المذهب الحنفي: هو عبارة عن آراء الإمام أبي حنيفة وأصحابه المجتهدين في المسائل الاجتهادية الفرعية، وتخريجات كبار العلماء من أتباعهم، بناء على قواعدهم وأصولهم، أو قياسا على مسائلهم وفروعهم (^١).
فقد تكون المذهب الحنفي من مجموع آراء علماء المذهب أبي حنيفة المؤسس وأصحابه القاضي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن هذيل، والحسن بن زياد.
ويؤكد ما سبق من الصبغة الجماعية للمذهب الحنفي العديد من الوقائع التي تبرز هذه الناحية، بالإضافة إلى ما امتازت به الكوفة من رواج العلوم وكثرة العلماء؛ فعن أنس بن سيرين أنه قال: «أتيت الكوفة، فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمائة قد فقهوا» (^٢).
وبهذا يعلم مبلغ أهمية الكوفة في الحديث والفقه والقراءة والعربية، ووجه توارث علومهم جماعة عن جماعة إلى أقدم نبع فياض، وفي هذه البيئة كان المجمع الفقهي الذي يتكون من أربعين عالما يرأسهم أبو حنيفة في تحقيق المسائل، وتدوينها بعد تمحيصها بالدلائل، وكان هذا مما امتازت به الكوفة.
قال ابن أبي العوام: حدثني الطحاوي كتب إلي ابن أبي ثور قال: أخبرني
_________________
(١) المذهب الحنفي، أحمد النقيب، دار الرشد - الرياض (١/¬٣٩).
(٢) انظر: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٤ (٥٦٠).
[ ٩ ]
نوح أبو سفيان قال لي المغيرة بن حمزة: «كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب أربعين رجلا كبراء الكبراء» (^١).
وقال أسد بن الفرات أيضا بهذا السند: قال لي أسد بن عمرو: «كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كتب - أي من قرب - وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام ثم يكتبونها في الديوان» (^٢).
وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي المسائل مسألة مسألة، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده ويناظرهم شهرا، أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها، وهذا يكون أولى وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليه أسكن وبه أطيب، من مذهب من انفرد فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه» (^٣).