مر بنا ما جاء من أقوال علماء الجرح والتعديل في توثيق المعلى وصدقه وعدالته، ومع هذا قال الإمام أحمد فيه هذه القولة، والحقيقة أنه بقليل من التروي وسبر كتب الجرح والتعديل، وتدبر صنيعهم، نجد أنه من المقرر في قواعد علم الجرح والتعديل أن لفظة الكذب قد تطلق ويراد بها الخطأ وقد جاءت بهذا آثار كثيرة عن الصحابة ﵃، وجاء مثله عن عدد كبير من أهل العلم في حق الأئمة فرده النقاد وبينوه.
فمما جاء عن الصحابة في هذا ما أخرجه أبو دواد في سننه عن عبد الله الصنابحي، قال: زعم أبو محمد أن الوتر واجب،
[ ٣٥ ]
فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات افترضهن الله عزوجل، من أحسن وضوء هن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» (^١).
قال الإمام الخطابي معلقا على هذا الأثر: «قوله كذب أبو محمد يريد أخطأ أبو محمد لم يرد به تعمد الكذب الذي هو ضد الصدق لأن الكذب إنما يجري في الأخبار. وأبو محمد هذا إنما افتى فتيا ورأى رأيا فأخطأ فيما افتى به وهو رجل من الأنصار له صحبة والكذب عليه في الأخبار غير جائز والعرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها فتقول كذب سمعي وكذب بصري أي زل ولم يدرك ما رأى وما سمع ولم يحط به قال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط … ملس الظلام من الرطب خيالا
ومن هذا قول النبي ﷺ للرجل الذي وصف له العسل «صدق الله وكذب بطن أخيك». وإنما أنكر عبادة أن يكون الوتر واجبا وجوب فرض كالصلوات الخمس دون أن يكون واجبا في السنة ولذلك استشهد بالصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة» (^٢).
وهذا نص نفيس من الإمام الخطابي في توجيه ما هو من هذا القبيل، ولما فقه علماء الحديث هذه الحقيقة، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، ولا تخفى
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه برقم (٤٢٥) بإسناد صحيح.
(٢) معالم السنن، الخطابي، المطبعة العلمية - حلب، الطبعة: الأولى ١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م (١/ ١٣٥)
[ ٣٦ ]
عليهم لغة العرب، أحسنوا فهم ما جاء عن الأئمة من هذا القبيل ووجهوه وجهته الصحيحة، ونظائر هذا في كتب الرجال كثيرة وتأمل صنيع العلماء في التعامل معها يعلمنا ويفهمنا ويجعلنا نترضى عليهم، فمنها مثلا: ما جاء في ترجمة الإمام محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، حيث أخرج الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد عن يحي بن معين في حقه أنه يكذب فقال: «أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، قال: سمعت الحسين بن فهم، يقول: كنت عند معصب الزبيري فمر بنا يحيى بن معين، فقال له معصب: يا أبا زكريا حدثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا، وذكر حديثا، فقال له يحيى: كذب».
فعقب الخطيب البغدادي على هذه العبارة قائلا: «ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته، ولعل معصبا الزبيري ذكر ليحيى عنه حديثا من المناكير فنسبه إلى الكذب» (^١).
وقال الإمام السمعاني: «حكي أن ابن معين رماه بالكذب. ولعل الناقل عنه غلط أو وهم لأنه من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته» (^٢).
وقال الحافظ الذهبي: «هذه لفظة ظاهرها عائد إلى الشيء المحكي، ويحتمل أن يقصد بها ابن سعد، لكن ثبت أنه صدوق» (^٣).
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الغرب الإسلامي - بيروت (٣/ ٢٢٦)
(٢) انظر: الأنساب، عبد الكريم السمعاني، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد (٧/¬١١)
(٣) انظر: ميزان الاعتدال، الذهبي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان (٣/ ٥٦٠).
[ ٣٧ ]
ومثل هذا ونظائره في كتب أهل العلم كثير جدا (^١)، وما جاء عن الإمام أحمد في حق المعلى لا يعدو هذا في نظر العبد الفقير - والله أعلم - وقد رده الإمام أبو زرعة الرازي فروى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد قوله بإسناده معلقا على كلام الإمام أحمد فيه: «أخبرنا البرقاني، قال: حدثنا يعقوب بن موسى الأردبيلي، قال: حدثنا أحمد بن طاهر بن النجم الميانجي، قال: حدثنا سعيد بن عمرو البرذعي، قال: قال أبو زرعة رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم، يعني: أصحاب الرأي بأهل العلم، وذلك أنه كان طلابة للعلم، ورحل وعني، فتصبر أحمد عن تلك الأحاديث ولم يسمع منه حرفا، وأما علي ابن المديني، وأبو خيثمة، وعامة أصحابنا سمعوا منه، المعلى صدوق» (^٢).
وهو عين ما حققه ورجحه الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال كما في تحرير التقريب: «معلى بن منصور الرازي أبو يعلى، نزيل بغداد: ثقة سني فقيه، طلب للقضاء فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب» (^٣).
فإذا انضم لهذا، ما ذكرناه من أقوال أهل العلم في واتفاقهم على توثيقه وقبول روايته، فإن الذي تطمئن له النفس أن مقصود الإمام أحمد هاهنا، لم يكن الكذب الاصطلاحي، وإنما هو الخطأ، وهذا ينقلنا للوقفة الثانية مع الإمام أحمد ﵁ ومحاولة فقه عبارته.
_________________
(١) للمزيد في المسألة انظر: قرائن ترجيح التعديل والترجيح لعبد العزيز اللحيدان (١٤٤ وما بعدها)، الجرح والتعديل لإبراهيم اللاحم (٤١٠ وما بعدها)
(٢) انظر: تارخ بغداد الخطيب البغدادي، دار الغرب الإسلامي - بيروت (١٥/ ٢٤٦)
(٣) انظر: تحرر تقريب التهذيب الحافظ ابن حجر العسقلاني، طبعة الرسالة (٣/ ٤٠٢).
[ ٣٨ ]