جاء عن الإمام أحمد أن المعلى كان يخطئ في حديثين وثلاثة كل يوم، والحقيقة أن خير وسيلة للتثبت من هذا القول - في ظل توثيق النقاد الحذاق للمعلى - هي سبر مرويات المعلى ومقارنتها بروايات الثقات وذوي الضبط في كتب السنة وهذا أمر تضيق به تلك الدراسة الموجزة ويستحق الإفراد ببحث مطول - وأرجو من الله الكريم الرحيم أن ييسر لي فراغا وأن أكون صاحبه إنه خير مسؤول - غير أن إماما عظيما من أئمة الحديث النقاد قد كفانا مؤونة هذا الأمر وأجاب على الإمام أحمد - وفي جوابه الكفاية إن شاء الله - وهو الإمام أبو أحمد عبد الله بن عدي المتوفى: سنة ٣٦٥ هـ، صاحب الكامل في الضعفاء، وقبل أن أورد قول الإمام ابن عدي، ينبغي الإشارة إلى أن واحدا من أهم خصائص منهج الإمام ابن عدي في كتابه الكامل في الضعفاء هو تتبع مرويات الرجال وجمعها ونقدها ليصل بها إلى صحيح الحكم على مرويات الراوي وهذا أمر لا يطيقه كل ناقد.
ومن تتبع أقوال الإمام في تراجمه للرواة في كتابه لوقف على هذا الأمر منه جليا، فمن هذا مثلا قوله في ترجمة سعيد بن غفير بن كثير: «ولم أجد لسعيد بعد استقصائي على حديثه شيئا مما ينكر عليه أنه أتى بحديث به برأسه إلا حديث مالك، عن عمه أبي سهيل، أو أتى بحديث زاد في إسناده إلا حديث غسل النبي ﷺ في قميص فإن في إسناده زيادة عائشة، وكلا الحديثين يرويهما عنه ابنه عبيد الله، ولعل البلاء من عبيد الله لأني رأيت سعيد بن عفير عن كل
[ ٣٩ ]
من يروي عنهم إذا روى عن ثقة مستقيم صالح» (^١).
وقال في حديث شريك بن عبد الله بن الحارث: «ولشريك حديث كثير من المقطوع والمسند وأصناف، وإنما ذكرت من حديثه وأخباره طرفا وفي بعض ما لم أتكلم على حديثه مما أمليت بعض الإنكار، والغالب على حديثه الصحة والاستواء، والذي يقع في حديثه من النكارة، إنما أتي فيه من سوء حفظه، لا أنه يتعمد في الحديث شيئا مما يستحق أن ينسب فيه إلى شيء من الضعف» (^٢).
وأمثلة هذا عند ابن عدي كثيرة بصورة تقطع بأن هذا منهج مضطرد له (^٣)، وقد كان هذا عين صنيع الإمام ابن عدي حين تعرض للمعلى ﵁ في كتابه الكامل، فقال: «حدثنا علي بن الحسين بن عبد الرحيم، حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو يعلى معلى بن منصور الرازي.
حدثنا محمد بن جعفر بن زد، حدثنا محمد بن يوسف بن الطباع، قال: سألت أحمد بن حنبل عن معلى الرازي فسكت.
قال الشيخ: ولمعلى بن منصور حديث صالح، عن ثقات الناس يرويه عنهم، وقد حدث عنه من المعروفين جماعة وأرجو أنه لا بأس بحديثه، لأني لم أجد في حديثه حديثا منكرا فأذكره» (^٤).
_________________
(١) انظر: الكامل في الضعفاء، ابن عدي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان (٤/ ٤٧٢)
(٢) انظر: الكامل في الضعفاء، ابن عدي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان (٥/¬٣٥)
(٣) ساق تلك الأمثلة وغيرها الدكتور/ رائد محمد عبد العبيدي في ورقته «السبر عند المحدثين دراسة نماذج في كتاب الكامل في الضعفاء لابن عدي»، مجلة الجامعة العراقية، عدد ٢٢، فلتراجع للأهمية.
(٤) انظر: الكامل في الضعفاء، ابن عدي، دار الكتب العلمية - بيروت-لبنان، الطبعة: الأولى،
[ ٤٠ ]
فتأمل قول الإمام ابن عدي: «وأرجو أنه لا بأس بحديثه لأني لم أجد له حديثا منكرا فأذكره»، فهذا نص واضح في تتبع الإمام لمروياته، وأنه في كافة تلك المرويات لم يقف له فيه على حديث منكر، وبهذا لا تصح تلك المقالة في حق ذلك الإمام العظيم.