم يحتاج إلى إيضاح؛ حرصا على عدم تشتيت القارئ بين النص الأصلي والتعليقات، فعند تخريج الأعلام اكتفيت بالترجمة لمن قد يخفى خبره على القارئ، فلم أترجم مثلا لعمر بن الخطاب فمن ذا الذي لا يعلم من هو عمر ﵁ وكذا في الألفاظ والغريب فلم أعرف بالمصطلحات المشهورة المعروفة كالطهارة والصوم والصلاة وغيرها، وإنما قمت ببيان الألفاظ التي لا تداول لها - غالبا - إلا في أوساط طلاب العلم المتخصصين كالبز والكارة وغيرها من المصطلحات، وبهذا يتحقق القصد من عملية التحقيق، بإخراج النص كما أراده صاحبه، أو إلى أقرب صورة أرادها وتنويره، بغير إثقال للقارئ بما لا ينضوي عليه نفع.
[ ٥٧ ]
٥ - قمت بترقيم الآيات الواردة في الكتاب، وتخريج الآثار، فإذا كان النص في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت به، ثم السنن الأربعة، ثم باقي كتب السنة مرتبة حسب تواريخ وفيات أصحابها.
٦ - قمت بترقيم لوحات المخطوط في الكتاب وفق القواعد العلمية المقررة، ذاكرا رقم اللوحة مشيرا للجانب الأيمن بـ (أ) وللجانب الأيسر بـ (ب).
٧ - قمت بعمل الفهارس العلمية المعينة على الإفادة من الكتاب على النحو الآتي:
أولا: فهرس الآيات القرآنية.
ثانيا: فهرس الأحاديث النبوية.
ثالثا: فهرس التراجم والأعلام.
رابعا: فهرس الألفاظ والمصطلحات.
خامسا: فهرس البلدان والمدن.
سادسا: فهرس مسائل الفروق الفقهية.
سابعا: فهرس المصادر والمراجع.
ثامنا: فهرس الموضوعات.
ولا يفوتني في هذا المقام ختاما أن أتوجه بالشكر والعرفان للأخ الكريم والباحث النابه الأستاذ/ عمر كامل على جهده الطيبة في مراجعة النص مع أخيه وضبطه، وقد كانت له جهود مشكورة في هذا، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء.
[ ٥٨ ]
وبعد: فهذا كتاب نوادر معلى بن منصور أحد المصادر الأولية للفقه الإسلامي، أقدمه لطلاب العلم والباحثين المعتنين بالفقه الإسلامي، والأمل يحدوني أن أكون قد وفقت في خدمة الكتاب الخدمة اللائقة به، فما كان من توفيق فمن الله الحكيم العليم، ومن كان من خطأ فمن الشيطان ومن نفسي، والحمد لله رب العالمين.
[ ٥٩ ]
[نماذج من المخطوط]
[ ٦١ ]
﷽
وصلى الله على محمد وآله وسلم